b13-f5

الفصل الخامس:

ليلة القدر

سورة القدر(97)

قال الله تعالى: {إنَّا أنزلناهُ في ليلةِ القدر(1) وما أدراكَ ما ليلةُ القدر(2) ليلةُ القدرِ خيرٌ مِن ألف شهْر(3) تَنَزَّلُ الملائِكةُ والرُّوحُ فيها بإذْنِ ربِّهم من كلِّ أمر(4) سلامٌ هي حتَّى مطلَعِ الفجر(5)}

ومضات:

ـ أنزل الله تعالى قرآنه الكريم بدءاً من ليلة القدر، الليلة المباركة الَّتي تزيد بركتها على بركة ألف شهر.

ـ تتنزَّل الملائكة في تلك الليلة حاملة عطاء الله تعالى بكلِّ ما فيه من الخير والبركة للعباد، يقودها الملاك جبريل عليه السَّلام، ويغمر سلامُها، وأمنُها، ونعيمُها؛ المؤمنين حتَّى طلوع الفجر.

في رحاب الآيات:

ثَمَّة بركات ورحمات، تفضَّل بها الله تعالى على الإنسان، في أماكن معيَّنة وفي أزمان محدَّدة، ومن خلال أشخاص مختارين، يعطي الله بواسطتهم نفحات كريمة. ورمضان نفحة من نفحات الخالق للإنسان، فيه تنسكب العبرات، وتجوع الأجساد، وتتطهَّر القلوب، وتتنزَّل الرحمات والبركات، وفيه تُمنح جوائز الفلاح لمن انتصروا على شهواتهم وغرائزهم، وفيه يتجلَّى نور الله وبهاؤه على قلوب أصفيائه وأوليائه. وفي ليلة من لياليه شُرِّف الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم بحمل الرسالة، وتُوِّج بتاج ربَّاني، حيث بدأ نزول القرآن الكريم، بآيات كريمة مباركة، هي نور وشفاء، ورحمة وبيان، وإرشاد وإنقاذ لبني الإنسان، كي يرجعوا إلى بارئهم منيبين، في تلك الليلة الخالدة المُفعمة بالفرح العظيم، وهذا الحدث العظيم الَّذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشريَّة جميعاً. والقَدْر: قد يعني التقدير والتدبير، وقد يعني القيمة والمقام، وكلاهما يتَّفق مع ذلك الحدث الكوني العظيم، حَدَثِ نزول القرآن والوحي والرسالة. إن هذه الليلة عظيمة، عَظُمَتْ بعظمة القرآن، بما تضمَّنه من عقيدة وتصوُّر، وشريعة وآداب، تشيع السَّلام في الأرض والضمير.

ثمَّ ذكر الله فضلها من ثلاثة أوجه فهي: خير من ألف شهر في الشَّرف والفضل، لما اخْتُصَّت به من قيمة وأهمية، لذلك قالوا: [العمل الصالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر]. وقد روي أن رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح وجاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من ذلك، وتمنَّى رسول الله لأُمَّته فقال: «يا رب جعلتَ أمَّتي أقصر الأمم أعماراً وأقلَّها أعمالاً» (أخرجه مالك في الموطأ عن ابن عباس رضي الله عنه)، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، الَّتي هي خير من ألف شهر جاهد فيها ذلك الرجل. والوجه الثاني: تتنزَّل الملائكة وجبريل عليه السَّلام، إلى الأرض في تلك الليلة، بأمر ربِّهم من أجل كلِّ أمر قدَّره الله وقضاه، من هبات وتجلِّيات تُحيي موات القلوب، وتُنعش الأرواح، وتُنير البصائر، لمن جاهد هواه في الشهر المبارك، وحقَّق القصد من الصَّوم، في عنايته بصحَّته الجسدية والنفسية، وفي رعايته للأرحام والمُعْوَزين. والوجه الثالث: سلامٌ هي حتَّى مطلع الفجر، هي سلام من أوَّل يومها إلى طلوع الفجر، تُسلِّم فيها الملائكة على المؤمنين، ويقدِّر الله فيها الخير والسَّلامة لبني الإنسان. أخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كوكبة من الملائكة يصلُّون ويسلِّمون على كلِّ عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى، فإذا كان يوم عيدهم باهى بهم الملائكة فقال: ياملائكتي ما جزاء أجير وفَّى عمله؟ قالوا: ربَّنا جزاؤه أن يؤتى أجره، قال: ياملائكتي! عبيدي وإمائي قَضَوْا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يعُجُّون إليَّ بالدُّعاء، وعزَّتي وجلالي، وكرمي وعُلُوِّي، وارتفاع مكاني لأجيبنَّهم، فيقول: ارجعوا فقد غفرتُ لكم، وبدَّلت سيئاتكم حسنات، فيرجعون مغفوراً لهم». أمَّا عن تحديد تلك الليلة فقد أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا ليلة القدر أول ليلة من رمضان، وفي تسعة، وفي إحدى عشرة، وفي إحدى وعشرين، وفي آخر ليلة من رمضان». وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين»، وعلى كلِّ حال فهي ليلة من ليالي رمضان المبارك.