Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

خطبة : حتى تغيروا ما بأنفسكم

فضيلة الشيخ  : عبد الوهاب الطريري

 

 

الحمدُ لله معزِ من أطاعَه ومذلِ من عصاه.

وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، لا ربَ غيرُه ولا معبودَ بحقٍ سواه.

وأشهد أن محمدا عبدُه ورسوله أفضلَ نبي وأشرفَه وأزكاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن أتبعَ سنتَه واهتدى بهداه.

أما بعد أيها الناس اتقوا اللهَ حق التقوى.

أمة الإسلامِ وحملةِ الرسالة وأبناءَ العقيدة:

إن وضعَ هذه الأمة وما تعانيه من فواجعَ ومواجعَ، وما تعايشُه من نكباتٍ وإحباطات، والتعثرُ الذي يصاحبُ خطاها، كلُ ذلك أمرُ يشرَحُه الحالُ بأبلغِ من كلِ مقال، ويحسُه كلُ من يعرفُ حقيقةَ هذه الأمةَ وهويتَها ورسالتَها والموقعَ الذي بوئها اللهُ إياه بين الأمم.

أما من كان التقويمُ عندَه متعةَ الأكلِ ولذةُ الرفاهية فله حساباتُه الخاصةَ ونتائجُه الخاصةُ من هذه الحسابات.

وبكلِ حالٍ فإن الحاجةَ إلى تغيير هذا الوضع، وزحزحةَ الأمةَ عن هذه الهاوية، مطلبُ حقُ مُلح لا يحتملُ الانتظارَ ولا التأخير، ولكن هذا التغييرَ لا يهبطُ من السماء، ولا يستوردُ من الأرض ولا يتمُ في أروقةِ الأممِ المتحدة، ولا يستجدىَ بالمساوماتِ التنازلات.

إن التغييرَ خاضعُ لقانونِ إلهي : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ).

فالذي يريدُ التغييرَ، ويريدُ إحداثَ التغيير عليه أن يغيرَ هو من داخلِه، عليه أن يغيرَ من نفسه حتى يغير اللهُ ما به.

إن التغيير المطلوبَ في ذواتِ الأنفسِ هو انقلاب، انقلابُ يعيدُ بناء النفوسِ بالإيمان ليحدثَ هذا الإيمانُ أثرَه في التغيير.

ولنُشرف على مثلينِ خالدينِ يريانِ ما يصنع التغييرُ بالإيمانِ في واقعِ الحياة:

 

أما المثلُ الأول فالقصةُ العجب في قصةِ السحرةِ مع فرعون:

هذه القصةُ التي لا تفنى عجائبُها، السحرةُ الذينَ أتوا إلى فرعونَ باستجداءٍ يقولونَ له:

(أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ).

ويخاطبونَ فرعونَ بعبوديةٍ فيقولون: (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ).

فلما استبانَ لهم الحقَ وأشرقت لهم الرسالةَ، وآمنت قلوبُهم بعبوديةِ الله، فخالطَ الإيمانُ بشاشةَ القلوب حدثَ تغيرُ عجيبُ وانقلابُ غريبُ فإذا الذين كانوا يقولون بعزةِ فرعون إنا لنحنُ الغالبون، إذا بهم يقولون: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ).

وإذا الذينَ كانوا يقولونَ باستجداءٍ: (أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ).

إذا بهم يقولون لفرعونَ باستعلاء : ( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).

وإذا بهم يستقبلونَ تهديدَه ووعيدَه: ( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ).

إذا بهم يستقبلونه قائلين: (قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ).

ما الذي نفخ في هذه الروح فاشرأبت واستعلت؟

بل ما المطرُ الذي نزلَ على هذه الأرضِ الهامدةِ فاهتزت وربت وأنبتت من كلِ زوجٍ بهيج؟ إنه الإيمان، الإيمانُ الذي لا يفزعُ ولا يتزعزعُ، الإيمانُ الذي لا يخضعُ ولا يخنعُ، الإيمانُ الذي يطمأنُ إلى النهايةِ فيرضاها، ويستيقنُ من الرجعةِ إلى ربهِ فيطمأنُ إلى جواره، ويقفُ الطغيانُ عاجزا أمام الإيمان، وأمام الوعي، وأمام الاطمئنان.

يقفُ الطغيانُ الفرعونيُ عاجزا أمام القلوبُ التي خُيّل إليه أنه يملكُ الولايةَ عليها كما يملكُ الولايةَ على الرقاب، وأنه يملكُ التصرفَ فيها كما يملكُ التصرفَ في الأجسام، فإذا هي مستعصيةُ عليه.

وماذا يملكُ الطغيانُ إذا رغبتِ القلوبُ في جوارِ الله، وماذا يملكُ الجبروت إذا اعتصمتِ القلوبُ بالله.

واشرف على مثالٍ آخر:

أشرف على مثالٍ خالدٍ يبينُ لك ماذا يحدثُه التغيرُ الإيمانيُ في القلوبِ والنفوس والأممِ والشعوب.

قبلَ بعثةِ النبي (صلى الله عليه وسلم) بثلاثً وستينَ سنةً أرسلَ القيصرُ من الشامِ إلى عملائِه في الحبشة يكلفُهم أن يكلفوا عملائَهم في اليمن بهدمِ الكعبة.

اليمن كانت دولةً عميلةً للحبشة، والحبشةُ كانت دولةً عميلةً للروم، ومر الأمرُ من القيصرِ بهذا المسار كلِه، وسارت الأفيالُ من اليمنِ إلى مكةَ تطأُ أوديةَ العربِ و وِهادَها وشعوبَها وبلادَها لا يردُها رادُ ولا يصُدوها صاد حتى وصِلت إلى منى.

أما أهلُ مكةَ فاستجمعوا كلَ قواهم للفرار إلى رؤؤسَ الجبالِ إلا رجلاً واحدا جاء إلى أبرهةَ يقول: إبلي، أعطوني إبلي، أنا ربُ الإبل وللبيتِ ربُ يحميه.

وبعد سبعين سنةً من هذا الحادثِ انتفضت مكةُ برجالٍ غيروا الجزيرةَ كلَها، فإذا بهم يسيرونَ من الجزيرةِ لا إلى اليمن، فاليمنُ قد فُتحت برسالة، ولا إلى الحبشةَ، ولكن ذهبوا إلى القيصرِ ذاتهِ في بلاده في الشام ليدكوا عرشَه ويقوضوا قوتَه.

ما الذي تغيرَ؟

هل اكتشفَ العربُ سلاحا جديدا؟

أم هل دخلوا في حلفٍ جديد؟

ما الذي جعل الذينَ كانوا يفرونَ أمامَ عملاءَ القيصرِ يغزونَ القيصرَ في عقرِ داره ويقوضونَ قوتَه، وإذا مكةَ التي أنقذتها من أقدامِ الفيلَة معجزةُ إلهيةُ تصبحُ أمنعَ مدينةُ في العالم، ما الذي تغيرَ ؟

لقد تغير العربُ فمات ذلك الإنسانُ الجاهليُ وولد ذاك الإنسانُ المسلمُ، فتغير كلُ شيء: هل تطلبونَ من المختارِ معجزةً..... يكفيه شعبُ من الأجداثِ أحياهم

غيّر العربُ ما بأنفسِهم فغّير اللهُ ما بهم.

 

....................................

الجزء الثاني

 

الرئيسية