b12-f2

الفصل الثاني:

يوم القيامة

سورة سبأ(34)

قال الله تعالى: {وقال الَّذين كَفَروا لا تأتِينا السَّاعةُ قُلْ بلى وربَّي لتأتِيَنَّكُم عالِمِ الغَيبِ لا يَعْزُبُ عنه مِثقالُ ذرَّة في السَّمواتِ ولا في الأرضِ ولا أصغرُ مِنْ ذلك ولا أكبرُ إلاَّ في كتابٍ مُبين(3)}

ومضات:

ـ تضمُّ هذه الآية الكريمة كلمات قليلة، وشواهد علمية كثيرة لم تكن معروفة من قريب ولا بعيد وقت نزول القرآن الكريم وهي:

أ ـ حتمية اندثار الحياة عن وجه الأرض، وهذا أمر مؤكد يتنبَّأ به العلم الحديث ويُقِرُّه.

ب ـ وجود الذرَّة وانشطارها وانتشارها في السموات والأرض، وهذا حدث علمي هائل اكتُشِفَ منذ عدة عقود من الزمن فقط، بينما ظهرت فكرته جليَّة في هذه الآية.

ج ـ تطوُّر أجهزة التصوير الحديثة، واحتفاظ الكمبيوتر بالمعلومات الضخمة، يعطينا تصوُّراً أوضح للكتاب المبين، الَّذي يحصي ويحفظ المعلومات مهما صغر شأنها ودقَّ حجمها.

في رحاب الآيات:

الساعة هي ميقات دمار الأرض حين تختلُّ أنظمتها وقوانينها الكونية، والإنسان بسوء إدراكه وخاطئ تصرُّفه يسيء استعمال هذه الأنظمة والقوانين، فيساهم في تعريض الأرض للفناء ويعمل على دمارها، لا سيَّما بعد اكتشافه للذرَّة وانشطارها، ذلك الاكتشاف الَّذي قد يكون سبباً لقيام حرب نووية، تحمل معها النذير بنهاية الحياة على هذه الأرض. ومن الغريب أن يُنكر الإنسان قيام الساعة بعد أن عرف الذرَّة وأسرارها وانشطارها، واخترع القنابل الذرِّية والهيدروجينية، الَّتي يكفي بعضها لتدمير الأرض وقلب موازينها، فإذا كان الإنسان الضعيف قد استطاع اختراع ذلك، فهل الله عاجز عن تغيير موازين الكون وهو الَّذي خلقه؟.

إن إنكار الَّذين كفروا لحياة الآخرة ناشئ عن ضعف إدراكهم لحكمة الله وتقديره، فحكمة الله لا تترك النَّاس سُدى، يُحسن منهم من يُحسن، ويُسيء منهم من يسيء، ثمَّ لا يَلقى المحسن ثواب إحسانه، ولا يَلقى المسيء جزاء إساءته؛ فالله عزَّ وجل هو الحَكَم العدل، حرَّم على نفسه الظلم وجعله بين عباده محرَّماً. فكيف يعتقد أولئك الجاهلون أنهم لن يُبعثوا ولن يُسألوا عما فعلوا، وكيف يزعم آخرون منهم أنهم سيدخلون الجنَّة ويكونون في درجة سواءٍ مع المؤمنين المحسنين؟. إن القرآن الكريم يدحض زعمهم، ويوقظ عقولهم لتستوعب الحقائق وتدرك الأمور بالميزان العادل، والمنطق السليم، فيقول الله تعالى عنهم: {أم حَسِبَ الَّذين اجْتَرَحوا السَّيِّئات أن نجعلَهُم كالَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ سواءً مَحياهُمْ ومماتُهُم ساءَ ما يحْكُمون} (45 الجاثية آية 21). وقد أخبر الله على لسان رسوله، أنه يؤخِّر الجزاء كلَّه أو بعضه للآخرة، فكلُّ من يدرك حكمة الله في خلقه، يدرك أن الآخرة ضروريَّة لتحقيق وعد الله وعدله، ولكنَّ الَّذين كفروا محجوبون عن تلك الحكمة، ومن ثمَّ يقولون قولتهم هذه: {لا تأتينا السَّاعة} فيردُّ عليهم القرآن الكريم مؤكِّداً جازماً: {قل بلى وربِّي لتأتِيَنَّكم} ثمَّ يأتيهم بالأدلَّة، ويقيم عليهم الحجج الَّتي تدحض شكوكهم وتكذيبهم، وذلك في كثير من الآيات الَّتي كان منها قول الله تعالى: {ياأيُّها النَّاس إن كُنتم في رَيْبٍ من البعْثِ فإنَّا خلقناكم من تُرابٍ ثمَّ من نُطفةٍ ثمَّ من علَقَةٍ ثمَّ من مُضغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغيرِ مُخَلَّقَةٍ لنُبَيِّنَ لكم ونُقرُّ في الأرحامِ ما نشاءُ إلى أجلٍ مسمَّى ثمَّ نُخْرِجُكم طِفْلاً ثمَّ لتبْلُغوا أَشُدَّكُم ومنكم من يُتَوَفَّى ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذلِ العُمُرِ لكيلا يعْلَمَ من بعدِ عِلمٍ شيئاً وترى الأرضَ هامِـدةً فـإذا أَنْـزلنـا عليهـا الماءَ اهتزَّتْ ورَبَتْ وأنبَتتْ من كلِّ زوجٍ بهيج} (22 الحج آية 5). وقوله أيضاً: {وهـو الَّـذي يَبْدَؤُ الخـلقَ ثمَّ يُعِيدُهُ وهو أهوَنُ عليه..} (30 الروم آية 27).

وهكذا نجد أن القرآن الكريم يحاجج منكري البعث بالحكمة والمنطق قائلاً: أيُّها النَّاس إن كنتم تشكُّون في إعادة الحياة بعد الموت فتدبَّروا كيف تنشأ الحياة، وانظروا في أنفسكم، وفي الأرض من حولكم، حيث تنطق لكم الدلائل بأن الأمر ميسور، ولكنَّكم تمرُّون عليها في أنفسكم وفي الأرض غافلين. فالبعث هو إعادة لحياة كانت، فهو في تقدير البشر أيسر من إنشاء الحياة أوَّل مرة، فلماذا ينكره المنكرون وقدرة الله تعالى الَّتي أنشأت أوَّل مرة، قادرة على أن تعيد النشأة، وهو القادر على كلِّ شيء، {إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئاً أن يقولَ له كُن فيكون} (36 يس آية 82). ولكنَّ القرآن يأخذ البشر بمقاييسهم، ومنطقهم وإدراكهم، فيوجِّه قلوبهم إلى تدبُّر ما يستطيعون شهوده، مما يقع أمامهم في كلِّ لحظة، ويمرُّ بهم في كلِّ يوم، وهو من الخوارق فلو تدبَّروه بالعين البصيرة، والقلب الواعي، والحسِّ المدرك، لأدركوا قدرة الله، ولكنَّهم يمرُّون به أو يمرُّ بهم دون وعي ولا انتباه.

وتأتي الحجَّة الثانية على إمكان البعث، وهي الأرض، حيث ترونها أيُّها الجاحدون يابسة ميتة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها الماء تحرَّكت بالنبات وأعطت، وبُعِثَتْ من بعد موتها، وأخرجت من كلِّ صنف عجيب ما يسرُّ الناظر ببهائه ورونقه. فالآية عبَّرت عن الأرض اليابسة بأنها هامدة، والهمود كالسُّبات، درجة بين الحياة والموت.

هكذا تكون الأرض قبل الماء، وهو العنصر الأصيل في الحياة والأحياء، فإذا نزل عليها تحرَّكت حركة عجيبة، سجَّلها القرآن قبل أن تسجِّلها الملاحظة العلمية بمئات الأعوام، فالتربة الجافَّة تتحرَّك حركة اهتزازية وهي تتشرَّب الماء وتنتفخ، فتربو ثمَّ تنفرج بالحياة عن النبات من كلِّ زوج بهيج، وكذلك هو إحياء الإنسان بعد الموت يوم القيامة.

