|
|
7/1/1424هـ غياب الوعي
فضيلة الشيخ : عبد الوهاب
الطريري
الحمد لله الذي
هدانا للإسلام، وعلمنا الحكمة والقرآن، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وألبسنا
لباس التقوى خير لباس. أحمده وأشكره،
واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى
الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد أيها الناس اتقوا الله حق التقوى. أمة الإسلام، أمة
الإيمان، امة الهدي الإلهي، والسنن المحمدي، أمة القرآن والصراط المستقيم. أيها الأخوةُ المتحابون
بجلالِ الله، إن رزايا الأمةِ كثيرة، وجراحتِها عميقة، وأوجاعِها معطِبة، ولكنَ مصابَ
الأمةِ الذي هو في حقيقتِه كارثة، وجُرحُها الذي يصيبُ منها مقتلاً، حينما يكونُ
الداءُ في الإنسانِ ذاتِ الإنسان، عندما تصابُ الأمةُ في الفردِ، في وعيهِ في
تفكيرِه في قناعاتِه، حينما تلفتُ فترى فئاماً كثيرةً
من شعوبِ الأمةِ ينطبقُ عليها قولُ الإمامِ عليُ رضي الله عنه: همجُ
رُعاعُ أتباعُ كلِ ناعق. وقلبِ البصرَ
كرتين، قلبهُ في شعوبِ الأمةِ الإسلاميةِ لترى أنها مصابةُ في داخلِها، مصابةُ
في بناها الداخلي، في عمقِها المعنوي، إنها باختصارٍ شديد: تعيشُ حالةَ غيبَة وعي. إنك تراها فترى
شعوبا لم تُحنكَها التجارب، ولا تُلقنُها الأحداث، ولا تلدغُ من الجحرِ الواحدِ
مرتين، وإنما تلدغُ من الجحرِ الواحد مراتٍ. أمةُ أكلت من
الخداعاتِ حتى أُتخمَت، ومع ذلكَ تكررُ عليها الخدعَةُ، ويتكررُ منها الخطأ
نفسُه. وسر في ركابِ
تاريخ الأمةِ القريب لترى من ذلك عجبا، وحقَ لك أن تعجب. أما اهتزت
الأمةُ طربا، وترنحت راقصة: عندما صفقت للغزي
(مصطفى باشة كمال)، الذي صار فيما بعد (مصطفى كمال أتتُرك)، ونظرت إليه على أنه
خالد أبن الوليد، وصلاح الدين، ودفع الأتراك، أبناء السلطان محمد الفاتح دمهم
وعرقهم معه، وهتف (شوقي) محييا له: اللهُ
أكبرُ كم في الفتحِ من عجبِ
....... يا خالد التركِ جدد خالدَ العرب حذوت حربَ الصلاحيين في زمن ............ فيه القتالُ بلا شرعٍ ولا
أدب تحية أيها
الغازي وتهنئة ............... بآية الفتح تبقى آية
الحقب ثم استبان الأمر، وإذا بمصطفى
كمال يركلُ المصحف بقدميه، ويلغي الخلافةَ بيديه، ويستبدلُ الهويةَ الإسلامية
بالعصبية الطورانية، في مسلسل من المسخ المقيتِ
لمعالم الإسلام، حتى منعَ أن يرفعَ الأذانُ بالعربية، ثم نسيت الأمةُ كعادتها. نسيت الأمةُ
كعادتها، ودفع الجزائريون دماؤهم المليون: حتى إذا أحرزوا النصرَ،
قفز إلى الكرسي (أحمد بن بله)، فلما جلس على الكرسي (تفل) على القبلة، واستقبل
موسكو، وصلى على دين لينين، حتى إذا انقلبت به الكرسي أخرى، واعتقل في الإقامةِ
الجبرية، خرج وقالت الأمة التي تنسى سريعا، قالت الأمة إنه قد حفظ القرآن في
السجن، ثم نسيت الأمة والتي اعتادت أن تنسى. نسيت الأمة
كعدتها، وسارت خلف الزعيم الملهم (جمال عبد الناصر): وكانت النخبة المثقفة،
وغوغاء الشارع تعيش حالة غيبوبة مع لذة التحدي، وزهو المواجهات الكلامية، وكانت
الشوارع في المدن العربية تعيش حالة إنكفاف، لا ترى
فيها سائرا يسير في الساعات التي يليق فيها الزعيم الملهم خطابه. ورددت الأمة
شعارات غبية ساذجة نحو: (بالروح بالدم نفديك يا جمال)، (من الخليج الثائر إلى
المحيط الهادر خلفك يا عبد الناصر)، إلى آخر الشعارات التي يذكرها كهول اليوم
شباب الأمس. ثم فتشت الأمة في تركة
الزعيم، فوجدت حكما دكتاتوريا، مارس أقسى وأبشع أنواع التسلط والقمع وتدجين
الشعب ومحق كرامته وسحقها، فتشت الأمة في التركة فوجدت النكبة التي سمتها نكسة،
ووجد من حملة المباخر من يقول: إن إسرائيل هزمت في عام 1967، وعجبنا كيف ذلك؟ قالوا لنا: إنها هزمت لأنها فشلت في القضاء على الثورة،
وفشلت في إسقاط الزعيم، أما سيناء فما
هي إلا صحراء من رمال لا يهم أن تفقدها الأمة. وظل بعض سدنة الأصنام
يرددون بعد موته: أتسأل عن أعمارنا؟ أنت عمرنا ..... وأنت لنا المهدي
أنت المحرر وأنت أبو
الثورات أنت وقودها ..... وأنت انبعاث الأرض أنت التغير ثم نسيت الأمة كعادتها. نسيت الأمة
