Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

خيرَة الله

فضيلة الشيخ  : عبد الوهاب الطريري

 

 

الحمدُ لله حمدا طيبا كثيرا كما يجبُ ربُنا ويرضاه.

وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، لا ربَ غيرُه ولا معبودَ بحقٍ سواه.

وأشهدُ أن محمدا عبدُه ورسولُه أفضلَ نبيٍ وأشرفَه وأزكاه. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنتَه واهتدى بهداه.

أما بعدُ أيها الناس، اتقوا اللهَ حق التقوى.

أمةَ الإسلام: أحبابَ محمدٍ (صلى اللهُ عليه وسلم)، أتباعَ ملتِه وحملةَ رسالتِه وحراسَ عقيدتِه والسائرينَ على هديه وطريقتِه.

أيها الأخوةُ المتحابونَ بجلالِ الله، إن قلوبَنا أشدَ ما تكونُ حاجةً لأن توردَ على المأثورِ عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) من ذكرٍ ودعاء، يربي إيمانَها، ويكونُ يقينَها، ويزيدُ تعظيمَها لربِها ووثوقَها به.

يقولُ جابرُ أبن عبد الله رضي الله عنه: كان رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) يعلمُونا الاستخارةَ في الأمورِ كلِها كما يعلمُونا السورةَ من القرآن.

فعش بقلبِك وأحضر إلى وجدانِك تلكَ الفِقرَ النيرةَ من ذاكَ الدعاء: اللهم إني أستخيرُك بعلمِك، وأستقدِرك بقدرتِك وأسأُلك من فضلِك العظيم، فإنكَ تقدرُ ولا أقدِر، وتعلمُ ولا أعلم وأنت علامُ الغيوب.

هذهِ العباراتُ المشرقةُ بإجلالِ اللهِ عز وجل، كم تربي في النفس من تعظيمِ الخالقِ جل جلالُه، كم تبينُ من عظمةِ الخالقِ، وتبينُ من ضعفِ المخلوق.

إن المخلوقَ مقيدُ بالعجز، محجوبُ بالجهلِ، إنكَ تقدرُ ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلم، أما اللهُ جل جلالُه فهو القادرُ على كلِ شيء، وهو الذي أحاطَ بكلِ شيءٍ علما، ولذا فإن العبدَ يلوذُ من عجزِه بقدرةِ الله، ومن جهلِه بعلمِ الله عز وجل، إن اللهَ عليمُ قدير.

كم هي الأمورُ التي ينظرُ إليها البشرُ بنظرِهم المحدود، ويقيسونَها بمقياسِهم القاصر، فيرونَ فيها ما يكرهون، ويستدفعونها فلا يقدرون، ويكونُ للهِ فيها من اللطفِ والخيَرَةِ ما تقصرُ عنُ عيونُهم وتتطامن عنهُ علومُهم.

كم خارَ اللهُ لعبدِه وهو كاره! كم طوى اللهُ لعبدِه المنحَةَ في طي المحنَةَ!

أنظر في صورِ خالدِة لا تبلى جدَتُها وقد ذُكرت في القرآن.

أنظر إلى خبرِ نبيِ اللهِ يوسفَ عليه السلام:

ذلكَ الصبيُ المدللُ في كنَفِ أبن رحيم مشفقٍ يخافُ على أبنِه أن يخرجَ في نزهةٍ، ثم يُنتزَعُ من وسطِ هذا الدلالِ والرعايةِ ليلقى في غيابةِ الجُبِ ثم في ظُلمِ السجنِ.

ما هو مقياسُ هذا المصابِ في مقياسِ البشرِ القاصر، كيفَ ينظرُ البشرُ إلى هذا المشهد؟

أنهم ينظرونَ إليه بإشفاقٍ، صبيُ حرمَ حنانَ الأبوة، حرمَ عطفَ الوالد، حرمَ لذةَ التلذذِ بنعمةِ الحنان، ثم يتعرضُ بعد ذلك لخطفِ الرقِ وقيدِ السجن. هل ينظرُ البشرُ إلى هذا المشهدِ إلا بهذه النظرة! ولكن كان علمُ الله، وحكمةُ الله، تدخرُ ليوسفَ شيئاً آخر، تدخرُ ليوسفَ النبوةَ والرسالةَ، وتدخرُ له حُكمَ مصِر، تدخرُ لهُ أن تكونَ خزائنُ مصرَ بيدِه، فإذا يوسفُ يخرجُ من السجنِ إلى الحكم، وإذا الأبُ الذي عميَ عليه حزناً يقرُ به عينا، وإذا الأخوةُ الذينَ ألقوه في غيابةِ الجبِ يقولون له: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ.

