|
وقفات!
فضيلة الشيخ : عبد الوهاب
الطريري
الحمدُ لله
مقدرِ الأقدار، ومكورِ الليلِ على النهار، وهو وحدَه جل وعلا العزيزُ القهار، أحمدُه
وأشكرُه، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، بيدِه الأمرُ كلُه، وإليه
يرجعُ الأمرُ كلُه. وأشهدُ أن محمدا
عبدُه ورسوله أفضلَ نبيا وأشرفَه وأزكاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع
سنتَه واقتدى بهداه. أما بعدُ أيها الناس،
اتقوا اللهَ حق التقوى. أيها الأخوةُ المتحابون بجلالِ الله، الواثقونَ بموعودِ الله، أهلِ
التوحيدِ والإيمانِ والعقيدة: ها نحن نعايشُ أزمةَ
الأمةِ في الخليج، وهي في ما يبدو للناسِ تصاعدُ إلى ذروةِ قمتِها، وتدنو من
أضخمِ تفاعلاتِها، وهنا لابدَ أن تكونَ لنا وقفةً، نأخذُ منها الدرسَ والعبرة،
ونتذاكرُ بعض عظاتِ الأحداثِ لنا، وإن كانت عادتُنا السالفةُ المجيدة أنا لا
نأخذُ العبرةَ من حدث حتى يمضيَ ويُنسى، ثم تُنسى بالتاليَ دروسُه وعبرُه، فهل
نبادرُ هذه المرة، فنأخذُ الدروسَ من الحدثِ ولم ينتهي بعد. أيها
الأحباب، إن مما ينبغي أن نعيَه جيدا أمورُ منها: أولا: أن هذه الأزمةَ التي نعيشُها ما
هي إلا حلقةُ من سلسلةِ الصراعِ بين أبناء الأمةِ الواحدة. هذه الأمةُ التي مزقَ
الاستعمارُ كيانَها الضخمَ إلى دويلاتٍ رسم الاستعمارُ حدودَها ثم قدستَها
الشعوبُ، وتحولت هذه الحدودُ إلى قنابلَ موقوتةٍ تفجرُ عند الحاجةِ، ولا زالت
الكياناتُ الموجودةُ في هذه الدول تواصلُ مشوارها في استغلالِ الناس واستغفالهِم
واستثمارِ سذاجتِهم، بل وبنفسِ الطريقةِ الماضية، بل وبتكريرِ اسطوانةِ
المتاجرةِ بالقضيةِ الفلسطينية. ولا زالت شعوبُ كثيرةُ
مؤهلةُ لقبولِ هذا الاستغفال، بل لا زالَ كثيرونَ يمارسون دورَهم في تسطيحِ
عقولِ الأمة لتمررَ عليها مثلُ هذه الخداعات، فإذا الأمةُ اليومَ معزولةُ عن قضاياها،
اهتماماتُها مهمشةُ، وهناكَ من يفكرُ بالنيابةِ عنها، ويتصرفُ بالنيابةِ عنها: ويقضى
الأمرُ حين تغيبُ تيمُ ...... ولا يستأمرونَ
وهم شهودُ إن هذه قضيةُ ينبغي
أن لا ينسيناها تدويلُ الأزمة، ينبغي أن نكونَ على
ذكرٍ من أن هذه أزمةُ بين أبناءِ الأمةِ الواحدة، وبين شعوبِ الأمةِ الواحدة. هذه الأمةِ التي
خُدعَت يوم سُلبت هويتَها الإسلامية، وحُجرت في خندقِ العروبة، ثم قُلمتِ
العروبةُ إلى عراقٍ ويمنٍ ومصرٍ وشام، فتجدُ الإقليميةَ قبل العربية، والعربيةُ
قبل الإسلامية. إذا نحن أمام
أمرٍ ضخمٍ وهو تصحيحُ هويةَ الأمة، وتوضيحُ قضاياها، ورفعُ مستوى الوعيِ لديها،
وأن هذا أمرُ تتحملُ فئاتُ كثيرةُ مسئوليتَه، وتبوء أيضا جميعا بإثم التقصيرِ
فيه. من هم الأبرياء؟ نحنُ
جميعا حاملوا ... عارِها ولا
استثناءُ عقلُنا فكرُنا، هزالُ أغانِينا ...