فالنَّاس لا يعلمون الغيب ومع ذلك يفترون على الله، ويجزمون بما لا علم لهم به، والله الَّذي يؤكِّد مجيء الساعة هو {عالِمِ الغيب} فقوله الحقُّ عن علم بما سيحدث وعن يقين. والله سبحانه وتعالى يصف نفسه ويصف علمه بما يعلم من الأوصاف الَّتي لا تخطر للبشر، وبذلك يُوجِّه تصوُّر المسلمين فيعرفونه بصفاته في حدود طاقتهم البشرية المحدودة. ومن صفات الله تعالى، أنه كامل العلم، عظيم الإحاطة بالموجودات، وهذا يؤكِّد إمكان البعث، ويدلُّ على أن وقت قيام الساعة لا يعلمه سوى علاَّم الغيوب، الَّذي لا يغيب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض من ذرَّة فما دونها أو فوقها.

ويستوقفنا هنا قوله تعالى: {مثقال ذرَّة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك} فقد كانت الذرَّة تُعرف بأنها أصغر الأجسام، ولكن بعد تحطيمها عرف البشر أن هناك ما هو أصغر من الذرَّة، وهي جزئياتها الَّتي لم تكن في حسبان أحد، فتبارك الله الَّذي يعلِّم عباده ما يشاء من أسرار صنعته، ومن أسرار خلقه عندما يشاء!! فهو يعلم من أين جاءت الذرَّة وأين ذهبت، فكلُّ ذلك محفوظ في كتاب مبين. فالعظام وإن تلاشت، واللحوم وإن تمزَّقت وتَلِفَت، فهو العالِمُ أين ذهبت، وكيف تفرَّقت، فيعيدها كما بدأها أوَّل مرَّة، وهو بكلِّ شيء عليم. قال الله تعالى: {أَوَ لَمْ يرَ الإنسانُ أنَّا خلقناهُ مِن نُطفةٍ فإذا هو خَصيمٌ مُبينٌ * وضربَ لنا مثلاً ونَسيَ خَلْقَهُ قال مَن يحيي العظام وهي رَميمٌ * قل يُحييها الَّذي أنشأها أولَ مرَّةٍ وهو بكلِّ خلقٍ عليمٌ * الَّـذي جعـل لكم من الشَّـجرِ الأخضرِ ناراً فإذا أنتم منه تُوقِدونَ * أو ليس الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ بقادرٍ على أن يَخلُقَ مِثلَهم بلى وهو الخلاَّقُ العليمُ * إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئاً أن يقولَ لهُ كن فيكونُ * فَسُبحانَ الَّذي بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيءٍ وإليهِ تُرجَعونَ} (36 يس آية 77ـ83). وسنشرح المزيد عن هذه الآيات في آخر فصل من هذا الكتاب بإذن الله.

سورة الحج(22)

قال الله تعالى: {ياأيُّها النَّاس اتَّقوا ربَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعةِ شيءٌ عظيم(1) يومَ ترونَها تَذْهَلُ كلُّ مُرْضِعَةٍ عمَّا أرضعتْ وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وترى النَّاس سُكارى وما هُم بسُكارى ولكنَّ عذابَ الله شديد(2)}

ومضات:

ـ إنذارٌ رهيب يوجِّهه الله تبارك وتعالى للناس جميعاً، لكي يحاذروا وينتبهوا في تصرفاتهم وأعمالهم فيتَّقوا الله فيها، لأنهم سيواجهون يوم الزلزلة، حيث ترجف الأرض بمن عليها، فتنخلع القلوب فزعاً ورعباً، فينفصل الرُّضَّع عن صدور المرضعات الذاهلات ولم يأنِ بعدُ أوان الفطام، وتخرج الأجِنَّة من بطون الأمهات ولم يبلغ الحمل التمام، ويفقد النَّاس صوابهم ولا يملكون شيئاً من أمر أنفسهم، وكأنهم سكارى قد دارت الخمرة برؤوسهم، فشغلت ساحة وعيهم وتفكيرهم، فلكلِّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه عن الالتفات لغيره. إنه هول المشهد، ورهبة الموقف الَّذي ستنهال فيه سياط العذاب الإلهي، على من استهتروا بلقاء ذلك اليوم ولم يستعدُّوا له بالتَّقوى والعمل الصالح.

في رحاب الآيات:

أمام الكثير من النكبات نرى النَّاس يصابون بالهذيان، ويكلِّمون أنفسهم من هول الصدمة، وكأنهم سكارى؛ فما بالك بمواقف القيامة وهي أشدُّ هولاً ورعباً؟.

مَطْلَعٌ عنيف رهيب، ومشهد ترتجف لهوله القلوب، يبدأ بالنداء الشامل للناس جميعاً، ثمَّ يأخذ بالتفصيل، فإذا هو أشدُّ رهبة من التهويل. مشهد حافل بمرضعة ذاهلة عمَّن أرضعت، تنظر ولا ترى، وتتحرَّك ولا تعي، وحامل تُسقط حملها للرعب الَّذي ينتابها، فأي موقف هذا الَّذي يسلب الأم عاطفتها نحو رضيعها فتذهل عنه، وأي خوف هذا الَّذي يجعل الحامل تسقط حملها؟. إنها صورة منتقاة بدقَّة، تمثِّل العطف والحنان وهو يذوب ويتلاشى أمام هول يوم القيامة، حيث تنهار أقدس العواطف البشرية وأقواها أمام أمواج الذعر والهلع، وينخلع الإنسان عن عقله وتفكيره مذهولاً مخبولاً. إنه حساب الله قد حانت ساعته، فالنَّاس سكارى وما هم بسكارى، يتبدَّى السُّكْر في نظراتهم الذاهلة، وفي خطواتهم المترنِّحة، دون أن يشربوا الخمر. إنه مشهد مزدحم بذاك الحشد المتماوج، تكاد العين تبصره لحظة التلاوة، بينما الخيال يتملاَّه، ولا يكاد يبلغ أقصاه، وهو هَوْلٌ لا يقاس بالحجم والضخامة، ولكن يقاس بوقعه في النفوس الآدمية، في المرضعات الذاهلات، والحوامل المـُلْقيات، وبالنَّاس السكارى لأن عذاب الله شديد.

فأين يكمن الرعب؟ هل هو في اشتعال البحار، أم في زوال الجبال، أم في تفجُّر الكواكب وتناثرها؟ كلُّ هذا يُشعر بالرعب والهلع، ولكنَّ الرعب الأكبر يتجلَّى في زلزلة الأرض، الَّتي تحدث حين قيام الساعة، فهو أمر هائل، وخطر عظيم، لا يقدِّره حقَّ قدره إلا موجده كما قال تعـالى: {وحُملَـتِ الأرضُ والجبـالُ فـدُكَّتـا دَكَّـةً واحدة * فيومئذٍ وقعتِ الواقعة} (69 الحاقة آية 14ـ15) فإذا كانت الزلزلة وحدها لا تُحتمل، فما بالك بما يحدث في ذلك اليوم، من الحشر والجزاء والحساب على الأعمال، لدى من لا يغيب عنه مثقال ذرَّة في الأرض ولا في السماء؟. ولكن هذا كلَّه لا يرعب المؤمن المطمئنَّ بالإيمان، لأن الله يلقي في قلبه السكينة، ولا يدعه يحزن أو يخاف، قال تعالى: {بلى من أسْلَمَ وجههُ لله وهو محسِنٌ فلهُ أجرُهُ عند ربِّه ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} (2 البقرة آية 112). وإنما يهلع ويخاف من جاء بجعبَةٍ فارغة من العمل الصالح، وقلب خاوٍ صدئ غافل عن الله، فنبَّهته أحداث تلك الساعة، فإذا هو كريشة في مهب الريح، يعصف بقلبه الخوف مما جنته يداه.

