Default Normal Template

واحـــــــة  هداية

 

 

محاضرة: أستراليا  الأخيرة

فضيلة الشيخ: سلمان أبن فهد العودة

............................................................

 

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين

أولا أشكر الأخ المقدم، والأخوة الذين رتبوا  هذا الاجتماع المبارك.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله اجتماعا مرحوما، وأن يتقبل منا ومنكم في هذا الشهر الكريم، وأن يعيينا وإياكم على الصيام والقيام.

وهي فرصة طيبة لي أن أتحدث إلى الشباب في هذا المركز، وربما يكون هناك خواطر كثيرة لكن الوقت يضيق عنها.

فأؤكد للأخوة أن هذا الشهر الكريم وهذه المناسبة التعبدية العظيمة التي هي شهر رمضان المبارك.

أنها من أعظم الشعائر التي جعلها الله سبحانه وتعالى من أركان دينه وأعمدة شريعته وقضى بسابق قدرته أن يتوارث المسلمون هذا الصيام.

فلا تجد بلدا إسلاميا أو مجموعة مسلمة في بلد غير إسلامي إلا وبصمات الصيام واضحة عليهم في تعبدهم ونسكهم  وانكفافهم عن بعض الذنوب والمعاصي، وإقبالهم على الطاعة وتراحمهم في ما بينهم وتعاطفهم مع إخوانهم المسلمين في كل مكان.

ربما كثير من العبادات والشعائر اندرست عند المسلمين وضعف أثرها أو انتهاء أحيانا إلا الصيام فإنك تجد شهر رمضان يطبع المسلمين بطابعه في كل مكان:

فترتفع أصوات المئاذن، وأصوات القراء، وأصوات الدعاة.

وترتفع الأصوات بالقرآن في مكبرات الصوت بصلاة في التراويح والقيام وفي أدبار الصلوات أيضا.

وتجد أثر ذلك على محيى المسلم وعلى خُلقه وعلى سلوكه وعلى كلماته بحيث أن رمضان أصبح له شخصية متميزة في العالم الإسلامي وفي التجمعات الإسلامية في أماكن شتى من الأرض.

وهذا جزء يعبر عن عظمة هذا التشريع وبديع حكمة الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر، فإن المسلمين ورثوا هذا الصيام عن من قبلهم من الأمم كما قال الله سبحانه وتعالى:

(يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

وأحسنوا وراثته فلله الحمد والمنة تجد أثر رمضان واضحا جليا في كثير من بقاع الإسلام.

طبعا لا يعارض هذا ولا ينافيه أن يكون هناك تفريط وإهمال هنا أو هناك، في هذه الشريحة أو تلك من شرائح المسلمين، فمن المسلمين مثلا من يتحول شهر رمضان عندهم من شهر عبادة إلى شهر منافسة في ألوان الطعام وأطايبه والشراب وغيرها ويصبح فرصة للتنويع والبذخ والإسراف.

وهذا طبعا يناقض ويعاكس حكمة الصيام التي هي تقوم على أساس أنها حمومية بدنية وحمية روحية لنفس الإنسان من الذنوب والمعاصي.

وكذلك هي تربية للإنسان على أنه يقتصد في المال ويضعه في موضعه الصحيح من إطعام الجياع والفقراء ومواساة  المحتاجين وإغاثة الملهوفين ودعم المجاهدين والمرابطين في الثغور الإسلامية.

ولم يكن رمضان للمباهات والمفاخرة في صرف الأموال في مثل هذه الأشياء.

كذلك قد تجد من المسلمين من يتحول رمضان عنده من فرصة لتوحيد وجمع الكلمة على تقوى الله وطاعته ووحدانيته وإزالة الشحناء والبغضاء والكراهية من النفوس.

إنه قد يتحول رمضان إلى فرصة لسجال لا ينتهي حول قضايا كثيرة جدا من قضايا الخلاف، وكأننا مولعون أبدا في البحث عن جوانب الاختلاف والتفرق بيننا وليس العكس.

إن الله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل:

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).

ويقول سبحانه:

(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)

ويقول سبحانه:

(وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون).

فينعي الله سبحانه وتعالى على أهل الكتاب من قبلنا من اليهود والنصارى اختلافهم وتدابرهم وتطاحنهم، بل إنك تجد أنه في القرآن الكريم يشير الله سبحانه وتعالى إلى أن هذه الخاصية من خصائص اليهود وهي قوله سبحانه:

(تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى)، ويعقب بقوله ذلك بأنهم قوم لا يعقلون.