ما الذي كان سيبقى ليوسفَ لو بقيَ حالُه كما كان! سيبقى ابنا مدللا لأبٍ شيخٍ تضعفُ قوتُه يوما إثر يوم، ولكنَه يُنتزعُ من هذا الجو في مشهدٍ ظاهرُه المحنةَ وفي طيِه المِنحةَ، إن خيرَةَ اللهِ كانت تدخرُ ليوسفَ ما كانت أفهامُ البشرِ تعجزُ عن إدراكِه أو استشفافِه، أعد النظرَ إلى البداياتِ ثم إلى النتائجِ واعتبر خيرَةَ الله الذي يعلمُ ونحنُ لا نعلم.

ثم أنظر إلى خَبرِ موسى عليه السلام:

موسى الذي يعيشُ ربيبا لفرعونَ، يعيشُ في بلاطِ الملك، يعيشُ في نعيمِ الترف، يعيشُ لذةَ التمتعِ بكل متعِِ الملوكِ والفراعنة، ثم يقدرُ اللهُ عليه قدرَه فإذا الملأُ يأتمرونَ به ليقتلوه، وإذا به يخرجُ من المدينةِ خائفا يترقب، ويصلُ على مدينَ لاغبا جائعا يرفعُ بصرَه إلى السماءِ بذلةٍ ومسكَنةٍ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.

ماذا يقولُ المقياسُ البشريُ عن هذا المشهد!

ماذا يقولُ النظرُ القاصرُ عن هذه الفصولُ من خبرِ موسى؟ إنه إنسانُ فوتَ على نفسِه فرصا كثيرة، وتعرضَ لمتاعبا لم تكن أصلا في طريقِه، هكذا يقولُ النظرُ القاصرُ المحدود.

أما حكمةُ اللهِ وخيرَةُ الله فكانت تدخرُ لموسى شيئا آخر، تدخرُ لموسى ما هو أعظمُ من قصورِ الفرعون، وما هو أعظمُ من نعيمِ الترف، كانت تدخرُ له منصبَ الرسالة، وشرفَ النبوةَ، وأن يكلمَه ربُه بلا تُرجمان، وأن يكونَ من الخمسةِ الأوائلِ في تاريخِ البشريةِ كلِها، من أوليِ العزمِ من الرسل.

ماذا تساوي كلُ تلك المتعِ التي خسِراها في قصرِ الفرعون أمامَ خيرَةِ اللهِ المذكورةِ له.

ثم أنظر بعدُ إلى قصةِ الخَضِرِ وموسى عليهما السلام:

يومَ ركبا السفينةِ فخرقها، لقد قال موسى بالعلمِ البشريِ: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، ولكنَ الخَضِرَ الذي كان يستشرفُ حكمةَ الله يرى إلى خيرَةَ اللهِ في هذا المصابِ لأهلِ السفينة، لقد كان وراؤهم ملكاً يأخذُ كلَ سفينةٍ صالحةٍ غصبا. 

ثم الغلامُ يقتلُ تحتَ سمعِ موسى وبصرِه، على يدِ من؟

على يدِ الخَضِرِ، فماذا يقولُ العلمُ والنظرُ البشريُ في هذا المشهد: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، ولكنَ خيرَةَ اللهِ لأهلِ هذا الغلامُ يستشرفُها الخَضِرُ عليه السلام، إن هذا الغلامُ لو عاشَ لأرهقَ والديهِ طغيانا وكفرا، فإذا قُتلَ أبدلهما اللهُ خيرا منه زكاةً وأقربُ رحما.

إن النظرةَ البشرةَ القاصرة، تنظرُ إلى مشهدِ الوالدينِ يومَ ولِدَ الولدُ ففرحا به، ويومَ قتلَ فحزنا عليه، لكنها لا تستشرفُ من في طيِ علمِ اللهِ من حكمةٍ وخيرَة.

