|
كشفُ حسابَ
الأمة
فضيلة الشيخ : عبد الوهاب
الطريري
إن الحمد لله نحمدُه
ونستعينه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ
أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مظلَ له، ومن يظلل فلا هادي له. وأشهد أن لا
إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه
وعلى آله وصحبه وسلمَ تسليما كثيرا. أما بعدُ أيها الناس،
اتقوا اللهَ حق التقوى. أمةَ الإسلام،
ونحن نودعَ قافلةً من قوافلِ الزمن، ومرحلةً من مراحلِ التاريخ، نودعُ عاما
ونتلقى عاما، نتذكرُ أننا ودعنا عاما له أحداثُه العاصفة، وهزاتُه العنيفة،
ودعنا عاما مرة فيه أحداثُ حفرت فيه أخاديدَ في وجهِ التاريخ، وكان لنا فيه
بلاءُ وابتلاء. لقد عشنا في العامِ
الذي نودعُه ما سمي بأحداثِ الخليج، وما تفاعلَ عنها بعدُ من أحداث، وما
استتبَعها بعدُ من آثار، وكان حدثا له شأنُه بل كانت أحداثا لها شأنُها، وإن من
أعظمِ أنزاعِ الغفلةِ أن تمرَ هذه الأحداثُ كلُها فلا تذكرَ إلا كحلمٍ من
الأحلام، أو كوهمٍ من الأوهام، ثم لا نرى بعدُ في الواقعِ أثرا ولا تأثرا. فعياذا باللهِ أن نكون ممن قال اللهُ فيهم: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ
فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ
يَذَّكَّرُونَ. وإلا فكم كشفت
هذه الأحداثُ من عورة، وأظهرت من عبرة، وأحدثت من عظة، فهل من مدكرٍ أو معتبر!! لقد كشفت هذه
الأحداثُ أن الأمةَ مغيبةُ عن قضاياها، معزولةُ عن تقريرِ مصيرِها، كشفت أنه
ليسَ في الأمةِ شعبُ واحدُ فقط الذي لا يملكُ حق تقريرِ المصير، ولكن شعوبا من
الأمةِ كثير لا تملكُ حق تقريرِ المصير. أنظر إلى الأمةِ وكل
ما أتى عامُ أو مضى فإذا همها أن يمضي بسلام، هم الناسِ أن يمضيَ هذا العامُ
بسلام، أصبحنا أمةً سلبيةً حالُها الترقبُ لما يحدث، أو بالأصحِ حالُها الترقبُ
لما يُصنعُ بها، ولم نعد تلكَ الأمةُ التي تستشرفُ المستقبل ليكون لها دورُها في
رسمِه وتوجيهِه، وليكونُ لها فعلُها وأثرُها. إن ذلك سمةُ من سماتِ
الذلة التي تعايشُها الأمة، هذه الذلةُ هي أثرُ من خبرِ رسولِ اللهِ (صلى الله
عليه وسلم) يومَ قال: إذا
تبايعتُم بالعينة، وتبعتُم أذنابَ البقر، وتركتمُ
الجهادَ سلطَ اللهُ عليكم ذلاً لا ينزعُه عنكم حتى تراجعوا دينَكم. أيها الأخوةُ في
الله، إن تركَ الجهادِ على فضاعتِه وأنه جريمةُ تاريخية، لم يعد ذنبا الآن، بل
لقد تعدى الأمرُ في هذا الوقت إلى تركِ الجهادِ ثم إعزازِ الباطلِ وأهلِه،
وتمكينِ الفسادِ وتثبيتِه، وجهادِ الحقِ وأهلِه. نعم إن الجهادَ موجودُ في واقعِ الأمة، ولكن لمن؟ للداعينَ إلى
الله. وبمقارنةٍ سريعةٍ
ننظرُ فنرى: لمن الصيتُ
اليوم، لمن الشهرةُ اليوم، بمن الحفاوةُ اليوم؟ إن ذلك كلُه