سورة الزلزلة(99)

قال الله تعالى: {إذا زُلْزِلَتِ الأرضُ زِلْزالَها(1) وأَخرجتِ الأرضُ أثقالها(2) وقال الإنسانُ مالها(3) يومئذٍ تُحدِّثُ أخبارَها(4) بأنَّ ربَّك أوحى لها(5) يومئذٍ يَصْدُرُ النَّاس أشتاتاً ليُرَوْا أعمالَهم(6) فمن يعملْ مثقالَ ذرَّة خيراً يَرَهُ(7) ومن يعمل مثقالَ ذرَّة شرّاً يَرَهُ(8)}

ومضات:

ـ في اللحظة المقدَّرة لانتهاء الحياة الدنيوية، يأذن الله تعالى للأرض أن تُزَلزل، حتَّى يتفجَّر ما في باطنها ويتبعثر، إيذاناً ببدء حياة جديدة في العالم الأخروي، ليست الأرض مَحلاً لها، بل هي الجنَّة أو النَّار، وحسبُ الإنسان هولاً وفزَعاً، أن يرى ذلك المشهد، ليذهل عن كلِّ ما سواه في ذلك الموقف العصيب.

ـ في ذلك اليوم يُحاسَب كلُّ امرئ على عمله، فمن عمل ولو بمقدار مثقال ذرَّة من خير يثاب عليه، ومن عمل بقدر مثقال ذرَّة من شرٍّ يُحاسَب عليه.

في رحاب الآيات:

يفيد العلماء المتخصِّصون بدراسة شؤون الأرض بأن لهذا الكوكب عمراً جيولوجياً لابُدَّ أن ينقضي، فإذا آن أوانه تلاشى واندثر، وهذا ما يؤيِّده كتاب الله الخالد القرآن الكريم حيث يقول تعالى: {كلاَّ إذا دُكَّتِ الأرضُ دكّاً دكّاً} (89 الفجر آية 21) أي فُتِّتت تفتيتاً متتابعاً حتَّى تصير هباءً منثوراً، ويسبق ذلك زلازل شديدة لم يسبق لها مثيل، قال تعالى: {إذا زُلْزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالَها} وقال تعالى: {ويسألونَكَ عن الجبالِ فقلْ يَنسِفُها ربِّي نسفاً * فيذرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمْتا} (20 طه آية 105ـ107) أي تصبح الجبال والوديان أرضاً مستوية لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، يرافق ذلك اشتعال البحار وتحوُّلها إلى كتلة رهيبة من اللهب، قال تعالى: {وإذا البحارُ سُجِّرَت} (81 التكوير آية 6) أي أوقدت حتَّى صارت ناراً مضطرمة، ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ، بل إن المجموعة الشمسية كلَّها سينتهي دورها، فالشمس ستخمد نارها ويخبو أوارها، والنجوم ستنفجر وتتناثر، قال تعالى: {إذا الشَّمسُ كُوِّرت * وإذا النُّجومُ انكدرت * وإذا الجبالُ سُيِّرت} (81 التكوير آية 1ـ3). ويتابع كتاب الله راسماً صورةً لانتهاء الحياة على هذا الكوكب، فيقول تعالى: {إذا السَّماءُ انشَقَّت * وأذِنَت لربِّها وحُقَّت * وإذا الأرضُ مُدَّت * وألْقَت ما فيها وتَخلَّت} (84 الانشقاق آية 1ـ4) ففي يوم القيامة تنشقُّ السماء مطيعة أمر ربِّها بالانشقاق، وتُبْسَطُ الأرض بحيث لا يبقى على وجهها ارتفاع ولا انخفاض، وتلقي ما في بطنها من الأموات وتتخلَّى عنهم؛ وقد ضمَّتهم بين حناياها من التاريخ السحيق عبر السنين ما عرف الإنسان وما لم يعرف، وقد كان أصحابها شـيئاً ما في يوم من الأيام. إنه مشهد يهزُّ الأرض تحت أقدام الغافلين، حتَّى ليُخيَّل إليهم أنهم يترنَّحون ويتأرجحون والأرض من تحتهم تهتزُّ وتمور. وفي غمرة هذا الانفجار الهائل لعالَمِنا الَّذي نعيش فيه وما حوله، يقف الإنسان مذهولاً، وكأنه قد شارك بنفسه في التعجيل بذلك اليوم؛ فلا هو احترم قوانين الله في هذا العالم وتوازنها، ولا هو تحلَّى بمكارم الأخلاق ولطائفها، فيسأل سؤال المشدوه المبهوت، الَّذي يرى مالم يُعهد، ويواجه ما يعجز عقل الجاهل عن إدراكه، ويشهد ما لا يملك الثبات أمامه فيتساءل بذهول: مالها؟ ما الَّذي يزلزلها ويرجُّها رجّاً، وكلُّ ما فيها يمور موراً شديداً؟. ويأتيه الجواب من خالق هذا الكون مبيِّناً القدرة الَّتي تقف وراء ما حدث، إنها قدرة الله المتمثِّلة بالنفخ في الصور حيث قال تعالى: {وما قَدَروا الله حقَّ قَدْرِهِ والأرضُ جميعاً قَبضَتُهُ يومَ القيامةِ والسَّمواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمينهِ سبحانه وتعالى عمَّا يُشرِكون * ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّمواتِ ومن في الأرضِ إلاَّ من شاءَ الله ثمَّ نُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قِيامٌ يَنظرون} (39 الزمر آية 67ـ68).

والإنسان قد شهد الزلازل من قبل، وكان يُصاب بالهلع، ولكنَّه حين يرى زلزال يوم القيامة لا يجد تشابهاً بينه وبين ما كان يقع من الزلازل في الحياة الدُّنيا، فهذا أمر جديد لا عهد له به، أمر لا يعرف له سراً ولا يذكر له نظيراً، أمر هائل يقع للمرَّة الأولى. ويوم يقع هذا الزلزال، تتحدَّث الأرض، وتُخبر بما عُمل عليها من خير أو شرٍّ، وتشهد على كلِّ إنسان بما صنع على ظهرها، وأنها فعلت ما فعلت بأمر ربِّها ووحيه، وقد أطاعت أمره. أخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يومئذٍ تُحَدِّثُ أخبارَها} وقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كلِّ عبد وأَمَةٍ بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها». وأخرج عبد بن حميد عن الحكم رضي الله عنه قال: (رأيت أبا أُميَّة صلَّى في المسجد الحرام الصَّلاة المكتوبة، ثمَّ تقدَّم فجعل يصلِّي هَهُنا وهَهُنا، فلما فرغ قلت له: ما هذا الَّذي رأيتك تصنع؟ قال: قرأت هذه الآية {يومئذٍ تُحَدِّثُ أخبارَها} فأردت أن تشهد لي يوم القيامة).

