القانون الدولي في الشريعة الإسلامية. بقلم حمه المهدي البهالي
الرئيسية
مقالات
المناطق المحتلة
أخبار وتعليقات
بحوث علمية
في الإعلام
ملاحم و بطولات
صور من السجن لكحل
سجل الزوار
إتصل بنا
التواصل

راسلونا
 
   
دين ودنيا

11/05/2008

القانون الدولي في الشريعة الإسلامية. بقلم حمه المهدي البهالي

 

الحمد لله الذي أنزل القرآن ( تبيانا لكل شيء ) فجعله كتاب دين ودنيا نظم لنا به الحياة وجعل أحكامه صالحة ومتلائمة مع كل زمان ومكان وشريعته متكاملة في الأصول والفروع وضعت الأسس  التي يجب أن يسير عليها الفرد والمجتمع من قواعد تتعلق بتنظيم العلاقات الإجتماعية والاسرية من جهة وبالحكم والسلطان وتسيير شؤون المجتمع الداخلية والخارجية من جهة أخرى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"  والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين تركنا على بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك فما ترك خيرا إلا دلنا  عليه ولاشرا إلا حذرنا منه  أرسى قواعد الاخلاق والمعاملات والعبادات وعلم أصحابه كيف يقودوا البشرية الى بر الأمان فصلى الله عليه وعلى آله واصحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان الى يوم الدين وبعد فالحديث عن أوجود القانون الدولي في الشريعة الاسلامية هو حديث عن أوجود مبادئ عظيمة نزل بها الوحي على المصطفى فمثلها جيل الصحابة ومن تبعهم حقيقة على الارض وتوجد في عالم اليوم قواعد وقوانين من مصادر مختلفة وضعت لحماية المجتمع الدولي من التصدع والانهيار ولأجل التعايش السلمي والتعاون بين الشعوب إلا أن كل ماسطر من القانون الدولي يبقى الى اليوم سراب لأننا نعيش في ظل قانون " سمك القرش " القوي يقهر ويحكم الضعيف ...

غير أن الرسالة الاسلامية رسالة لبناء الفرد ، كما هي رسالة لبناء المجتمع المثالي وقد نظمت هذه الشريعة الغراء كل نواحي  الحياة بما في ذلك العلاقات بين الشعوب والامم في حالتي الحرب والسلم وجاءت لحفظ الامن وتثبيت  الاستقرار فشرعت العهود والمواثيق وسنت قوانين لتنظيم العلاقات الدولية بين الدولة المسلمة ومثيلتها والدولة المسلمة مع غيرها من دول العالم وقد أعتمدت في هذا البحث منهج المقارنة والاستقصاء في تتبع الحوادث التاريخية التي من خلالها أتضحت معالم القانون الدولي وقد كان أختياري لهذا الموضوع لأزيل الستار عن قيم وقواعد مثالية تضمنتها شريعة الإسلام لتنظيم العلاقات الدولية وبنائها على أسس العدل والعالم اليوم بامس الحاجة الى الرجوع اليها وتطبيقها في ارض الواقع لانها تخالف ما نراه اليوم من فساد يحكم العالم بمنطق القوة وتملمم الدول الضعيفة تحت وطأة الدول الكبرى وغير ذلك من الكيل بمكيالين وإختراق المنظمات الدولية وتمرير القرارات الظالمة عبرها وإضفاء طابع الشرعية الشرعية عليها في حق الشعوب الضعيفة والمقهورة ... وغير ذلك