لأقلِ الناسِ نفعا، بل لأصحابِ الاهتماماتِ المنحطة من المغنين والفنانين، وشيدت
لأولئك العابثينَ صروحا من المجدِ شامخةً، صار اللعبُ جدا، واللهوُ حزما،
وتحولتِ الهواياتُ إلى قضايا واهتمامات. أما الناصحون أما
المصلحون أما الداعونَ إلى تحكيمِ شريعةِ الله، أما المنادونَ بتخليصِ الأمةِ من
عصاباتٍ طالما استبدت فأفسدت، تخليصِ الأمةَ من مغامرينَ طالما ساموا الأمةَ
خسفا وتدجينَا. هؤلاء المصلحونَ نصيبُهم السجونَ
والمعتقلات. حظُهم الشماتةَ والسخرية من أجهزةِ
الإعلام. حظهم التواطؤ القذرُ من شُللِ الكتابِ لإمطارِهم بالأوصافِ
الشنيعة: فهم
الأصوليونَ والوصوليون. هم
الفضوليونَ وهم الفوضويون. هم دعاةُ
الشغبِ والفتنة. هم الذين
يطاردُهم الإنتربول. هم الذين
يعرضونَ أمامَ المحاكمِ العسكرية ليواجهوا بسبعِ تهم. هم وهم إلى آخر ذلك المسلسل القذرِ من
التهمِ المعلبةِ والجاهزة: وَمَا
نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. فكيف تفلحُ
أمةُ أو تنصر أو تمكن وهذه مقاييسُها، وهذا نصيبُ أهلُ الحقِ فيها وهذه
مكانتُهم. جاءت أحداثُ العامِ
المنصرم لتبينَ لنا من خلالِ سلسلةِ التفاضحِ بين الأنظمةِ أن مصائرَ الأمةِ في
أماكنَ كثيرة ليست في أيدٍ أمينة، لقد أبانَ نشرُ الغسيلِ المتبادلِ بين الأنظمة
أن هذه الأنظمةُ لم تجمع فقط رذائلَ الدكتاتورية وإنما جمعت إليها أيضا التعري
عن المبادئ، فهي أنظمةُ لا تخدمُ دينا، ولا قوميةً ولا شعبا، وإنما تخدمُ شهواتِ
أربابِها، وتضحِ في سبيلِ ذلك بمصائرِ الشعوبِ وأقواتِهم وأحوالِهم كلِها لتذهبَ
في مغامرةٍ طائشةٍ لسادنِ ذلك النظامِ أو ذاك. وعلى سبيلِ
المثالِ فالنظامُ الذي يقتاتُ بمقولةِ (أمةُ عربيةُ
واحدة، ذاتُ رسالةٍ خالدة)، تبينَ أنه أولُ من يشرخُ هذه الوحدة، وأول من
يضيعُ هذه الرسالة. وتيقنَت الأمةُ
واستفاقت إن كانت تفيق أن مصائرَها في أيدِ عصاباتٍ من المغامرين، وهنا لابدَ أن
نعلم أن مسئوليةَ الأمةِ مباشرُةٌ عن ذلك، وليس يجدي أن تظلَ الأمةُ في حالةِ
مناحة، تشنعُ على الأنظمةِ وقياداتِها، ولكن الأمةَ تتحملُ مسئوليتَها لأن اللهَ
جل جلالُه يقول: وَكَذَلِكَ
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ. إن كلَ
نظامٍ هو جزءُ من الأمةِ وأن الناسَ يولى عليهم بعضُهم، ولا يستخفُ النظامُ
بأمةٍ، ولا يطيشُ بها إلا إذا كانت أمةً قطيعا قابلةً للقياد. إن الأمةَ
تعيشُ حالةَ القطيع وتفقدَ أن تعيشَ حالةَ الصف، إن الغربَ مع الأسف
تعيشُ شعوبُه حالة الصفِ المنظم، وأما الشعوبُ المسلمةُ فهي تعيشُ حالةَ القطيعِ
الذي ينساقُ لمن ينعِقُ له. إن اللهَ
وصفَ فرعونَ فقال: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ. إن فرعون بنى دكتاتوريتَه على
قومٍ قابلينَ للاستخفافِ، استخفَهم فاستخفوا، والأمةُ اليومَ تعايشوا وضعا شبيها
