في الصباح، الليلُ يخنقني. أَعجزُ عن
تلمُّس فقراتي المعدنية وأنا أَسِيرُ، أَخالُ الشموس قد حَطّتْ على قمة
رأسي والبراكين تسيل مكتسحة عشب أقاليمي. تتحرش بي المنعطفات وأَضيع في
وَعْثاء الطُّرقات.
[ من رماني في صحراء
الصخب كالنرد؟ ]
ملامحي لا تثير الجدوى ونهاري لا يعرف
درب التبانة؛ أنا رماد الاكتساح / ظنين الغواية / ظل الهزيمة، وضراوة
الإقصاء. أتسكع في مدارات النفي وأنتنُ كالماء في حضن الإسمنت/ المستنقع.
[ منذ متى كان الليل
عَدُوّي والعراء جُرْمى؟ ]
أُسلمُ قدمي إلى
عنْف الطريق وأمشي مَريئًا إلى حتفي.
[ في أي الخنادق-
المَدائن يجب أن أنتهي؟ ]
أَمتدُّ بأحاسيسي البدائية في عُذرة
المدينة. أسافر في حدائق النار والحرائق تتبعني، ولا من يمنعني من
الانجراف، ولا من يُسدِّ د الطلقة. لم يَعُد لي متراسٌ أحتمي به من هول
الداخل. في الصَّفَد سأظل مغلولاً.
[ الصَّفَد هو
الإسمنت ، والغلّ الطريق ]
وأ مشي؛
ما من مطر يروي عشب صحرائي. ما من فضاء
يُجاري عيني ويشمل فوانيسي. كل المشاهد مكرورة. كل الوجوه محروثة بالجحيم،
وأنا بالغيم أَتَلَفَّع وبالنار أَبْري صَدأ نحاسي. يُهرِئُني الصباحُ
الليلُ ويُربكني دم الوردة. أَرْفُل في همهمة الصمت وأَتردَّى في تَفَشّي
الخرائب. تجتاحني الحرائق وأمضي جليلأ صوب المهاوي، كأنما جثماني ليس لي
وخياري أن أتوغل في الظلمة.
[ كيف أَخْرُج من
الخريفِ بالصيفِ، ومن النزيفِ بالحَرْفِ؟ ]
ولأنني سَليل الماء / نظير الموج /
مجنون التراب، وعاشق الفضاء، أندفع بجِبِلّتي إلى ذروة حزني وأطمس ما
بداخلي من شقوق. أَغِيرُ على المواجد كلها وأُعدِّد الطعنات، كأنما انكبابي
على الحَجر وَعْدٌ وانسرابي على الإسفلت ميثاق.
[ هل كنتُ جدولاً
حاد عن رافده واندثر؟
هل تماديتُ
في جرْمي حتى داهمني الحجر؟
وهذا
القَصَاص الدموي، لمن سأعزوه؟ ]
كلما وقفتُ على البحر أُحسُّ أنني
أشرفتُ على نهاية العالم. أحس أن البحر هُوّة مفخَّخة ماؤها لابد وأن يكون
دمي يَسُوقني مِطواعًا إليها كي ينبت في أعماقها فرحي:
بهجتي أن اخرج من
جلدي وأعود أدراجي مُيَمِّماً غمّازتيها وأطلق نسوري.
بهجتي أن أشق البحر بجسدي وأرتاد
الأعماق؛ أحضن ينابيعي وأَتقرّى الجذور؛ أتماثل لصمت البراري وأمعن في
الحضور: مفتون بإيماءات الصخور؛ رائحة البحر؛ حِلْف الأعشاب؛ إنشاد الماء؛
وطلاقة الفضاء / مسبوكٌ بنباهة الدّفْلى ؛ شراسة العُلّيق؛ جنوح السَّرْو؛
وعراقة الخلنج.
بهجتي أن تشربني
جبال الريف وعلى صخورها - إذا ما عدتُ - أشمّ رائحة دمي المجفَّف.
لكني مُتورِّط في الجهامة أشربها وأمشي
تتساقط مني أشلائي. أتبع المجرى ولا أعرف المَصبّ. أتَجذّر في النفي وأحتل
مساحة أَذَلّ، كأنني في الشارع ذَرّة رمل؛
[ هُزالى، وتَلعثُمى فى السَّيْر،
وإعراضي عن التصويب، والوردة التي تنتظرني عند المساء، والروح المُودَعة
للحشر، والأجراسُ الألْفُ، والرنين الماثل لبهجة النار، والخفقُ اللاهث
وراء السراب، ، ، لن يُثنيني عن سهوي ].
وأمشي؛
في تَلمُّظي تندحر الغابات. تفُور
الشرايين بقراصنة الوقت. يندلق دم العصفور على الواجهة، والرياح تأتي
مُحمَّلة بلَفْحة الهواجس: أرضٌ نارٌ - أفقٌ دخانٌ – صباحٌ ليلٌ، وأنا في
طلائع الموت أتفَصّدُ عَرَقًا.