ثم يتبع الزلزال قيام النَّاس من القبور: {يومئذٍ يَصْدُرُ النَّاس أشتاتاً} فنرى مشهدهم أنواعاً وأصنافاً وفرقاً منبعثة من أرجاء الأرض: {خُشَّعاً أَبصارُهُم يخرجون مِن الأجداثِ كأنَّهم جرَادٌ منتشر} (54 القمر آية 7) وهو مشهد لا عهد للإنسان به من قبل، مشهد الخلائق في أجيالها جميعاً تنبعث من هنا وهناك، ممدودة رقابهم، شاخصة أبصارهم، إنه مشهد لا تعبِّر عن صفته لغة البشر. فهاهم أولاء ذاهبون إلى حيث تُعرض عليهم أعمالهم، ليواجهوها ويواجهوا جزاءها، يسيرون إلى ساحة العدل الإلهي، فبعضهم يستخفُّهم السرور فيتسارعون إلى لقاء ربِّهم بسبب أعمالهم الخيِّرة، وبعضهم يتثاقلون إلى الأرض يحملون عبء أوزارهم وذنوبهم الَّتي تكاد أن تسحقهم، ويجرُّون أذيال الخيبة والندم في الطريق إلى المحاكمة الربانيَّة، حيث لا يغرب عن ربِّك مثقال ذرَّة مما عملوا. ونتوقَّف قليلاً عند لفظة {ذرَّة} حيث كان المفسِّرون القدامى يقولون إنها الهباءة، الَّتي تُرى في ضوء الشمس، فقد كان هذا أصغر ما يتصوَّرون من لفظ الذرَّة، ونحن الآن نعلم أن الذرَّة شيء محدَّد يحمل هذا الاسم، وأنه أصغر بكثير من تلك الهباءة الَّتي ترى بالعين المجردة، فهذه أو ما يشبهها من المثاقيل من خير أو شرٍّ، تُحضر ويراها صاحبها، ويجد جزاءها. فلا يحقرنَّ الإنسان شيئاً من عمله، خيراً كان أو شراً، ولا يقولنَّ هذه صغيرة لا حساب عليها ولا وزن لها، إنما يرتعش وجدانه، أمام كلِّ عمل من أعماله، ارتعاشة ذلك الميزان الدقيق الَّذي ترجح به الذرَّة نحو كفَّة الحسنات أو السيئات.

أخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصدِّيق إذ نزلت عليه هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرَّة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرَّة شراً يره} فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عن الطعام ثمَّ قال: من عمل منكم خيراً فجزاؤه في الآخرة، ومن عمل منكم شراً يراه في الدُّنيا مصيبات وأمراضاً، ومن يكن فيه مثقال ذرَّة من خير دخل الجنَّة». وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرة» ثمَّ قرأت {فمن يعمل مثقال ذرَّة خيراً يره}. فميزان الله ليس له نظير في الأرض، إلا في القلب المؤمن الَّذي يرتعش لمثقال ذرَّة من خير أو شر، وفي الأرض قلوب لا تتحرَّك للجبل من الذنوب والمعاصي، ولا تتأثَّر وهي تسحق رواسي من الخير دونها رواسي الجبال، إنها قلوب عُتُلَّة في الأرض، مسحوقة تحت أثقالها في يوم الحساب. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لما أنزلت هذه الآية {فمن يعمَلْ مثقالَ ذرَّة خيراً يَرَهُ * ومن يعملْ مثقالَ ذرَّة شرّاً يَرَهُ} قلت: يارسول الله إني لراء عملي؟ قال: نعم، قلت تلك الكبار الكبار، قال: نعم، قلت الصغار الصغار، قال: نعم، قلت وا ثُكْلَ أمي! قال: أبشر ياأبا سعيد فإن الحسنة بعشرة أمثالها يعني إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء، والسيئة بمثلها أو يعفو الله، ولن ينجو أحد بعمله، قلت: ولا أنت يانبي الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بالرحمة».

سورة طه(20)

قال الله تعالى: {يومئذ يتَّبِعونَ الدَّاعيَ لا عِوَجَ له وخشَعَتِ الأصواتُ للرَّحمنِ فلا تَسْمعُ إلاَّ هَمْساً(108) يومئذٍ لا تنفَعُ الشَّفاعةُ إلاَّ من أَذِنَ له الرَّحمنُ ورَضِيَ له قولاً(109) يعلمُ ما بين أيديهِمْ وما خلْفَهُم ولا يُحيطونَ به عِلماً(110) وعنَتِ الوجوهُ للحيِّ القيُّومِ وقد خابَ من حَمَلَ ظُلماً(111) ومن يَعْملْ من الصَّالحاتِ وهو مؤمنٌ فلا يخافُ ظُلْماً ولا هضْماً(112)}

ومضات:

ـ عندما يُبعث النَّاس من قبورهم، يناديهم الداعي إلى مكان التجمُّع والحساب، وينفِّذ الجميع الأمر دون إبطاء، ثمَّ تقف جميع الخلائق خاشعة بين يدي ربِّ العالمين، وتخفت الأصوات فلا يُسمع إلا همس الكلام.

ـ في ذلك الموقف الرهيب، يأذن الله تعالى للخواصِّ من أنبيائه وأوليائه بالشفاعة لبعض المؤمنين الَّذين يستحقُّونها.

ـ في ذلك الموقف تكون أمور الخلائق مكشوفة أمام ربِّ العالمين، فهو مُطَّلع على ما خفي منها وبالتفصيل، دون أن يتمكَّنوا هم من إدراك حقيقة عظمة الله تعالى وكُنه قوَّته.

ـ يتَّجه النَّاس بكلِّيتهم إلى حضرة الله، مشرئِبَّةً أعناقهم، وقد ظهرت علائم الخيبة والخذلان على وجه من ظلم وعاث في الأرض فساداً، بينما يظهر البِشْـرُ والاطمئنان على وجوه المؤمنين العاملين المتَّقين، فهم واثقون من عدالة ربِّ العالمين ومكافأته لهم.

في رحاب الآيات:

تشدُّنا هذه الآيات إلى المستقبل غير المنظور، وكأنَّنا نشاهد عَرْضاً وثائقياً يرصد لنا أحداث المستقبل، ولنعيش أجواء القيامة وكأنها تحدث الآن. فإذا أزِفت الساعة، أو إذا صحَّ التعبير: عندما تحين ساعة الصفر؛ ساعة الموعد الإلهي، يجتمع النَّاس منذ وجدت الخليقة وإلى قيام الساعة، ليحاسب كلُّ امرئ بما كسـبت يـداه، قال الله تعالى: {يومَ ترجُفُ الرَّاجفة * تَتْبَعُها الرَّادِفة * قلوبٌ يومئذٍ واجفة * أبصارُها خاشعة * يقولونَ أإنَّا لمردودونَ في الحافرة * أإذا كنَّا عِظاماً نَخِرة * قالوا تلكَ إذاً كَرَّةٌ خاسرة * فإنَّما هي زجرَةٌ واحدة * فإذا هم بالسَّاهرة} (79 النازعات آية 6ـ14). أجل يُحشر النَّاس يوم القيامة إلى عالم جديد هو عالم السـاهرة، الَّذي هو أرض المحشر الشاسعة، في ذلك اليوم العصيب يتَّبِعُ النَّاس داعي الله، فيأتونه سِراعاً لا يزيغون عنه ولا ينحرفون، وفي هذه اللحظات الحاسمة، وعندما يدرك الإنسان أن ما كان ينكر وقوعه قد أصبح حقيقة ماثلة أمامه، وأن ما تهرَّب منه أصبح واقعاً به لا محالة، عندها يسكت لسانه ولا يسمع إلا صوت نبضات قلبه تدقُّ بشكل عنيف. ولا يسمع إلا صوت حركة الأقدام، وهمس الشفاه تعلوها تساؤلات واستفهامات، وترتسم عليها علامات الدهشة، مَنْ بعثنا مِنْ مرقدنا، وإلى أين المصير؟ هذا ما وعد الرحمن، وصدق المرسلون، لقد خفتت الأصوات وسكنت، هيبةً من الرحمن جلَّ وعلا، وحقَّ لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه، ويخفت صوته.

