الاستيطان في القدس تميّز الصراع على القدس بخصوصية تاريخية، ومنذ بداية الغزو الصهيوني المعاصر برزت هذه الخصوصية بوضوح عبر الاهمية التي اولاها لها طرفا الصراع، جاءت تلك الخصوصية من اكتساب القدس لأهمية دينية وتاريخية عند طرفي الصراع اليهودي الصهيوني/الفلسطيني العربي الاسلامي. وقد شكلت منذ البداية هدفاً إستيطانياً مركزياً عند الحركة الصهيونية في المرحلة الاولى حملت عملية الاستيطان شكل التسلل بدوافع دينية واقتصادية وسياسية. كان ذلك اثناء الحكم العثماني، وتركزت اكثر عمليات التسلل على القدس، لتشكل من هذا التسلل فيما بعد مرتكزاً للعمل الصهيوني في مرحلة الاحتلال البريطاني، هذا الاحتلال الذي فتح الباب أمام هجرات استيطانية واسعة الى فلسطين ادت الى تعزيز الوجود اليهودي في القدس وحولها، عبر تسهيلات مدروسة هيّأت لقيام الكيان الصهيوني فيما بعد عام 1948. والاستيطان هو عملية إستيلاء على الارض واحلال سكان مجلوبين من الخارج مكان اهل البلاد الاصلاء، وهو في حال الاستيطاني الصهيوني (الاحلالي) شهد عملية تسابق للسيطرة على الارض نظراً لأهميتها في تحقيق الهدف الصهيوني، على اعتبار ان تقرير مصير الارض يتم عبر فرض الامر الواقع الاستيطاني عليها، وقد كانت هناك مناطق إستيطانية مختارة ومميزة من حيث الاهمية تأكيداً لاعتبارات دينية، وتاريخية قومية وأمنية ، وهي الاشكال الذي يتذرع بها المحتلون الصهاينة للاستيلاء على المزيد من الاراض. ولقد شكل الصراع للاستيطان في القدس وحولها ابرز ملامح الاستيطان الديني والتاريخي معاً. نظراً لاهمية، ومركزية القدس في الفكر والتاريخ الصهيوني.
القدس في الفكر الصهيوني: بقيت فكرة العودة الى ارض الميعاد، حاضرة في العقل الجمعي ليهود الشتات الى ان جاءت الحركة الصهيونية المعاصرة وأعادت صياغة ذلك المفهوم، بشكل سياسي معاصر ادت ترجمته الى قيام الكيان الصهيوني الحالي. وقد امتلأت اسفار التوراة والتلمود بفكرة العودة الى أرض الميعاد، وانها ستحقق في الارض المقدسة على يد (المخلص) الذي يقوم بجمع يهود الشتات والعودة بهم الى ارض الميعاد واتخاذ القدس (اورشليم)، عاصمة له ويعيد بناء الهيكل فيها. لهذا أخذت القدس بعداً مركزياً في الخطاب الصهيوني لحشد الانصار من اوساط الجاليات اليهودية في الشتات وتوجيههم للهجرة الى فلسطين. دائرة المعارف (Jewish Encyclopedia)(1)، بدورها شرحت معنى الصهيونية فقالت: «ان اليهود يبغون ان يحزموا أمرهم وأن يأتوا للقدس ويتغلبوا على قوة الاعداء، وأن يعيدو العبادة الى الهيكل مكان المسجد الاقصى، ويقيموا ملكهم هناك»(2). ومؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، يقول حول أهمية القدس، في مذكراته: «اريد أن اطرد الباعة والقذارة التي تدنس القدس... محترماً كل حجر فيها»(3) . وقد كشف الوزير البريطاني (في الثلاثينات من هذا القرن) اليهودي (اللورد ميلشيت) أهداف الصهيونية بقوله: «ان يوم اعادة بناء هيكل سليمان قد إقترب وسأصرف بقية حياتي في السعي الى اعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الاقصى»(4). اما القادة الاحدث عهداً من الصهاينة فأكدوا بعد احتلال جزء من القدس 1948، رفض مخططات الامم المتحدة لتدويلها، في 25/12/1949، حيث أعلن ديفيد بن غوريون رئيس اول حكومة صهيونية أمام الكنيست: «ان القدس اليهودية هي جزء عضوي وغير منفصل لتاريخ وديانة وروح شعبنا، ان القدس هي القلب الذاتي لدولة اسرائيل .. ان علاقتنا اليوم مع القدس لا تقل ابداً عن عمق تلك العلاقات التي كانت موجودة ايام (نبوخذ نصر، وتينوس فلافيوس) .. اننا نعلن ان اسرائيل لن تتخلى بشكل إداري عن القدس، تماماً كما لم تتخل خلال آلاف السنين عن ايمانها وهويتها الوطنية وأملها بالعودة الى القدس الصهيونية، رغم الاضطهاد الذي لم يكن له مثيل في التاريخ ... ان الشعب الذي استطاع منذ (2500) سنة الوفاء بالقسم الذي اداه المنفيون الاوائل على انهار بابل بعدم نسيان القدس، هذا الشعب لن يحمل نفسه على الانفصال عن القدس»(5). وبعد عام 1967 بعد استكمال احتلال الاجزاء الشرقية من مدينة القدس، يعلن بن غوريون في 7/6/1967 «لا معنى لاسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل..»(6) اما وزير الاديان في ذلك الوقت / زايراح فيرهافيتغ، فقد صرح أمام اجتماع حاخامي 12/8/1967 قائلاً: «تحرير القدس وضع جميع المقدسات المسيحية فيها وقسماً من المقدسات الاسلامية تحت سلطة اسرائيل، واعاد لليهود وجميع مقدساتهم فيها.. الحرم الشريف القدسي هو قدس الاقداس بالنسبة لليهود.. وهو مقدس لدى ديانة أخرى، وحالياً جميل ارجاء فكرة بناء الهيكل»(7) وجدت الحكومة الاسرائيلية الحالية تلك الروحية، في قرارها بمناسبة الاحتفال بالسنة الالفية الثالثة لاورشليم (مدينة داود)، ايلول / ديسمبر 1996 فقد جاء في ذلك القرار «ان الاحتفالات ستكرس مدينة اورشليم كقلب للامة اليهودية في الوعي الجماعي لاسرائيل.. وسوف تحسّن من وضع صورة المدينة كعاصمة لدولة اسرائيل... ان مدينة اورشليم هي الشهادة التاريخية الحقيقية للديانة اليهودية وإرثها القديم من ناحية، كما انها تعتبر بمثابة رمز الاستقلال والسيادة المطلقة للشعب اليهودي من ناحية أخرى»(8)
الممارسات الاستيطانية - الاستيطان قبل 1967 بتدفق الدعم المالي للمشروع الصهيوني، وبالرعاية الخاصة من سلطات الانتداب، سعت الاوساط الاستيطانية الى حشد وتركيز اكبر عدد من المؤسسات الصهيونية في مدينة القدس، وشكلت مركزاً للعديد من تلك المؤسسات أهمها:- 1- اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية العالمية 2- الوكالة اليهودية 3- الصندوق التأسيسي 4- الصندوق القومي اليهودي 5- المجلس الوطني لليشوف (الاستيطان) 6- مركز الحاخامية الرئيسية 