|
|
أسمعني باركَ اللهُ فيك: ألسنا نرى من أنفسِنا
أنا إذا ولغنا في غيبةِ غافلٍ عنا أننا نحسُ بعد ذلك بوخزةٍ في القلب، وألمٍ في
النفس، ثم ربما أعقبنا ذلك بالاستغفارِ والندم وبالاستغفارِ لمن اغتبناه. ألسنا نعايشُ ذلك!
ألسنا نحسُ به! نعم. إن هذا شعورُ محسوسُ
في قلبِ كلِ واحدٍ منا، ولكن متى وقفنا مع أنفسِنا لنتفقدَ فيها خواطرَ العُجب،
أو أدواءَ الحسد، أو آفة البغضاءِ والشحناء! من هو الذي وقفَ منا مع نفسِه معنفا
لأنَه أحسَ بالبغضاءِ تدبُ في قلبِه؟ من هو الذي وقفَ منا مع نفسِه محذرا
لأن الحسدَ تحركَ بين جوانِحه؟ من هو الذي وقفَ منا مع نفسِه مذعورا
لأنه أحس فيها شهوةَ رئاسةٍ، وشهوةَ تصدرٍ؟ إن هذه مشكلةُ أخرى
وهي أن الإنسانَ يتآلفُ مع هذه الخطايا والأمراض فلا يتفقدُها في نفسِه، بل ربما
تضاعفَ ذلك إلى مرحلةٍ أخرى هي الكسرُ المضاعف عندما يتعدى ذلكَ إلى تبريرِ هذه
الخطايا وفلسفةِ هذه الأمراض، وما أيسرَ ذلك على صاحبِ الهوى، أن يصطنعَ المعاذرَ لنفسِه، ويفتحَ لها سُبلَ التهربِ، ويروجَ على
نفسِه وعلى من حولِه هالةً من الضبابِ تسترُ عن نفسِه أولا وعن من حولَه
خبيئتَه. إلا أن الدينَ لا
يُخدَعُ بشيءٍ من ذلك، واللهُ جل جلالُه لا يخادع، إن الذين جاءوا إلى النبي
(صلى الله عليه وسلم) يقولون له ائذن لنا ولا تفتنا: ائذن لي ولا تفتني، فقال
الله له: ألا في الفتنةِ سقطوا. والذين جاءوا إليه يقولون إن بيوتنا عورة، قال اللهم لهم: وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا. لذلك نرى العداوات
التي يفرزُها الحسد تلبسُ بقمصٍ متعددةٍ من الغيرة، من التـناصح،
من لباسِ الصالحَ العام، من تقويم الآخرين، من إحياءِ علمَ الجرحِ والتعديل
وهكذا. ألبسةُ فضفاضةُ تلبسُ على داءٍ أسمهُ الحسد. –بارك الله فيك- وأنا
أقولُ وأنت تسمعُ هذا الكلام ألا نلاحظ أن المتحدثَ يتحدث، والمستمعُ يستمع دون
أن يستشعرَ أن هذا الأمرَ يعنيه هو بالذات، أو أنَه واقعُ فيه، إن هذه نقطةُ من
نقاطِ الخطرِ مريعة. خذ على سبيل المثالِ بعضَ ظواهرِ خطايا القلوب: الحسد، نتحدثُ
عنه وكأنَه كابوسُ لا يرى إلا في الأحلام، أو كأنَه قطارُ لا يركبُه إلا من وقفَ
في محطتِه وقطعَ تذكرتَه، لكنا لا نفطِنُ إلى تسربِ الحسدِ إلى النفوسِ من خلالِ
الفرحِ بزلاتِ الأقرانِ، من خلالِ الفرحِ بأخطاءِ الزملاء، بل لو رصدَ كلُ واحدٍ
منا العداواتِ في نفسِه وسبرَها وبحثَ عن أسبابِِها لوجدَ أن الأسبابَ الظاهرةِ
قشرُ لداءِ أسمُه الحسد. خذ على سبيلِ المثالِ
العُجب والتعالي، إن العجبَ والغرورَ قد
لا يخرجُ بصورةِ الإطراء للنفس، قد لا يخرجُ بصورةِ التمدحِ،
لكنَه يخرجُ بصورةٍ أخرى هي التنقصُ للآخرين، تقليمُ
جهودِهم، عدُ عيوبِهم، الإفاضةُ بذكرِ نقائصِهم، لماذا؟ حتى
يتساقطَ هؤلاءِ كلِهم ويبقى المتحدث، إذا به يقولُ بلسانِ الحالِ أنا الكاملِ
وهؤلاءِ فيهم وفيهم وفيهم، ليقولَ بلسانِ الحالِ أنا خيرُ من أولئك. خذ مثالاً آخر: الكبر، ليس بالضرورةِ أنهُ تلكَ المشيةِ
المتبخترة، أو ذلك الأنفُ المشمخر، كلا فقد يظهرُ الكبرُ في صورةِ الاستعلاءِ عن
الحقِ بردِه، قد يظهرُ الكبرُ في صورةِ احتقارِ الناسِ وغمطِهم والنظرِ إليهم
بازدراء وإن مشى صاحبُه الهوينا وإن شمّر ثيابَه
ونكسَ رأسَه. ولذلك ذكر طبيبُ