ماهية القانون الدولي ومصادره

* تعريف القانون الدولي

من الصعب تحديد مفهوم جامع مانع للقانون الدولي لعدم ضبط تحديد ظهور هذا القانون وتشعب الاراء في ذلك بيد أن الباحثين وضعوا بعض التعاريف التي يمكن من خلالها ان نفهم الخطوط العريضة لماهية القانون الدولي وطبيعة الدولة القانونية التي أتفقوا على سياقتها وفق تعاريفهم  فمنذ أوائل القرن السابع عشر قال معظم رواد المؤلفين الثقات بأن مجموعة الأحكام التي تنظم سيرة الدول المتمدنة تعتبر قوانين حقيقية بالاستناد الى أنها في الواقع محترمة بين هذه الدول بوجه عام . وكان غروتيوس أشهر مؤلف بين هؤلاء الرواد فهذا العالم الهولندي عرض أراءه في مصنف قيم شهير عنوانه " قوانين الحرب والسلم " وقد بنى فيه القانون الدولي على القانون الطبيعي والقانون الوضعي بآن واحد .أما بعد غروتيوس , فإن نظرية القانون الطبيعي مع استمرار تأثيرها الكبيرفي تطعيم القانون الدولي بالروح الإنسانية أخذت تدريجيا تفسح المجال للنظرية المسماة بالرضائية التي تبني أحكام القانون الدولي على رضا الدول المتمدنة

" وقد كان الكتاب الغربيون الذين بدأو في بحث القانون الدولي يلتمسون طريقهم وسط الابهام والغموض اللذين يرافقان معظم حقول البحث الجديدة وكان يعيق عملهم ويضعف مبدأ سيادة الدولة , تأثير الإقطاعية والكنيسة , لاسيما في أوربا إذبان القرون الوسطى فلذا لم تكن آنئذ ماهية القانون الدولي جلية , ولم تكن حدود واضحة المعالم . 

فالقانون الدولي  يتمحور مفهومه حول تلك الأحكام والقواعد  التي تنظم العلاقات فيما بين أشخاص القانون الدولي

أما عن طبيعة الدولة القانونية الحديثة فقد عرفها جيركه "gierke" بأنها ( الدولة التي تخضع نفسها للقانون وليست تلك التي تضع نفسها فوق القانون ) (1)

تقول د . طعيمة الجرف : إن الدولة المعاصرة دولة قانونية تحكمها قاعدة خضوع الحكام للقانون والتزام حكمه في كل مايقوم بين الدولة والمحكومين من علاقات من جانب أو بينها وبين الوحدات الدولية الأخرى من جانب آخر . 

يقول ثرت بدوي : والدولة لاتكون قانونية إلا حيث تخضع فيها جميع الهيئات الحاكمة لقواعد تقيدها وتسمو عليها أي أن مبدأ خضوع الدولة للقانون أو مبدأ المشروعية يهدف الى جعل السلطات الحاكمة في الدولة تخضع لقواعد ملزمة لها كما هي ملزمة بالنسبة للمحكومين. (2)

* مصادر القانون الدولي

يذكر الباحثون في القانون الدولي بأن مصادر القانون الدولي الحديث المسلم بها ثلاثة , وهي العرف والعدالة والإتفاق , فيستند العرف إلى تعامل الدول العام , وتستند مبادئ العدالة من الحق الطبيعي أو تعاليم الدين أو إملاء العقل , وتتأثر بآراء الفلاسفة والفقهاء ورجال السياسة كما تتبلور وتثبت أحيانا بقرارات هيئات التحكيم أو محاكم العدل الدولية , أما الإتفاق فيبنى بوجه خاص على المعاهدات العامة ذات الصفة التشريعية , الى جانب المعاهدات الخاصة والتعامل الفعلي المستمر الوطيد. (3) إلا ان هذه المصادر تختلف عندما ننظر في التشريع الإسلامي حيث تنحصر مصادر التشريع خاصة في الكتاب والسنة  بإعتبارهما الاساس الذي تتفرع عنه باقي مصادر التشريع  " فاستنتاجا منطقيا من كون الدعوة الإسلامية عالمية شاملة , فقد أعتبر التشريع الإسلامي في أساسه عالميا شاملا , ومن ثم دوليا في نطاقه ومضمونه ومفهومه .وإن القانون الدولي في الإسلام كان دائما جزءا من الشريعة العامة . (4)

وقد تعرض الفقهاء لبحث مواضيع القانون الدولي أحيانا في باب الجهاد أو المغازي , أو في أبواب أخرى متفرقة كالغنائم وأهل الذمة وأختلاف الدارين والجزية والخراج وماشاكل .

