Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه.

ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين) أما بعد فيا عباد الله؛ اتقوا الله تعالى حق التقوى:

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان:33).

معاشرَ المؤمنين:

إن مقتضى الأخوةِ الإيمانيةِ والإسلاميةِ بين المسلمينَ أن يتحسسَ المسلمُ أحوالَ إخوانِه، فيفرحُ لأفراحِهم، ويحزنُ لأتراحِهم، ولا يليقُ بمسلمِ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر أن يرى ما يدورُ ويكونُ بإخوانِه في مصبَحِهم وممساهُم، في حلِهم وترحالِهم في أطرافِ الأرضِ وشتى البقاع ثم يلذُ بطعامِ وشراب ونومٍ وفراشٍ غير مبالِ بهم، ولا سائلٍ عنهم، ولا داعِ لهم.

أحبتي في الله: يقولُ عز وجل: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً) (الإسراء:4).

وإن العلو الكبير الذي يعيشُه اليهودُ في هذا الزمان قد بلغَ غايتَه إلى درجةِ تغلغلِهم في مصادرِ القرارِ في أقوى الدولِ على وجِه الأرضِ اليوم، فأصبحَ الإعلامُ يوجَه بضغطٍ منهم، وأصبحَ الاقتصادُ تحتَ سيطرتِهم، بل وأصبحت خطوطُ السياسةِ الدوليةَ، والرقعةِ الجغرافيةِ وما يدور فيها وحولَها لهم دورُ ضالعُ بالغُ في تحديدِه وتقدُمِه وتحجيمِه.

هذا علوُ كبير، وقد أخبرنا الله عز وجل بذلك، وأخبرنا أنهم يألمونَ كما نألم، وإن مسنا قرحُ فقد مسَهم قرح، وأنبأنا سبحانَه ووعدنا وعدا صادقا أن الأرضَ لله يورثُه من يشاءُ من عبادِه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء:105).

نعم يعيشُ المسلمونَ حيرة، ويوشكُ أن يصابَ المسلمونَ بالإحباطِ والقنوط حيالَ ما يدورُ في فلسطينَ اليوم، وما يقابلُه من تآمرٍ غربيٍ وعجزٍ عربيٍ وتفرقٍ من المسلمين، وحيرةٍ المخلصين، ناهيكَ عن إحكامِ الحراسةِ على اليهود، حتى لا تخترقَ الحدودُ من حولِهم.

نعم، لدينا خزاناتُ كبيرةُ وغزيرةُ من دماءِ شبابِ الأمة، وكلُ واحدٍ منهم ينتظرُ لحظةَ المواجهةِ، ليسفكَ دمُه في سبيلِ الله، ولدينا أجسادُ وجماجمُ على أهبةِ الاستعدادِ للتناثرَ أشلاءً وتسحقَ رمادً في مواجهةٍ واضحةٍ أو سياراتٍ مفخخةٍ، أو أحزمةٍ ناسفة.

ما عادَ الشبابُ اليومَ يهابون الموت، وما دون الموتِ لمن لا يهابُ الموتَ أمرُ هين، الذي لا يخشى الموت أصبحَ ما دونَه لا يعدُ شيئاً بالنسبةِ له، وإن كانوا يحبونَ الحياة.

فإن شبابَ الأمةِ اليوم يتمنونَ الموتَ بل يجيدونَه أمنيةً وللجراحِ أغنيةً ولكن:

ألا موتُ يباعُ فنشتريه ...... وهذا العيشُ ما لا خيرَ فيه

ألا رحمَ المهيمنُ نفس حرٍ...... تصدقَ بالوفاةِ على أخيه

أين مكمنُ الداء في أمةِ الإسلامِ اليوم؟

ضعفُهم أم قوةُ أعدائِهم!

تفرقُهم أم وحدةُ أعدائِهم!

شعارتُهم أم عقيدةُ أعدائِهم!

كثرتُهم أم قلةُ أعدائِهم!

ثرواتُهم أم تطبيعُهم أم خوفُهم!

(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:52).

إن نسبةَ اليهودِ في العالمِ إلى عددِ المسلمينَ اليوم لا تزيدُ عن واحدِ ونصف في المائة، كلُ مائةَ مسلمٍ في العالمِ يقابلُهم يهودي وقطعةُ من نجسِ يهودي.