في مثل هذا الموقف الَّذي يقف النَّاس فيه بين يدي الله يوم الدينونة الكبرى، يبحث الإنسان عن يد تنقذه أو شفيع يشفع له. فلا يجرؤ أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن من الله، ولمن ارتضى من الشفعاء، الَّذين يُشرَّفون بالشفاعة في ذلك الموقف العظيم، الَّذي يهيمن فيه الجلال الإلهي؛ فيشفعون على اختلاف درجاتهم، من الرسل والصدِّيقين والشهداء والصالحين، الَّذين اصطفاهم الله من كلِّ عصر وجيل، منذ أن خلق آدم عليه السَّلام وإلى قيام الساعة. فتكون تلك الشفاعة من أعظم المنح الَّتي يهبها الله للمؤمنين، لكنَّها مرهونة بأمره كما قال في مُحْكَم تنزيله: {يعلمُ ما بين أيديهِم وما خلْفَهم ولا يشفعونَ إلاَّ لمنِ ارتضى وهم من خَشْيَتِهِ مشفِقُون} (21 الأنبياء آية 28).

فعندما يعلم المؤمن أن الشفاعة غالية، ولا يُلقَّاها إلا ذو حظٍّ عظيم شافعاً كان أو مشفوعاً له يمتلئ قلبه من خشية الله، فتعتريه مشاعر الخوف والرجاء، والحبِّ والتعظيم. فتارة ينتابه شعور الخوف من التقصير، لأن أعماله مهما بلغت فإنها لا تعادل المكافأة العظيمة الَّتي أعدَّها الله له وهي الجنَّة، ما لم تُدْرِكْهُ رحمة الله، وما لم يشمله بفضله وإحسانه. وتارةً أخرى يزداد أمله بالنجاة، لاعتقاده بأن الله يقبل في ذلك اليوم شفاعة الأنبياء، لكلِّ من أحبَّهم، وسار في الحياة الدُّنيا على خطاهم.

وهكذا يتبيَّن مما سبق أن الشفاعة لا تنفع المشفوعَ له إلا بشرطين:

1 ـ أن يكون الشافع ممن له كرامة عند الله عزَّ وجل بما قدمه من صالح العمل في الدار الدُّنيا.

2 ـ أن يكون المشفوع له مؤمناً بالله موقناً بتقصيره، متَّكلاً على فضل الله وسعة رحمته، وطامعاً بمغفرته طالباً لها بلسانه وقلبه.

أما شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها محقَّقَة وثابتة، وقد ورد في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: «آتي تحت العرش وأخِرُّ لله ساجداً، ويُفْتَحُ علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني ثمَّ يقول: يامحمَّد! ارفع رأسك وقل تُسمع، واشفع تُشفَّع، قال: فيحدُّ لي حداً فأدخلهم الجنَّة ثمَّ أعود» (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ).

إن النَّاس بأعمالهم الَّتي قدموا بها، وبِحَيْرتهم وشدَّة قلقهم لا يخفون عن بصر الله، فهو يعلم أحوالهم، ولا تخفى عليه خافية من أمورهم، دون أن يعلموا عن ذات الله شيئاً. قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {وعنَتِ الوجوهُ للحيِّ القيُّوم}: (في هذا اليوم ترى الخلائق قد ذلَّت وخضعت واستسلمت لربِّها الحيِّ الَّذي لا يموت، القائم على خلقه بتدبير شؤونهم، وتصريف أمورهم، وخصَّ الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة، ولأن آثار الذلِّ أو الغبطة والسرور تظهر عليها بشكل خاص). في ذلك اليوم يُحرم من الثواب من وافى الموقف وهو مشرك بالله، كافر بأنبيائه، تارك لأوامره، منغمس في معاصيه، فتراه ينتظر بلهفةٍ أيَّ شافع لينقذه، وما كان ليُنْقَذَ {وقد خاب من حمل ظـلماً}. أما من عمل صالح الأعمال على قدر طاقته، وهو مؤمن بربِّه ومصدِّق لرسله وما أَنزل عليهم من كتبه، فلا يخاف من الله ظلماً بأن يحمل سيئات غيره، ولا يخاف أن يهضمه حسناته فينقصه ثوابها.

وهكذا يخيِّم الجلال على الموقف كلِّه، ويسوده الصمت والرهبة والخشوع؛ فالكلام همس، والسؤال تخافت، والخشوع مهيمن، والوجوه عانية، وجلال الحيِّ القيوم يغمر النفوس بالجلال الرزين، ولا شفاعة إلا لمن ارتضى الله قوله، والعلم كله لله، وهم لا يحيطون به علماً. والظالمون يحملون ظلمهم فيلقون الخيبة، والَّذين آمنوا مطمئنون، لا يخشون ظلماً في الحساب ولا هضماً لما عملوا من الصالحات.

سورة لقمان(31)

قال الله تعالى: {ياأيُّها النَّاس اتَّقوا ربَّكم واخشَوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولدِهِ ولا موْلودٌ هو جازٍ عن والدهِ شيئاً إنَّ وعدَ الله حقٌّ فلا تغرَّنَّكم الحياةُ الدُّنيا ولا يغرَّنَّكم بالله الغَرور(33) إنَّ الله عندَهُ علْمُ السَّاعةِ ويُنزِّلُ الغيثَ ويعلمُ ما في الأرحامِ وما تدري نفسٌ ماذا تكسِبُ غداً وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ إنَّ الله عليمٌ خبير(34)}

ومضات:

ـ تُشعر هذه الآيات الكريمة الإنسان بضآلة موقعه في هذا الكون، وضحالة علمه مهما تقدَّم، وتُبيِّن أن التَّقوى هي الفرصة الوحيدة للإنسان ليرتقي عقلاً وروحاً، فينطلق في توازن مدهش بين العلوم المادِّية والينابيع الروحية، متحلِّياً بأخلاق العلماء العاملين ومُقِرّاً بعظمة الله سبحانه وتعالى فيما خلق، وبما أعطى الإنسان من غير حدود.

في رحاب الآيات:

إن علاقة الوالد بولده، على أهميَّتها في الحياة الدُّنيا، عديمة المفعول في الحياة الآخرة، فلا يستطيع أب أن يُهْرَع لإنقاذ ابنه، ولا أن يسارع ابن لإنقاذ أبيه من نار العذاب، على الرغم من عميق العاطفة الَّتي تربط بينهما، فكلٌ منشغل عن غيره بنفسه ومصيره.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن القرآن الكريم يوجِّه نداءه إلى الجنس البشري ليتَّقي الله، ويُعِدَّ العُدَّة ليوم رهيب عصيب، كما وصفه الله تعالى بقوله: {فكيف تتَّقونَ إن كَفَرتُمْ يوماً يَجْعَلُ الوِلدانَ شيْباً * السَّماءُ مُنْفَطِرٌ به كان وعدُهُ مفعولاً} (73 المزمل آية 17ـ18). إن الأمور كلَّها بيد من لا يُغالب، ولا تجدي عنده إلا وسيلة واحدة هي الإيمان والعمل الصالح، ويؤكِّد أن مجيء هذا اليوم حقٌّ، لأن الله قد وعد به ولا خُلف لوعده. ثمَّ يحذِّرنا الله تعالى من أن ننخدع بزخرف الحياة الدُّنيا، وزينتها ولذائذها، فنميل إليها بكلِّيتنا، وتصبح طِلْبَتَنا وغايتنا الَّتي نسعى إليها، ونصبح مطيَّة لها، فتضطرب عندنا المعايير الأخلاقية، وننجرف في غرور الوهم وإغراء المعاصي، نعيش مخدوعين بأوهام الأماني الكاذبة، فلا نتَّخذ للآخرة زاداً ولا نرجو معاداً، متوهِّمين القوَّة في مال زائل أو علم باطل أو سلطان خادع، والحقيقة أن هذه الأمور وأشباهها عملة محليَّة، فإذا صرنا إلى العالم الآخر غدت باطلة لا رواج لها ولا قيمة.