وبناء على هذا الرأي كان للقانون الدولي الإسلامي نفس المصادر الشرعية التي كانت لأي فرع آخر من فروع الفقه , وهي نصوص القرآن والسنة , وإجماع الفقهاء والقياس والاستحسان , أو ماقام مقامه من الأدلة العقلية والإنصافية .(5) ونوضح مصادر القانون الدولي الإسلامي في هذا المبحث التالي 

* مصادر القانون الدولي الإسلامي

أولا : القرآن الكريم

يعد القرآن الكريم أول وأعظم مصدر مشرع للدستور الاسلامي  وهو أشهر من أن يعرف ومع هذا فقد وضع له الاصوليون عدة تعاريف منها : القرآن هو الكتاب المنزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم , المكتوب في المصاحف , المنقول إلينا عنه نقلا متواترا بلا شبهة .(6)

ثانيا : السنة النبوية

المصدر الثاني للتشريع  الاسلامي وهي تبعا للمصدرالاول بحكم كونها موضحة لمعاني القرآن الكريم  وهي في إصطلاح الاصوليون ماصدرعن النبي صلى الله عليه وسلم , غير القرآن , من قول أو فعل أو تقرير ويحدد الشيخ الالباني صفة هذه السنة فيقول : (إن السنة التي لها هذه الأهمية في التشريع إنما هي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالطرق

العلمية والأسانيد الصحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله . وليست هي التي في بطون مختلف الكتب من التفسير والفقه والترغيب والترهيب والرقائق والمواعظ وغيرها فإن فيها كثيرا من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة وبعضها مما يتبرأ منه الإسلام(7)

ويبنى التشريع الاسلامي على هذين الاساسين القرآن والسنة فهما الأصل في تحديد طبيعة الدولة الاسلامية وقانونها العام وعلاقتها بغيرها من دول العالم "فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا أو نحمله شبهة أو شكا أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم فنوحده صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل ) . وجملة القول : أن الواجب على المسلمين جميعا أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما وإقامة التشريع عليهما معا . فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يمينا ويسارا وأن لا يرجعوا القهقرى ضلالا  كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض.(8)

 ثالثا : الإجماع

الإجماع هو اتفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية , في عصر من العصور على , على حكم شرعي , بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .(9)

 رابعا : القياس

ومعناه التوسع في تطبيق حكم شرعي مختص بمسألة معينة على مسألة أخرى شبيهة بسبب وحدة العلة بين المسألتين  .(10)

خامسا : الإجتهاد

والاجتهاد كذلك اختلف فيه الفقهاء وهو في إصطلاح الاصوليين : بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بالاحكام الشرعية بطريق الاستنباط .(11)

وعلاوة على على هذه المصادر ، قالت بعض المذاهب الفقهية بأدلة أخرى , كالإستحسان في المذهب الحنفي , والمصالح المرسلة في المذهب المالكي , والإستدلال في المذهب الشافعي والحنبلي والجعفري .

* مراحل تطور القانون الدولي

لم تكن الجماعات البدائية القديمة تعرف التنظيم السياسي ولئن كان لها رؤساء او قادة فإنهم كانوا يكتسبون سلطانا شخصيا عرضيا غير مستقر يزول بمجرد ظهور فرد آخر اكثر قوة او يفوقهم ذكاء وخبرة .(12) وفي الوقت الذي كانت فيه أوربا تعيش بحضارتها وفكرها في ظلام دامس وجمود فكري في هذه الحقبة الزمنية المسماة بالعصور الوسطى والممتدة على مدى تسعة قرون ونصف كان الإسلام يعيش ازدهارا وتطورا في العلوم والمعارف ومن هذه العلوم والمعارف العلوم الفقهيةوعلوم تنظيم العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين تنظيما قانونيا إنسانيا محكما وهذا ماجعلمعظم المفكرين المسلمين يعتبرون أن الإسلام غني بالمبادئ القانونية الناظمة للعلاقات بين دار الإسلام ودار الحرب .(13) 