القلوبِ الإمامُ أبنُ القيمِ رحمه الله في معرضِ حديثٍ له فقال: أنه ربما كان صاحبُ الخلقان والثيابِ
المرقعة أشدُ كبرا بمرقعتِه من صاحبِ الثيابِ الحسنةِ بثيابِه. خذ مثالا آخر حبُ الشرفِ والرئاسة، حبُ التصدرِ قد لا يظهرُ في
صورةِ دعوةٍ صريحةٍ إلى ذلك، ولكن يظهر في صورةِ النقد لعدائيِ بأسم التناصح، قد يظهر في صورةِ الحرصِ على أهواء النفسِ بأسم الحرصِ على مصالحِ الدعوة. على غيرِ ذلك من الاختلاطاتِ التي يعرفُها من أطال التأملَ والوقوفَ على
دقائقِ النفوسِ وخلجاتِ الأفئدة. أما
الشحناءُ والبغضاء، فهذا الذي نعرفُه من أنفسِنا وحالِنا أفرادا
وجماعات، على حظوظٍ من الدنيا تافهة، بل ربما تعدى الأمرُ إلى العداءِ بين
الجماعات، وإلى الشحناءِ بين الشعوب، فرأينا الحدودَ الجغرافيةَ ولها تأثيرُها
في الشحناء بين المسلمين، ورأينا الخلافاتَ السياسيةِ ولها تأثيرُها في
العداواتِ القلبية بين الشعوبِ المسلمة. بل ربما رأيت الشحناءَ والعداوةَ بين
أقاليمِ البلد الواحد. أيها الأحباب: إن
البراءةَ من هذه الخطايا وتطهيرِ القلوبِ من هذه العلل
يفضي إلى الوصولِ إلى مرتبةٍ عظمى هي التي أدخلت ذاك الصحابيَ الجليلَ الجنة يوم
سبرَ عملُه فإذا هو لم يتميز بعمل ولكن تميز بقلبٍ صافٍ وضيءٍ
رقراق. ولذا قال
النبيُ (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه وقد سألوه يوما عن أي الناسِ أفضل: كلُ مخمومُ القلبِ صدوقُ اللسان، قالوا يا رسول الله قد
عرفنا صدوقُ اللسان، فما مخموم القلب؟ قال هو التقيُ النقي الذي لا أثم فيه ولا
بغي ولا حسد. فأنظر كيف أن
براءتَه من الإثمِ والبغيِ والحسد أوصلتَهُ إلى رتبةٍ شريفةٍ منيفةٍ وهي أن يكون
أفضلَ الناس. إن الأمرَ الذي ينبغي
أن نعيَه هو أننا بأشد الضرورةِ إلى تفقدِ خطراتِ القلوب وتصفيتِها وأن يعلمَ
كلُ منا أنه يومَ يدبُ إلى قلبِه شيءُ من خطايا القلوب فإن معنى ذلك أن النارَ
تشتعلُ في ثيابِه ويوشكَ أن تُحرقَ بدنَه، ولذا فإن البحثَ عن أسبابِ تزكيةِ
القلوبِ وتطهيرِها أمرُ ينبغي أن يجدَ فيه ويسعى إليه، فلنقفِ وقفاتٍ سريعةٍ مع
أسبابٍ ستةٍ تعينُ على تطهيرِ القلوبِ وتزكيةِ النفوس. فأولُ ذلك
الصلةُ بذكرِ الله وقراءةِ القرآن. إن القرآنَ يوم يتصلُ
به العبدَ قراءةً متدبرةً يرفعُه على آفاقٍ عاليةٍ، أفاقُ تسموا به فوق خطراتِ
النفوسِ الدنيئة، وعللِ القلوبِ الوضيعة، فإذا هو يسمو بهمتِه إلى الملأِ الأعلى:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ
مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ). إن للذكرِ وللقرآن
يومَ يتواصلُ العبدُ معها بقلبٍ حي أثرُها البالغُ في تطهيرِ القلبِ من أدرانٍ
كثيرةٍ. ثانيا الدعاء: نعم الدعاء فلن يُنال
زكاُ النفسِ وطُهرُ القلبِ إلا بعونٍ من الله جل جلالُه:(
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ
أَحَدٍ أَبَداً ). ولذا دعا النبيُ (صلى الله عليه وسلم) ربَه فقال: واسلل سخيمةَ قلبي، ودعا
الصالحون من عبادِ الله فقالوا: ( رَبَّنَا اغْفِرْ
لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي
قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا ). ثالثا
الرقابةُ على خواطرِ القلوب، ومحاسبةِ النفوس: ومعالجةِ ذلك،
فليكن كلُ منا على قلبِه رقيبا ولنفسِه محاسبا، وليتفقد خواطرَها وحديثَ قلوبِها. رابعا المجاهدة: وقد يجاهدُ الإنسانُ