[ إلى متى سأظل
أقتفي أثري؟ ]
كيف سأتلقى،
ساهمًا، صفعة الماء ؟ والكأس، في غيبة الإله، لمن ستَكِيل طعنة الخرافة ؟
من همس لي، في أقصى الليل، باسم "أنتيغون"(1)
وبحيرة الدم؟ والفأس التي هوت في الظلمة؟ والغابة في الكتمان؟ وانحلال
العُرَى في ليل العشيرة؟ والانهيار الذي تم في ساحة القلب؟
من رماني في الطريق
الشوكي محفوفًا بالحَجر الصاعق والمعدن الوحشي؟
من ذكّرني بياسمين
الجارة الأندلسية أقطفه من سور حديقتها وأنسج، بيدي الصغيرتين، قلادة لجِيد
أمّي؟
من حجب عني الفضاء الطلق ؟ والقيلولة المجوسية ؟
وأنطونيو(2)
المنبطح دومًا في الظل، عند الجدار الذي غزا
نصفه الرمل؟ والزوارق المستلقية، في خدر، على الشاطئ المنسي؟ ودورة الجبال
التي كم توَّجتْني؟ وخُطاي على الملعب الوهمي؟ وانزلاقي على الكثبان، أول
عهدي بالصحراء؟ ولَهْوي بالموقع العسكري حالتَما يتركه الجنودُ الإسبانُ؟
والنّهرُ الشيخُ إذ يزهو، في فسحة الأماسي، بفضة المرايا؟ والأحراش التي
كانت في تنام عند مدخل الدار؟ والمرُوج الموهوبة للزنابق؟ والفراشات
المفتونة بمنابت الضوء؟ والبحر ذلك الفاتح؛ ذلك الفاتك باسم الخروج.
من ذكّرني بأمشاط الرصاص وهي تُطلّ من
حَبّات الرمل بنحاسها الأسطوري ذي الوميض الخرافي والموت الآخذ في
الاندلاع؟
من ذكّرني بالحرب والجُنْد يفتحون
الجبهة على البحر؟ والقنبلة التي أفرغنا أحشاءها في البهو لتغدو هَوْنًا
لأمّي؟
[ أَكُنّا من زمان
مرصودين للقصف؟ ]
من ذكّرني بالموت؟ والأصدقاء الذين
وَزّعتْهم الهزائم؟ والأسرار التي أَوْدَعها في القلب الصِّحابُ؟ وخجلنا
المفرط ونحن نرسم خرائط المغازلة لمعشوقة يتبارى من أجل بسمتها اللفيف؟
فيضان البحر في الليل الديسمبري واستحمامنا القسري رفقة الألواح الطافية؛
الألواح التي كانت إلى حين سقفًا يظلل هواجس النهار؟،...
[ إلى متى سأظل
أقتفي أثري؟ ]
وأمشي إلى حتفي الدارج صَموتاً ونادر
الحياة؛ لا مَجْد. لا ريح تجاهر بمحنة الدم. لا ريش يداهم برد هذا الصباحِ
الليلِ، ولا فجر يشاطرني قلق هذا المتاه. هو الماء في تَناءٍ يَتثاكَل شجر
الوقت. يَغتال بالأَمَرّين بُرْدة هذا الوطن، وينحاز مُتثاقلاً جهة الموت.
من أين له بمثل هذه
القسوة؟
من أين لي بكل هذا
الطعن؟
[ ويطول غيابي في حضرة الحديد.
كلما صادقْتُه كَرَّر
الطعنة من جديد.
كأنما جِراحى ميراث
وجزائي أن أموت في البعيد
].
لماذا فتحتُ عندما طرق الليل
بابي؟؛
كنتُ
خلْف الليل يغمرني الوضوح والنور يستقلّ رياحي تنام القُبّرات في حضني
والسناجيب ترشقني، لاهيةً، بفستق الضواحي. أُمالِغُ العشب الماورائي كأنني
أمالغ الرؤيا بدبيب المسافات. فاتحًا ذراعي لبهجة الماء وقلبي لضحكة
السواقي. كنتُ رانيًا إلى قُرْمُز الشمس، حَدوباً على عشبة الفردوس والصخر
المبجَّل يَخفُر زمني. العذارى يغتسلن في حوضي ومن مقامي الشفيف أرى الله
وَدودًا وأمتزج بفرحة الطين. وما من خطيئة تُلاحقني في فرحي بقرابة الدّفلى،
وما من زمن يناصِبُني العَدَاء.
لعَلّي كنتُ أمازح النوارس وأنا
أرمي لها بكُنْهي على الشاطئ المنسي.
لعَلّي كنتُ أقرأ سِجِلّي الرملي
وأنا أتوجّس خيفة من دُهْمة الغيم.
لعَلّي كنتُ تحت شجر الحُور
أنتظر الملائكة، والله، والفردوس، وماريا القبطية.
لعَلّي كنتُ أُناصِب البحر فداحة
الجهات.
ثم إني سكنتُ الكهوف الأولى
وصادقتُ أطوار المغارات.
جمعتُ الوَدَع حول ناري وحاثيتُ
الأشجار.
[ كنتُ أَميرَ تَسَكُّعي ]
ولا وازرة تَزرُني حتى أُقصف
بهذا العنف، وتكون ورطتي قاتلة؛
كيف
أخترق الضجيج ويصفعني الجدار. أهدم الجدار ويسجنني الحديد. أقضم الحديد
ويربكني الضجيج. كيف لا قَبْلما ولا بَعْدما. كيف يموت النور في زحمة
الأشياء؟
وأمشي
إلى حتفي السالف خَنوعًا وضامر الحياة؛ لا عشب. لا مرج يذكِّرني برفقة
الزنابق. لا صخر يفاتحني بسيرة الإشراق. ولا بحر يكون لي العتبة.
كنتُ
أبحث عن جذري؛ أتبع المجرى ولا أَعْرف المصبّ. في جمجمتي تتصارع الجهات
وتَنْحلّ في غلالة من ضباب قديم. لا إلْفٌ. لا كهفٌ بسرمده يُفَتّق جدارة
دمي. لا كُنْه يستقطب شعث الجذور. ولا وقت يهيئني للخروج.
هي المدينة نيرٌ ورُزْحي في
استحالة العبور.
البيضاء / شتاء 1993