وقد أختلف الباحثون قديما وحديثا حول بداية ظهور قواعد القانون الدولي الى رأيين مختلفين أحدهما يرى بأن ظهور القانون الدولي يعود الى بداية البشرية وأنه ظهر مع ظهور الإنسان وآخر يرى بأنه حديث عهد بالإنسانية وأنه نتاج الدول الحديثة وأقام كل فريق أدلة لماذهب اليه وتتلخص هذه الاراء في أربعة مراحل من تطور القانون الدولي العام

*- القانون الدولي في الحضارات القديمة  ←  الحضارة المصرية القديمة وحضارتي فارس وبابل وحضارتي الأغريق  والرومان

*- القانون الدولي في العصور الوسطى ← أوروبا المسيحية والشرق الأسلامي بمبادئه السمحة و الأصلية .

*- القانون الدولي في العصور الحديثة ← 1648-1948 حوالي 300 سنة أي 3 قرون (الفترة الاستعمارية وما بعدها).

وخلاف العصور القديمة والوسطى لم يكن هناك قانون دولي عام بالمفهوم الحقيقي كما يرى البعض وذلك لعدم توفر بعض أو كل الشروط الأساسية لقيام قانون دولي عام وهي:

1/ عدم وجود حد أدنى من التضامن والمصالح المشتركة

2/ وجود مجتمعات بشرية متعددة تتميز بالا ستقلال والسيادة

3/ انعدام الوعي بالمجماعة البشرية  وبالتالي استحالة وجود قانون قبل نشاة المجتمع الدولي

4 العزلة النسبية التي كانت تحياها كل حضارة من الحضرات الانسانية الموجودة انذاك

5/ سيطرة الدولة الرمانية في أواخر العصور القديمة على كل العالم المعروف في هذه الفترة تقريبا بحيث أصبح من غير المتصور قيام علاقات دولية بالمعنى الصحيح بين جماعات تخدع كلها لسلطة مركزية واحدة .

  إلا ان المتتبع لتاريخ الإسلام يجد أن في الوقت الذي كان العالم يعيش أزمة قانونية إن صح التعبير في ظل غياب أي قانون عادل من شأنه أن يضمن الحقوق والحريات للأفراد والجماعات " ولدة في الجزيرة العربية أول دولة قانونية أقامها النبي الكريم غداة هجرته إلى المدينة ومن بعده الخلافة الراشدة ،قائمة على مقومات الدولة القانونية بمعيار العصر الحديث من وجود دستور ، وتدرج في القواعد القانونية ، وخضوع الإدارة للقانون ،والاعتراف بالحقوق والحريات الفردية . ومتضمنة في كيانها وتنظيمها كافة الضمانات التي من شأنها إخضاع الدولة للقانون من فصل بين السلطات ،وتنظيم رقابة قضائية ، وتقرير لمبدأ اختيار الحاكم ومراقبته وعزله ، وبذلك يكون الإسلام قد جاء بدولة فريدة في التاريخ غير معروف أو مألوفة قبله على الإطلاق . وليس ثمة شك في أن النبي الكريم أقام دولة في المدينة , وباشر فيها اختصاصات لا يباشرها اليوم إلا الرئيس الاعلى للدولة , ومن ذلك : إعلان الحرب , وعقد الصلح , وإبرام المعاهدات , ورئاسة الجهاز التنفيذي والقضائي , وباختصار فما من مسألة تخص السياسة الخارجية أو الشؤون الداخلية إلا والكلمة الأخيرة ـ بعد المشاورة فيما لاوحي فيه ـ تكون له عليه الصلاة والسلام . وفوق هذه الاختصاصات التي يباشرها رؤساء الدول أيضا فإن الرسول الكريم بما له من صفة النبوة يبلغ أحكام الشريعو الإسلامية التي مصدرها الوحي إلى الناس سواء كانت موحى بلفظها ومعناها ( القرآن ) أو بمعناها دون لفظها ( السنة )