فهل يصدقُ أحدُ أن كلَ يهوديٍ يعذبُ خمسينَ مسلما، يذيقُهم العذابَ، يمكرُ بهم في الليلِ والنهار مكرا تنؤُ به الجبالُ، والمسلمونَ لا يستطيعونَ أن يفعلوا شيئا في مواجهتِهم.

هل يعجزُ ثلاثةُ من المسلمينَ أن يصدوا كيد واحدِ من اليهودِ أبدا، فما بالُك بخمسينٍ يسومهم كلً يهوديٍ واحد سوءَ العذاب.

ثم هل انتهت جولاتُ الصراعِ مع المجاهدينَ والفدائيينَ والناشطينَ والجنودَ للتحول المعركةُ في مسارٍ عجيبٍ في مواجهةِ الأطفالِ والرضع، وما دلالةُ ذلكَ؟

هل أصبحت كلُ نطفةٍ في الأصلابِ والأرحامِ في فلسطينَ تشكلُ خطرا على اليهود حتى يبادروا بقتلِ الصغارِ قبلَ بلوغِهم، وإجهاضِ الأجنةِ قبل ولادتِها؟

إن اغتيالَ الأطفال وقتل الأبرياء يؤكدُ لنا درسا ظللنا زمناً طويلاً نتجاهلُه وهو أن عداوة اليهودِ لنا عداوةُ عقيدةٍ ودين، ولا يناطحُ العقائدَ إلا التمسكُ بصحيح الاعتقادِ والالتزامُ بالشريعةِ المعصومةِ من التحريفِ والزيادةِ والنقصان.

وما دونَ ذلكَ فستظلُ مشاهدُ القتلِ والدمارِ، وصورِ الاغتيالِ والإجرام التي ما عادت تحتاجُ إلى الرواة أو شهودُ الأعيان، لأننا صرنا نرى ذلكَ كلَه حيا وبثا مباشرا لا يحتاجُ إلى مخبرين ولا إلى محللين.

هل تريدونَ برهانا على هذا أصدقَ من الطفلةِ الواعدةِ البريئة، صورتُها وهي قتيلةُ كصورةِ شمسِ مشرقةٍ أو كصورةِ وردةٍ متفتحةٍ:

وطفلةٍ ما رأتها الشمسُ إذ بزغت ...... كأن ما هي ياقوتُ ومرجانُ

يغتالهُا العلجُ للمكروهِ مكرهةً ........ والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ

"إيمان حجو" اسمعوا وانظروا كيفَ تغتالُ هذه الطفلة:

الطفلةُ " إيمان " تبلغُ من العمرِ أربعةَ أشهرٍ، هل كانت تقودُ مدرعةً مزودةً برؤوسٍ نووية؟

أم تحملُ بندقيةَ قناصةٍ؟

لا، كلُ ذلك لم يكن، لقد كانت ملتقمةً ثدي أمِها ترضعُ الصمودَ والكفاحَ والصبرَ والبلاء، تمتصُ الحرمانَ والمعاناة، والرعبَ والإرهاب، فإذا بها تبتلعُ القذيفةَ إلى أحشائِها، لكن ليس من جهةِ الفمِ الذي التقمَ الثديَ، وإنما من ظهرِها، حيثُ لا يتسعُ فمُ الرضيعةِ لحجمِ القذيفةِ، وأما الأمُ الثكلى التي فجعت برضيعتِها فهي الأخرى تفجعُ بالإصابةِ في نفسِها:

(بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) إيمان ؟

(بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) محمد الدرة ؟

(بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) كلُ هؤلاءِ أطفالُ بأي ذنبٍ قتلوا ؟

لم يخلو بيتُ بأرضٍ القدسِ من أئمةٍ ..... ثكلى وقد جأرت لله باريها

هذي العداوةُ قد عمت حبائلَها أمي ....... وزوجي وفي الأرحامِ باقيها 

هذه الطفولةُ في أحضانِ محنتِها ......... حقدُ اليهودِ يلاحقُها ويشويها

من للرضيعةِ يا رباه قد ذُبحَت .......... من للثكالى سهامُ الكفرِ ترمِها

( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم:42).

( وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)(محمد: 4).

………………………………………………………

الجزء   الثاني

الرئيسية