Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

خطبة : حقيقة الإرهاب

فضيلة الشيخ  : عبد الوهاب الطريري

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بفضله اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون، لا يُسأل عن ما يفعل وهم يسألون.

لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإذا قضى شيئا فإنما يقول له كن فيكون.

أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أنزهه بها عن ما يقول المبطلون، وأعظمه بها عن ما يقول المشركون.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واهتدى بهداه).

أما بعد أيها الناس اتقوا الله حق التقوى.

( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).

هكذا أختار الله لهذه الأمة منهجها، وبين لها طريقها:

صراط مستقيم فلا عوج.

أمة وسط فلا انحراف.

وسط في التصور والاعتقاد.

وسط في العبادة والنسك.

وسط في الأخلاق والسلوك.

وسط في الارتباطات والعلاقات.

بل وسط في الزمان والمكان.

( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) .

جعلها الله على الجادة الوسط التي تصلح لهذه الأمة، وتصلح بها هذه الأمة.

وإن التزحزح عن هذا المنهج افترى على الله في حكمه، واستدراك عليه جل وعلا في شرعه:

( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).

إنه جنوح عن الوسط إلى الطرف، بكل ما في الطرف من وعورة، وبكل ما في الطرف من انحراف وبكل ما في التطرف من شدة ورهق.

ولأن كانت الأمة قد عايشت صورا من التطرف في عصور سلفت فإن أشد أنواع التطرف ما عاشته الأمة في عهودها وعقودها هذه الأخيرة حيث تطرف التطرف إلى طرف الطرف.

ولأن كانت الضوضاء قد علت وعلا ضجيجها عن التطرف أخيرا فإن وجود التطرف حقيقة لا مرية فيها ولكن قبل ذلك!

إن التطرف سابق للضجة التي أثيرت حوله بكثير، عانت الأمة من التطرف، وعانت من ثمار التطرف، فإن التطرف شجرة خبيثة، إذا نمت، نمت معها أشواكها الحادة، ومن أشواكها الحادة الإرهاب، فالإرهاب أبن شرعي للتطرف، وأحد ثماره المرة.

وجد التطرف في حياة الأمة ليس منذ سنين ولكن منذ عقود، وجد التطرف يوم زحزحت الأمة عن الوسط الذي اختاره الله لها، فزحزحت إلى حفر التطرف، فألبست ثيابا وانحلت نحلا.

ألبست ثياب الاشتراكية حينا من الدهر، وظلمت بقوانين الإصلاح الزراعي، بل فرضت الشيوعية كإيديولوجية عقدية، وليس كمسألة اقتصادية.

وجد التطرف فسرت الدعوات الكفرية من خلال أجهزة الإعلام الرسمية لبعض الدول.

فمثلاً:

يكتب كاتب إباحي في الستينات إبان الحمى الاشتراكية مقالة بعنوان ( اشتراكية الأسرة)، وكانت دعوة مزدكية إلى الإباحية، وفي صحيفة رسمية، حتى إذا ما نشرت هذه الوقاحة رد عليها أحد العلماء الأعلام ردا علم رصينا غار فيه للحق ولله عز وجل، فرد عليه ذلك الكاتب السافل بمقالة ساخرة جعل عنوانها (لا يا شيخ!!).

وفي بلد آخر، وليس إسلاميا فقط بل هو عقر دار الإسلام يصدر الدستور وليس فيه النص على أن دين الدولة الإسلام، ولا على اشتراط الإسلام دينا لرئيس الدولة.

ويكتب بعثي زنديق في مجلة الجيش الرسمية التي توزع على كل أفراد الجيش بالمجان مقالة إلحادية يقول فيها: (إن الله والعادات والتقاليد تماثيل يجب أن تدخل متحف التاريخ).

وفي بلد من بلدان الشمال الأفريقي تخطف ثمرة جهاد سنين ودماء مليون مجاهد ضد الاستعمار الفرنسي، تقطف ليكون بدلا منها الكفر الاشتراكي، وأما العلماء الذين قادوا مسيرة الجهاد فيقضون تحت الإقامة الجبرية، كالشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ عبد الطيف سلطاني وغيرهم رحمهم الله.

بل يصل التطرف غايته حينما يطل رئيس دولة من شاشة التلفاز وهو يشرب الماء في نهار رمضان، ويدعو على الفطر في رمضان بحجة أن الصيام يضر بالإنتاج الاقتصادي للبلد.

والصور من هذا النوع - وإلى الله المشتكى- كثيرة وموجودة في وعي كل من رصد الفترة الماضية.