7- الجامعة العبرية . . . . . الخ. (9) وقام الصهاينة باقامة عدة احياء يهودية في القدس وحولها، حتى عام 1948، وقد توسعت القدس بسبب ذلك وسنت سلطات الانتداب انظمة جديدة للقدس لتشمل تلك الاحياء الجديدة خاصة في الجزء الغربي من المدينة عبر توسيع الحدود البلدية للمدينة، كانت الغاية من إقامة تلك الاحياء تعزيز السيطرة اليهودية على المدينة ومحاصرتها، ومع نشوب الحرب 1948 خضعت المدينة للاحتلال باستثناء المدينة القديمة والجزء الشرقي من القدس حيث بقي بيد الاردن حتى عام 1967، حيث اكتمل احتلال المدينة بشطريها. كما اسلفنا رفضت سلطات الاحتلال منذ البداية رؤية المجتمع الدولي للنظام الخاص بالقدس وواصلت رفضها لذلك وتأكد سيادتها عليها، وهذا الامر جددت تأكيده بضمها للجزء الشرقي من القدس الذي جرى احتلالها عام 1967، وسنت القوانين التي من شأنها تأكيد هذه الاهداف، التي تتمثل في اعتبار القدس الموحدة (عاصمة ابدية للكيان الصهيوني). ونتيجة التركيز الاستيطاني اليهودي في القدس تزايد عدد اليهود باستمرار سنوات الهجرة حسب الجدول التالي:-
وفي عام 1910 توزع اليهود في فلسطين على الشكل التالي:-
وكان سكان القدس في ذلك التاريخ 90.000 الف نسمة وانخفض العدد الى 50.000 نسمة سنة 1917 بسبب هجرة اليهود الى مصر اثناء الحرب العالمية الاولى. ثم عاد التواجد للارتفاع:-
وقد استغل اليهود التسهيلات الممنوحة من الانتداب، للسيطرة على المجلس المحلي للمدينة، وذلك بزيادة عددهم فيها.(10) وفي الخطة الهيكلية الاولى 1918، منع البناء في المناطق المحيطة بالمدينة القديمة، ووضعت القيود على البناء في القسم الشرقي من المدينة (يسكنه الفلسطينيون)، اما القسم الغربي، فقد اعتبر مناطق تطوير وهو الذي تركز فيه الاستيطان اليهودي اضافة الى شمال شرق المدينة حيث اقيمت الجامعة العبرية ومستشفى هداسا الجامعي. وقد ساهم المخطط الهيكلي في تنفيذ المشروع اليهودي بالسيطرة على المدينة عبر تعزيز الوجود اليهود واحكام تطويقها بالاحياء اليهودية وساهم ذلك في قلب الوضع الديمغرافي لصالح اليهود، بحيث اصبح اليهود عام 1947 كالتالي:
وبذلك شكل الفلسطينيون 85% من سكان المدينة القديمة، مقابل 60% نسبة اليهود في كامل القدس بكل ضواحيها.(11) وقد سيطر الاحتلال بانتهاء حرب 1948 على 80% من مساحة المدينة وهجر حوالي 60 الفاً من سكانها. ومن 1948 حتى 1967 استولت السلطات على الممتلكات الفلسطينية واستوعبت اعداد هائلة من المستوطنين. - الاستيطان بعد 1967 فور احتلالها للاجزاء الشرقية من مدينة القدس، شرعت في اتخاذ الاجراءات الفورية في عملية تهويد بقية اجزاء القدس عبر الاسراع في وتيرة المخططات الاستيطانية، ففي البداية أعلنت سلطات الاحتلال في 28/6/1967 توسيع حدود بلدية القدس واعلانها موحدة، وذلك بعد يوم واحد من تفويض الكنيست (البرلمان) للحكومة بسط قانون الدولة