Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

الحمد لله الذي جعل الليلَ والنهار خلفهً لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورا.

أحمدُه سبحانه جعل الشمسَ والقمر حسبانا.

وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريكَ له أقسم بالعصر والضحى والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى.

فسبحانه حين تمسون وحين تصبحون وله الحمدُ في السماواتِ والأرض وعشيا وحين تظهرون.

وأشهد أن محمدا عبدُه ورسوله أشرفُ مخلوقٍ في الدهر، وأفضلُ نبيٍ جاء بالوحي هدى للبشر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما طلعت الشمسُ وبدا القمر.

أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان:33).

عباد الله، قبل يومينِ استقبلنا عاما جديدا ونُزع من أعمارِنا وحياتِنا عامُ سلف بخيره وشره، بحلوه ومره، مرت شهورُه وأسابيعُه أياما وساعات على أهلِ النعمِ والعافية، وتمطت ساعاتُه وأيامُه أشهرُ وسنواتُ على أهل البلاء والسقم:

فأسالوا الأفغانَ في حربِ الفتنة.

واسألوا أهلَ الصومالِ وراوندا وزائيرَ والعراقَ في مسغبةِ المجاعة.

واسألوا أهلَ فلسطينَ في تسلطِ اليهودِ وقهرِهم.

واسألوا أهلَ الشيشانِ عن وحشيةِ الشيوعيين وافتراسِهم للمسلمين.

واسألوا الراقدينَ أشهرا وسنينا في أسرةِ المرض.

واسألوا المعسرين في السجون.

اسألوا زوجةَ الأسيرِ وأمَ الغائبِ وأبَ المختطفةِ المغتصبة.

اسألوا كلَ هؤلاءِ كيف مر العامُ المنصرم؟

هل مر سريعا أم تمطى بساعاتِه التي كأنها أيامُ، وأسابيِعه التي كأنها أشهرُ، وأشهرُه التي كأنها أعوام، يتعجبون من جمودِ عقاربِ الساعة فالنهارُ طويلُ والليلُ جاثم.

وأسألُكم أنتم يا أهلَ العافية كيف رأيتُم عدو العامِ المنصرمِ في مرورِه وسرعةِ تتابعِ أسابيعِه وشهورِه ستقولون شيئا عجبا.

كأن السنةَ شهر وكأن الشهرَ أسبوع وكأن اليومَ والساعةَ وقفاتٍ ولحظاتٍ لا تكادُ تدرك، وما ذاك إلا لما نتقلبُ فيه من نعمِ الأمنِ في الوطنِ والصحةِ في البدن والرغدِ في العيش وقبلَ ذلك سلامةُ الاعتقادِ ونعمةُ الدينِ وطهارةِ الأرضِ من رسومِ الشرك وصور الكفر.

نعم لا تخلو الأرضُ من فقيرٍ وسقيمٍ وعاصٍ ومبتلى، لكن العبرةَ بالعمومِ الغالبِ ولا اعتبارَ بالقليل النادر.

مرت سنونُ بالنعيم وبالهناء........ فكأنَها من قُصرِها أيام

ثم انثنت أيامُ قهرٍ بعدها............. فكأنها من طولِها أعوام

ثم انقضت تلك السنونُ وأهلُها..... فكأنها وكأنَهم أحلام

أيها المسلمون، أفلا تنظرون إلى اللياليِ والأيامِ كيف تجلُدنا بسياط النور والظلام، فتحيلُ الطفلَ كهلا والكهلَ شيخا، يحدودبُ الظهرَ ويضعفُ البصر، وتخورُ القوى وتضمحلُ اللذة، ويذهبُ الاستغناء، وتكثرُ الحاجة، ويطولُ الليلُ والنهار، ويقلُ التطوافُ والتسيار وتدنو المنيةُ ويحلُ الأجل:

(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (قّ:19)

إذا الرجالُ ولدت أولادُها......... وأصبحت أمراضُها تعتادُها

وكثُرتُ من سقم عوادُها ........ تلك زروعُ قد دنى حصادُها

يا شبابَ اليومِ اغتنموا الشبابَ في الطاعةِ والعبادة، ولا تغرنَكم عاريةُ الشبيبة فستردُونها عن قريب:

شيئان ينقشعانِ أولَ وهلةٍ...... عمرُ الشبابِ وخلةُ الأشرارِ

ويا معشرَ الشيب هل سمعتم النداء:

( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) (فاطر:37).

وفي صحيح البخاري أن النبي (ص) قال:

( قد أعذر اللهُ، قد أعذر الله، قد أعذر الله إلى امرئٍ بلغَه الستينَ من عمره).

