B8-k1-f1

الـبــاب الثامن

التربية الاجتماعية في الإسلام

القسم الأوَّل

رعاية الإسلام للروابط الاجتماعية

الفصل الأوَّل

نظرة الإسلام إلى المجتمع الإنساني

سورة الحجرات(49)

قال الله تعالى: {ياأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُمْ من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكرمكُمْ عندَ الله أتقاكُمْ إنَّ الله عليمٌ خبير(13)}

ومضات:

ـ إن مسؤولية بناء المجتمع الإسلامي العالمي تقع على عاتق الرجل والمرأة على السواء.

ـ خلق الله تعالى آدم وحواء وجعل من ذريَّتهما الشعوب والقبائل والأجناس والألوان، فالناس كلُّهم إخوة، لذلك فلابدَّ لجسور التوادد والتواصل من أن تبقى قائمة بينهم، فلا تفاضل بين لون وآخر، أو عرق وآخر، بل مساواة بين الجميع أمام الله تعالى؛ الَّذي يُكرَمُ الناس لديه على درجة تقواهم، فمن نال شرف التَّقوى حصل على وسام مرضاة الله، والله أعلم بأعمال مخلوقاته خبير بنواياهم.

في رحاب الآيات:

في ثنايا الآية الكريمة معنى الخطاب الإلهي الموجَّه للبشر جميعاً: يا أيُّها الناس! نحن خلقناكم بقدرتنا من أصل واحد، وأوجدناكم من أب وأم، فلا تفاخر بالأجداد والآباء، ولا اعتداد بالحسب والنسب، كلُّكم لآدم وآدم من تراب. وجعلناكم شعوباً شتَّى، وقبائل متعددة ليحصل بينكم التعارف والتآلف، ويتلاشى التناحر والتخالف. أمَّا اختلاف الألسنة والألوان، وتباين الطباع والأخلاق، وتفاوت المواهب والاستعدادات، فإنما هو تنوُّع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف، والعمل على نهوض المجتمع الإنساني وتحقيق الخلافة في الأرض. لذلك لا يكون التفاضل بين الناس بالأحساب والأنساب، بل بالتَّقوى والعمل الجادِّ المخلص، فمن أراد شرفاً في الدنيا، ومنزلة في الآخرة فليتَّق الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «من سرَّهُ أن يكون أكرم الناس فليتَّقِ الله» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). والتَّقوى معناها مراعاة حدود الله تعالى أمراً ونهياً، والاتِّصاف بما يرضيه عنَّا. وقد رفع الإسلام لواء التَّقوى لينقذ البشرية من عواقب العصبية للجنس، أو للقبيلة، أو للأسرة، بشتَّى الأسماء، وهي في حقيقتها عصبيَّة جاهلية، والإسلام منها براء، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنها: «دعوها فإنها نتنة» (رواه أبو داود)، وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبُّرها بآبائها، كلُّكم لآدم وحواء، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، فإذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوِّجوه» (أخرجه البيهقي)، وأخرج الترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من اتقى الله أهاب الله منه كلَّ شيء، ومن لم يتَّق الله أهابه الله من كلِّ شيء».

وهذه هي القاعدة الَّتي يقوم عليها المجتمع الإسلامي؛ المجتمع الإنساني العالمي الَّذي تحاول البشرية في خيالها المحلِّق أن تحقِّق لوناً من ألوانه ولكنَّها أخفقت، لأنها لا تسلك الطريق الوحيد الموصل إليه، وهو الطريق إلى الله تعالى. لذلك نجد أن الله جلَّ وعلا يخاطب رسوله الكريم بتلك العبارة الشاملة، الَّتي تتَّسع لتشمل سائر الأجناس والمذاهب والَّتي تنفي التحيُّز أو التعصُّب: {قُلْ أعوذُ بربِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس * إله النَّاس} (114 الناس آية 1ـ3). فالله هو ربُّ الناس جميعاً، والربُّ هو المربِّي والموجِّه والراعي والحامي، وهو ملك الناس جميعاً، والملك هو المالك الحاكم المتصرِّف، وهو إله الناس جميعاً، والإله هو مَنْ وَلِه الكلُّ به ولهجوا باسمه، ونادوا من أعماق قلوبهم أن الحمد لله ربِّ العالمين.

