|
|
خطبة : حياة
أوقفت لله
فضيلة الشيخ
: عبد الوهاب الطريري الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلمنا الحكمة
والقرآن، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وألبسنا لباس التقوى خير لباس. الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب
ربنا ويرضاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، لا
ربَ غيرُه ولا معبودَ بحقٍ سواه. و أشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واهتدى بهداه. أما بعد أيها الناس اتقوا الله حق التقوى.. أيها المؤمنون بالله ولقائه وبالرسول ورسالاته،
أيها الأخوة المتحابون بجلال الله. إن رسالاتِ اللهِ إلى أهلِ الأرض،
والدينَ الذي اختاره اللهُ لهم هو أثمنُ هبةٍ للبشرِ واعظمُ منةٍ عليهم، خيرةُ
اللهِ للإنسانِ منهاجَ حياته، وطريقَه الموصلَ إلى جنته، هو النعمةُ التامةُ
والفضلُ المبين. ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً )(المائدة). أي نعمةٍ أعظمُ و أتمُ من أن تتنزلَ ملائكةُ الله
بكلمات الله على رسول الله لتقول للإنسان هذا طريقُك إلى الله. (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً
فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(الأنعام:
إن
هذا العطاءَ الإلهيَ والهبةَ الربانيةَ منةٌ تستشعرُ نفوسُ المؤمنين كِبرَ نعمةِ
الله بها عليهم، فتتضاءلُ النفسُ أن تكونَ ثمناً لهذه النعمة. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة
الإيمان –فذكر منهن- وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ1
أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). ولذا حفلت مسيرة المؤمنين في التاريخ بصور من
عطاء الحياة بسخاوة نفس ثمنا لهذا الدين. ثمنا لعطاء الله من الهداية. ثمنا لنعمة الله بالنور المبين. أعطيت الحياة بسخاوة نفس يوم كان ثمنها هذه العقيدة وهذه
الرسالة وهذه المنة الإلهية، يوم كان ثمنها خيرة الله للإنسان طريق حياته
ومنهاجه وثمنها الجنة ورضاء الله. أستمع إلى سحرة فرعون يتقبلون وعيده
وهو يقول: ( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)(طـه:71) فماذا كان الجواب على هذا التهديد ؟ بل
كيف استقبل هذا الوعيد وقد وصل فيه فرعون إلى كل ما يستطيعه من تنكيل ؟ أستمع إلى ثبات المؤمن المستشعر عظم المنة بالهداية المنتظر
من الله فضلا تحتقر له الحياة كلها. أستمع إلى جواب السحرة وهم يقدمون للدين أرواحهم بسخاوة نفس: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا
جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ
إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طـه:72) نعم ما أصر الحياة وما أهون الحياة الدنيا حين
تكون ثمنا للإيمان باله عز وجل، وإن عذابها مهما اشتد ونكالها مهما كاد وبطش
أيسر من أن يخشاه قلب موصول بالله عز وجل ينتظر ثوابه وينتظر مغفرته وينتظر رضاه
وجنته: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا
لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ
خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طـه:73) أيها الأحباب إنه الإيمان، إنه الإيمان إذا خالطت بشاشتُه القلوب، استحكَم
الولاءُ له، وكان العطاءُ للدينِ سخياً، كان العطاءُ للدينِ سخيا غايةَ السخاء،
لأنه معاملةٌ مع كريمٍ، وتلقٍِ لمننٍ من إله عظيم.. آيها المؤمنون بالله رب وبمحمد (صلى الله عليه
وسلم) نبيا، وبرسالته الإسلام دينا. إذا كانت الحياةُ تقدمُ فداءً للدين، وثمناً للدين فهيَ كذلك
تسخرُ لخدمةِ الدين، تسخرُ للعطاءِ للدين، إذا كلُ ما فيها لله، وإذا هيَ حياةُ
أوقفت كلٌها لله. يقول نوح وهو يخاطب ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي
لَيْلاً وَنَهَاراً) (نوح:5) إنه الجهدُ الدائمُ الذي لا ينقطعُ ولا يمَلُ،
ولا يفترُ ولا ييئسُ أمامَ الأعراضِ، ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاما. (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً) ثم يقولُ: )ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ
جِهَاراً* ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً)
(نوح:9) الله أكبر. ماذا بقيَ من حياةِ نبيَ اللهِ نوح لم يسخَر لدعوته ولم يبذَل
لرسالتِه ؟ الليلُ والنهار، الجهر والإسرار كلُها لله، حياةُ أوقِفَت كلُها لله. ثم سرح طرفك في مسيرة أنبياء الله ورسله : لتقف أمام
نبي الله يوسف
السجين الغريب الطريد الشريد الذي يعاني ألم
الغربة وقهر السجن وشجى الفراق وعذاب الظلم، في هذا كله وبين هذا كله في زنزانة
السجن يسأله صاحبا السجن عن
تعبير الرؤيا . فلا يدع نبي الله يوسف الفرصة تفلت منه. لا تنسيه مرارة المعاناة القاسية واجب العمل لله
والعطاء لدينه فإذا به يحول السجن إلى مدرسة للدعوة، ويرى أن كونه سجينا لا يعفيه أبدا من تصحيح الأوضاع الفاسدة
والعقائد الفاسدة فإذا به ينادي في السجن: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف:39) عذاب السجن وألم الغربة وقهر الظلم كل ذلك لم
يذهل ولم يدهشه ولم ينسه واجب الدعوة. لأن العمل للدين رسالة في الحياة لا يمكن التحلل منها بحال. .................................... |