|
|
محاضرة: المواعظ فضيلة الشيخ: سلمان أبن فهد العوده ............................................................ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا
كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين. اللهم لا تعذب لسانا يخبر عنك، ولا قلبا يشتاق إليك ولا عينا تنظر في
ملكوتك ولا أذنا تستمع إلى كلامك. المواعظ أيها الأخوة هو الدرس الرابع والستون من سلسلة الدروس العلمية العامة،
ينعقد في هذه الليلة، ليلة الاثنين السابع والعشرين من شهر الله المحرم من سنة
ألف وأربعمائة وثلاث عشرة للهجرة. يا منزل الآيات والفرقان..................بيني وبينك حرمة
القرآن أشرح به صدري لمعرفة الهدى............واعصم به قلبي من
الشيطان يسر به أمري وأقض مآربي...............وأجر به جسدي من
النيران واحطط به وزري وأخلص نيتي...........واشدد به أزري وأصلح
شأني واكشف به ضري وحقق توبتي...........واربح به بيعي بلا
خسراني طهر به قلبي وصف سريرتي...............أجمل به ذكري واعل
مكاني واقطع به طمعي وشرف همتي.............كثر به ورعي واحي
جناني أسهر به ليلي وأظم جوارحي.............أسبل بفيض دموعها
أجفاني أمزجه يا رب بلحمي مع دمي............واغسل به قلبي من
الأضغاني أنت الذي صورتني وخلقتني..............وهديتني لشرائع
الإيمان أنت الذي علمتني ورحمتني...............وجعلت صدري واعي
القرآن أنت الذي أطعمتني وسقيتني..............من غير كسب يد ولا
دكان وجبرتني وسترتني ونصرتني...............وغمرتني بالفضل
والإحسان أنت الذي آويتني وحبوتني...............وهديتني من حيرة
الخذلان وزرعت لي بين القلوب مودة............والعطف منك برحمة
وحنان ونشرت لي في العالمين محاسنا.............وسترت عن أبصارهم
عصياني وجعلت ذكري في البرية شائعا...........حتى جعلت جميعهم
إخواني والله لو علموا قبيح سريرتي...............لأبى السلام علي
من يلقاني ولأعرضوا عني وملوا صحبتي............ولبؤت بعد كرامة
بهوان لكن سترت معايبي ومثالبي..............وحلمت عن سقطي وعن
طغياني فلك المحامد والمدائح كلها..............بخواطري وجوارحي
ولساني ولقد مننت علي رب بأنعم.............مالي بشكر أقلهن يدان قال الإمام أبن الجوزي رحمه الله تعالى: ( وقد كنت أرجو مقامات الكبار، فذهب العمر وما حصل المقصود. فوجدت الإمام أبا الوفاء أبن عقيل قد ناح على نفسه نحو ما
نحت فأعجبتني نياحته فكتبتها هنا قال لنفسه: (يا رعناء تعظمين الألفاظ ليقال مناظر، وثمرة هذا يا مناظر
كما يقال للمصارع الغارة، ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء، وهي أيام العمر
حتى شاع لك بين من يموت غدا أسم مناظر، ثم ينسى الذاكر والمذكور إذا درست
القبور. هذا إن تأخر الأمر إلى موتك، بل ربما نشأ شاب أفره منك
فموهوا له وصار الاسم له. والعقلاء عن الله تشاغلوا بما إذ –انطووا- نشرهم وهو العمل
بالعلم، والنظر الخالص لنفوسهم. أف لنفسي وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلوم
وما عبق بها فضيلة. إن نوظرت شمخت. وإن نُصحت تعجرفت. وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم وسقطت عليها سقوط
الغراب على الجيف، فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتة. توفر في المخالطة عيوبا تبلى ولا تحتشم نظر الحق إليها. أف والله مني اليوم على وجه الأرض وغدا تحتها، والله إن نتن
جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين الأصحاب. ووالله إنني قد
أبهرني حلم هذا الكريم عـني؛ كيف يسترني وأنا أنتهك ؟ ويجمعني وأنا أتشتت. وغدا يقال مات الحبر العالم الصالح. والله لو عرفوني حق معرفتي ما دفنوني. والله لأنادين على نفس نداء المكشفين معائب الأعداء. ولأنوحن نوح الثاكلين على الأبناء. إذ لا نائح ينوح علي هذه المصائب المكتومة، والخلال المغطاة
التي قد سترها من خبرها وغطاها من علمها وهو الله. والله ما أجد لنفسي خلة أستحسن أن أقول متوسلا بها -اللهم
أغفر لي كذا بكذا-، والله ما التفت قط إلا أجد منه سبحانه برا يكفيني، ووقاية
تحميني مع تسلط الأعداء ولا عرضت حاجة فمددت يدي إلا قضاها. هذا فعله معي وهو رب
غني عني. وهذا فعلي وأنا عبد فقير ولا عذر لي فأقول ما دريت أو سهوت. والله لقد خلقني خلقا صحيحا سليما، ونور قلبي بالفطنة حتى إن