نفسَه على الصيام، بل وعلى قيامِ الليل، ولكنَه يضعفُ ويجهدُ عن مجاهداتِ القلب،
واللهُ سبحانَه يقول: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)،
ويقول: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا
يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ)، إن الأمرَ يحتاجُ إلى صبرٍ ومصابرة،
وجهدُ ومجاهدة. خامسا مجانبةُ المعاصي: وحميةُ النفسِ منها،
فما تنموا هذه الأوبئةُ إلا في نفسٍ خربةٍ عشعشت فيها
المعاصي وتكاثرت عليها الذنوب، واستمع إلى قوارعِ
قولِ اللهِ عز وجل:( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ
لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً )، (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً
فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا
وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ). سادسا الإخلاص: ذاك الإكسيرُ العجيب،
فإذا توفر الإخلاصُ لدينِ اللهِ في القلب زال الكبرُ وحل التواضعُ مكانَه، وزالت
الأحقادُ والبغضاءُ منها وحل الوئامُ والودادُ مكانَها، وزال حبُ الدنيا
والتطلعُ إلى مناصبِها ومغرياتِها وحل محلَ ذلك التطلعُ إلى مرضاةِ الله
والنجاةُ من عقابِه ووعيدِه، وزالت العصبيةُ بأشكالِها وألوانِها وحل مكانَها
الولاءُ للإسلامِ من حيثُ هو إسلام. إن الإخلاصَ
كلمةُ سهلةُ على اللسانِ، وحبيبةُ إلى القلوب، ومطربةُ للأسماع، وهي من أجل ذلك
من أكثرِ الكلماتِ تداولا وتكرارا، ولكن معناها من أعظمِ المعاني أهميةً في
الحياة، ومن أبعدها أثرا في المجتمع، ومن أشقِها على النفوسِ عند التطبيق. أيها الأحباب، وبعد
نهايةِ هذا التطواف فعلى العهدِ فلنفترق، عهدُ التفقدِ لخطايا القلوب، والتواصلِ
لتطهيرِ النفوسِ منها، وحراسةِ القلوبِ من هذه الخطايا أن تدبَ إليها، أو تنمو
فيها، وأودعُك وأنا أذكرُك بكتابِ الإمامِ أبنُ القيمِ رحمَه الله (إغاثةِ اللهفان) ففي مقدمتِه صفحاتُ فيها الوصفاتُ الناجحةُ
والبلسمُ الشافي، وكتابِ (التحفةُ العراقية) لشيخِ الإسلامِ ابن تيمية، فعش
معهما تعش مع عارفين بخطراتِ القلوب وأدواءِ النفوسِ وخطايا الأفئدة. واللهُ يحفظُنا جميعا
بحفظِه، ويكلأنا برعايتِه، ويبقي لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا. واستغفروا الله إنه هو الغفور الرحيم. .......................................... تم بحمد الله وتوفيقه: أخي الحبيب – رعاك الله لا
نقصد من نشر هذه المادة القراءة فقط أو
حفظها في جهاز الحاسب. بل نأمل منك تفاعلا أكثر من خلال: -
إبلاغنا
عن الخطأ الإملائي كي
يتم التعديل. -
نشر
هذه المادة في مواقع أخرى قدر المستطاع على الشبكة. -
مراجعتها
ومن ثم طباعتها وتغليفها بطريقة جذابة كهدية للأحباب والأصحاب. -
الاستئذان
من الشيخ لتبني طباعتها ككتيب يكون صدقة جارية لك إلى قيام الساعة. من خلال اقتراحاتك وتوجيهاتك
لأخيك يمكن أن تساهم في هذا
العمل الـجـليل. اللهم اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم. أخي الحبيب لا تحرمنا ومن شارك في هذا الجهد من دعوة صالحة في ظهر
الغيب.. للتواصل: أخوكم البوراق / anaheho@maktoob.com واحات الهداية / http://www.khayma.com/ante99/index.htm .................................... |