b13-f7

الفصل السابع:

المجادل في قدرة الله

سورة يس(36)

قال الله تعالى: {وضَرَبَ لنا مَثَلاً ونَسِيَ خلْقَهُ قال من يُحيي العظامَ وهي رميمٌ (78) قل يُحييها الَّذي أنشأها أوَّلَ مرَّةٍ وهو بكلِّ خَلْقٍ عليم(79) الَّذي جعلَ لكم من الشَّجرِ الأخضرِ ناراً فإذا أنتم مِنه تُوقِدُون(80) أَوَليس الَّذي خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ بقادرٍ على أن يخْلُقَ مثلَهُم بلى وهو الخَلاَّقُ العليم(81) إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئاً أن يقولَ له كن فيكون(82) فسبحانَ الَّذي بيدِهِ مَلَكوتُ كلِّ شيءٍ وإليه تُرْجَعون(83)}

ومضات:

ـ يسأل السائل متعجِّباً، كيف يمكن إعادة الحياة إلى العظام البالية، وقد أصبحت رماداً تذروه الرياح؟. ويجيبه الله تعالى الإجابة السهلة المقنعة فيقول: إن الَّذي خلقها من عَدَمٍ، قادر على إعادة خلقها، وهو الخلاَّق العليم.

ـ الآيات الكونية والعلمية والإبداعية، تحيط بالإنسان في كلِّ أموره الحياتية، ولكنَّ الله تعالى يبيِّن له منها بالمقدار الَّذي يمكن لعقله أن يستوعبه، وحسب الإمكانات المتاحة له، فيضرب للنَّاس مثلاً عن إعجازه، والَّذي منه تمكينهم من إيقاد نار من أعواد خُضْرٍ، ذلك المثل الَّذي يرونه يتكرَّر أمام أعينهم مرَّات ومرَّات.

ـ لو رفع المتشكِّكون رؤوسهم إلى السماء وفكَّروا في خلقها، ثم عرجوا بنظراتهم إلى أجواء الأرض الَّتي يعيشون عليها، لأخذوا العبرة ولجرى الجواب في قلوبهم وعلى ألسنتهم بأنْ: نَعَمْ ياالله، إنك لقادر على أن تخلق مثلهم، وهذا لا يعجزك، وقدراتك لا يمكن أن نستوعبها، ولكنَّك بمُجَرَّد المشيئة تخلق، وبمجرَّد الأمر تُكَوِّنُ الأشياء من عدمٍ، وفق نظام بديع متقن، فسبحانك ما قدَّرْناك حقَّ قدرك، بيدك الملك وإليك المصير.

في رحاب الآيات:

يعجز العقل البشري عن تقييم حقيقة قدرة الخالق، ولكِنَّ حُسن متابعته لما خلق، لابُدَّ أن توصله إلى قناعة تامَّة، بوجوده عزَّ وجل وتمام قدرته. والسائل في هذه الآيات إنسان متسلِّط مغرور جاء متحدِّياً لا متحرِّياً، وسَحق بيده عَظْمَةً بالية فجعلها رماداً، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم : من يحيي العظام وهي رميم؟ سؤالَ من يظنُّ غروراً أنه أتى بالقول الفصل وبالحجَّة الدامغة، إذ كيف لِعَظْمٍ أصبح بالياً أن يعود حيّاً؟! وهو محقٌّ لو كان الَّذي سيعيده إنسان مخلوق، لكِنَّ الَّذي يحيي، هو الَّذي بدأ الخلق أوَّل مرَّة، فهو قادر على أن يعيد الخلق كما كان، لذلك جاء الردُّ المنطقي العقلي البسيط بقوله تعالى: {قل يُحييها الَّذي أنشأها أوَّلَ مرَّةٍ وهو بكلِّ خَلْقٍ عليم}. وهكذا يلقِّن الله عزَّ وجل رسوله الكريم، أن يقابل الحجَّة بالحجَّة، وأن يدفع الشُّبَه الَّتي يثيرها أعداء الحقِّ، بالمنطق والبرهان السليم.

