Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

 

أنظر يا رعاك الله إلى هذين الموقفين، وأرجو أن تنظر إليهما بمجهر بصيرتك نظرة فاحصة.

هذا الصحابي الجليل كعب أبن مالك :

أذنب ذنبا وتخلف عن الخروج مع المسلمين على غزوة تبوك، وعندما عاد المسلمون عوتب على خطئه، بل عوقب وهجر فلم يعد أحد يكلمه فتغيرت عليه الأرض فما هي بالأرض التي يعرف.

وتغير عليه الناس فما هم بالناس الذي كان يعرف، ذلك جعل كعب رضي الله عنه ينظر في لهفة وقد تنكرت له الأرض والناس فهو يلتمس حركة من بين شفة ، أو نظرة يحيى بها الأمل.

بينما هو كذلك طريدا شريدا لا يلقي إليه مخلوق من قومه بكلمة أو يحييه بابتسامة أو يواسيه بنظرة وهو الشاب الجلد الموفور الحماس، بينما هو كذلك إذا به يتلقى كتابا ممن ؟

من ملك غسان، الملوك يراسلونه ؟ نعم.

وفض الرسالة فإذا فيها الكتاب التالي: ( أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار مهانة فالحق بنا نواسيك).

الملوك يطلبونه أن يكون نديمهم وجليسهم عجبا.

أنظر يا رعاك الله، إن هذا الذنب وهذا العقاب لم يحلل كعبا من ولائه لدينه، لم يحلله من ولائه لعقيدته، لم يحلله من قضيته الكبرى، لقد نظر إلى هذا الكتاب على أنه جزء من الابتلاء. فحمل الكتاب ثم أوقد التنور وقال:

هذا والله من البلاء، فأحرق الكتاب في التنور وبقي يعاني مرارة الهجمة وألم القطيعة.

 

ثم أنظر أخرى إلى أبي محجن الثقفي رضي الله عنه:

رجل أبتلي بشرب الخمر فأدمنها ولم يستطع التخلص منها فكان يجاء به فيجلد، وفي معركة القادسية كان هذا الشارب الخمر جنديا يقاتل، ولم تكن خطيئته قيدا يصده عن الجهاد.

ويشرب الخمر وهو في نفير الجهاد فيؤتى به إلى سعد أبن أبي قاص رضي الله عنه، فيأمر أن يجعل القيد في رجله ويحبس، ويحرم من فرصة المشاركة في المعركة.

أهذا عقاب المخطئين؟ نعم.

هكذا يعاقب المخطئ ما دام قلبه يستشعر الولاء للدين، عوقب بأن تفوت عليه فرصة الاشتراك في القتال.

وكانت تجربة قاسية آلمت أبا محجن، آلمته أشد الألم حتى إذا سمع صليل السيوف ووقع الرماح وهزيم الخيل جعلت نفسه تجيش حسرات وجعل يُنشد:

كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنى.......وأترك مشدودا إلي وثاقي

إذا قمت عناني الحديد وغلقت.........مصارع دوني قد تصم المنادي.

ألم وحسرة يشعر بها السكير شارب الخمر الذي لا يحول شربه الخمر ولائه لدينه.

وكان سعد رضي الله عنه قد أصابته القروح فلم يستطع الاشتراك في المعركة.

دعا أبو محجن زوجة سعد وقال لها:

يا سلمى فكي وثاقي وأعطيني فرس سعد البلقاء أقاتل عليها.

وولله الذي لا إله إلا هو لأن أنجاني الله لأعودن حتى أضع رجلي في القيد، وإن أنا قتلت استرحتم مني.

فأشفقت عليه ورحمته وحلت قيده ,أعطته الفرس، فركبها وأخذ رمح سعد فأخذ يجول بين الكتائب، فلا يفر على كتيبة إلا كسرها، ولا على جمع إلا فرقه وسعد ينظر بعين العجب ويقول:

الضرب ضرب أبي محجن، والكر كر البلقاء، وأبو محجن في القيد.

حتى إذا أنتهي النهار عاد أبو محجن رضي الله عنه وجعل رجليه في القيد، فلم تحتمل سلمى رضي الله عنها هذا الموقف، وذهبت إلى سعد تخبره الخبر، فما ملك سعد نفسه إلا أن قام فحل قيوده بيديه الكريمتين.

لم يملك سعد خال رسول الله (ص) نفسه إلا أن قام إلى هذا الشارب للخمر يحل قيوده بيديه ويقول:

والله لا أجلدك على الخمر أبدا.

فقال أبو محجن: وأنا والله الذي لا إله إلا هو لا أشرب الخمر بعد اليوم أبدا، أما إني كنت أشربها يوم كنت أطهر بالجلد، أما الآن فلا. 

 أخي أشعر نفسك هذا الموقف ثم أعلم أن الخطايا ليست عذرا للتحلل من الولاء للدين، ولا من العمل له، ولا من نصرته، ولا من الغيرة عليه. ولولا ذلك لما أنتصر للدين منتصر ولما قام للدين قائم.

 ...................................

الجزء الثالث

 

الرئيسية