إذا كانت نظرية هتلر التي تقول أن العالم يمكن أن يكون في لحظة ما
بين يديه بحق القوة والتوسع الأفقي على أساس الدم والعرق وان الأمة
الجرمانية يمكن أن تتوحد وينبغي أن تتوحد والأساس فيها اللغة بهذا
استطاع أن يغزو وان يضم لكن في الأخير فندت الأحداث ومجراها كل
المزاعم والأحلام التوسعية الكولونيالية وذهبت أدراج الرياح بفعل
هزيمة ألمانيا أمام الحلفاء، وسقطت ألمانيا التي بدأت بالحرب
وانتصرت القوى التي كانت بالأمس تدافع عن خارطتها الجغرافية
وانتمائها الطوعي بفعل قوة الحق ويقال أن التاريخ يعيد نفسه ولكنه
ليس كذلك وإنما تشابه الأحداث والمعطيات ومقارنتها ينتج تاريخا
مستنسخا يشبهه في الحدث لا في الزمان والمكان.
فالحكم الذاتي كسيناريو ومشهد مغلوط لنظرية هتلر لم يهدف المغرب
منه الى بناء امة موحدة على اساس العرق واللغة بل يقصد من ورائه
التوسع والضم بالقسر والقوة . فصانع القرار المغربي يعرف انه يصنع
عبثا قرار لا عقلاني لا من ناحية الموقف ولا الهدف للانطلاقة في
بلورة واتخاذ قرار يحل به النزاع او يدري ذلك ويتعمد إطالة عمر
النزاع باختياره بدائل متقادمة سبق ان طرحت من قبل اسبانيا ورفضت
"الحكم الذاتي الاسباني" الذي عرضته اسبانيا على الصحراويين فرفضوه
وقد أيدهم المغرب حينها في اختيارهم ثم طرح من قبل الأمم المتحدة
بصيغة "اتفاق الإطار" فيما بعد وأعيد رفضه فما ينبغي على المتتبع
ان يعرفه ويدركه ان هذه الحلول والتسويات لم تكن حلولا واقعية ولا
تتماشى مع الإرادة السياسية للشعب الصحراوي بقدر ما كانت إقصاء
وتهميش وقفزا على حقه في التعبير عن تقرير مصيره الذي طالما نادت
به الامم المتحدة وعبرت عنه الدساتير في نصوصها.
فالحكم الذاتي المغربي لم يكن جزاء من الحل بل جز من المشكل وضربا
من ضروب المماطلة والتعطيل وتقديمه وفرضه عل الصحراويين في هذه
الظروف تحت طائلة ان المنطقة جربت كل التجارب والحلول وفشلت وان
الاستفتاء لم يعد هو الخيار الواقعي الوحيد المطروح وان الحكم
الذاتي هو أرقى أنواع تقرير المصير ومن هنا يتفق كل المحللين
والاكادميين وحتى القانونيين أن الحكم الذاتي هو شكل من أشكال
تقرير المصير ولكن ضمن وحدة سياسية واحدة ويتمتع احد أقاليمها
بميزة تخوله لان ينال هذا الحق ضمن نص دستوري واضح كل هذا لا ينطبق
على قضية الصحراء الغربية التي تعد غير محكومة ذاتيا وتدخل في إطار
اللجنة الرابعة للأمم المتحدة لتصفية الاستعمار وإذا كان المغرب
صادقا وعازما على تطبيقه كان الاولى به ان يستشير الشعب المغربي
إذا كانت الصحراء الغربية مغربية بحق وتستحق الحكم الذاتي كمشروع
قرار. فلماذا لم يمرر على البرلمان المغربي فهذا قرار ناقص من حيث
شرعيته الداخلية كقرار في دولة تتشدق بالديمقراطية وإذا كان من
المفروض ان يجسده على ارض الواقع فما احوج إقليمي "سوس" و"الريف"
بذلك فكل هذه الفنتازيا التاريخية لم تكن وليدة اليوم بل هي محاولة
أزلية عند المغاربة من اجل إفشال كل المخططات الرامية الى إيجاد
تسوية حقيقية لهذا المشكل بداية من "الاستفتاء التأكيدي" ثم الرفض
المتكرر لقرارات الامم المتحدة ثم طرح الحكم الذاتي فهذا الاخير هو
بلونة اختبار لإيهام الرأي العام الدولي ان المغرب جاد فيما يقول
لكي يكسب تنازلات من الطرف الآخر.
وفي الحقيقة ان صانع القرار السياسي في المغرب لا يريد أي حل ينهي
النزاع لا الاستفتاء ولا الحكم الذاتي لكي يبقي المشكل قائم ويعلق
عليه كل مشاكله الداخلية من أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية تتخبط
فيها المملكة. فالتسوية المناسبة والأنجع عند المغرب سياسة إدارة
النزاع واللعب بورقة التمديدات والتأجيلات فبهذا يمكننا ان نقول ان
الحكم الذاتي ليس إلا امتدادا لتمديدات سبقته وتلاعب بعامل الوقت
وإفراغ القضية من جوهرها القانوني والسياسي وإختزالها في كونها
مسألة داخلية يهون حلها لو جلس أعضاء البوليساريو على طاولة
المفاوضات مع المغرب فهنا يكمن الإشكال والإفراغ وهنا جوهر النزاع
أيضا "السيادة" أي ان الصحراء الغربية في نظر المغرب مشكلتها مشكل
سياسي مع البوليساريو اما السيادة فهي ملك للمغرب فكل هذه
المساومات والتسويات المطروحة لا ينظر لها من طرف المغرب على أنها
حلول غير ممكنة، بل هي حسبهم غير مرغوبة وهذا هو لب النزاع. وبهذا
يكون مشروع الحكم الذاتي جزء من المشكل لا تصور في الحل .