|
|
خطبة : أنذرتكم
النار !!
فضيلة
الشيخ : عبد الوهاب
الطريري
.................................................
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي العز المجيد، والبطش الشديد، المبدأ
المعيد، الفعال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بالنار بعد الإنذار بها والوعيد. والمكرم لمن خافه واتقاه بدار لهم فيها من كل خير
مزيد. فسبحان من قسم خلقه بين شقي وسعيد: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها
وما ربك بظلام للعبيد). أحمده وأشكره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا
كفئ ولا عدل ولا ند ولا نديد. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه) صلاة وسلام لا تنفذ ولا تبيد. يا رب طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء،
وألسنتنا من الكذب. يا رب، نشكو إليك قسوة قلوبنا، وغفلة نفوسنا،
وتقصيرنا في طاعتك، وغفلتنا عن ذكرك. يا رب اجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك، ولا تجعلنا
ممن نسوك فنسيتهم. أما بعد عباد الله: اتقوا الله حق التقوى. أيها الأخوة في الله، لقد قست القلوب فهي ما بين شواغل الدنيا وصوادفها وملهياتها. ثم إذا أفاقت فإذا هي تفيق إلى نكبات وهموم وغموم
تتجاذبها، فإذا حديث الرقائق والرغائب. إذا الحديث المخّوف والحديث المرقق غريب عن
القلوب، غريب على الآذان، قل ما تنصت إليه وقل ما تسمعه. كم كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتعاهد
أصحابه بمواعظ توجل منها القلوب، وتذرف منه العيون، وترتعد منها الفرائض. يقف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب أصحابه
بكلمات قليلات يسيرات مباركات. فيقول لهم أيها الناس: ( أُريت الجنة والنار فلم أرى كاليوم
في الخير والشر، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم
إلى الصعدات تجأرون إلى الله). فما أن يتتام هذا الكلام من رسول الله (صلى الله
عليه وسلم) حتى يخفض الصحابة رؤوسهم، ويكبوا بوجوههم ولهم ضجيج وخنين بالبكاء. أما إن نفوسنا بحاجة إلى أن نوردها المواعظ
والنذر، ونذكرها بما خوف الله به عباده، وحذرهم منه، وقد حذر المولى جل وعلا
وأنذر. حذر عباده أشد التحذير وأنذرهم غاية الإنذار من
عذاب النار ومن دار الخزي والبوار فقال المولى جل جلاله وتقدست أسمائه: ( فأنذرتكم نارا تلظى ). وقال: ( إنها
لإحدى الكبر، نذيرا للبشر ). فو الله ما أنذر العباد وخوفهم بشيء قط هو أشد
وأدهى من النار. وصف لهم حرها ولظاها، وصف لهم طعامها وشرابها، وصف أغلالها ونكالها، وصف حميمها وغساقها، وصف أصفادها وسرابيلها. وصف ذلك كله حتى إن من يقرأ القرآن بقلب حاضر،
ويسمع وصف جهنم فكأنما أقيم على شفيرها فهو يراها يحطم بعضها بعضا، كأنما يرى أهل النار
يتقلبون في دركاتها، ويجرجرون في أوديتها. كل ذلك من المولى جل وعلا إنذار وتحذير. وكذا خوف نبينا (صلى الله عليه وسلم) من النار
وحذر وأنذر، وتوعد وحذر، وكان (صلى الله عليه وسلم) شديد الإنذار شديد التحذير
من النار. وقف (صلى الله عليه وسلم) على منبره فجعل ينادي
ويقول: ( أنذرتكم النار، أنذرتكم النار،
أنذرتكم النار ).. وعلا صوته (صلى الله عليه وسلم) حتى سمعه أهل
السوق جميعا، وحتى وقعت خليصة كانت على كتفيه (صلى الله عليه وسلم)، فوقعت عند
رجليه من شدة تأثره وانفعاله بما يقول عليه الصلاة والسلام. وقال (صلوات الله وسلامه عليه): (أنا أخذ بحجزكم عن النار، أقول إياكم
وجهنمَ والحدود، إياكم وجهنم والحدود، إياكم وجهنم والحدود). فهو (صلى الله عليه وسلم) أخذ بحجز أمته يقول
إياكم عن النار، هلم عن النار وهم يعصونه ويتقحمونها. أيها الأخوة في الله: ثم
أصبح الحديث عن النار وعذابها حديث خافتا لا تكاد تتحرك به الألسنة. ولا تستشعره القلوب. ولا تذرف له العيون. حديثا غريبا عن المسامع، بعيدا عن النفوس. مع أن ربنا جل جلاله قد ذكّرنا بها غاية التذكير،
وحذرنا منها أعظم التحذير. ألا فلنُشعر القلوب بشيء من أحوالها، ولنذكّر
النفوس بشيء من أهوالها، عسى قسوة من قلوبنا تلين، وغفلة من نفوسنا تُفيق. فإن سألت عن النار ؟ فقد سألت عن دار مهولة، وعذاب شديد. إن سألت عن حرّها وعن قعرها وحميمها
وزقومها وأصفادها وأغلالها وعذابها وأهوالها وحال أهلها؟ فما ظنك بحر نار أوقد عليها آلف عام حتى احمرت. ثم أوقد عليها آلف عام حتى ابيضت، ثم أوقد عليها
آلف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة. ما ضننا بحر نار نارنا هذه التي نوقدها جزء واحد
من سبعين جزء من نار الآخرة. أما بُعد قعرها: فما ظننا بقعر نار يلقى الحجر العظيم من شفيرها
فيهوي فيها سبعين سنة لا يدرك قعرها، والله لتملأن والله لتملأن والله لتملأن. .............................. |