وقضائها وادارتها على أي جزء من ارض اسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ شرعت الادارة الصهيونية في عمليات المصادرة، والاستيلاء على الاراضي، وبناء المستوطنات، ونقل اعداد كبيرة من السكان اليهود الى القدس الشرقية، وعملت على محاصرة الاحياء الفلسطينية ومصادرة الاراضي من حولها لمنعها من التوسع، واعتبار كل الاراضي المصادرة احتياطي لعمليات الاستيطان، بحيث أصبح الوضع الراهن كالآتي:- كانت مساحة القدس الشرقية عام 1967 6.5كلم2 بعد 1967 70.5كلم2. اليهود في القدس الشرقية عام 1967 كانوا صفراً أصبحوا الاغلبية في الشطر الشرقي للمدينة بحيث زادوا على 160.000 الف نسمة، وبهذا صنعت سلطات الاحتلال واقعاً جغرافياً وسكانياً جديداً واستمر الصراع على مساحات الارض الباقية.(12) وقد عمدت سلطات الاحتلال للوصول الى النتائج أعلاه عبر اعتمادهاسلسلة من الاجراءات لتحقيق أهداف التهويد التاريخي:- وعملت في الحلقة الاولى للاستيطان فيما عرف بالطوق الاول، وهو من الاعمال الاولى التي قامت بها وذلك بالاستيطان داخل المدينة القديمة، لربط الشطر الغربي بالشرقي، وقد شمل ذلك الاستيطان في: (1) الحي اليهودي، باعادة اعماره وتوسيعه بالسيطرة على احياء جديدة وتهجير سكانها، وهذه الاحياء حي المغاربة، باب الشرف، باب السلسلة، حي الباشورة، واصبحت كلها جزء من الحي اليهودي الذي شمل (320) وحدة سكنية وكنيساً وسوقاً تجارياً. (2) اقامة حديقة وطنية على حساب الاحياء المحيطة بسور القدس شرقاً وجنوباً. (3) اقامة مركز تجاري على الجهتين الشمالية والغربية من البلدة القديمة على حساب أحياء باب الساهرة، باب العمود، الشيخ جراح ... وتهجير سكانها لتخفيض الوجود الفلسطيني لصالح الوجود اليهودي في المدينة.(13) الطوق الثاني: عبارة عن مجموعة احياء داخل أمانة القدس، هدفه عزل مدينة القدس عن التجمعات الفلسطينية من الشمال والشرق والجنوب، ودمج القدس الشرقية بالوجود اليهودي بالجزء الغربي، واخراجها من اطار الضفة الغربية، وقطع اتصال الاحياء الفلسطينية في القدس بالقرى المجاورة والحد من نمو هذه الاحياء القليلة المتبقية داخل مدينة القدس. الى جانب ذلك يشكل هذا الطوق طوقاً أمنياً يحيط المدينة، عبر الابنية الضخمة الذي إمتاز بها. ويشمل هذا الطوق على الاحياء التالية:-
الطوق الثالث:- وهذا الطوق يأتي في اطار القدس الكبرى التي يبلغ قطرها (25)كلم، وقد تم الشروع في بناء مستوطنات التي تشكل منها هذا الطوق مبكراً، وهي تشمل العدد الاكثر من كبريات المستوطنات في الضفة الغربية. ومشروع القدس الكبرى يشمل المنطقة من رام الله شمالاً حتى أطراف الخليل جنوباً والخان الاحمر شرقاً وبموجب هذا المخطط يتم شطر الضفة الغربية الى شمال وجنوب اضافة للاستيلاء على مساحة واسعة من الاراضي بحيث يبتلع مشروع القدس الكبرى 6.3% من مساحة الضفة الغربية.
