|
|
7/1/1424هـ غياب الوعي
فضيلة الشيخ : عبد الوهاب
الطريري
ويتساءلُ
كلُ من يحملُ هم هذه الأمةِ: إلى متى تظلُ
أمتي حقلَ تجاربَ للطغاة؟ إلى متى تظلُ
أمتي تُغررُ وتُخدعُ وتأكلُ ولا تشبع من الخداعات؟ ما السبب الذي يجعل أمتَنا أمةً سهلةَ القيادِ لكلِ شعارٍ يرفع؟ وفكر وقلبِ
الأمرَ لترى أن هناكَ أسبابا كثيرة لغيابِ الوعيِِ في الأمة من أهمِها: أولا أن الأمة
تعيشُ ركاما طويلا من الهزائمِ والإحباطات: وقد ورثت أرثاً من
الفشلِ المتكرر، والغبن المرير، فهي تتلمسُ أيةَ قشةٍ للتشبثَ بها على أنها
الخشبةُ التي تُنقذُ الغريقَ، فكلُ صوتا ترى أنه الصوتُ التي جاءَ ينقذُها
ويثأرُ لها ويشفي غيظَ قلوبِها. ثانيا من
الأسباب غلبةُ العاطفيةِ والحماس: فالأمةُ إذا انجفلت إلى
شخصٍ انجفلت إليه بعواطفِها وحماسِها، وليس بعقولِها، وتفكيرِها، فهي لم تفكر في
مصداقيةِ توبةِ صدام، كما لم تفكر في مصداقيةِ إسلامِ الخميني، كما لم تفكر في
مصداقيةِ دعاوى عبدِ الناصر، كما لم تفكر في مصداقية من قبلَه، تُضخمُ الأوهامَ
وتصورُها حقائقَ، وتطمسُ الحقائقَ وتصورُها أوهاما. من أسبابِ
غيابِ الوعي أو تغييبِه غيابُ الثوابتِ في وعي الأمة: غيابُ الثوابتِ
العقديةِ، غيابُ القسطاسِ المستقيم، الذي توزنُ به الأقوالُ، ويوزنُ به الرجال،
غُيبتِ الموازينُ وغيبتُ التجاربُ التاريخية، فالأمةُ لا تُقيمُ بمقاييسَ ثابتةٍ
ومعاييرَ منضبطة، ولكن كما سبقَ تقيمُ بعواطفِها، فكلُ من لوحَ لها بنبرةِ
التحدي، اصطفتَ في صفِه، وكلُ من لوحَ لها بالانتقامِ اصطفت ورائه. هذه أسبابُ من
أسبابٍ فما العلاج؟ ألا إن العلاجَ هو
إعادةُ تربيةِ الأمة، إعادةُ بناءِ الإنسان، بناءُ أسسِه، بناءُ معاييرِه في
نفسِه، أما المعايير والأسسُ فهي ثابتةُ لكن نحتاجُ إلى بناءِها في النفوس،
بناءُ الأمةِ وتربيتُها حتى تعرفَ طريقَها، بدلَ أن تضعَ يدها في يدِ كلِ من
يّدعي أنه ينقذُها، بدلَ أن تستجيبَ إلى كلِ يدٍ تلوحُ لها من بعيد. إن الباطلَ لن ينتصرَ
إلا في غيبِةِ الحق، ولذا فنحنُ أمامَ ضرورةِ تنميةِ الوعي، ونقلِ تجاربَ
التاريخِ للأجيال، وهذه مسئوليةُ كلِ فردٍ منا، في التوعيةِ بالقضايا، والتذكيرِ
بالتاريخ، فقد تذهبُ الأجيالُ التي خُدعت وأخطأت، وتأتي أجيالُ أخرى تمارسُ
معَها ذاتُ اللعبةِ، ويتكررُ منها نفسُ الخطأ. وعندما تُبنىُ الثوابتُ،
وتُوظفُ المعايير، وتعيشُ الأمةُ على منهجٍ واضح، فإن الذي يعيشُ على منهجٍ
واضحٍ لا يمكنُ أن يمنحَ الثقةَ لشخصٍ ذو ماضٍ إلحادي، ولا شخصٍ ذو ماضٍ إجرامي. وبذلك تستريحُ الأمةُ من
طفراتِ توزيعِ الولاءات، تسترح الأمةُ من القفزِ من
اليسارِ إلى اليمين، ومن اليمينِ إلى
اليسار، ومن الوسطِ إلى الخلف، ومن الخلفِ إلى خلفِ الخلف. أما الأنظمةُ فلا يوثَقُ
بها لدعواها تصحيحُ الوعي، ونشرِ الثقافة، ولانفتاحِ على العالم، في الوقتِ الذي
نرى ونسمعُ تلك الأنظمةُ وهي تمارسُ في وسائلِ إعلامِها درجةً رهيبةً من
التغفيل، وتعاملُ شعوبَها على أنها قد أوقفت سمعهَا وبصرَها وتفكيرَها على تلكَ
الوسائلُ الإعلاميةُ المهترئة. إن على الأمةِ
أن تعي أن الذي لا يخافُ الله ليس لديه معيارُ ثابتُ يمكنُ التعاونُ معَه على
ضوئِه، فلا عجبَ أن ينقلبَ عدوا بعد صداقتِه، وغادرا بعد مسالمتِه، ولكن العجبَ
ممن وثقَ به أصلا، فهل تحنكُنا التجارب. لنبحث عن إخوةٍ للصدام
لا زالوا يجلسونَ على الكراسي قد نبتلىَ منهم بعد ذلك ببقاعةٍ. إن الأمةَ لا
تنتصر ولن تنتصر إلا إذا أدركت درجةً من الوعي، يكشفُ لها عن مشخصاتِها، وعن
رسالتِها وأهدافِها، وما يميزُها عن عدوِها. وضدَ هذا الوعيُ هو
الغفلةُ التي جعل القرآنُ أصحابَها أضلُ من الأنعام، وأخبرَ عنهم بأنهم حطبُ
جهنمَ ووقودُ النار: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا
لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ
بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ
بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ
الْغَافِلُونَ). ألا إن المسلمينَ
الأوائلِ كانوا أبعدَ الناسِ عن الغفلةِ والتغفيل، وأوفاهم حظا من الوعيِ الذي