 

أليس هذا هو التطرف بأبشع صوره ؟ أليس هذا هو التطرف بأقبح الصور ؟

بلا... ولكن لم يدن لأنه تطرف مؤسسي تحميه القوة وتفرضه السلطة، وهذا التطرف ما كان له أن ينبت بدون أن يؤتي ثمرته المرة وأن ينبت أشواكه الحادة وهي الإرهاب.

فصحب الإرهاب هذا التطرف، فقد مارس كل هؤلاء المتطرفون أبشع أنواع الإرهاب لأن مقولة: ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ) لا تبقى إلا تحت ظل (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ).

شهدت الخمسينات والستينات أبشع أنواع التعذيب في سجون اللومان، وطُره، والحربي، والقلعة، ودفن رفات الصالحين والعلماء والدعاة في سفوح جبل المقطم.

وفي بلد آخر دكت مدينة على أهلها ليموت تحت أنقاضها أزيد من عشرين ألفا.

في بلد ثوري يعدم الشباب الصالح في ملعب كرة القدم ساعة الإفطار، يعدمون في بين من اللجان الثورية على أن هؤلاء هم الكلاب الضالة.

في بلد آخر يحشر الآلاف في مخيمات في الصحراء الكبرى جنوب ذلك البلد، يحشرون لأنهم اختاروا الإسلام خيارا، حتى إن منظمة العفو الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان تستنكر الظروف التي يعيشون فيها.

إلى غير ذلك من مآسي إرهاب الأنظمة، تلك الأنظمة التي مارست التطرف ثم مارست تلوا الإرهاب، ولكن ذلك الإرهاب لم يدن لأنه إرهاب مؤسسي تمارسه السلطة وتحميه القوة.

ولأن لكل فعل ردة فعل مساوية في القوة معاكسة في الاتجاه فقد نبتت في بعض البلاد اتجاهات دينية متطرفة كونها العذاب داخل السجون، ترعرعت وراء القضبان، ثم تحدد فكرها وظهر أثرها، حين إذ فقط ارتفع الضجيج ضد التطرف وضد الإرهاب.

وبدأ المنظرون ينظرون، والمحرضون يحرضون، وتناسى كثيرون، تناسوا حقائق مهمة ينبغي أن لا تغيب في معالجة هذه القضية.

تناست معالجات كثيرة التطرف الذي تتبناه دول، والإرهاب الذي تمارسه الأنظمة الثورية فتسحق به الشعوب، وعندما يحصل التطرف المضاد يبدأ الحديث عنه فقط، بينما التطرف الأصل، والإرهاب الأصل، يبرر بل يشجع.

تتناسى تلك المعالجات حدود المواضيع، فنرى بعض الأقلام المغرضة تعبر من الحديث عن نقد التطرف الديني إلى نقد الدين ذاته، وتعبر من نقد بعض الجماعات المتطرفة إلى نقد الصحوة الدينية بعامة.

وكل ذلك من التلبيس وخلط الأوراق، والكيد داخل تلك المعالجات، تتناسى تلك الكتابات الأسباب الحقيقة للتطرف، وتطرح أسباب ساذجة بل سامجة، كأن تطرح أن من أسباب التطرف الوضع الاقتصادي، أو الكبت الجنسي، أي والله الكبت الجنسي.

ولا تطرح بعد ذلك من وسائل العلاج إلا المطالبة بالمزيد من الكبت والقهر، ومصادرة الحريات، وخنق الأنفاس وتكريس الردة عن الدين.

 

لماذا لا تتذكر تلك الكتابات أن من أهم أسباب التطرف:

أن يطلق العنان في أرض الإسلام لدعاة العلمانية والاشتراكية واللبرالية وغيرها من المذاهب، يطلق لها العنان ويسمح لها بتكوين الأحزاب وتكوين التنظيمات وإنشاء المنظمات وإصدار الصحف والمجلات وإنشاء الدوريات.

يسمح لها بذلك كله ويفرض الحضر على الإسلام وحده وهو صاحب الدار، وتوضع الكمائم على أفواه دعاته وحدهم وهم المعبرون عن سواد الشعب:

 أحرام على بلابله الدوح ......... حلال للطير من كل جنس

كل دار أحق بالأهل إلا ...........  في خبيث من المذاهب رجس

وقد يسمح للإسلام أحيانا، ولكن أي إسلام يسمح له!

الإسلام المدجن، إسلام الموالد والمآتم، إسلام الدروشة والبدع.

....................................

الجزء الثاني

 

الرئيسية