ثم أنظر إلى هذا المعنى العظيمِ على مستوى الجماعة.

أنظر إلى مشهدِ المسلمينَ:

وهم يتسللون مستخفينَ يخرجونَ من مكةَ إلى المدينة، إن المشهدَ يريكهم وهم يخرجونَ مستخفينَ مشردينَ قد تركوا وطنَهم وهم له محبون، وتركوا أهلَهم ومالَهم وذوي أرحمَهم.

أي معنىً يوحي به ذلكَ المشهد، إنه الرثاءُ لهؤلاء المستضعفين الذينَ يتركونَ خلفَهم كلَ شيء، ويقدِمونَ إلى بلدٍ لم يحسبوا في حسابُهم البشريُ أن هناكَ ما ينتظرُهم به من متعِ الدنيا. إنهم يخرجونَ من بلدِهم يتسللونَ مشردينَ خائفين في مشهدٍ يثيرُ الرثاءُ إلى أرضٍ أخرى وقومٍ آخرين، ما الذي يمكن أن يوحيَ به هذا المشهد إذا أُخذ على حدتِه؟

جرد نفسَك عن بقيةِ المشهدِ وأنظر إليهم، أنظر إليهم وقد خرجَ كلُ منهم تاركاً دارَه، تاركا مالَه، تاركا أهلَه، ويممَ تلقاءَ المدينةِ، وليس هناكَ ما يُعدُ به من مال أو مأوى، أي نظرةٍ بشريةٍ تنظرُ إلى هذا المشهد هل يمكنُ أن يُفيضَ عليها ذلكَ المشهدُ إلا الرثاء لذلك المهاجرِ والرحمة له.

ولكن كانت خيرَةُ اللهِ المطويةُ في علمِه المحيط، تدخرُ لهم مشهدا آخرَ عظيما رائعا، إنه مشهد صُنعِ تاريخِ البشرية، وانطلاقِ الرسالةِ في طورٍ جديد، ووضعِ حجرِ الأساسِ لقيامِ الدولةِ الإسلامية، وإذا ذلكَ المشهد يولدُ نموا متتابعا يتمددُ في شكلٍ سريع تكلأهُ رعايةُ الله، ويتنزلُ عليه نصرُه وعونُه حتى يمدَ ذراعيه تضربُ أمواجُ المحيطُ الأطلسيُ على غربِه وترتاحُ جبالُ الصينِ على شرقِه.

إن خيرَة الله كانت مذخورةً لهؤلاء الذين خرجوا مستضعفينَ لم يوعدوا بشيءٍ من متاعِ الدنيا، وإنما وعدوا بالجنةِ.

ثم أنظر إلى مشهدٍ آخر.

أنظر إلى مشهدِ المسلمينَ وقد أناخوا بالحديبية:

قلوبُهم تتقطعُ شوقا إلى البيتِ العتيق أن تلتصقَ أحشاؤهم به، وأن تكتحلَ أعينُهم برؤيتِه، جاءوا على أملِ الطوافِ به، جاءوا على أملِ الصلاةِ في رحابِه، جاءوا ومعهم رسولُ اللهِ (صلى اللهُ عليه وسلم)، لم يكونوا قلةً قلية بل كانوا ألفا وأربعمائة، كلُ منهم قد باعَ للهِ نفسَه.

وإذا بالمفاوضاتِ تدورُ بين محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) وكفارَ قريش، لتنتهي باتفاقيةٍ كانت بنودُها في ما يظهرُ للمسلمينَ جائرةً، فحزنت القلوبُ وتألمت النفوس، وعز عليها أن تصدَ عن البيتِ وقد اقتربت منه، وتردُ عنه وقد اقتربت منه، وترجعُ عنه وقد قدمت إليه، رجعت وفي القلبِ حسرة، وفي القلب غصة، وفي العين عبرة، حتى يجيَ عمرُ رضي الله عنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحُرقةِ المؤمنِ ولهفتِه يقول:

يا رسولَ الله ألسنا على الحق، أليسوا على الباطل، قال بلا، قال فلما نُعطي الدنيةَ في ديننا، قال إني عبدُ الله. يفعلُ ما يوحى إليه (صلى اللهُ عليه وسلم) ويصدرُ عن أمرِ ربِه.