وفي هذا إيماءة إلى أن الشرع والعقل كلها تقتضي أن يحرص المسلمون وأهل المنهج الصحيح على توحيد كلمتهم وتلافي الخلافات في ما بينهم وتجاوز هذه النقاط إلى نقاط الاتفاق وهي كثيرة وعظيمة.

فنحن جميعا متـفقون على أصول الإيمان وأركانه التي هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الأخر والقدر.

ونحن جميعا متفقون على أصول الإسلام وأركانه التي هي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج.

ونحن جميعا متفقون على المبادئ العامة العظيمة في الإسلام من جنس مثلا مكانة الأنبياء ومحبتهم، مكانة أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) نقلة الشريعة وحملة الكتاب ورفَعَة راية الجهاد في سبيل الله تعالى وقادة الفتوح في مشارق الأرض ومغاربها، خلاصة تربيته وثمرة جهاده، وأن محبتهم إيمان وبغضهم نفاق.

ونحن متفقون على أهم المقاصد العامة للشريعة بحفظ الأرواح والأديان والأموال والأجساد والأعراض وغيرها.

فهذه القضايا القطعية والقضايا الكلية والقضايا العامة هي محل حديث كبير، ومن الممكن أن يدندن الدعاة والمتحدثون حولها ويطيلوا النفس فيها ويؤصلونها ويقعدوها ويعمقوا أثرها في واقع حياة المسلمين.

ومن الممكن أن تكون سبب في توحيد الكلمة وإضعاف شأن الخلاف وتضييق شقته بدلا من أن يعتني المسلمون والصادقون والملتزمون بسلامة المنهج وسلامة الطريق في ما بينهم فيعمقوها ويضخموها ويجعلوا منها مجالا للحديث ومحلا للتوافق أو الاختلاف.

والإمام الشافعي رضي الله عنه أختلف أو تناقش مع رجل يقال له أبو علي الصدفي فقال:

(لم أرى أعقل من الشافعي،

لما كان من الغد أخذ بيدي وقال لي يا أبا علي ألا يجوز أن نكون أخوة وإن اختلفنا في مسألة).

فالخلاف لا بد منه وخصوصا الخلاف في الفرعيات والمسائل التي هي محل للاجتهاد، ولا يجوز أن تكون سببا في التدابر والتقاطع بين المسلمين.

أو استنزاف جهودهم في رد بعضهم على بعض.

وتشنيع بعضهم على بعض وتشويه بعضهم لبعض.

واستغلال الفرص والمناسبات لتصفية الحسابات بين الأخوة المؤمنين.

وأحيانا قد يكون هذا على مرءا ومسمع من الكفار مثلا يهودا كانوا أو نصارى أو لا دينيين أو وثنيين أو غير ذلك فيقع من جراء ذلك سخرية بالمؤمنين والشماتة بهم.

ولعل ما يحث في رمضان هو نموذج لذلك، فقد نختلف كبيرا في بداية الشهر، ولا أتحث فقط عن الاختلاف في العالم الإسلامي كله بل أحيانا في المدينة الواحدة وربما يحصل هذا عندكم أو في أي بلد آخر.

تجد في المدينة الواحدة المسلمين في بداية الصوم على مجموعات.

منهم من يصوم باعتبار أول بلد إسلامي يعلن الصيام.

ومنهم من يصوم باعتبار البلد الذي ينتمي إليه.

ومنهم من لا يصوم إلا باعتبار إعلان المركز الإسلامي في المدينة، وربما يكون هناك خلافات أكثر من هذا، ويتكرر هذا أيضا في العيد.

لذلك حقيقة أُكد على المسلمين أنه أقل ما يمكن أن يكونوا أنه يجب على المسلمين في البلد الواحد وفي المدينة الواحدة، يجب عليهم أن يوحدوا صومهم وفطرهم على أي صفة كانت، حتى لو كانت على قول مرجوح على حسب ما يتفق عليه أو يعلن عنه المركز الإسلامي الموجود في البلد.

وهو خير بدون شك وبدون تردد ولا يشك في هذا أحد، هو خير من أن يختلفوا على اتجاهين أو ثلاثة اتجاهات أو أربعة أو ما شابه ذلك، يجب أن يكون عيدنا واحد.

وفي سنن الترمذي والحديث حسنه الترمذي وقال عليه العمل عند كثير من أهل العلم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال:

(صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون).

فالعبرة بما يكون عليه جملة الناس وعامة الناس كما شرعه الله سبحانه وتعالى فرصة لتوحيد كلمة المسلمين وجمع شتاتهم و إزالة التنافر والكراهية والبغضاء والشحناء التي أصبحت مع الأسف تعشعش في قلوبهم.

…………………………………………..

الجزء الثاني

الرئيسية