فالتشريع بنوعيه , كتابا وسنة مصدره الوحي وليس الرسول صلى الله عليه وسلم , حيث إن دوره في ذلك ينحصر في التبليغ والاتباع " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " (14)

الحقوق والحريات في التشريع الإسلامي

* حفظ كرامة الإنسان

لقد أعلى الاسلام من شأن الإنسان فجعل الحقوق والحريات منح إلهية يكفلها له الشرع وهذا مايميز الإسلام عن باقي النظم الوضعية " وقد أشار القرآن الكريم إلى كون الحقوق والحريات ( منحا إلهية ) فذكر حق الملكية مثلا بوصفه منحة إلهية في قوله تعالى : اولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ) وقوله عز وجل ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) وأشار الى  (حق التكريم ) بوصفه منحة إلهية بقوله تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ) وأشار إلى حق الحياة بوصفه منحة إلهية بقوله تعالى : ( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) السياسي ص 112

ونظام الحقوق والحريات في القانون الدولي الاسلامي شامل لكل الحريات الفردية للافراد والحريات الاجتماعية والاقتصادية  وعام لكل من يخضع للنظام الاسلامي دون تمييز بين المواطنين على أساس اللون أو العرق أو اللغة  أو الانتماء والحرية في الشريعة الاسلامية ليست مطلقة بل حرية الفرد تنتهي حيث تبداء حرية الآخرين فالحرية مضبوطة بأحكام الشريعة الاسلامية

وفيما يخص شريعة السلم أيضا نجد حضا قويا على حرمة العهود والوفاء بالعقود وقد عقد المسلمون كثيرا من المعاهدات ووفوا بموادها . والمعاهدات كما لاحظ أوبنهايم هي " أساس الحقوق الدولية " (15)

* الحريات والمساواة في النظام الإسلامي

ليس غريب أن يوصف الإسلام بدين الحرية والمساواة حيث تذوب أمامه كل الفوارق العرقية والقبلية والمذهبية والناس أمام القانون كأسنان المشط " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" قال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فالعدالة المطلقة ـ والمساواة فرع لها ـ أو هي " صورة من صورها " سمة لازمة للمجتمع الإسلامي وخصيصة من خصائصه , ولا نغالي إذا قلنا إن المجتمع الإسلامي جسد روحه العدالة , ومن العدالة ومن العدل تسوية المواطنين في حقوقهم وحرياتهم . فالإسلام يحرص على العدالة والمساواة ويدعو إلى انتشارها في كل زاوية من زوايا المجتمع . (16) وقد عاش المسلمون في ظل الإسلام  متمتعون بكل حقوقهم وحرياتهم بل كلما نتحدث عن الحرية نتذكر مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرار " معاتبا أحد ولاته ... والامثلة في الحفاظ على الحقوق والحريات كثيرة وكثيرة جدا

* أحكام معاملــة العدو

إن جميع القواد في التاريخ يعلمون جيدا بشاعة الحرب وفظاعتها وإنهم جميعا تقريبا يرغبون في تخفيف ويلاتها ما وجد السبيل الى ذلك والقوانين الدولية الحديثة شرعت شرعا منفصلا منتظما لمعاملة العدو في الحرب ففيما يخص الجرحى مثلا نجد اتفاق جنوا المعقود في 26 آب 1864 وعدلت الدول هذا الاتفاق باتفاق عقد عام 1929 ونجد اتفاقا آخر لأسرى الحرب عقد جنوا أيضا وقعته 47 دولة بتاريخ 1 تموز 1929 هذه الشرائع التي ذكرناها تكاد تكون مطابقة للشريعة الاسلامية غير أن الشريعة الاسلامية الأصلية كانت من الوجهة التطبيقية العملية أفضل بكثير وكثير ... (17)

عن ابن عمر: أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى في بعض مغازيه  امرأةً مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. موطأ مالك

قال: (من قتل نفساً معاهداً لم يُرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً).فتح الباري