مستوطنات الطوق الثالث:-
المخططات الهيكلية للاحياء الفلسطينية وقد تفننت سلطات الاحتلال في اساليب التوسع والاستيلاء على الاراضي والضغط على سكان القدس فقامت بوضع ما يسمى بالمخطط الهيكلي للقدس، وعبر هذا المخطط، قامت سلطات الاحتلال بوقف النمو العمراني وبالتالي السكان للوجود الفلسطيني في عملية خنق متعمد الهدف منه دفع الفلسطينيين لهجرة القدس الى مناطق الضفة الغربية . فمثلاً قرية العيسوية في ضواحي القدس - حسب المسح الانجليزي زمن الانتداب بلغت مساحتها 10.417 دونم2، المخطط الهيكلي الاسرائيلي قلص تلك المساحة الى (666) دونم2، والنظام المرفق لا يسمح بالبناء على اكثر من 56% من مساحة الارض، في حين يسمح بالبناء في (المناطق اليهودية) بما يعادل (300 في المئة)، أي ما يعادل ثماني طبقات، والنتيجة تقسيم القرية وتطويقها بالمستوطنات، قصد انهاء القرية والسيطرة عليها وتدميرها اقتصاديا واجتماعيا وعزلها عن القرى والاحياء الفلسطينية المجاورة. وقد خصصت المخططات الهيكلية اجزاء كبيرة من الاراضي كمساحات خضراء، لتحول عملياً الى احتياطي للتوسع الاستيطاني في وقت لاحق، وهي تعني ان المساحات الخضراء هي مناطق لا يسمح للفلسطينيين البناء فيها. ففي عام 1970 تمت مصادرة أرض مساحتها (1398 دونم2) من اراضي قرية شعفاط وزرعت بالاشجار الحرجية (باسم غابة رامون)، وفي عام 1990، قطعت اشجار الغابة لتقام عليها مستوطنة (ريخس شعفاط)، وتم بناء (2165) وحدة سكنية لمستوطنين من الاحزاب الدينية. في جنوب القدس (جبل ابو غنيم) وهو عبارة عن محمية طبيعية، تم تشجيرها لمنع تمدد قرى صور باهر وام طوبى، وقد تم أخيراً انجاز قرار بالاستيطان في تلك المنطقة، وكان رئيس بلدية القدس السابق تيدي كوليك قد صرح بأن هذا الاسلوب هو الوحيد لمنع الفلسطينيين من البناء.(15) وعبر هذا الاسلوب جمدت سلطات الاحتلال (40 بالمئة) من مساحة القدس وسيطرت عليها دون أي ردات فعل ، وبذلك أصبح 73% من مساحة القدس فعلياً بيد الاحتلال ؛ اضافة الى (6بالمئة) من مساحة القدس خصصت لشق طريق طويل وواسع لوصل المستوطنات ومحاصرة القرى الفلسطينية، و(10 بالمئة) هي المناطق المأهولة، و(7 بالمئة) مساحات غير منظمة وعرضه للمصادرة في أي وقت او لطرحها للبيع بسبب التراكم الهائل للضرائب المفروضة عليها. فإن المساحة المتبقية هي (4 المئة) هي التي يجري حولها الصراع عملياً، وفي جو من عدم التوازن، تميل فيه الموازين لصالح الاحتلال، وخاصة في اجواء التغيير السكاني المتسارع، التضييق على سكان القدس للهجرة الى الضواحي والقوانين الجائرة التي تضعها سلطات الاحتلال لافقاد المزيد من سكان القدس لحق الاقامة في مدينتهم، وسحب بطاقة الهوية، وكذلك التسهيلات المقدمة للحصول على الجنسية الاسرائيلية....(16) وكان المخطط الهيكلي الجزئي رقم 1/82 وُضع مباشرة بعد وصول تكتل الليكود للحكم ونشر عام 1982، وهو يلحظ إقامة مستوطنات يهودية داخل المناطق الكثيفة السكان في الضفة الغربية، منها مدن سكنية قريبة للعاملين في القدس وتل ابيب، وقد إقترح (دروبلس) عام 1980 واقترح انشاء (بين 12 - 15) مستوطنة يهودية بسنوات.(17) ولكن الاعمال الفعلية كانت قد سبقت المخطط الهيكلي على الارض سنوات.