كعادتها، فما هو إلا أن هتف لها (الخميني) بأسم الإسلام : حتى انجفلت له الشعوب
الظامئة إلى التحدي الأجوف، وأحمر الأيدي تصفيقا، وبحت الحناجر هتافا، ثم استبان
أن الإسلام الذي يهتف به الخميني ليس إسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر
وعمر، وإنما إسلام الرفضة القائم على لعن الشيخين،
وعليه يوقع الخميني، وآيات (قم) وحججها من بعده، ثم نسيت الأمة كعادتها. نسيت الأمة
كعادتها، وشدت ركابها في موكب فارس القادسية: أعني (قادسية صدام)، الذي يدافع عن البوابة الشرقية للوطن العربي،
وسمعنا من تنادي: تقاتل
بغداد عن أرضنا بالوكالة. وتحرس
أبوابنا بالوكالة. لماذا؟
لماذا يموت العراقي حتى يؤدي الرسالة؟ وأهل
الصحارى سكارى، وما هم سكارى. يحبون قنص
الطيور، ولحم الغزال، ولحم الحبارى. بل نُظر إلى أن ذلك النظام
هو النظام الذي يخلص من كل نظام رجعي متخلف، ونادت شاعرة الكويت، الكويت ذلك
البلد الذي ما عرف المشنقة، وما عرف السجن، وما عرف المخبرين، البلد الذي إذا
ذكر، ذكر على أنه أوسع البلاد العربية رئة تتنفس الحرية، ومع ذلك نادت تلك
الشاعرة العراق ونظام العراق، بلد القتل والسحل والغارات بالغازات
تقول: يا عراق
الشعر سامحنا.. فإن القمع
في بلداننا أعمى العيون. أعطني شبرا من الأرض يسمى وطنا.. ما به
مشنقة أو مخبرون. أعطني شبرا من الأرض يسمى وطنا... لا تغطيه المنافي والسجون. ثم أفاقت الأمة، أفاقت
على الكارثة التي أودى بها ذلك النظام، وكان أشد من صلي نارها شعبُه وبلدُه،
ونحن اليوم على يقين أنه يوجد من حملة المباخر من سيردد أن صدام انتصر معنويا
وإن هزم عسكريا، وأن انسحابه أحرج الدول المتحالفة، وأن انسحابه ليس بدعا من
الأمر، فهو كانسحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤته. وأفرزت هذه الأزمة صورا
كريهة من غياب الوعي، وتغييبه، ومن ذلك: سلسلة التفاضح، وكشف ألأوراق بين الأنظمة العربية: حتى وصلت إلى الخيانة،
نعم والله الاتهام بالخيانة، وليس من حق الشعب المسكين المغلوب على عقله أن
يتساءل وبراءة الأطفال في عينيه كيف مضت تلك السنون في علاقات حميمة بين تلك
الأنظمة، لم تعكرها الجرائم ولا الخيانات. بل الأمر الأهم أن هذا التفاضح لا يعدو الشماتة والتشفي في حدود ذات الأنظمة،
وسترجع ألأمور كما كانت، ولن تؤثر هذه العورات في المستقبل، كما لم تؤثر في
الماضي، أما الشعوب فستنسى كعادتها. ومن صور تغييب
الوعي الذي لا يدرك في الشهادات العلمية الكبيرة: نبأ تلك الشاعرة
الدكتورة التي صورت الجندي العراقي وكأنها يدافع عن البوابة الشرقية للوطن
العربي، فأمطرته بوابل من القصائد، تتغزل بجرحه، وخوذته فتقول: أعطني الجرح
الذي يزهر في معركة الفاو.. وخذ ثغر الحبيب. أعطني خوذة
جندي عراقي.. وخذ ألف أديب. ونسيت تلك الشاعرة
أن ذلك الجندي لم يكن يدافع عن الوطن العربي، بل ولا عن الوطن العراقي، ولكن كان
يدافع عن نظام (صدام) خوفا من كتيبة الإعدام التي وراءه، وكان ستحق منا الشفقة
أكثر من حاجته للإشادة. ثم يساير شاعر دكتور
المسيرة نفسها، فيصف (صدام) بأنه فارس ساقط، ساقط فقط، ولم يسقط بكفره القديم،
ولا بظلمه المتأصل، لم يسقط ببطشه بأبناء شعبه، لم يسقط بالمدن التي دمرها بالغازات، لم يسقط بذلك كله، لكنه سقط عند ذلك الشاعر
الدكتور عندما تعدت نزوته إلى خارج حدوده الجغرافية. من علاماتِ
غيابَ الوعي في هذه الأزمة المعالجةِ الخاطئة للأزمة: والتي كرست ربط
مصيرِ الأمةِ بالأفراد، فالكوارثُ تجيءُ من فرد، والخيراتِ والمنجزاتِ تجيءُ هي
الأخرى من فرد، والشعبُ ليس له حقوق، بل عليه واجبات، وليس له عقل، ولكنه ببغاءُ
عقلُه في أذنيه أو هكذا تفترضُه تلك الوسائل. ومن صورِ
تغييبِ الوعي تصديقُ الدعاوى في التوباتِ القولية التي تُكذبُها الأفعال: وكأن الإسلامَ مجردُ
شعار، وليس ذا مدلولٍ شامل، فما هو إلا أن يٌرفع الإسلامُ في دولةٍ أو نظام
شعارا، حتى تنجفلُ إليهِ الأمةُ من غيرِ تفكيرٍ في
مصداقيةِ هذه الدعوى، وخذ مسلسلا طويلا من الصورِ التي أفرزتها تلك الأزمة كلَها
شواهدَ على غيابِ الوعيِ أو تغييبِه. .................................... |