واحــة  هداية

 

 

 

 

و الحبل و الجلاد منتظران

مقرورة صخرية الجدران

وأحس أن ظلامها أكفاني

هذا وتحمل بعدها جثماني

والذكريات تمور في وجداني

في بضع آيات من القرآن

دبَّ الخشوع بها فهز كياني

إلا أخيرا لذة الإيمان

فليرفعوه فلست بالجوعان

أمي و لا وضعوه فوق خوان

أخوان لي جاءاه يستبقان

بدمي و هذي غاية الإحسان

عبثت بهن أصابع السجان

يرنو إلى بمقلتي شيـــطان

ويعود في أمن إلى الدوران

ماذا جنى فتمسه أضغاني

لم يبد في ظمأ إلى العدوان

ذاق العيال مــرارة الحرمان

لو كان مثلى شاعرا لرثاني

يوماً وذُكِّرَ صورتي لبكاني

معنى الحياة غليظة القضبان

في الثائرين على الأسى اليقظان

ما في قلوب الناس من غليان

كتموا وكان الموت في إعلاني

بالثورة الحمقاء قد أغراني ؟

مثل الجميع أسير في إذعان ؟

غلب الأسى بالغتُ في الكتمان

ما ثار في جنْبَىَّّ من نيران

سيكف في غده عن الخفقان

موتي ولن يودي به قرباني

شاة إذا اجتثت من القطعان

بشريتي وتمور بعد ثوان

أسمى من التصفيق للطغيان

ستظل تغمر أُفقهم بدخان

قسمات صبح يتقيه الجاني

ودم الشهيد هنا سيلتقيان

لم يبق غير تمرد الفيضان

بعد الهدوء وراحة الربانِ

أمر يثير حفيظة البركان

سيل يليه تدفق الطوفان

أقوى من الجبروت والسلطان

أم سوف يعروها دجى النسيان ؟

متآمرا أم هادم الأوثان ؟

كأس المذلة ليس في إمكاني

غير الضياء لأمتي لكفاني

إرهاب لا استخفاف بالإنسان

يغلى دم الأحرار في شرياني

وأضاء نور الشمس كل مكان

يوما جديدا مشرق الألوان

تجري على فم بائع الألبان

سيدق باب السجن جلادان

في الحبل مشدودا إلى العيدان

صنعته في هذي الربوع يدان

و تضاء منه مشاعل العرفان

بلدي الجريح على يد الأعوان

في زحمة الآلام والأشجان

قد سيق نحو الموت غير مدان

قد قلتها لي عن هوى الأوطان

تبكى شبابا ضاع في الريعان

ألما تواريه عن الجيران

لا أبتغي منها سوى الغفران

ومقالها في رحمة وحنان

لم يبق لي جَلَد على الأحزان

بنت الحلال ودعك من عصياني

يا حسن أمال لها وأمان

يكن انتقاض الغزل في الحسبان

ستبيت بعدى أم بأي جنان

بعض الذي يجرى بفكر عان

بيد الجموع شريعة القرصان

من كان في بلدي حليف هوان

قدسية الأحكام والميزان

 

 

أبتاه ماذا قد يخط بناني

هذا الكتاب إليك من زنزانة

لم تبق إلا ليلة أحيا بها

ستمر يا أبتاه لست أشك في

الليل من حولي هدوء قاتل

ويهدني ألمي فأنشد راحتي

والنفس بين جوانحي شفافة

قد عشت أومن بالإله ولم أذق

شكرا لهم أنا لا أريد طعامهم

هذا الطعام المر ما صنعته لي

كلا ولم يشهده يا أبتي معي

مدوا إلي به يدا مصبوغة

والصمت يقطعه رنين سلاسل

ما بين آونة تمر وأختها

من كوة بالباب يرقب صيده إلى

أنا لا أحس بأي حقد نحوه

هو طيب الأخلاق مثلك يا أبي

لكنه إن نام عني لحظة

فلربما وهو المُرَوِّعُ سحنة

أو عاد من يدري إلى أولاده

وعلى الجدار الصلب نافذة بها

قد طالما شارفتها متأملا

فأرى وجوما كالضباب مصورا

نفس الشعور لدى الجميع وإن همُ

و يدور همس في الجوانح ما الذي

أو لم يكن خيرا لنفسي أن أُرى ؟

ما ضرني لو قد سكت وكلما

هذا دمي سيسيل يجري مطفئا

وفؤادي المَوَّار في نبضاته

والظلم باق لن يحطم قيده

ويسير ركب البغي ليس يضيره

هذا حديث النفس حين تشق عن

وتقول لي إن الحياة لغايةٍ

أنفاسك الحَرَّى وإن هي أُخمدت

وقروح جسمك وهو تحت سياطهم

دمع السجين هناك في أغلاله

حتى إذا ما أفعمت بهما الربا

ومن العواصف ما يكون هبوبها

إن احتدام النار في جوف الثرى

وتتابع القطرات ينزل بعده

فيموج يقتلع الطغاة مزمجرا

أنا لست أدرى هل ستُذْكَر قصتي ؟

أو أنني سأكون في تاريخنا

كل الذي أدريه أن تجرعي

لو لم أكن في ثورتي متطلبا

أهوى الحياة كريمة لا قيد لا

فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي

أبتاه إن طلع الصباح على الدنى

واستقبل العصفور بين غصونه

وسمعتَ أنغام التفاؤل ثرة

وأتى يدق- كما تعود- بابنا

وأكون بعد هنيهة متأرجحا

لِيَكُنْ عزاؤك أن هذا الحبل ما

نسجوه في بلد يشع حضارة

أو هكذا زعموا وجيء به إلى

أنا لا أريدك أن تعيش محطما

إن ابنك المصفود في أغلاله

فاذكر حكايات بأيام الصبا

وإذا سمعت نشيج أمي في الدجى

وتُكَتِّم الحسرات في أعماقها

فاطلب إليها الصفح عني إنني

مازال في سمعي رنين حديثها

أَبُنَيَّ : إني قد غدوت عليلة

فأذق فؤادي فرحة بالبحث عن

كانت لها أمنية ريانة

غزلت خيوط السعد مخضلا ولم

والآن لا أدرى بأي جوانح

هذا الذي سطرته لك يا أبي

لكن إذا انتصر الضياء ومُزِّقَتْ

فلسوف يذكرني ويُكبر همتي

وإلى لقاء تحت ظل عدالة

 

الرئيسيـة