إن النظرةَ البشريةَ لهذا المشهد تفيضُ على النفسِ الحزنَ أن يردَ هؤلاءِ ويرجعوا وفي يديهم اتفاقيةُ جائرة، أن يرجعوا هذه السنة، ويعودوا السنةَ القادمةِ وليس معهم من السلاحِ إلا سلاحُ المسافر، وليس لهم فرصةُ إلا ثلاثةَ أيامٍ يقيمونَها في مكة، ثم من لحق من المسلمينَ بالنبيِ (صلى اللهُ عليه وسلام) وهو من أهلِ مكةَ فإنَه يردُ إلى المشركين، أما من لحق بالمشركين مرتدا من المسلمين فلا يردَ إليهم.

لقد كانت اتفاقيةً فيما يبدو للناسِ جائرة، ولكنها كانت فتحا مبينا، فلم يمضي بعد هذه الاتفاقيةَ إلا زمنا يسيرا وإذا بالمسلمينَ يسيرونَ إلى مكةَ في قطعانٍ كالليلِ البهيم، عشرةُ ألافِ سيفٍ كلُها تحيطُ برسولِ الله (صلى اللهُ عليه وسلم)، تم تدخلُ مكةَ فاتحةً منتصرةً تتهاوى أصنامُها تحت أقدامِ النبي (صلى الله عليه وسلم): وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً.

لقد كانت خيرَةُ اللهِ مدخرةُ لهؤلاءِ الذينَ رجعوا وفي قلوبِهم حسرة، وفي أنفسِهم لوعة، ولكن كانت خيرَةُ اللهِ مدخرةُ لهم في علم اللهِ المحيط.

ثم أنظر بعد إلى آلاف الأسرى من الروم ومن الفرس:

ومن أبناء الممالكِ التي فتحَها المسلمون، هؤلاءِ الذينَ دخل الإسلامُ بلادَهم وهم كارهون، هؤلاءِ الذين عاشوا آلامَ الهزيمة، ومرارةَ الأسر، ثم كان عاقبةَ ذلك دخولُهم الإسلام، فإذا هم يتبوءون نعيمَ الهداية، ويحرزونَ فوز الآخرة، ثم لا أسفَ بعد ذلكَ على ما فات من الدنيا. لقد كان مشهدُهم في نظرِهم وهم يهزمونَ على أيدي المسلمينَ مشهدا يثيرُ الرثاء، ولكنَه كان في حقيقتِه أنهم كانوا يقادونَ إلى الجنةِ في السلاسل يومَ دخلوا هذا الدين فعرفوا لذة الانتماءِ إليه، ونعيمَ الهدايةِ في ظلالِه.

وهكذا لا تزالُ تجدُ في حياةِ الأفرادِ والجماعاتِ من الوقائعِ المماثلةِ ما يملئُ القلبَ ببردِ اليقينِ إلى خيرَةِ اللهِ جل وعلا التي قد تكونُ في ما يكرههُ عبده أو عبادُه.

كم رأينا ببصرِ أعيننِا داعيةً يضيقُ عليه في بلدِه فيخرجُ منها أو يُخرَجُ منها فيجدُ في أرضِ اللهِ مراغما كثيرةً وسعة، يجدُ بلادا تؤويه وتُعزُه وتنصُرُه وتمكنُ له.

كم رأينا داعيةً يُقتَلُ لإخمادِ ذكرِه، فيزيدُه اللهُ بهذا القتلِ شرفا إلى شرفِه، ويزيدُ ذلك في ذكرِه ذكرا، ويزيدُ ذلك في عزِه عزا، وإذا آثارُه تلقى بعد موتِه قَبولا، كما قال سيد قطب رحمَه الله: إن كلماتِنا ستظلُ عرائسَ من الدمعِ هامدةً، فإذا أسقيناها بدمائِنا انتفضت وسارت فيها الحياة، وهكذا كان، لقد كان دمُ السيدِ القطب حياةً دافقةً في كلماتِه هزتها ودفقت فيها الحياة.

 

....................................

الجزء الثاني

 

الرئيسية