ويلفت القرآن الكريم الأنظار إلى علم الله الشامل وقصور علم الإنسان، فيذكر مفاتح الغيب الَّتي اختصَّ الله تعالى بعلمها وهي:

1 ـ علم الساعة وهو يوم القيامة، الَّذي جعله الله تعالى غيباً لا يعلمه سواه، ليبقى النَّاس في عملية بناء دائمة، وإنتاج متواصل، وهم لا يعلمون متى تأتي، ولو علموا ميقاتها لتعطَّلت حركتهم وفترت همَّتهم والتزموا المساجد والمعابد في زهد وتقشُّف وجمود. لذا كان في إخفائها مزيد من دفع حماسهم للاستفادة من فرص الحياة، وللإكثار من التعبُّد والتقرُّب بشوق دائم إلى الوصال واللقاء.

2 ـ نزول الغيث وفق حكمته، بالقدر الَّذي يريده، وفي المكان والزمان الَّذي يريده، وقد يعرف النَّاس بالتجارب والمقاييس قُرب نزوله، ولكنهم لا يقدرون على خلق الأسباب الَّتي تنشِئُه. والنصُّ يقرِّر أن الله هو الَّذي ينزِّل الغيث، لأنه سبحانه هو المنشئ للأسباب الكونية الَّتي تكوِّنه وتنظِّمه، فيرسله بقدر معلوم حيث يريد، ويمسكه عمَّن يريد.

3 ـ علم ما في الأرحام، فهو وحده الَّذي يعلم ما في الأرحام علم اليقين، حتَّى حين لا يكون للحمل حجم ولا جرم، ويعلم مواصفات هذا الحمل، حين لا يملك أحد أن يعرف عن ذلك شيئاً في اللحظة الأولى لاتحاد النطفة والبويضة، قال تعالى: {هو الَّذي يُصَوِّركُمْ في الأرحام كيف يشاءُ لاإله إلا هو العَزيز الحكيمُ}(3آل عمران آية 6)، فهو تعالى يعلم ملامح الجنين وخواصَّه، وحالته، واستعداداته، وطبائعه، وصفاته الموروثة، وبصماته الَّتي صوَّرها له وغير ذلك من خواصِّ كلِّ فرد. وإنَّ كلَّ ما وصل إليه إنسان القرن العشرين من المداخلات مع الحيوانات المنوية، وكذلك البويضات، هو تعامل مع ما خلقه تعالى دون أن يكون له أي دورٍ في الإيجاد من العدم؛ فالله تعالى هو الموجد له من العدم، ويبقى الإنسان مشاهداً ومنفِّذاً، دون أن يكون له القدرة على المشاركة في عملية الإيجاد هذه. إنَّ علم الإنسان محدود مهما بلغ، مصداق قوله تعالى: {..وما أوتيتُم من العلم إلاَّ قليلاً} (17 الإسراء آية 85) ويقابله علم الله المحيط بكلِّ ما في هذا الكون الشامل لكلِّ جزئيَّة من جزئيَّاته، فتبارك الله وتباركت صفاته العليَّة.

4 ـ العلم بالأرزاق والمكاسب، فما تدري نفس ماذا تكسب غداً من خير أو شرٍّ، ومن نفع أو ضُرٍّ، ومن يسر أو عسر، ومن صحَّة أو مرض، ومن طاعة أو معصية، فالكسب أعمُّ من الربح المادِّي، وهو كلُّ ما تصيبه النفس في الغد، وهو غيب مُسدَلة عليه الأستار. والنفس الإنسانية تقف وراء حجب الغيب، لا تملك أن ترى شيئاً مما خلف الستار، ولا يعني ذلك عدم التخطيط واتخاذ الأسباب، فعدم المعرفة يجب أن يولِّد لدينا الدافع للعمل الواعي النشيط، لا للتواكل المبني على الكسل والخمول.

5 ـ العلم بمكان الموت وزمانه، فكثير من النَّاس يغادرون أوطانهم إلى بلاد أخرى قبل وفاتهم بأيام، حيث يكون قدرهم أن يُدفنوا في تلك البلاد. وقد روي أن ملك الموت مرَّ على سليمان عليه السَّلام، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، يديم النظر إليه، فقال الرجل لسليمان: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني؛ وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثمَّ قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجُّباً منه؛ لأني أُمِرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.

ومثل هذه الواقعة تتكرَّر في كلِّ زمان ومكان، وقد حدث في إحدى السنوات القليلة الماضية أن امرأة مُسنَّة قرَّرت السفر لزيارة بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج، وبعد أن أعدَّت للسفر عُدَّته، فاجأها ظرف طارئ قبل سفرها بيومين، فشكَّل عائقاً بينها وبين ما عزمت عليه. فتقدَّمت لصديقة لها في سنِّها باقتراح الذهاب للحجِّ بدلاً عنها، وبأوراقها الثبوتيَّة ذاتها، فوافقت على ذلك وذهبت إلى الحجِّ ذلك العام، فكانت المنيَّة في انتظارها هناك، وقُدِّر لها أن تموت بتلك الديار، ويصلِّي عليها مئات الألوف من الحجيج، وتُدْفَن في تلك البقعة المباركة. فمن كان يدري ويعلم بشيء عن هذا القدر وذلك التدبير الإلهي العجيب؟. [هذه الحاجَّة المتوفاة هي عَمَّة مُعِدِّ هذا الكتاب ومُنَفِّذِه].

وهكذا نرى أنَّ على الإنسان أن يعيش بالعمل ويحدوه الأمل، تتفجَّر طاقاته الكامنة يوماً وراء يوم، وشعاره قول النبي صلى الله عليه وسلم : «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتـك كأنك تموت غداً» (رواه أبو داود مرفوعاً).

سورة المعارج(70)

قال الله تعالى: {يومَ تكونُ السماءُ كالمُهْل(8) وتكونُ الجبالُ كالعِهْن(9) ولا يَسأَلُ حميمٌ حميماً(10) يُبَصَّرونَهُم يَوَدُّ المجرمُ لو يَفتدي من عذابِ يومئذٍ ببنيه(11) وصاحبَتِه وأخيه(12) وفصيلَتِه الَّتي تُؤْويه(13) ومن في الأرضِ جميعاً ثمَّ يُنْجِيه(14)}

ومضات:

ـ أمام أهوال يوم القيامة تنقطع جميع وشائج القربى والصداقة الَّتي كانت قائمة في الحياة الدُّنيا.

ـ في يوم الحساب تنكشف جهنَّم للمجرمين فتنخلع قلوبهم من الخوف والوجل، ويتمنَّى الواحد منهم لو أنه يستطيع أن يفتدي نفسه من العذاب بأحبِّ النَّاس إليه، من هول الرعب وشدَّة الفزع، ولكن دون جدوى.

في رحاب الآيات:

لقد قيل الشيء الكثير عن الصداقة والصحبة، وشُبِّهتا بالكنز الَّذي يسعف الإنسان في حال الحاجة والشدَّة والأزمات، وأن الصاحب الحقيقي لا يتخلَّى أبداً عن صاحبه، فيلبِّيه كلَّما دعاه، ويُؤنسه في لحظات الوحشة، ولكنَّ هذه القيم الدنيوية تنهار يوم القيامة، فلا يفكر غير المؤمن إلا بنجاة نفسه، وإنقاذها من عذاب رهيب. إن النَّاس يوم القيامة في همٍّ شاغل، لا يدع لأحدهم مجالاً أن يتلفَّت حوله، ولا يجد فُسحة في شعوره لغيره، فلقد قطع الهول المروِّع جميع الوشائج، وحبس النفوس على همٍّ لا تتعدَّاه. ولكن أن يأخذ الرعب من المجرم كلَّ مأخذ، حتَّى يتمنَّى لو يُعذَّبُ أولادُه وفلذات أكباده بدلاً عنه، فهذا شيء يفوق الخيال، لا بل إنه يتمنَّى أن تعذَّب زوجته وشريكة حياته، الَّتي أفنت حياتها لإسعاده، أو أخوه وأقرب النَّاس إليه، أو رفيق عمره في المنشط والمكره. وإذ لا يجدي كلُّ ذلك نفعاً، يتمنَّى لو يعذَّب بنو قومه بدلاً عنه، ويفتدونه من هذا العذاب، بمن فيهم أبواه وأهله وعشيرته، فلا مانع لديه أن يقاسوا العذاب المؤلم بدلاً عنه، لا بل حتَّى أهل الأرض جميعاً، ليدخلوا جهنَّم داخرين مقابل أن ينجو هو، ولعمري إن هذا لعجب عُجاب؛ فهو لم يكتف بما أساء إلى النَّاس في الحياة الدُّنيا، وعاث فيهم فساداً، متعدِّياً على حقوقهم، وهو يزيد اليوم بأن يتمنَّى لهم جميعاً العذاب ليكونوا فداءً له، إنها أخلاق المجرم تلازمه في حلِّه وترحاله، وفي دنياه وآخرته.

