Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

خطبة : يا أمة الإسلام

فضيلة الشيخ  :    عبد الوهاب الطريري

 

الحمدُ لله ما تعاقبتِ الليالي والأيام،
الحمد لله عدد  الشهورِ والأعوام
الحمد لله ما فرح صائمُ بصيام، وأفطر مفطرُ لتمام
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له جل عن الشبيه والنظير
لا تدركُه الأبصارُ وهو يدركُ الأبصارَ وهو اللطيفُ الخبير،
وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه وأمينُه على وحيهِ وخيرتُه من خلقِه وسفيرُه بيُنه وبين عباده،
المبعوثُ بالدينِ القويمِ والمنهجِ المستقيم، أرسله الله رحمةً للعالمينَ وإماما للمتقينَ وحجةً على الخلائقِ أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا،
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(كنتم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكرِ وتأمنون بالله..)
هذه حقيقةِ الأمة وقيمتُها، هذه رُتبتها ومكانتها، أمةُ أخرجت لتكونَ لها الريادة، ولها القيادة، أمةُ أخرجت لتكونَ طليعةً للأمم شهيدةً على الأمم:

(وكذلك جعلناكم أمةً وسطاء لتكونوا شهداء على الناس..)
أمةُ لها دورُ خاص، ومقامُ خاص ولها على ذلك حسابُ خاص،
أمةُ لها مركزُ القيادةِ الذي لا يأخذُ إدعاءَ، ولا يسلّم إلا لمن يكونُ لهُ أهلا، ولهذا المركزِ تبعاتُه وله واجباتُه. هذه أمتُكم يا أهل الإسلام.
الأمة التي جعلها اللهُ خاتمةَ الأمم، كما جعل رسولَها خاتم الرسل، وجعلها شهيدةً على الناس ناطقةً بالكتاب، وارثةً للحق خليفةً في الأرض.
هذه أمتُكم الأمةُ الخالدة، الأمةُ الوسط، أمةُ أحمديةَ الملة، عُمريةَ الحكم، صلاحيةُ الجهاد، دستوُرها؛ كتابُ الله، إمامُها؛ حبيبُه، قبلتُها؛ بيتُه، مآبها؛ جنتُه. هذه أمتُكم يا أهل الإسلام.
جعلها اللهُ شامةً في جبين الزمان، جعلها خير أمةٍ أخرجت للإنسان، كلام شهدائها بلا تُرجمان، قاتلت معها الملائكةُ يومَ التقى الجمعان. هذه أمتُكم،
الأمةُ التي لم يجعلِ اللهُ لها نهجا ولا سمتا إلا الإسلام، أمةُ لم يجعلِ الله لها رسما ولا اسما إلا الإسلام:

(هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدينِ من حرج، ملةَ أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا).
أمة َالإسلام، أهل القرآن، أهل الإيمان:
وحينما نكونُ في عيدنا هذا أمةً واعيةً لا يحولُ احتفائها بأيامِها السعيدة، وأعيادِها المجيدة عن مراجعةِ ذاتِها وتفقُدها لحالِها، ننظرُ في الأمةِ أين هيَ؟
أين هيَ من هذه المكانة التي لا تصلحُ إلا لها؟
أين هي والمهمة التي لا تقومُ إلا بها؟
أين هي أمتُنا بين الأمم؟ مكانتُها وقيمتُها، دورُها ومهمتُها؟
إن حال الأمةِ اليوم هي الحالُ التي يُرثى لها، فلا ضعفُ المسلمينَ ووهنُهم مما يُرضي الإسلام،
ولا هوانُ المسلمينَ على أعداِئهم حتى أصبحت دمائُهم بالمجان مما يُرضي الإسلامِ،
ولا قيامُ دويلةِِ إسرائيل في عقرِ دار المسلمينَ مما يُرضي الإسلام،
ولا أكلُ الأعداءِ لديارِ المسلمين من حواشيها يُرضي الإسلام،
ولا التجزئةُ والتفتتُ الذي عليه الأمة يُرضي الإسلام،
ولا التغّربُ الفكري والحضاري ولا التبعيةُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ يرضى بها الإسلام.
آلا إن الآمر الأمر والخطرَ الأخطر:

هو تحطمُ البناءَ النفسي لإنسان حتى تركزت فيه القابليةُ للهوان، وفقد دورَه الريادي، بل تشكلت مفاهيمُ فكرية تفلسفُ هذا الواقع الذي فقد الريادةَ بل فقد الإرادة.
وصلت الأمةُ إلى هذا الوضع بعد أن جربت مُختلفَ الشعارات فارتفعت البراقعُ الكاذبة عن تلك الاتجاهات التي أردتها زيتونةً شرقيةً أو غربية، مالت بها يميناً ويسارا.
ومر على وعي الأمةَ وجسمِ الأمة ألوانُ من الطُروحاتِ والانقلابات والثورات والزعامات ثم توالتَ الهزائمُ والنكبات.
لقد كبرت أزمةُ الأمة حتى بلغت من الكبرِ عتيا، جربتِ الأمةُ البرامجَ والسياساتِ الأرضيةَ حتى لم يبقى طريقُ من تلكَ الطرقِ إلا ولجت بابهُ ثم اكتوت بنارهِ بما كفاها.
وسلكت فجَ التغريبِ حتى أوغلت فيه، ووصلت إلى حد الانصياع لحضارةِ الغربِ وثقافتِه حتى أوصلتها تجاربُ عشراتِ السنين إلى افتضاحِ الفكرِ المتغرب وانكشافِ تهافته.
لقد عاشت الأمةُ تغريبا خنق فيها كلَ أصالة وهي تلهثُ وراء التشبهِ بالغربِ وتقلدُه وتقتفي أثرهُ فابتعدت عن هويتِها الأصليةَ وهي تدخلُ جحرَ الضب حتى رأيتَ فئاماً من الأمةِ كثير حالُهم كالذي استهوته الشياطينُ في الأرض حيران، له أصحابُ يدعونَه إلى الهدى ائتنا، قل إن هدى اللهِ هو الهدى، وأمرنا لنسلمَ لربِ العالمين.
أمةَ الإسلام:
إننا لا يمكنُ أن نفهمَ أسبابَ الهزائمَ المتكررة، والانهيارات في بناءِ الأمة واستمراء الهوانِ والاستسلام إلا إذا عدنا إلى عمق الأمةَ، إلى الفكرِ الذي تحملُه، إلى النهجِ الذي تسير عليه، لنرى حين إذٍ أسباباً لا تُنتجُ إلا هذه النتائجَ المريرة، ولنرى مساربَ ومسارات لا تنتهي إلا إلى هذه الهاويةِ المريعة.
لقد لقيتَ الأمةُ ما لقيت وصليت ما صليت يومَ تعددت مصادرُ التلقي بعد أن كان المصدرُ كتابَ الله:

(كتابُ أنزلَ إليك فلا يكن في صدرك حرجُ منه لتنذرَ به وذكرى للمؤمنين).

(يا أيها الناسُ قد جاءكم برهانُ من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا).

فإذا بالأمةِ تمزجُ بين الوحي وأحكامِ البشر.
إنها أمةُ ذاتُ أهدافٍ وذاتُ رسالةٍ وذاتُ تاريخ، وعلينا نحنُ أبناءَ هذه الأمة أن لا نسمحَ لأحدٍ أن يسلبَنا شخصيتَنا.

وأن يمليَ علينا منهجَه وقواعدَه في التفكير، فنحنُ لم نخلق لنجرَ من آذاننا.

ولا لنقولَ لأيِ مخلوقٍ- كائنا من كان- سمعنا وأطعنا، ونتركُ خيرةَ اللهِ لنا وندائَه إيانا يوم قال:

(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبلَ فتفرقَ بكم عن سبيله).
ولن نستطيع أن نحرر أرضا ما لم نحرر أنفسَنا وأفكرنا.

شعوبُك في شرقِ البلادِ وغربِها.…......كأصحابِ كهفٍ في عميقِ سباتِ
بأيمانهم نوران، ذكرُ وسنةُ........ فما بالُهم في حالك الظلمات

وصلت الأمةُ إلى ما وصلت إليه يوم انطفأت جذوةُ حب    النبي صلى الله عليه وسلم

والتفاني في إتباعِه والذبِ عن سنته، وغابَ ما كان حاضراً لدى أصحابِ رسولِ صلى الله عليه وسلم، يومَ قالَ عمرو ابنَ العاصِ رضي الله عنه:

(واللهِ ما ملئتُ عيني من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منذُ أسلمت إجلالاً له أن أنظر إليه).

يوم كان كلَ صحابيٍ يصدّرُ حديثَه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قائلاً بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
فإذا جذوةَ الحماسِ لدينه صلى الله عليه وسلم تخبُ وإذا الالتزامُ بسنتِه يضعفُ وإذا الغيرةُ على نهجِه تتقاصرُ وتتطامنُ، وإذا في الساحةِ مع النهجِ المحمدي مناهج، ومع الهدي المحمدي طروحاتُ وأفكارُ أُخر.
وصلت الأمةُ إلى ما وصلت إليه يومَ تلفتَ فيها ندرتُ العلماء الربانيين، الأمناءِ على الجيل

الأوفياءِ للأمة، الآخذينَ بحجزِها أن تقعَ في النار، أو تتيه في متاهاتِ الظلام. العلماء الذين إستشهدَهم اللهُ على أعظمِ شهادة (شهد اللهُ أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط….)،
العلماء الذين هم ورثةُ الأنبياء، ورثوا علمَهم وورثوا دورَهم وورثوا مهمتَهم على الأرض، فأصبح العلماء الربانيون العاملون أعز من الكبريتِ الأحمر، وإذا وجدوا وجدَ في الأمةِ من يرميهِم بالحجارة، يتتبعَهم ويثيرُ الفتنةَ من حولِهم، فئامُ من الشاغبين وعلى من؟