بذلك، إن الشعوبَ تتحمل تبعةَ مسئوليةِ ذلك كلِه. أمةَ الإسلام: جاءت هذه الأحداثُ
لتبينَ أننا أحوجَ ما نكونُ إلى الوضوحِِ في النقد. وأننا
أحوجَ ما نكونُ إلى تلمسِ الأخطاء، ومعالجةِ العوار. أننا أحوجَ ما نكونُ إلى أن نتهادىَ
العيوب، وأن نعالجَ الأخطاءَ أيا كانت هذه الأخطاء، في أي موضعٍ وعلى أي مستوى. نحنُ أحوجَ ما نكونُ إلى تحقيقِ قولِ
اللهِ تعالى:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر. نحنُ بحاجةٍ إلى الحفاوةِ بالصوتِ
الناصح، وأن يكونَ للناصحينَ قدرُهم ومقامُهم الذي لا يُنقص. لقد سأِمنا كثرةَ
التغني بالفضائل، والتمدحِ بالأعمال، سأمنا الإشادات، وواللهِ
ما أجدت ولا أغنت، وإنما أوهمت ببلوغِ الكمال، حتى إذا احتجنا إلى أنفسِنا تكشف
الحالُ عن أخطاءَ كثيرةٍ ووريت وتُجوهلت ثم اتضحت في
أحرجِ المواقف. أمة الإسلام،
لسنا أمامَ خيارين فقط: إما قبولُ الوضعَ بما
فيه من فسادٍ وخلل، قبولُه بعجرِه وبُجلِه. أو أن نكونَ
دعاةَ فتنةٍ ومسببِ شغب، ومتطاولينَ على مقاماتٍ لا ينبغي أن نتطاولَ عليها. إن بينَ هذا وذاك خطُ
وسطُ راشدُ ناصح، هو مقامُ النصحِ والتناصحِ وبيانَ الخطأ وتسويةَ المعوج، بينَ
هذا وذاك طريقُ النصحِ والإصلاح، تتبعِ الأخطاءِ لإصلاحِها، والخللِ لسدِه. أما البقاءُ
والتعايشِ مع الأخطاءِ حتى تبهتَ الأمةَ بوضعٍ حرجٍ تكتشفُ أنها لا يمكنُها
تداركُ ما فاتَ من أخطاء، فهذه خطيئةُ لا يسَعُ أحدا مواربتُها ولا السكوتُ
عليها. أمتي ما هي
نتيجةُ التصفيقِ الذي يصمَ الآذان؟ ما هي
نتيجةُ أساليبِ ليس في الإمكانِ أحسنُ مما كان؟ ما هي نتيجةُ أساليبِ كلُ شيءٍ على ما يرام؟ لقد كانت النتيجةُ أن
تبقى الأخطاءُ كما هيَ وتتضاعف، والشروخُ كما هي وتتسع، ولذا رأينا الأنظمةَ
المفلسة تذكرت بعد فواتِ الأوان أنها بحاجةٍ إلى أن فسحَ المجالَ للصوتِ الآخر
الناقد، الصوت يبينُ أماكنَ العوار. في هذا
الأسبوع أذاعت إذاعةُ العراقِ على لسانِ مسئولٍ فيها كبيرٍ وهو عزت إبراهيم
تصريحا يقولُ فيه: إننا اليومَ نحتاجُ إلى النقدِ،
والنقد الذاتي، وأن نستمع إلى كلِ رأي. نحنُ نعلمَ أن هذه
الكلمةَ هي من باب: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ.
وأن هذا القولَ جاء بعد فواتِ الأوان، جاءَ بعد أن
سُحلَ الناصحونَ وسجنوا، وذبحوا وقتلوا، وخنقت كلمتُهم. وهكذا يظلُ المصيرُ
دائما إذا سكت الناصحونَ أو اسكتوا، أو ضيقَ عليهم بتوجيهِ التهمِ لهم، فسيأتي
وقتُ تذكرُ في الأمةُ نصحَهم، ومواقفَهم، وتأسى على عدمِ إتباعِهم: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ
أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ
النَّاصِحِينَ. .................................... |