الأرض



صعبٌ أن تفكر في الموت، سهلٌ أن تموت. 

نصوص    

 

 


الأرض فاكهة الفراغ


 

 
 

 

 

    في متناول الريح    دائما                                                                                     

  إلى أحمد بركات في أرضه القصيدة.

 

لا شيء يبدو أكثر توكيدا من هجعة الموت. ( بَعْد الموت نُولَد، وقَبْله نَمُوت). نَحْنُ موهوبون للعمى الأبدي. مرصودون لبهاء الريح. موعودون بأفق الهزيمة. وما من ضوء يعانق ليلنا الطويل. ما من يد تحملنا إلى ضفاف السهو. كل الزوايا تمجد ترانيم الغبار. كل المرايا تعدد نوايا الهشيم.

نحن عابرو الظلام؛ ودائع الفراغ؛ سلالة الريح؛ كونشيرتو التراب؛ إنزيمات الماء. مسافرون بلا هوادة، نبحث في تجاعيد الزمن عن ومضة الجذور، أو عن موئل نعلق عليه تهاويم جسد لا تهدأ عليه الجراح: جسد يراجع تفاصيل أنثاه ويصوغ إبدالاته تحت قوس المشيئة: جسد تتوضأ بدمه الجهات، وتنآى بعناصره في تضاريس المستحيل.

[ الحرية هي أن نموت بلا أنين. أن نترك الجسد يقطف شموسه في ليل الدهشة وسُدُومه. أن نُوصِد الأبواب في وجه الضجيج ونَقتَعِد شساعة الصمت، ثمّ نُهاجِر عميقاً في ظل النسيان].

نَحْنُ سُقاة العصور؛ حَمَلة الجِينات؛ رُسُل الوهم؛ سِمَة الفقدان؛ فُرْسان الألم. ( الألم لا يُرى. الألم يُعاش). التراب يحيا بنا، والفراغ له في دَمِنا طعم المَجرّات. أحياء ويَنْهشُنا التفسُّخ. في العتمة سنَظلّ نتلمس الجدران ونُراكِمُ على صِرْفة العمر غيْم السنين. الشهوات طريقنا إلى القبر؛ كلّ سهمٍ يُحِيلنا على صُفْرة الموت. وما من طريق تَنْبُذ وساطة الغبار. وما من جوفٍ يخلو من سطوة الريح. ( الريح يَدُ الله). منذورون لشهوة التدمير. الفصول فينا تتوهج رتابتها، ولا ننتهي من سؤال الأزمنة.

نحن سجناء الأمكنة؛ وُصَفاء الأشياء؛ دروع الأرض؛ ماسِكو الهباء؛ أوعية الخطيئة. مطرودون بلا مُسوح ولا أقنعة. من أجْلنا فقط تتباطأ الإكْلِـبْسات في عبورها جهة اليقين، والمجرّات تختصر حضورها اللامرئي في ضِلْع الكائن. تائهون في اختفاء الينابيع وهجرة الظِّلال/ عُشّاق البدايات. الدائرة بنا تَضِيقُ، وبحذافيره يكتسحنا الطُّوفان. هائمون في الملكوت نبحث عن وطنٍ نَتشبّثُ بمِعراجه وأرضٍ عليها نَمُوت.

للريح هذه الفراديسُ

فَلْتَبْدأ بِدَم المريدين؛

ذلك الأحمر القادم بشعاب الأرض.

والأرض لا ظِلَّ لها.

الأرض للمُغْرَمين بشهوة العبور،

والظلّ للشجرات وهي تبرق في سماء أخيرة.

للريح أن تستعيد بَغْتَتها

وتَضْرب بالتيه في جذور الحنين.

أن تَحْمل شظايا القلب

وتَذْروها

على شَعَث الجهات.

( كل الجهات تُعْلِن سَوَاد المشيئة)

فالأرض لا نَظير لِعُزلتها

والقلب ساحة لبهجة الغُبار.

(الغبار الذي يعشق الجماجم

وهي تُسْند شقوقها عليه)

وما من مُعيلٍ يفشي أسرار الوردة

غَيْر دارة الأرض.

فالأرض خفقة الكون

وخطوة في أقاليم الانشداه.

والأرض لَعْثمة التُّراب

وسِجِلٌّ لطوبوغرافية الموت.

(الموت فرَحٌ صامِت).

للريح أن تَمْلأ بالليل صَمْت الثغرات

وتومض في سماء المرارة.

(الليل رَحِمُ الخليقة)

أن تَزْرع الوحشة في الخلايا

وتحتفي بِلَوْن الشتاتِ

فالأرض فاكهة الفراغ

ومَجالٌ لاشتباكات الظَّلام.

والأرض لغة النار

ونِطاقٌ لسيادة الغبار.

(ليس للغبار فضة المرايا.

للغبار عظام الموتى

وهي ترخي أحلامها عليه).

للريح هذه الفراديسُ

فَلْتَبْدأ بِدَم المريدين؛

ذلك الأحمر القادم بشعاب الأرض.

والأرض لا ظِلَّ لها.

الأرض للمُغْرَمين بشهوة العبور،

والظلّ للشجرات وهي تبرق في سماء أخيرة.

 

                                                             البيضاء / نونبر1994

 

 

 

 عودة