أيها المسلمون، من رأى منكم شيخا كبيرا تهدلت أشفارُ حاجبيه على عينيه، وتوكأ على العصا بيديه وكلت قواهُ عن دفعِ رجليه، فأعلموا أنه كان من عهدٍ قريبٍ شابا يحملُ الأثقالَ ويصارعُ الأبطالَ ولا يملُ السفرَ والترحال، يضربُ في الأرضِ ويتسلقُ الجبالَ، يعسفُ الخيلَ والجمال، فيا سبحان الله ما الذي غيرَه وما الذي حولَه؟ إنها سنةُ اللهِ في خلقِه حيثُ يتعاقبُ الملوان ويمضي الزمان.

وتأملوا أيها المسلمون كيف مضى ويمضي الزمانُ على أممٍ سادت وملكت ثم قضت وانتهت:

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) (مريم:98).

أين الملوكُ ذوي التيجانَ من إرم ........ وأين منهم أكاليلُ وتيجانُ

وأين ما شادَه شدادُ في إرمٍ............... وأين ما ساسَه في الفرسِ ساسانُ

أتى على الكلِ أمراً لا مردَ له............... حتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا

قال الله عز وجل:

( َفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * ما أغنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)

كان عمرُ ابنُ عبد العزيز إذا قرأ هذه الآيةَ جلس عن عرشِ الخلافةِ وخر على الأرضِ جاثيا يتلوها وهو يقلبُ لحيتَه في يده ويردد هذه الآية:

( َفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * ما أغنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)، يرددُها حتى تبلَ دموعُه لحيتَه.

اسألوا من قضى عقودَ عمرِه في النعيمِ والملذات، كيف يجدُ طعمَ الفراق، وكيف يطلبُ من العمرِ المزيد:

المرءُ يرغبُ في الحياة ......... وطولُ عيشٍ قد يضُره

تفنى بشاشُته ويبقى........ بعد حلو الدهرِ مره

وتسوئه الأيامُ حتى........ ما يرى شيئا يسره

فاسألوا الله حسن الخاتمة، وإن سألتم اللهَ طولَ عمرٍ فاقرنوا مع هذا الدعاءِ طولِ العمرِ على عملٍ صالحٍ (فخيرُكم من طال عمرُه وحسنَ عمُله) وعياذا بالله من عمرٍ يطولُ على فِسقٍ وجهلٍ وإعراضٍ ومعصية.

العاقلُ يشتاقُ إلى مرضاةِ الله، ويشتاقُ إلى رحمةِ الله، ويشتاقُ إلى لقاءِ الله، ولا يدفعُ هذا الاشتياقِ أن يطلبَ طولَ عمرٍ ليزدادَ فيه عملا صالحا، أما زيادةَ العمرِ بلا عملٍ صالحٍ فوحشةُ وغربةُ وبعدُ ومصيبة، والمصيبةُ الفادحةُ والخطبُ الجلل حينما يمضي العمرُ كلُه في لذةِ الغافلينَ عن عبادةِ ربِ العالمين، ثم يحينُ الأجلُ، وعن غصصِ الفراقِ لا تسأل:

(كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ  * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (الدخان:25-29).

أحبُ لياليِ الهجرِ لا فرحا بها........... عسى اللهُ يأتي بعدَها بوصالِ

وأكره أيامَ الوصالِ لأنني............... أرى كلَ وصلِ معقبا بزوال

ويقولُ الآخر:

أشدُ الغمِ عندي في سرورٍ.......... تيقنَ عنه صاحبُه انتقالا

إن هذا الرحيلُ كما هو مرُ على الذين يزولون عن الملذات أو تزولُ عنهم، إلا أن هذا الرحيلَ أيضا فرجُ للمكروبينَ ونصرُ للمستضعفين ويسرُ على المعسرين، فكأنما أن النعمَ لا تدوم فكذلك البلاءُ والسقمُ والجدبُ والألمُ لا يدوم، وكلُ يومٍ يمضي من نعيمِ الغافلينَ فهو فرجُ يقتربُ للمظلومين والمستضعفين:

(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:5-6).

فإذا أتاكَ على قنوطٍ منك يسرُ........ يمنُ به الكريمُ المستجيبُ

فكلُ الحادثاتِ وإن تناهت.............. فموصولُ بها فرجُ قريب

أيها الأحبة، منذ بدأ العامُ المنصرمُ ونحنُ نمزقُ أوراقَ التقويمِ في كلِ يومِ ورقة، والحقيقةُ أننا نقطعُ ورقةً من شجرةِ العمر، حتى إذا انتهى العامُ لم نجد وراء الورقةِ الأخيرةِ في التقويمِ شيئا، وكذلك العمر، سيأتي علينا يومُ لن نرى فيه بعدَ شمسِ اليومِ الأخيرِ شمسا، ولن نرى فيه بعد القمرِ قمرا، ولن تمشي فيه الأقدامُ بعد الخطوِ خطوة، ولن تقولُ الألسنُ بعد نهايةِ الكلامِ كلمة، ولن نأكلَ أو نشربَ فيه بعد ما استوفينا ما لنا من الدنيا شيئا.