وهنا تظهر روعة الإسلام في فتح باب الحوار العقلاني، حتَّى مع أعدائه ومنتقديه، فلم تنزل الآيات لتكيل للسَّائل الشَّتائم، ولا انبرى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لإهانته والشِّجار معه؛ بل اتَّبع أسلوب الدعوة الحكيم، الَّذي يجب أن يتحلَّى به كلُّ مؤمن فاضل، يدعو الناس لما فيه سعادتهم، وإنقاذهم من الجهل والتخلُّف. فقد جاء الجواب غايةً في البساطة، وغاية في الدِّقة ووضوح الحجَّة، فالَّذي قَدَر على الخَلْقِ الأوَّل، قادر على الإعادة. وهل تزيد النطفة حيويَّة أو قدرة، أو قيمة على العظم الرميم المفتوت؟ أَوَ ليس من تلك النطفة المهينة خُلق الإنسان؟ أَوَ ليس الَّذي حوَّل تلك النطفة إنساناً، قادراً على أن يحوِّل العظم الرميم مخلوقاً حيّاً من جديد؟. إن الأمر أيسر وأوضح من أن يثار حوله شكٌّ أو ريبة، فلماذا يتكرَّر الجدل دون جدوى؟؟ إنه الله العليم الَّذي يخلق ويُبدع، فهل يصعب عليه بَعْثُ الأجساد بعد الفناء؟. ويضرب الله مثلاً لهذا الإنسان المغرور، الَّذي تنكَّر لخالقه، واغترَّ بقوَّته، واعتزَّ بسلطانه، هذا المثل موجود في كلِّ بيئة وفي كلِّ زمان، يمرُّ به الإنسان مروراً عابراً، دون طول تفكير، لأنه في حكم المسلَّمات، وهو الشجر الأخضر الريَّان بالماء يصير مُولِّداً للنار أو وقوداً لها، فمن ذا الَّذي أودع الشجرَ خصائصه هذه، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، غير الله؟. غير أننا لا نرى الأشياء بهذه العين المفتوحة ولا نتدبَّرها بذلك الحسِّ الواعي، فلا تكشف لنا عن أسرارها العجيبة، ولا تدلُّنا على مبدع الوجود، ولو فتحنا لها قلوبنا لباحت لنا بأسرارها، ولعشنا معها في عبادة دائمة، وتسبيح مستمرٍّ، لحضرة الله جلَّت قدرته.

ويستطرد القرآن الكريم في عرض دلائل القدرة، وتيسير فهم قضية الخلق وإعادة بعث البشر أجمعين، فالله قد خلق السموات والأرض، ذلك الخلق العجيب، الهائل الدقيق، وليست الأرض الَّتي نعيش عليها، ويشاركنا عليها ملايين الأجناس والأنواع، ثمَّ لا نبلغ نحن شيئاً من حجمها، ولا شيئاً من حقيقتها، ولا نعلم عنها حتَّى اليوم إلا القليل؛ هذه الأرض ليست إلا تابعاً صغيراً للشمس، وأين خَلْقُ الإنسان من ذلك الخَلْقِ العظيم؟ قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمواتِ والأرضِ أكبَرُ من خلْقِ النَّاس ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعْلَمْون} (40 غافر آية 57). إن الله جلَّ وعلا يخلق هذا وذاك، ويخلق غيرهما بلا كُلفة ولا جُهد، ولا يختلف بالنسبة إليه خلق الكبير وخلق الصغير!! فالخلائق كلُّها سواءٌ أمام كلمته كن فيكون، وإن توجُّهَ إرادته لخلق الشيء، كافٍ وحده لوجوده، كائناً ما يكون، وإنما يُقرِّب الله للبشر الأمور ليدركوها بمقياسهم البشري المحدود.

وعند هذا المقطع من السورة يجيء الإيقاع الأخير، الإيقاع المصوِّر لحقيقة العلاقة بين الوجود وخالق الوجود، إنها الملكيَّة المطلقة لله، وعبوديَّة الخلائق جميعها له، وقد استعملت الآية كلمة ـ ملكوت ـ لتضخِّم وتعظِّم حقيقة هذه العلاقة، علاقة الملكية القابضة على زمام كلِّ شيء في هذا الوجود.

ولابُدَّ لنا من تعليق موجز: فالسؤال الإنكاري حول وجود الله وعظمته وقدرته يتكرَّر حتَّى يومنا هذا، ولاشكَّ أن الأجوبة عن هذا السؤال تتطوَّر بتطوُّر العلوم واكتشافاتها، وتقدُّم المعلومات المذهلة الَّتي وصل إليها إنسان هذا القرن، حول الجسم ووظائف الأعصاب وعددها، ومواصفات الدم وحركته، وتنقية الرئتين له من غاز الفحم، والجهاز الهضمي وحركته؛ بدءاً من الفم وانتهاءً بخروج الفضلات، وخلايا الجسد وتكاثرها وموتها، وخلايا الدماغ و...إلخ. ولا تكفينا مجلَّدات ومجلَّدات لشرح عظمة الله عزَّ وجل وقدرته، في الإنسان فقط، فكيف بالأكوان كلِّها؛ وهي تتواصل بإشعاعات تعمل بسرعات رهيبة جداً، وتناسق وتكامل فيما بينها مما يحار له العقل ويستسلم أمامه؟ فلا يملك القلب إلا أن يخفق بكلمة التَّوحيد: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويُميت، بيده الخير، وهو على كلِّ شيء قدير.

ومسك الختام لهذا العمل:

قول الله تعالى:

{دَعْوَاهُم فيها سُبْحَانكَ اللَّهمَّ وتحيَّتُهُم فيها سلامٌ وآخِرُ دَعْوَاهُم أَن الحمدُ لله ربِّ العالمين} (10 يونس آية 10)

 

 

#بعونه تعالى#

«تمَّ الجزء الثاني من الكتاب»