وقد استخلص طبيعة وخصائص الحقوق والحريات في النظام الإسلامي  في النقاط التالية

1 ـ إنها منح إلهية وليست مجرد حقوق طبيعية بل كفلتها الشريعة للأفراد

2 ـ  إنها تشمل كل الحقوق والحريات ولكل المواطنين فى الدولة الاسلامية ومظبوطة بالشرع 

3 ـ  مصدرها الوحي فهي كاملة ابتدا فى النظام الاسلامي وغير قابلة للإلغاء

* بعض مبادئ القانون الدولي الإسلامي

ونتناول في هذا المبحث عدة مطالب تتحدث عن التشريع الإسلامي الذي أرسى قواعد القانون الدولي في عصر لم توجد فيه لا عصبة أمم ولا امم متحدة ولامعاهدات دولية ولاغيرها فحرر البشرية من الإستعباد وقرر حقوق الإنسان وضمن الحريات للافراد بعيدا عن الجور والحيف

* مبدأ فض للنزعات بالطرق السلمية

نصت مواثيق القانون الدولي على حل المنازعات سلميا وكان واضحا في الشريعة الاسلامية هذا المبدأ وقد مثله المختارعليه السلام في حل المنازعات التي كانت تحصل في الجاهلية بين قبيلتي الأوس والخزرج  وجسد المصطفى عليه السلام ذلك بنفسه في حلف الفضول ووردت أيات كثيرة في ذلك " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..

* احترام حقوق الإنسان

كثرة الدعاية اليوم والتغني بحقوق الإنسان في الوقت الذي نرى فيه الإنسان يهان وتداس كرامته ويعامل بوحشية وقد كان الاسلام واضحا في تقرير مبادئ  سامية لحفظ وصيانة حقوق الإنسان وتمثل ذلك في خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين اعلن الميثاق العالمي لحقوق الانسان في خطبة الوداع حيث قال : يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم

واحد  ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا

لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ألا هل بلغت قالوا بلى يا رسول الله 

قال فليبلغ الشاهد الغائب بل تخطى ذلك ليحفظ حقوق الحيوان فعلمنا أن إمرأة دخلت النار في هرة ورجل دخل الجنة في كلب فبينما رجل يمشى بطريق فاشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني فنزل البئر فملأ خفيه فأمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له فقالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا فقال في كل ذات كبد رطبة أجر) (18)  و قال صلى الله عليه وسلم : دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) (19) وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم مر عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال :( أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو حزبها في وجهها)(20)

* الوفاء بالعهود والإلتزامات بين الدول

من ألطف مايعثر عليه الباحث في تاريخ الإسلام السياسي حرمة العهود وقدسيتها . فليست المعاهدات " قصاصة ورق " كما قال " ﭘتمان هولويغ " مستشار الامبراطورية الألمانية . قال ذلك عام 1914 حين اجتاحت جيوشه بلاد البلجيك , خارقا بذلك حيادها الذي كانت دولته قد تعهدت به مع كثير من الدول العظمى قبل مايقرب من تسعين سنة.(21) وليست المعاهدات في الشريعة الاسلامية كما نراه اليوم من تسلط القوى العظمى وانتهاك كل المعاهدات الدولية

* معاملة أسرى الحرب والشيوخ والنساء والأطفال ...

 بالرأفة والتسامح . بالأضافة الى الممثلين السياسيين والاشخاص الذين هم في حاجة الى الامان فكل هذه التعاليم لم يعرفها الغرب إلا بعد أن ترجمت في كتابات الفونسو الرابع , مؤسس جامعة سللاماكا في منتصف القرن السادس عشر (1555) كما يؤكد ذلك الأستاذ بويسارد وقد أعتمد ألفونس الرابع على كتابات المسلمين وخاصة كتاب الولايات (1280) أكثر من هذا , فإن كتاب الفونس يجعل القارئ وكأنه يقرأ كتاب السير للشيباني . ثم ساق الكاتب أمثلة

1/ أن المؤسسات العسكرية الإسبانية قد أخذت من النظام الإسلامي بما فيها من تقنيات وفنيات حروب الغزوات .