بعض الغائبات المكنونات تنكشف لفهمي. فوا حسرتاه على عمر انقضى في ما لا يطابق الرضى. ويا حرماني لمقامات الرجال الفطناء. يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وشماتة العدو بي. واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي واخذلاني عند
إقامة الحجة، سخر والله من الشيطان وأنا الفطن. اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار ونهضت صادقة لتصفية ما بقي
من الأقذار، وقد جاءتك بعد الخمسين وأنا من خلق المتاع. وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة
إلا التأسف والندم. والله ما عصيتك جاهلا بمقدار نعمتك، ولا ناسيا ما سلف من
كرامتك، فأغفر لي سالف فعلي). هذا كلام إمام جليل وهو الإمام أبو الوفاء أبن عقيل الذي له كتاب الفنون
بنحو ثمان مائة مجلد، وكان له مقامات في العلم والعمل والجهاد كثيرة. ولكنه مع ذلك تفطن إلى إسرافه على نفسه وتقصيره في جنب الله
عز وجل فناح على نفسه هذه النياحة الباكية التي راءها الإمام أبن الجوزي، الإمام
الحبر الفذ الفهم الذي كان يعظ فتنخلع القلوب وتسيل الدموع ويقوم الناس من مجلسه
مئات وألوف قد تابوا إلى ربهم جل وعلا وأنابوا فناح على نفسه بنحوها ورأى أنها
تطابق ما في قلبه وما في نفسه فيقول: (وإن لم يكن هذا لعمل من الكبائر ارتكبته لأن لا يظن بي ظان
ما لست أهله ولكن لأن عندي أعمالا وتقصيرات لا تليق بمثلي، ولا تنبغي مني وقد
أنعم الله تعالى علي بنعمة العلم والفهم والذكاء). فهو يتوب إلى الله ويستغفره من ذاك. أيها الأحبة: تأملت خلق الإنسان فوجدته مركبا من ثلاثة أشياء: الأول العقل: وهو غريزة يدرك بها الإنسان الأشياء فيعرف بها الخطأ والصواب، والحق
والباطل والصحيح من غيره، وهو يميز الإنسان عن الحيوان، وبه أمتن الله تعالى على العبد، ومع
ذلك فإن هذا العقل قد يشطح أحيانا ويتعدى حده إلى ما لا يحل ولا يجوز، فالعقل
نعمة أنعم الله تعالى بها على الإنسان. ومن الأشياء التي قد يشطح العقل إليها مثلا أنه يفكر في ما لا يحل له
فيسترسل في النظر في أمور الغيب كالتفكر في ذات الله عز وجل مع أن العبد لا يحيط
بالله تعالى علما، قال الله تعالى: )يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا
يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طـه:110) وقال سبحانه:) وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ
)(البقرة255) فالعقل عاجز عن إدراك حقيقة أسماء الله تعالى وصفاته أو معرفة كنهها
وكنه ذاته. وكما قيل: العجز عن درك الإدراك إدراك.......والبحث في ذاته كفر
وإشراك ومثله التفكير في أمور الغيبيات التي لا يحيط به الإنسان، بل يضيع العمر
فيها في غير طائل وفي غير جدوى، بل هو باب يجر الإنسان إلى الضلال. ومثله أيضا أن العقل قد ينجر أحيانا إلى الشبهات التي تطرأ عليه، شبهة
في أمر الإيمان بالله عز وجل. أو شبهة في أمر القضاء والقدر وكيف كلفنا الله
تعالى العمل والعبادة مع أنه قضاء علينا وقدر وكتب: )إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر:49) فيظل العقل غاصا بهذه الشبهة قلقا فيها ينام عليها ويصح عليها وهي تسير
معه حيث سار، فيتعكر الصفاء وتكثر الهموم حتى لا يكاد الإنسان يطمع في الفكاك من
هذه الشبهات. وقد يسترسل العقل أحيانا في مسائل ليس لها أهمية دينية ولا دنيوية، وليس
فيها سوى ضياع التفكير ككثير من مباحث الفلاسفة الذين يضيعون الأعمار فيها ثم
يكون نهاية أحدهم أن يقول: نهاية إقدام العقول عقال...................وأكثر سعي
العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا...........وغايات دنيانا أذى
ووبال ولم نستفد من كدنا طول عمرنا...........سوى أن جمعنا فيه
قيل وقال فهي علوم وأبحاث لا تقرب إلى الله عز وجل، ولا تقرب إلى الجنة ولا تبعد
عن النار، ولا تنفع في الدنيا فليست من العلم الذي ينتفع فيه الإنسان في دنياه
تيسيرا للسفر مثلا، أو تيسيرا للأنصال أو تيسيرا للعلم أو تيسيرا للعمل أو
تيسيرا للعبادة ، لا هذا ولا ذاك، وإنما هي من فضول العلم الذي لا ينفع في دني
ولا في دين. فيحتاج العقل حين إذ إلى وعظ يعالجه ويقمعه ويوقفه عند حده ويقول له قف لا تتعدى هذا الحريم الذي
حده الله تعالى لك.، فلا تغتر أيها العقل بقوتك وأنت الصغير، بل اشتغل فيما شرع
الله لك وبما تعبدك فيه ودع عنك ما سوى ذلك. .................................... |