على الدعاةِ الهداة، فئامُ ممن إذا قالوا تسمعُ لقولِهم وإذا رأيتَهم تعجبكَ أجسامُهم، فإذا نظرت إلى طروحاتِهم فإذا هي مزاحمةُ الدعاة والتشكيكُ في العلماء الهداة.
هؤلاء العلماء أندرُ في الأمةِ من الكبريت الأحمر، فإذا وجدوا فينبغي أن يكون مقرُهم سويداءُ القلوبُ وحدق المقل وأن يبوئوا المكانةَ التي بوئهم اللهُ إياها، فتكونوا أعراضُهم مصانةُ، وحرماتُهم محفوظةُ، ومقامُهم أسماء من مقامِ كلِ أمير، وأعلا من كلِ وزير، وأرفعُ من كلِ مسئول.
لأن مقامَهم في الأمة مقامُ محمدُ صلى الله عليه وسلم فيها، إذ هم ورثتُه وحملةُ رسالتِه والداعونَ بدعوتِه، فمن نوقِّر إذا لم نوقِرهم؟ وعلى من نغار إذا لم نغَرعليهم؟ وعن من ننافح إذا لم ننافحِ عنهم؟
ونتولى مسئوليةَ الذبِ عن أعراضِهم وحمايةَ ظهورِهم من خلفِهم، وأن لا يسلموا إلى من أعطوا بسطةً في المقال، أو بسطةً في اليد، أو تمكينا أو سلطانا ليكونَ لهم عليهم قولُ في مقال، أو استطالةُ بكلام، فظلاً عن أن يؤذوا أو يضايقوا، فظلاً عن أن يحجرَ على دعوتِهم أو يضّيقَ على كلمتِهم، أو تصادرَ المهمةُ التي يقومونَ بها في الأمة.
إن مقامَ الدعاة ينبغي أن يكونَ محلَ الغيرةَ من كلِ مسلمٍِ يؤمنُ برسالةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويوقّرُ ورثَته ويغارُ على أتباعِ سنتِه وحملةِ رسالتِه، عارٌ على أمةِ محمد صلى الله عليه وسلم أن ترى أممَ الأرضِ توقرُ كهنتَها ورهبانَها وحاخاماتِها وآياتِها بينما علماء الإسلام تصادرُ الكلمةُ الهادئة والمنطقُ الرشيد والنصحُ لسديد الذي يهدونَه للأمة.

أين معايير المحاكمةَ العادلة لكلامِ العلماء؟
أين معايير التقويمِ الحق لمقال المتكلمين؟
آلا إن الغيرةَ على العلماء والغيرةَ على الدعاة ، أعراضُهم، وسمعتُهم، كلمتُهم ودورُهم بالأمة، كلُ ذلك مسئوليةُ كلُ مسلم يقبسُ من نورِهم ويرجعُ إلى علمِهم ويستنيرُ بدلالتِهم.
أما يكفي أن نرى الكثرةَ الكاثرةَ من الناسِ تعيشُ لا تشعروا بأحد، ولا يشعرُ بها احد؟
وأن نرى فئاماً من الناس تعيشُ قبل عصرِها بمراحل؟
حنى إذا أضاءَ للأمةِ شعلةُ هداية يحملُها داعية كان على الأمة كلِها مسئوليةُ إبقائها مضيئة وحمايتُها أن تنطفئ أو تطفئ.
إنا إذا نظرنا إلى ما وصلت إليه الأمة رأينا أن من أسبابِ ذلك انطماسِ هويةِ هذه الأمة، هذه الأمةَ الخالدة المتميزة ذات الأصالةِ والنهجِ المستقيم

فإذا أبنائُها ما بين من وقعَ في براثن التشبه للشرقيين أو الغربيين فأتبعوا سننَ من كان قبلَهم.
وبين منهومٍ بلذتِه عاكفٍ على صنمِ شهوتِه، فهم ممن يعبدُ اللهَ على حرث.
ومنهم من يعيشُ عيشةَ الجاهلية فهو لا يعرفُ من الإسلامِ إلا أسمه معرضا عن التفقه غافلا عن الوحي، ومنهم من جعل ثقافتَه وقلمَه ولسانتَه وبيانَه قذائفَ يدافعُ بها دينَ الله ويهاجمُ بها طلائعَ الإسلام صباح مساء:

( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، آلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
ومنهم المتلون حسب منافعِه وأغراضِه:

( وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا أمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم)، فهو مع المؤمنين ولي ومع المحبين شجي، ومع العاطلين خلي، لا يستقرُ على حال.
اهؤلاء أبناءَ الأمةِ الخالدة، الأمةِ ذات الرسالة؟

لو أسمعوا عمرَ الفاروقَ نسبتَهم………… وأخبروه الرزايا أنكرَ النسبَ
من زمزمٍ قد سقينا الناسَ قاطبةً………… وجيلُنا اليومَ من أعدائه شربا


.......................................

الجزء  الثاني

الرئيسية