رؤانا أقولُنا الجوفاءُ نثرُنا
شعرُنا جرائدُنا الصفراءُ ... والحبرُ والحروفُ الإماءُ البطولاتُ موقفُ مسرحيُ .... ووجوه
الممثلينَ طِلاءُ وفلسطينُ
بينَهم كمزادٍ ... كل شارٍ يزيدُ حين يشاءُ ثانيا:
رأينا من خلالِ هذه الأزمة كيف أن الإسلامَ صار متمسحا لكلِ طاغيةٍ يمررُ من
خلالِه جرائمَه، ويبررُ به مواقفَه، ويخاتلُ الأمةَ بالتظاهرِ به. وما تجرأ الطغاةُ على
ذلك لولا ثقتُهم بوجودِ مغفلينَ ينخدعونَ بذلك، ووجودِ مطبلينَ يزمرونَ لذلك،
وهذا –أيتها الأمةُ المسلمة- دليلُ فعليُ على حاجةِ الجماهيرِ الماسة، إلى
توعيةٍ بدينِها، وحاجةٍ ماسةٍ إلى ربطِها بالدعاةِ الصادقين، وبحاجةٍ ماسةٍ إلى
أن يكونَ العلماءُ والدعاةُ هم الذين يصوغونَ الوعيَ للأمة، لا أن تتركَ عواطفُ
الجماهيرِ لمن يتاجرُ بها بالمزادِ العلني. ثالثا: إن علينا أيها الأحباب أن نستقبلَ
الشدائدَ والكربِ بالفزعِ إلى من بيدِه الأمرُ كلُه، وإليه يُرجعُ الأمرُ كلُه،
وذلك بالرجوعِ إلى الله رجوعا فعليا، وليس بمجرِ الكلامِ والأقوال. ومن مظاهرِ
الرجوع إلى الله التوبةُ النصوحِ من المنكراتِ جميعا، وخصوصا ما استعلنَ منها، ومن مظاهرِ الرجوعِ
إلى الله التوبةِ من السكوتِ أمامَ المنكرات، والصمتِ عند رؤيتِها، فإن
السكوتَ أمامَ المنكرِ منكرُ آخر، ولو أنا جميعا أخذنا بأيدي الواقعينَ في
المنكراتٍ مناصحةً وتسديدا، ومساعدةً وتوجيها لنحسرَ كثيرُ من الشرِ، ودفعَ عن
الأمةِ كثيرُ من البلاء. من مظاهرِ
العودةِ على الله رفعُ الظلمِ بكافةِ صورِه وأشكالِه، رفعُ الظلمِ
بمعناهِ العامِ الواسع، وإن من الظلم وضعُ الشيءِ في غيرِ موضِعه، فكم من
الأشياءِ قد وضعت في غيرِ مواضِعها، كم من أمرٍ قد وسد إلى غير ِ أهلِه، كم من
مالٍ لم يوزعَ بحق، وكم من مالٍ قد أخذَ بالباطل، ومنعَ أصحابُه من حقوقِهم أو
موطلوا حتى يرضوا ببعضِ حقِهم. قال شيخُ الإسلام ابن
تيميةَ رحمه الله: إن اللهَ لينصرُ الدولةَ العادلة،
ولو كانت كافرة، ويخذلُ الدولةَ الظالمة، إن كانت مسلمة. من مظاهرِ
العودةِ إلى اللهِ تلمسُ الفقراء، وذوي الحاجاتِ والمعوزينَ في مجتمعات الأمة،
ففي المجتمع صورُ موجعةٍ لأناسٍ مرة الطفرةُ ولم يشعرُ بها، وجاءتَ الأزمةُ
فسحقتهم شدتُها، هناكَ أعرابُ يعيشون مع بهائمِهم يطعمونها بقايا أموالِهم
وبقايا قلوبِهم، هناك في قرىً نائيةٍ أناسُ يقتاتونَ ولا قوتَ لهم إلا مرتباتُ
الضمانِ الاجتماعي، التي قد تكفي للضرورةِ وقد لا تكفي. هناك الضعفاءُ
الذين يعيشون عندَنا وبينَنا، أين؟ ابحثوا عنهم وستجدونَهم في شقوقِ الأحياءِ
الشعبيةِ التي كنا نسكنُها قبل أن يخرجُنا اللهُ من السجنِ ويجيءَ بنا من البدو
وننداحَ في هذه القصورِ المشمخراتِ في الهواء. نعم هناك في شقوقِ
الأحياء الشعبية بيوتُ تغلقُ أبوابُها على العوزِ والفقرِ والفاقة، تعبسُ جدرانُها
المتشققة في وجوهِ أصحابِها، هناكَ صورُ من الفقرِ الموجعِ والحاجةِ الماسة،
نتحملُ جميعا مسئوليةَ تلمسِها والرفقِ بأهلِها، وسدِ عوزِهم وحاجتِهم، سامعِ
إلى نبيكَ وحبيبِك محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم يقول: ابغوني الضعفاءَ
فإنما ترزقونَ وتنصحونَ بضعفائِكم. علينا أيها الأحبابُ
أن نجعل بالله ايلاذَنا وعليه اعتمادَنا وبه
ثـقَتَنا، فهو حسبُنا ونعم الوكيل، هو جل جلالُه القاهرُ فوقَ عبادِه، هو الذي
يجيبُ دعوةَ المضطرِ إذا دعاه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ
اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ. رابعا:
إننا ونحن نأخذُ بالأسبابِ المشروعةِ، ونتخذُ الاحتياطياتِ الأمنية. ونستعدُ للأمرِ قبلَ
وقوعِه، نفعلُ ذلك تأسياً بنبيِنا صلى اللهُ عليه وسلم الذي ظاهرَ بين درعينِ
يومَ خرجَ إلى المعركة، والذي ادخرَ قوتَ سنَه، ونحنُ نعيشُ في عالمِ الأسبابِ،
ولكن ذلك ينبغي أن يكونَ مقترنا بالإيمانِ بالله جل وعلا، والتوكلِ عليه عز وجل،
واليقين بأن هذهِ أسبابُ فوقَها قدرُ اللهِ وتدبيرُه، وقد قالَ اللهُ للمؤمنينَ
وقد كان عددُهم نحو اثني عشرَ ألفا، وقد واجهوا المشركين وكان عددُهم نحو ثلاثةِ
ألاف، فقال اللهُ لهم: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ
عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ). .................................... |