تبدأ الحداثة من جذر العتاقة الموغل في الحذق والإحكام؟
من العبق المشبع بغبار الحركة وهي تغزو شعاب الذاكرة ومسالكها الألف بحثا
عن الجوهري البحت والخالص؟ من الوقع الضارب في عمق التاريخ وجغرافيته
البعيدة القريبة؟ من السنابك الفاتحة لأقصى تخوم الخيال وحدوده الناضحة
باعتمالات الممكن، الطافحة بفاكهة السنين؟ من الصهيل المشدود إلى فسحة
الأفق، تبعث الأحلام المصبوغة باللون الأبدي لنوستالجية الأشياء وألفتها
الباذخة؛- تنبعث التهاليل الضافية، من كل صوب، ممزوجة برائحة الأرض وعطرها
السحري، دافقة بصرخات الجموح ونواياه الواهبة لرحابة الاكتساح وعنفوانه
الأكيد ؛- تنبعث الزغاريد مرقشة على ألياف القماش حيث اللون لا يراكم
الإبهار فحسب، وإنما يتقدمه نحو بقاع المعنى ليؤسس، جوار جاذبية الحركة،
شعائره وشعريته في آن، تاركا لهشاشة التأويل ومكر العقل هامشا تشذره بلاغة
اليقين.
لدى الفنان التشكيلي الشاب عبد الحميد بنعلي كل لمسة
مكاشفة. وكل مكاشفة ترنيمة حرى تتراقص في فضاء بصري وَثّاب يتغيا تفعيل
السكون المحايث لرعونة المجرى التشكيلي الحاضر وبعث الحركة في لون الزمن
وموتيفاته من جديد، من منطلق البدء ،وفق ما تقتضيه طقوس النشأة والخلق. ولا
غيم هنالك. كل الغيم لذاكرة النسيان والجسد، في إطلاقيته الأولى وارتباطه
بمجد الحركة وتعاليها، يجابه هيولة اللحظة ويحفر في نفورها المتعاقب
وجوديته المحكومة بالثنائيات الأزلية وذيوعها الفادح كما لو كانت الأفراس،
بصهواتها وسروجها السادرة في الفتنة والجمال، وسائط نورانية تسري بمكنون
هذه الرؤيا عبر ممرات المخيلة وسراديبها من سديم الحلم إلى مجرة التوقعات
أين تتشكل خرائط قزحية جديدة وتنهض أقاليم الصورة المفعمة بالحمحمة والصهيل
وتمزقات الصمت على السند الذي كلما ألحت الحركة على مداهمته، بالتواءاتها
العنيفة والطيعة في آن، إلا وتساوق الضوء والظل في طردية آهلة بالحديث
معرضة بذلك عن الاحتفاء بالشكل في طوطميته الفاحشة.
إن هذا الافتتان بالكائن الأسطوري العابر للأزمنة
ومساربها المزروعة بالفخاخ يبرز أيضا ،فيما يناظرنا من آثار، كذريعة
لاستنطاق المادة بغية المزاوجة بين الإستيطيقي والشعري فيها وصولا إلى صهر
التفاصيل المختومة بالرمز في ظل الضوء إمعانا في ترسيخ المحكي التصويري
الإيحائي وتأكيد شموخه النابض بالحركة، بما هي عمده و أبده ،من أجل خلق
مسافة دلالية زاخرة بالبدائل في امتداد رؤياوي استبصاري يتشوف لا لطمس
العقوق الفني التائه في القلب والإبدال، وإنما لإحلال المكون الجمالي محل
الباعث العبثي دونما حاجة إلى تمويه تيماتي يتخذ من التجريد العشوائي مطية
للتوهيم والإيهام، يؤازره في هذا المنزع تحولات قواعد الإمتاع البصري، في
المعيار والتوصيف، غب حصول الإشباع الكمي من موجة تكسير المألوف ومحاولة
تدمير الفن وتخريب مرتكزاته ودعائمه قاطبة كما أدى إلى انقطاع حبل التواصل
بين المبدع ومتلقيه وانتفاء صفة الشراكة بينهما.
من هنا، ومنذ البدء، تنهض المغايرة / الاختلاف - لدى
الفنان الشاب - داخل المشابهة /الائتلاف كديدن لا محيد عنه، ويصبح البحث عن
الفرادة التشكيلية في بعدها الحضاري المحيل على الأصيل هاجسا فنيا وولهـًا
جماليا خارج النسق التذريري السائد. ولـهًا لا بمكن نفيه ولا إرضاؤه بيُسر،
خاصة وهو يشدد على معاودة إحياء الرونق والبهاء وإدغامهما في فضاء مشبع
بالظل والضوء. ولهًا لا يصاهر إلا أناطومية الجسد - متغيِّر الشكل ومهْد
الحركة - ناحتا من امتداده الميثولوجي مساره الخاص المرتبط أساسا بعمق
الخطاب الفني لديه والقاطع باحترام عين المتلقي وذائقته الجمالية دونما
التفات إلى العابر والعارض في تمثلاتهما الوهمية المتناسخة.
ثم إن أفق هذه المغايرة - بحكم التصاقي بالتجربة
ومعايشتي لها - ينتظم ضمن تعالقات دينامية محايثة للبهي المتجدد والجوهري
الذي لا يفتر لمعانه لأنها تروم تحرير مقتعدات الأشكال من إسار الجمود
ومطلق العتمة بالإشتغال على المادة والماهية وتحويل منطوقهما العيني إلى
عتبات يتعانق متخيلها الفني والمعرفي، المتعدد الحضور، في فضاء بويطيقي غني
بالدلالات حيث يتوامل المتلقي ويتواشج، ذهنيا وبصريا، لحظة تماسه بالمرئي
الجمالي المنبجس من تحالف الخطوط وتوليف التشابكات، لونا وضوءا وظلا،
لإنتاج الدلالة الباعثة على التخييل ومن ثمت الوصول إلى حالة الإنتشاء
الروحي التي هي مطلب ملحاح يساحل كل رغبة في الإبصار الفني، ويشاطئها في
القيام والفتور.
كل ما نحتاجه حيال آثار هذا الفنان، ونحن نعاين حركية
الشكل الموعز بها في انبثاقها من المنبع وسريانها المتواتر، لبناء كينونتها
الفنية جنبا إلى جنب مع باقي المكونات الأخرى ،هو التوسل بجماع الحواس في
يقظتها المطلقة وتوفزها النابه للإنصات الواعي إلى همسات فضاء إبداعي يباشر
تفتيق بؤر الضوء من فرح اللون واستحضار صورة الوجدان الجمعي البطولي عبر
استحثاث الذاكرة على ولوج عتبة المتخيل واستقصاء مآل هذه الحركية المرتبطة
به، والمنشدة أبدا إلى البحث في الشكل ونقيضه. فضاء إبداعي يستشف من
استقدامه لتاريخية الحركة وخلوده إلى مستقبلها بوادر عطاء واعد يستعيد من
الغابر أبهته التي تعج بالفتنة والعظمة في تقاطعهما بالجميل المتألق
والباهر.
* أقيم هذا المعرض الفردي الأول بالنادي
البلدي لكرة المضرب / طنجة، أوائل صيف1997.