ومن هنا نرى أن الإسلام بعد أن وضع القواعد السليمة لبناء النفس المؤمنة، سعى لإشباع نوازع النفس البشرية التوَّاقة إلى الفوز والتفوُّق على الآخرين، فبيَّن أن سبيل التنافس والتسابق ينحصر في المكرمات الَّتي تكسب رضا الله، كما قال تعالى: {…وفي ذلك فليتنافسِ المُتَنافسون} (83 المطففين آية 26) أي في الأسباب الموصلة إلى ذلك النعيم ليَكُنِ التنافس والتسابق، وما أكثر هذه الأسباب كالاستزادة من التخلُّق بالأخلاق الفاضلة قولاً وعملاً، والإكثار من البذل والتضحية والفداء، والإقبال على العلم والتعلُّم بنَهم.

وهكذا يأخذ كلُّ مؤمن مكانه في فردوس النعيم حسب جِدِّه وجهده، ولذا كانت الجنَّة درجات، وكانت علِّيون الدرجة العليا الَّتي ينالها أولو الألباب، وهم الصفوة من خواص المحبِّين لحضرة الله، والعاملين الملتزمين بشرعه الخالد الحنيف.

سورة النساء (4)

{ياأيُّها النَّاسُ اتَّقوا ربَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ من نفسٍ واحدةٍ وخَلَقَ منها زوجَهَا وبثَّ منهما رِجالاً كثيراً ونساءً واتَّقوا الله الَّذي تَسَاءَلُونَ به والأرحامَ إنَّ الله كان عليكُمْ رقيباً(1)}

ومضات:

ـ إن الناس كلَّهم عائلة واحدة، مهما تعدَّدت أجناسهم وتلوَّنت بشرتهم، فأبوهم جميعاً آدم وأمُّهم حواء.

ـ إن قضية خلق هذا الكمِّ الهائل من الناس من نفس واحدة، منذ سيِّدنا آدم وإلى يوم القيامة، لهي معجزة وآية رائعة تدلُّ على عظمة الله تعالى، وتدفع إلى إجلاله والخشية منه.

ـ بمقدار ما نخشع لعظمة الله، علينا أن نصل أرحامنا ونقوِّي أواصر المحبَّة معهم، وندعمهم بالعطاء المادي والروحي لتزهر شجرة العلاقات الإنسانية بورد الرحمة والتراحم.

في رحاب الآيات:

لقد افتتح الله تعالى سورة النساء بخطابه للناس جميعاً، داعياً إيَّاهم إلى عبادته وحده، ومنبِّهاً لهم إلى قدرته الَّتي خلقهم بها من نفس واحدة؛ وهي نفس آدم عليه السلام والَّتي خلق منها زوجها وهي حوَّاء، فالأصل البشري واحد والنماذج لا حصر لها. وإن إلقاء نظرة على التنوُّع في خصائص الأفراد، على هذا المدى الواسع الَّذي لا يمكن أن يتماثل فيه فردان تمام التماثل على توالي العصور، لتدلُّ على دقَّة إبداع اليد المدبِّرة عن علم وحكمة، وتجعل العين والقلب يجولان في ذلك المتحف الحي، فيتمليان النماذج الَّتي لا تنفد. ومهما تشعَّب الناس بعد ذلك إلى أمم وبلدان وأجناس فإنما تشعُّبهم هذا ما هو إلا كتشعُّب العائلة الواحدة، والإخوة من أب واحد وأم واحدة، وحريٌّ بهذا التوحُّد في منشئهم وأصلهم أن يؤدِّي إلى تعاونهم وتعارفهم وتلاقيهم على الخير، والَّذي يرتكز على المبدأ الإنساني؛ وأن يصلوا أرحامهم ليكونوا أتقياء حقاً، وليظفروا بمرضاة الله، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: أمَّا ترضَيْن أني أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك».

وقد تَرفعُ ظروف الحياة أفراداً وتخفض آخرين، وقد تغني فئات، وتفقر فئات، وقد يؤدي تباعد البلدان واختلاف المناخ إلى تنوُّع ألوان البشر وتمايز العادات والأفكار، وكلُّ ذلك بإذن الله وإرادته، لكن الكلَّ عند الله سواء في آدميتهم وإنسانيتهم، وهم سواء أمام القانون الإلهي وفي كيان المجتمع الإنساني الواحد، يتأثَّر مجموعهم بفردهم وفردهم بمجموعهم، وليس لأحدهم فضلٌ على الآخر إلا بالتَّقوى.

إن التفكُّر في أصل الإنسان وتكوُّن الأجناس البشرية، يستوجب العمل على تمتين العلاقات الأسرية والاجتماعية والأممية، ليستمر التعاون والنماء بين جميع أبناء العالم كأفراد لأسرة واحدة. وهكذا يؤكِّد الإسلام على الوحدة الإنسانية بين الناس، بوصفهم إخوة ينحدرون من أصل واحد.