الاستيطان بعد اتفاقات اوسلو:- لا يوجد نص في إعلان المبادئ 13/9/1993، يفيد بوقف الانشطة الاستيطانية، وما تم ملاحظة خلال الفترة التي تلت التوقيع على اعلان المبادئ هو تركيز استيطاني على القدس والمناطق الاستراتيجية للاحتلال، في ظل الاتفاق على ارجاء بحث موضوع القدس، والمستوطنات الى مفاوضات الحل الدائم. اما في القدس فتؤكد حكومات الاحتلال على اعتبارها عاصمة موحدة للكيان وبالتالي الاستيطان فيها، يجب ان لا يكون محل بحث واعتراض من الطرف الفلسطيني، على اعتبار ان الاحتلال بسط سلطة قوانينه وسيادته على المدينة بشطريها. وهذه المرة اتخذ التوسع الاستيطاني عناوين مختلفة، فتحت ذريعة اقامة الطرق الالتفافية، وضعت سلطات الاحتلال يدها على المزيد من الاراضي، وعملت على محاصره وتضييق حدود المدن والقرى عبر تسويرها بالطرق لصالح المجال الاستيطاني الصهيوني. وفي منطقة القدس اقام الاحتلال عدة طرق التفافية على الشكل التالي:- أ - طريق بيت لحم - بيت جالا في جنوب القدس. هذه الطريق هي الاكثر تعقيداً، وهي تربط مستوطنة (غيلو) في القدس الشرقية بكتلة مستوطنات (غوش عتسيون) - جنوب غرب القدس، والى الغرب من الطريق (رقم 60) الذي يشق الضفة الغربية من الشمال الى الجنوب، حيث ينطلق من بئر السبع في الجنوب ماراً حول مدن الخليل، بيت لحم، شرق القدس، رام الله، نابلس، جنين، ثم يتصل بالعفولة، في داخل (الخط الاخضر)، مقتطعاً في طريقه مساحات شاسعة من الاراضي.
ب- القدس - رام الله / في منطقة القدس الشمالية. يبلغ طول الطريق (9كلم)، يبدأ الطريق من القدس تستمر الى الغرب من رام الله، عبر اراضي بيت نبالا وجديرة، ورافات، وتربط مستوطنة رامون والمستوطنات المجاورة بمدينة القدس.
حـ- البيرة - رام الله. تربط المستوطنات الواقعة شرقي رام الله وغربها بعضها ببعض، وبالطريق (رقم 60). تبدأ شرق رام الله بمستوطنة مخماس، فتمتد شمالاً حول البيرة ورام الله، وتمر بمستوطنة بيت إيل، وتتقاطع مع الطريق السريعة (رقم 60) ثم تسير جنوباً / لغرب رام الله، عبر قرى بيتونيا، ورافات وجديرة، لترتبط بمستوطنة غفعات زئيف غربي رام الله ومطار قلنديه وصولاً الى منشآت عسكرية صناعية، وبسبب قرب تلك القرى المذكورة في منطقة رام الله من الكتل الاستيطانية في المنطقة، فقد خسرت ما يقارب (75 بالمئة) من أراضيها الزراعية لصالح المستوطنات والموقع الصناعي ومطار قلنديه في شمال القدس.(18) تعزيز الاستيطان داخل المستوطنات القائمة كان الهدف الرئيسي بعد توقيع اعلان المبادئ، وذلك بغية فرض امر واقع يؤدي الى ضم تلك المستوطنات للكيان الصهيوني وبسط السيادة عليها وعلى المساحات الواسعة حولها عندما يأتي موعد الحل النهائي، إضافة الى بناء مستوطنة ريخس شعفاط، وشاعر همزراح، ومنطقة سكنية في باب العمود، والقرار الأخير البناء في جبل ابو غنيم، وهناك مخططات بإستمرار لتعزيز مستوطنات الاطواق لاستيعاب المزيد من المستوطنين. ففي إطار تشديد القبضة الاستيطانية على ما يعرف بالقدس الكبرى، قررت الحكومة الحالية، الشروع في البناء مجدداً في إطار القدس الكبرى، وهو الامر الذي كان مقرراً من قبل حكومة حزب العمل السابقة، ولكن التنفيذ كان مجمداً، فأطلقت الحكومة الحالية عملية التنفيذ وذلك باضافة وحدات سكنية جديدة داخل المستوطنات كما يلي:
وقد لحظ وزير البنى التحتية الاسرائيلي ارئيل شارون ونائب وزير البناء والاسكان الحاخام بوروش، خطة استيطانية إضافة على عدة مراحل في المرحلة الاولى يتم فيها اسكان (10.000 مستوطن جديد)، والثانية تتعلق بخطط بناء تم إقرارها في لجان البناء التي اقامتها حكومة حزب العمل، وحصلت على تراخيص، وتحتاج لمصادقة الحكومة للشروع في التنفيذ.(20) رغم ان القواعد التي تنظم سلطة الاحتلال لا تسمح للدولة المحتلة ان تتصرف في الاقليم الا بما يخدم سكانه، فان الاحتلال الاسرائيلي قام باتخاذ اجراءات كبيرة ساهمت في احداث تغييرات جذرية في كثير من المجالات، وأهم وابرز هذه التغييرات هي نقل جزء من المستوطنين الى المناطق المحتلة واعطائهم الاولوية على السكان الفلسطينيين، وهذه الممارسات في جوهرها منسجمة مع الاستراتيجية الاستيطانية الصهيونية، التي قررت ان الاستيطان ليس هدفاً بحد ذاته بل هو وسيلة للاستيلاء السياسي. والممارسات الصهيونية تجاه القدس كانت ابرز تعبير عن هذه الاستراتيجية. وقد اورد تقرير المنظمة الاسرائيلية لحقوق الانسان (بتسيلم): «ركزت السلطات المسؤولة عن التخطيط في القدس انظارها على هدف مركزي واحد:- ايجاد واقع جغرافي وديمغرافي يحول دون اية محاولة مستقبلية لوضع السيادة الاسرائيلية على القدس الشرقية موضع تساؤل... من اجل ضمانة السيطرة الاسرائيلية في القدس الشرقية، تسعى سياسة التخطيط والاعمار لاكثر من مجرد الحفاظ على التفوق الديمغرافي للسكان اليهود في المدينة، اذ يتجه الجهد ايضاً للسيطرة على اكبر مساحة ممكنة من اراضي القسم الشرقي من المدينة لتوطين اليهود فيه، وهذا هو السبب في كون جهود التخطيط والاعمال التي بذلتها السلطات في القدس منذ عام 1967 تركزت على انشاءاحياء يهودية في القسم الشرقي من المدينة تحديداً، وعلى ايجاد تواصل في الاستيطان اليهودي في سائر انحاء المدينة».(21) وتكاد تلخص هذه الفقرة من التقرير جوهر المخطط الاسيتطاني في القدس، المتمثل في عدة عناوين هي:- 1- ضمان التفوق الديمغرافي اليهودي، وهذا امكن تحقيقه الآن بسبب تركيز الاستيطان في القدس فالاغلبية الكبرى للاستيطان في الضفة الغربية تركز في القدس وجوارها بما يزيد عن (100.000) في ست مستوطنات داخل المدينة، وخمس مستوطنات حولها تزيد كل واحدة عن خمسة آلاف، وتقدر المصادر حالياً عدد اليهود في الشطر الشرقي للمدينة (160) الف نسمة. قدر مركز ابحاث القدس الاسرائيلي في ايار 1997 - عدد سكان القدس بشطريها (603.00 نسمة 422.200 منهم يهود). 2- السيطرة على اكبر مساحة من الاراضي، وهو ما اتضح لنا في سياق البحث، والذي استخدمت فيه عدة طرق للوصول لهذا الهدف بحيث أصبحت الاراضي الفلسطينية عبارة عن جزر معزولة داخل المناطق الاستيطانية والمصادرة. 