كلا، إنه لن يُقبل منه فداءٌ ولو افتدى نفسه بالنَّاس جميعاً، وبأعزِّ ما لديه من مال ولو بملء الأرض ذهباً. إنها صورة للَّهفة الطاغية، والفزع المذهل والرغبة الجامحة في الإفلات من العذاب، صورة مبطَّنة بالهول، مغمورة بالكرب، موشَّاة بالفزع، تنجلي من خلال التعبير القرآني الموحي. لقد أفقده الهول صوابه، وأعمى فؤاده، فأصبح وكأنه سكران يهذي، مصداقاً لقوله تعالى: {..وترى النَّاس سُكارى وما هم بسُكارى ولكنَّ عذابَ الله شديد} (22 الحج آية 2).

سورة الفرقان(25)

قال الله تعالى: {ويومَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بالغمامِ ونُزِّلَ الملائكَةُ تنزيلاً(25) المُلْكُ يومئذٍ الحقُّ للرَّحمنِ وكان يوماً على الكافرينَ عسيراً(26) ويومَ يعضُّ الظَّالمُ على يديْهِ يقولُ ياليتني اتَّخذتُ مع الرَّسول سبيلاً(27) ياويلتى ليتني لم أتَّخذ فلاناً خليلاً(28) لقد أضلَّني عن الذِّكرِ بعد إذ جاءَني وكان الشَّيطانُ للإنسانِ خذولاً(29) وقال الرَّسولُ ياربِّ إنَّ قومي اتَّخذوا هذا القرآنَ مهجوراً(30)}

ومضات:

ـ إن حسرة العُصاة الفسقة مردُّها إلى عدم اتخاذهم، رسل الله والعلماء الصالحين العاملين، قدوة لهم ونبراساً، يهتدون بهديهم ويقتدون بصالح أعمالهم. وهي ثمرة التخلِّي عن صحبة الأصدقاء الأتقياء الورعين، الَّذين يصلون بهم إلى شاطئ الأمن الإلهي، ويساعدونهم على التحلِّي بالصفات الفاضلة، ويشدُّون أزرهم لأداء الطاعات والعبادات.

ـ إن هذه الخسارة العظمى الَّتي لحقت بهم كانت بسبب الانقطاع عن ذكر الله وإهمالهم أوامره، وعدم تدبُّرهم للقرآن الكريم، وإعراضهم عن سبل السعادة الَّتي شرعها الله تعالى لهم في أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم.

في رحاب الآيات:

هذه الآيات، وكثير غيرها في القرآن الكريم، تقرِّر أن أحداثاً فلكية ضخمة ستحدث في ذلك اليوم، يوم القيامة، وكلُّها تشير إلى اختلال كامل في النظام الَّذي يربط أجزاء هذا الكون المنظور، وأفلاكه ونجومه وكواكبه، وإلى انقلاب في أوضاعه وأشكاله وارتباطاته، فتكون تلك الأحداث مؤشِّرات لنهاية هذا العالم المنظور، بعد أن أدَّى الدور الَّذي أوجد من أجله، ولا يقتصر ذلك الانقلاب على الأرض، إنما يشمل النجوم والكواكب والأفلاك. ولابأس من استعراض مظاهر هذا الانقلاب كما جاءت في سور متعدِّدة، قال الله تعالى: {إذا الشَّمسُ كُوِّرت * وإذا النُّجومُ انكَدَرَت * وإذا الجبالُ سُيِّرت * وإذا العِشارُ عُطِّلت * وإذا الوحوشُ حُشِرت * وإذا البحارُ سُجِّرتْ} (81 التكوير آية 1ـ6) وقال تعالى: {فإذا انشقَّتِ السَّماءُ فكانت وردَةً كالدِّهان} (55 الرحمن آية 37) وقال تعالى: {فارتقبْ يومَ تأتي السَّماءُ بدُخان مُبين* يغشى النَّاس هذا عذابٌ أليم} (44 الدخان آية 10ـ11) هذه الآيات جميعها تنبئ بأن معالم هذا العالم ستنمحي تماماً، لتحلَّ مكانها معالم العالم الأخروي، في يوم رهيب، تُفَتَّحُ السماء فيه فتكون أبواباً، وتنفطر عن الغمام الَّذي يَسود الجوَّ ويُظلمه، فتغتمُّ القلوب لمرآه وشدَّة ظلمته، وتأتي الملائكة الحفظة بأعمال الخلائق محيطةً بهم، فيُقْذَفُ الرعب في قلوب الكافرين، ولا تملك نفس لنفس شيئاً؛ بل الأمر والمُلك يومئذ لله الواحد القهَّار، الَّذي تخضع له الملوك، وتعنو له الوجوه، وتذلُّ له الجبابرة، ولا مالك سواه.

إنه يوم شديد الهول على الكافرين عسير، لأنه يومُ عدلٍ وفصلٍ، وإحقاقٍ للحقِّ، وردٍّ للمظالم، وهو على المؤمنين يسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى، قال صلى الله عليه وسلم : «يُدنى المؤمن من ربِّه حتَّى يضع عليه كنفه فيقرِّره بذنوبه، تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرف ـ مرتين ـ فيقول: سترتها عليك في الدُّنيا، وأغفرها لك اليوم، ثمَّ تطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون، أو الكفار، أو المنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق، هؤلاء الَّذين كذبوا على ربِّهم ألا لعنة الله على الظالمين» (أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنه ).