فيا ليت شعري ما أبلغَ الغبنَ، وما أشدَ الغربةَ، وما أعظمَ الوحشةَ ونحن نساقُ إلى النهايةِ على أي حالٍ كنا، كراكبِ قطارٍ يسيرُ بهم إلى وجهةٍ محدودةٍ لا يكلُ ولا يملُ المسيرُ ولا يتوقف، ونحنُ الراكبونَ على متنِ هذا القطار، فلا يقفُ أيا كانت حالناُ عليه، نِمنا أو اضطجعنا أو استيقظنا أو وقفنا، وسواءً كانت وجوهُنا إلى جهةِ القطارِ أم استدبرنا الغايةَ والهدف، أم جعلنا حالَنا حالَ الأخرى فالقافلةُ سائرةُ لا محالة.

فيا ليت شعري متى يستيقظُ الغافلونَ عن الطاعةِ وصلاةِ الجماعة، ومتى يتوبُ الشاردون، ومتى يتوبُ المصرونَ على الذنوب، ومتى يردون الحقوقَ إلى أهلِها، ومتى يُنصِفونَ من أنفِسهم ويردون المظالمَ إلى المظلومين، متى يقلعونَ عن عقوقِ الوالدينِ وقطيعةِ الرحم، وأذى الجيرانِ وسوءُ الخلق، وخبثِ الطويةِ وسوءِ النيةِ والغشِ في المعاملة، متى يلتفتونَ إلى أبنائِهم الذين أضحوا أيتاما بسبب غفلِتهم عنهم، ومتى يعرفونَ حقوقَ زوجاتِهم وبناتِهم اللائي غدونَ أراملَ بهجرِهم وإيذائِهم بلا موجبٍ لذلك.

خل ادكارَ الأربُعِ... والمعهدَ المرتبع... والظاعن المودع... وعد عنهم ودع.

وأندب زمانا سلفا... سودت فيه الصحفا... ولم تزل معتكفا... على القبيح الشنع.

إلا ما تسهو وتني... ومعظم العمر فني... فيما يضر المقتني... ولست بالمرتدع.

أيها الأحبة، أن طلابَ الدنيا يعدونَ العدةَ في بدايةِ كلِ عام، يحددونَ أهدافا وغاياتٍ يودون ويقدّرونَ الوصولَ إليها، وذاك أمرُ حسنُ مشروع، فما أحوجَ طلابَ الآخرةِ إلى تحديدِ أهدافٍ وغاياتٍ مرحليةٍ تنتهي وتصبُ في الغايةِ العظمى من وجودِنا على الأرضِ وهي عبادةُ اللهِ عز وجل.

ما أحوجَنا في حياتِنا وفي أسرِنا وفي أعمالِنا وفي كلِ أحوالِنا إلى وضعِ الخططِ الشاملةِ والمرحلية والجزئية في هذا العامِ الذي دخلَ علينا، خططا نضعُها في الطاعةِ مع الواجبات، وخططا في طلبِ العلم، وخططا في الدعوة إلى الله، وخططا في تنظيم العلاقات، في صلة الأرحام والعلاقة بالجيران، وفي ترشيد الأنفاق وفي زيادة الدخل وفي كل أمور حياتنا حتى نسير على هدى وتنظيم في كل شؤوننا وحتى تكون بديلا عن الارتجال والفوضى التي كثيرا ما ندفع ثمنها غاليا ضياعا في الوقت وخسارة في المال وتفويتا للفرص.

فاللهَ نسأل أن يجعلَ هذا العامَ الذي حل بنا ودخلَ علينا عامَ يسرٍ وفرجٍ وعامَ أمن وأمان، وعام طمأنينةٍ وعزةٍ، وعامَ كرامةٍ ورفعةٍ لجميعِ المسلمين على وجهِ الأرض، ونسألُ اللهُ أن يتجاوزَ عنا ما مضى في عامِنا المنصرم، نسأُله أن يباركَ ما كان فيه من عملٍ صالحٍ وأن يتقبَله وأن ينميه بفضله وكرمه، ونسألُه أن يغفرَ لنا فيه كلَ زلةٍ وخطيئة، وكلَ معصيةٍ ومخالفة إنه ولي ذلك والقادرُ عليه.

بارك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما في من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

………………………………………………………

الجزء   الثاني

الرئيسية