رباهم عليه القرآنُ وسماهُ فقها وسماهُ عقلا. كان المسلمونَ
يعرفونَ من هم، يعرفونَ ما غايتُهم، ما رسالتُهم على ظهرِ الأرض، من عدوهمُ الذي
يقاتلون، من صديقُهم الذي يصادقون ويوالون. وكان أعداءُهم
الذين يقاتلونَهم لا يفهمونَ شيئاً من ذلك إلا ما يصبُ في آذانِهم، فيرددونه
كأنهم ببغاوات. والذي يقرأُ القرآن
الكريم، تتضحُ له هذه الحقيقةُ جليةً ناصعةً، فهو يخاطبُ الرسول صلى الله عليه
وسلم بعد غزوةِ بدرٍ فيقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ
صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) –لماذا-( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا
يَفْقَهُونَ). فعللَ غلبةَ
المؤمنينَ على الكفارِ رغمَ قلةِ عددَ المؤمنين لأن الكفارَ قومُ لا يفقهون،
فالغلبةُ المفهومةِ جاريةُ على سننِ اللهِ وكونِه. فهل نتحملُ أيتها الأمةُ
مسئوليةَ إعادةِ الفقهَ والعقل والوعي لأمتنِنا التي طالما غيّبَ وعيُها، ومورست
معهَا أبشعُ أنواعِ الاستخفافِ بالعقل الذي ميزَ اللهُ به الإنسان، ومورسَ معَها
أبشعُ أنواعِ تغييبِ الوعيِ وتظليلِه، ومورسَ معها عمليةُ إضاعةٍ في صحراءِ
التيه لا ندري متى ترجعُ منها إلى الصراط المستقيم. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ
الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب
فاستغفروه وتوبوا إليه أنه هو الغفور الرحيم. ............................ الحمدُ لله على إحسانه
والشكر له على توفيقه وامتنانِه. وأشهد أن لا إله إلا اللهُ تعظيما لشأنه. وأشهد أن محمدا عبده
ورسولُه الداعي إلى رضوانه. صلى الله عليه وعلى آله
وأصحابه وإخوانِه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد أيها الناس:
اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وأعلموا أن أصدق
الحديثِ كتابُ الله، وخيرِ الهدي هدي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وشرَ الأمورِ
محدثاتها، وكلَ محدثة بدعة، وكلَ بدعةٍ
ضلالة، وكل ضلالة في النار. واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال جل وعلا: ( إِنَّ
اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) . اللهم صلي وسلم
وبارك أطيب صلاة وبركة على نبيك محمد النبي الصادق الأمين، وعلى آل بيته الطيبين
الطاهرين، وخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة أجمعين. اللهم أرضى عن أصحابِ
نبيك أجمعين، اللهم أرضى عنهم وأرضهم. اللهم العن من
لعنهم وعادي من عادهم، واحشرنا في زمرتِهم، وأسلك بنا طريقتَهم. اللهم أبرم لهذه الأمةِ
أمر رشدٍ يعز فيه أهلُ طاعتِك، ويذلُ في أهل معصيتِك، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى
فيه عن المنكر، وتقالُ فيه كلمةُ الحق لا يخشى قائلُها في اللهِ لومةَ لائم اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين. اللهم ولي على
المسلمين خيارَهم، ولا تولي عليهم شرارهم، وأجعل قيادة المسلمين وولايتَهم في يد
من خافك وأطاعك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). ولذكر اللهُ أكبر واللهُ
يعلم ما تصنعون. تم بحمد
الله وتوفيقه. ............................ للاستماع إلى
المحاضرة: تم بحمد الله وتوفيقه: أخي الحبيب – رعاك الله لا
نقصد من نشر هذه المادة القراءة فقط أو
حفظها في جهاز الحاسب. بل نأمل منك تفاعلا أكثر من خلال: -
إبلاغنا
عن الخطأ الإملائي كي
يتم التعديل. -
نشر
هذه المادة في مواقع أخرى قدر المستطاع على الشبكة. -
مراجعتها
ومن ثم طباعتها وتغليفها بطريقة جذابة كهدية للأحباب والأصحاب. -
الاستئذان
من الشيخ لتبني طباعتها ككتيب يكون صدقة جارية لك إلى قيام الساعة. من خلال اقتراحاتك
وتوجيهاتك لأخيك يمكن أن تساهم
في هذا العمل الـجـليل. اللهم اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم. أخي الحبيب لا تحرمنا ومن شارك في هذا الجهد من دعوة صالحة في ظهر
الغيب.. للتواصل: أخوكم البوارق
/ anaheho@maktoob.com واحات الهداية / http://www.khayma.com/ante99/index.htm .................................... |