3- ضمان التواصل بين الاحياء اليهودية داخل المدينة، وحولها. والهدف السياسي النهائي، هو جعل هذا الواقع الجغرافي المصطنع عقبة أمام أي محاولة لنزع السيطرة الصهيونية عن هذا الجزء الشرقي من القدس، والاعمال المتسارعة الاخيرة التي قام بها الاحتلال على ابواب مفاوضات الوضع النهائي هي سلسلة للخطوات السابقة والتي تريد ان تخرج القدس فعلياً من عملية المفاوضات. وفي وثيقة صادرة عن بلدية القدس سنة 1978، تظهر المخاوف من سلخ القدس الشرقية، اذا لم يتم فرض أمر واقع بالاستيطان جاء فيها:- «كل منطقة من المدينة لا يقيم فيها اليهود عرضه لخطر الانسلاخ من اسرائيل والانتقال للسيطرة العربية، لذلك فإن المبدأ الاداري المتعلق بمنطقة ولاية بلدية المدينة يجب ان يترجم الى ممارسة فعلية من خلال إقامة الابنية في انحاء المنطقة كافة، مع البدء بأقصاها اولاً».(22) والموقف من القدس يحظى بإجماع داخل الكيان الصهيوني، فالعمل والليكود والاحزاب الدينية، تؤكد برامجها وسياساتها على ان القدس الموحدة، عاصمة للكيان ويخرجوا هذا الامر من المفاوضات بشكل مسبق، مقابل موقف فلسطيني ضعيف يقبل بتجزئة المدينة والقبول بأي جزء منها. (1)د. عبد العزيز محمد عوض، الاطماع الصهيونية في القدس، الموسوعة الفلسطينية القسم الثاني، المجلد السادس، ص 884. (2)روحي الخطيب، تهويد القدس، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد السادس، ص 888. (3)روحي الخطيب، مرجع سابق، ص 888. (4)روحي الخطيب، مرجع سابق، ص 888. (5)جيروزاليم ناشيونال، 12/3/1997. (6)روحي الخطيب، مرجع سابق، ص 889. (7)المرجع السابق، ص 889. (8)اورشليم (3000) . (9)روحي الخطيب، مرجع سابق، ص 887. (10)د. عبد العزيز محمد عوض، مرجع سابق، ص 857 ، 858. (11)د. عبد العزيز محمد عوض، مرجع سابق، ص 857 ، 588. (12)خليل التفكجي، تهويد القدس، مجلة دراسات فلسطينية، العدد 22 بربيع 1995، ص 123 ، 124. (13)المرجع السابق، ص 123. (14)دليل اسرائيل، مؤسسة الدارسات الفلسطينية، ص 392 وما بعدها. - انظر خليل التفكجي، مرجع سابق، ص 123 وما بعدها. - الموسوعة الفلسطينية، ص 885، روحي الخطيب. (15)خليل التفكجي، مرجع سابق، ص 126. (16)المرجع السابق، ص 126 ، 127. -انطوني كون، المخططات الهيكلية الاسرائيلية للضفة الغربية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 219 ، 223. (17)انطوني كون، مرجع سابق، ص 211 وما بعدها. -انظر تقرير (بتسيلم) 14/5/1995، حول سياسة التمييز في التخطيط والبناء في القدس الشرقية، مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 24 خريف 1995، ص 172 وما بعدها. (18)جيفري ارونسون، خطة المستوطنين والطرق الالتفافية، مجلة الدارسات الفلسطينية العدد 28 خريف 1996، ص 109. (19)عوفر بطرسبورع، خطة المراحل التي وصفها شارون وبوروش لتكثيف المستوطنات، مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 28 خريف 1996، ص 124 ، 125. (20)المرجع السابق، ص 118. (21)تقرير (بتسيلم)، مرجع سابق، ص 173. (22)المرجع السابق، ص 173. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||