أمَّا الظالم فإنه يستأنف بذلك اليوم رحلة عذاب نفسية كانت لحظة نزوله إلى القبر، نقطة بدايتها، لقوله صلى الله عليه وسلم : «القبر أول منزلة من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشدُّ منه» (أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه مرفوعاً)، ولقوله أيضاً: «القبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حفر النَّار» (أخرجه الترمذي والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ). فمن كان صالحاً انسابت إلى قبره بشائر النعيم، ويرى مقعده من الجنَّة فينشرح صدره ويطمئنُّ قلبه، ومن كان ظالماً مسيئاً اقتحمه نذر الجحيم، ويرى مقعده من النَّار فتضيق نفسه، ويطارده الخوف المفزع من عاقبة أمره، فإذا ما بُعِثَ من رقاده يوم القيامة، أدرك حقيقة مصيره المظلم، فصار يردِّد قوله تعالى: {..ياويلنا من بَعَثَنا من مرقَدِنا هذا ما وعدَ الرَّحمنُ وصدق المرسلون} (36 يس آية 52) وأخذ يعضُّ على يديه أسفاً وندماً على ما فرَّط في جنب الله عزَّ وجل، ولا تكفيه يد واحدة يعضُّ عليها، إنما هو يداول بين هذه وتلك، لشدَّة ما يعانيه من الندم اللاذع، وهي حركة معهودة ترمز إلى حالة نفسيَّة صعبة، تجسِّمها الآية تجسيماً معبِّراً. وفي تحرُّقِ الظالم ولوعته، يدرك أنه قد بدأ مسيرته مع الخطأ، حين أعرض عمَّن يدلُّه على الله تعالى، واستبدله بقرين السوء، ويتمنَّى لو أنه سلك طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه، ولم يضلَّ عنه، بعد أن كان منكراً لرسالته في الدُّنيا، ومكذِّباً لنبوَّته. وينعى على نفسه كيف اتخذ فلاناً من النَّاس صاحباً وصديقاً، وجعله قدوة له، وتستعمل الآية كلمة {فلاناً} بهذا التنكير والتعميم لتشمل كلَّ صاحب سوء يصدُّ عن سبيل الرسول، ويُضِلُّ عن ذكر الله تعالى، وكان شيطاناً أو عوناً للشيطان. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه : «يُحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (رواه أبو داود والترمذي)، وهنا ندرك أهميَّة انتقاء الصاحب ونوعيته، فقُرب الإنسان من الشخص القريب إلى الله يقرِّبه منه، وحبُّه لأحباب الله يجعل هواه في هواهم، فيصبح محبـّاً بل عاشقاً لله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمَّا أن يُحْذِيَكَ وإمَّا أن تبتاع منه وإمَّا أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك وإمَّا أن تجد منه ريحاً منتنة» (رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ). وكذلك هُمُ المفسدون في الأرض، فإنهم يُحوِّلون من يلوذ بهم من الغاوين إلى أداة للإفساد والتخريب، ويحجبونه عن الله بحُجب الشهوات والمتع البهيمية، ليصبح في النهاية مطيَّة للشيطان يقوده إلى ما فيه خراب عقله، ودمار قلبه، مُظهراً له الحقَّ باطلاً، والباطل حقاً، ثمَّ يخذله يوم القيامة مدلِّلاً على أنه استغلَّ استعداده للفساد، وأنه لو احتمى بالقرآن الكريم وتعاليمه، واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، لما استطاع أن يُضلَّه عن سواء السبيل.

وهكذا راح القرآن يهزُّ القلوب بتلك المشاعر المزلزلة، الَّتي تجسِّم للمنحرفين مصيرهم المخيف، وتريهم إيَّاه واقعاً مشهوداً، وهم بَعْدُ في هذه الأرض، يكذِّبون بلقاء الله، ويتطاولون على مقامه دون وازع، ويقترحون الاقتراحات المستهترة بكلِّ القيم، والهول الَّذي يقطع نياط القلوب ينتظرهم هناك، والندم الفاجع يملك عليهم حتَّى خفقات قلوبهم، ولكنَّ ذلك يحصل لهم بعد فوات الأوان، وانتهاء أمد التوبة والاستدراك، وفي هذا عبرة لمن أراد أن يعتبر، ويسلك سبيل الرشاد الَّذي به النجاة من الكرب العظيم.

وبعد هذه الجولة في اليوم العسير، يعود القرآن بهم إلى الأرض، ليستعرض موقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم لما جاء به؛ لقد هجروا القرآن الَّذي أنزله الله على عبده ورسوله لينذرهم به، ويبصِّرهم بما ستؤول إليه حالهم إن هم استمرُّوا على موقفهم منه، فهجروه ولم يفتحوا له أسماعهم، إذ كانوا يفرُّون منه خشية أن يجتذبهم، فلا يملكون لقلوبهم عنه رداً، هجروه فلم يتدبَّروه ليدركوا الحقَّ من خلاله، ويجدوا الهدى بنوره، هجروه فلم يجعلوه دستور حياتهم، وقد أُنْزِلَ ليكون منهاجاً يقود حياتهم إلى أقوم طريق.

سورة الزخرف(43)

قال الله تعالى: {الأخِلاَّءُ يَومَئِذٍ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ عدوٌّ إلاَّ المتَّقين(67)}

ومضات:

ـ لابُدَّ للإنسان في هذه الدُّنيا من أن يكون حوله أصدقاء، يحيطونه بالمحبَّة والمودَّة والصحبة والأنس، ولكن إذا كانت هذه الصداقات مبنيَّة على أسس من الباطل والضلالة، فإنها سُرعان ما تنهار، وتنقلب يوم القيامة إلى عداوة وضغائن، حيث يُدِيْنُ النَّاس بعضهم بعضاً، على الرُّغم مما كان بينهم من أواصر الصداقة والمودَّة في الدُّنيا. ولا ينجو من هذه المشاحنات والمهاترات، إلا مَنْ كانت علاقاتهم مع النَّاس قائمة على أسس متينة من التَّقوى والحبِّ والإخلاص لله، فيستوجبون بأعمالهم مرضاة الله وقبوله يوم الحساب.

في رحاب الآيات:

يالَلعجب العُجاب!! كيف ينقلب الصديق إلى عدوٍّ في الدار الآخرة؛ بعد أن كان يسعى في حياته إلى هذه الصداقة بكلِّ قوَّته، ويقوم بتدعيمها بشتَّى الوسائل، طلباً للمنفعة والمتعة الَّتي كان يجنيها من خلالها؟ والجواب يكمن في معرفة الأسس الَّتي كانت تقوم عليها هذه الصداقة، وأوجه الانتفاع بها. فإذا كانت أرضية هذه الصحبة تقوم على اللهو وتحقيق الشهوات، وانغماس في الملذَّات المحرَّمة والأمور الدنيوية، فإنها تورث الغفلة عن الله وعن رسالة السماء، والضياع في بحار الجهل والمعاصي، فتنقلب على أهلها شراً وخُسراناً يوم القيامة؛ فإذا أُوقفوا ليحاسبوا على ما اقترفته أيديهم، وعُرضت عليهم أعمالهم، شعر واحدهم بالندم الحقيقي لاستجابته لقرناء السوء. مثلهم في ذلك كمثل المجرمين الَّذين دعا بعضهم بعضاً إلى ارتكاب جريمة قتل، وعمل كلٌّ منهم ما في وسعه تنكيلاً بتلك الضحية، فإذا ما وقفوا أمام القاضي وقد أحضر لكلٍّ منهم دليل إدانته، رمى بعضهم بعضاً، وشتم بعضهم بعضاً، فتقطَّعت كلُّ وشائج المودَّة والصحبة الَّتي كانت تربط بينهم عندما كانوا طلقاء. في تلك اللحظة يستميت المجرم في محاولته تبرئة ساحته أمام محكمة ربِّ العالمين متَّهِماً أصحاب السوء بالتأثير عليه، ولكن دون جدوى، ويردُّ الآخرون دعواه بنفي التهمة عنهم، بل ويحاولون إلصاق التهمة به، وتتفجَّر العداوات، ويستعر الغيظ بينهم، ولكن عدل الله تعالى قائم، لينال كلُّ امرئ ما يستحقُّه من العقاب أو الثواب، قال تعالى: {قال لا تختصموا لديَّ وقد قدَّمتُ إليكم بِالوَعيد * ما يُبَدَّلُ القولُ لديَّ وما أنا بِظلاَّمٍ للعبيد * يوم نقول لجهنَّم هل امتلأتِ وتقول هل من مزيد} (50 ق آية 28ـ30).

وهكذا فإن عداوة الأصحاب يوم القيامة تنبع من معين ودادهم، لقد اجتمعوا في الدُّنيا على الشرِّ، لكنَّهم اليوم يتلاومون ويتلاحَوْن فيما كانوا يتوادُّون عليه، بعد أن كانوا أخلاَّء يتناجون. وأمَّا إذا كانت قاعدة الصداقة قائمة على أسس من التَّقوى والنُّصح والتناصح، والبذل والتباذل، والإيثار والمحبَّة في الله، فإنها تستمرُّ إلى الحياة الآخرة، حيث تؤتي أُكُلَها طيِّباً حلو المذاق، وتعطي نتائج بنَّاءةً لما فيه خير الصاحبَيْنِ، بل خير الأصحاب جميعهم، فمودَّة المتَّقين باقية لأن اجتماعهم كان على الهدى، وتناصُحهم على الخير، وعاقبتهم إلى النجاة.