وهنا يجدر بنا أن نلاحظ كثرة خطاب القرآن للناس بهذه الألفاظ الَّتي تشعرهم بوحدة أصلهم الإنساني: (ياأيُّها الناس .. يابني آدم..) فالتشريع القرآني يسمو بالناس إلى أفق ترقى معه كرامة الإنسانية جمعاء، بصرف النظر عن أديانهم وأعراقهم وألوانهم فيقول: {ولقد كرَّمْنَا بني آدمَ..} (17 الإسراء آية 70) وتلك الكرامة تضمن للناس جميعاً حقهم في الحياة، والفكر والعقيدة والتعلُّم والعيش الكريم، ويرقى إلى ذروة السمُوِّ الإنساني حين يجعل أساس الثواب والعقاب للناس مرتكزاً على نواياهم وأعمالهم لا على ظواهرهم، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم).

وقد كرَّر الله تعالى الأمر بالتَّقوى في أوَّل الآية وفي آخرها، ليشير إلى عظيم حقِّه على عباده، كما قرن تعالى بين التَّقوى وصلة الرحم ليدلَّ على أهمِّية هذه الرابطة الوثيقة؛ فعلى الإنسان أن يرعى رابطة الإيمان بالله، وروابط القرابة وصلة الرحم، ولو أدرك الناس هذا لعاشوا في سعادة وأمن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الرحم معلَّقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (متفق عليه). وصلة الرحم تنبثق من الأسرة الواحدة، وتمتدُّ لتشمل أفراد المجتمع بكامله، ولا تستقيم أمور الأسرة الَّتي هي الخلية الأولى في بناء المجتمع، إلا إذا تراحم أفرادها، وتوثَّقت عرى المحبَّة فيما بينهم. ولن تستطيع الأسرة أن تحيا بمعزل عن الآخرين، لأن أعباء الحياة كثيرة، ولابدَّ من التعاون بين الأفراد، ومن باب أولى التعاون بين الأهل، إذ الأقارب للإنسان كالرِّداء الواقي الَّذي يحميه من حرِّ الصيف وقرِّ الشتاء، وهم كالمحارة الَّتي تنغلق على اللؤلؤة لتحميها من عوادي الزمن، فإذا ما تخلَّى الإنسان عن قرابته فكأنما انسلخ عن جلده، أو ترك أعضاءه هملاً مشاعاً تعبث بها الخطوب وصروف الأيام!.

ولا يمكن أن تقوم علاقة وطيدة بين الأفراد وذويهم، إلا على أسس المحبَّة والرحمة، والتسامح والإيثار وبذل الخير، ومدِّ يد المساعدة، ونفي التشاحن والبغضاء والأنانية الَّتي تعمل كالمعول في هدم الروابط الاجتماعية. وقد حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على الرحمة في قوله: «الراحمون يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شحنة من الرحمن من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله تعالى» (أخرجه أبو داود والترمذي).

وتتَّسع دائرة الرحمة لتشمل الناس جميعاً، فالناس كما علمنا إخوة، وما أجدر الإخوة أن يتراحموا، فيعطي الغني الفقير، ويصفح المحسن عن المسيء، ويرحم الكبير الصغير، ويعين القوي الضعيف. بمثل هذه الأخلاق ساد المسلمون الأوائل، وأرسَوْا دعائم حضارة رائعة، أضاءت ظلمات الجهل الَّذي تَمَلَّكَ الإنسانَ ردحاً طويلاً من الزمن. والله تعالى حفيظ مطَّلع على جميع أحوالنا، فلا مفرَّ من الرقابة الإلهية الَّتي ترصد كلَّ حركة وكلَّ سكنة، وتعلم ما أسررنا وما أعلنَّا، فلا يغيب عن علم الله شيء في الأرض ولا في السماء، ولابدَّ أن يجازي من يفرِّط في تعاليم الله، جزاءً شديداً عادلاً، ويكافئ الساجدين له المستسلمين لعظمته المحافظين على تطبيق شرعه.

فالعاقل هو من يقدِّر حساباته بدقَّة ويعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، وتكون دنياه مزرعة يحصد إنتاجها يوم الحساب، فقد روى أبو يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أَتْبَعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على الله» (رواه الترمذي).

ولا تقف الرحمة الإلهية عند حدود الإنسان بل تتعدَّاه إلى الحيوان، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتدَّ عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثمَّ خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبُ من العطش مثلَ الَّذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفَّه ماءً ثمَّ أمسكه بفيه، حتى رَقِيَ فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كلِّ كبد رطبة أجر» (متفق عليه).