2/ فكرة حرس الحدود أو السرايا .

3/ توزيع الغنائم وإعطاء 1/5 للملك والباقي للخزينة .

4/ معاملة أسرى الحرب ودفع الجزية كما هو الشأن في الإسلام .

5/ أن مفهوم الأمان قد ترجم ونقل كما هو من الإسلام . .(22)

 

خـــاتمة
 وبعد أن حاولنا في هذا العرض المتواضع دراسة القانون الدولي من منظور شريعة الإسلام أو البحث عن أوجود القانون الدولي في الشريعة وجدنا سبب الشقاء والظلم الذي تعانيه دول العالم وسبب عدم التوازن بين العالم فشماله يموت من التخمة وجنوبه يموت جوعا ... عالم مملو بالتناقضات يقرر فيه القوي ويسود فيه الظالم ... وما يزيد الامر سوا هو أوجود شريعة ربانية كلها مبادئ عادلة  رسمت الطريق أمام البشرية لتسير الى الحياة المثالية التي لاتشيبها شائبة الظلم أو القهر أو العبودية حياة يحكمها قانون عادل لايفرق بين جنس وجنس ولالون وآخر بل يقف الناس أمامه متساوون في الحقوق والواجبات ... ثم نجد دول العالم خاصة الإسلامية منها تحيد عنها وترغب فيما عند الغرب ونحن نعلم تمام العلم أننا لو أبتغينا العزة في غير شرع الله أذلنا الله ... ونحن في هذا البحث قد تمتعنا بالإطلاع على نماذج حكمت العالم فملأته عدلا ونورا وكانت تستمد كل أحكامها وقوانينها من شريعة الإسلام وكل هذه النماذج أصبحت جزء من التاريخ البشري بل سيطرت على ان تذكر كلما تحدث العالم عن العدل والقيم الفاضلة التي يجب أن تحكم بها الدول والشعوب ... فالمصطفى صلى الله عليه وسلم شهد له كل منصف بالفضل يقول الأستاذ / نيللينو المستشرق الإيطالي:" لقد أسس محمد في وقت واحد دينا ودولة ، وكانت حدودهما متطابقة طول حياته " وربى جيل حمل الرسالة ومن بعده .. الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز ... وغيرهم كثير... واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين

                         إعداد : حمه المهدي البهالي : 03/05/2007

الهوامش :

 

(1) ـ النظام السياسي الإسلامي  ص 23

(2) ـ نفس المصدر السابق ص 21

 

(3) / (4) ـ القانون والعلاقات الدولية في الإسلام ص 36/37 / 38

(5) أصول البزدوي ... الوجيز في أصول الفقه

(6) ـ منزلة السنة في الإسلام للشيخ الالباني  قرص مضغوط " موسوعة كتب الالباني "

(7) ـ نفس المصدر

(8) ـ منزلة السنة في الإسلام للشيخ الالباني  قرص مضغوط " موسوعة كتب الالباني "

(9) (10) (11) ـ الوجيز في أصول الفقه .. د . عبد الكريم زيدان ص / 141 /153/ 317

(12) ـ د . ثروت بدوي : أصول الفكر السياسي .. النظام السياسي الاسلامي ص 29

(13) ـ المدخل للعلاقات الدولية . ص 85

(14) ـ النظام السياسي الإسلامي :د . منير حميد البياتي :  ص 33 / 34

(15) ـ الشرع الدولي في عهد الرسول . د . عبد الوهاب كلزية  : ص131

 

(16) النظام السياسي الإسلامي : ص 149

(17) ـ  الشرع الدولي في عهد الرسول . د .عبد الوهاب كلزية : ص 29

(18) ـ صححه الألباني في سنن أبي داود

 

(19) / (20) ـ غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام تأليف العلامة محمد ناصر الدين الألباني

(21) ـ الشرع الدولي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم : ص 85

(22) ـ مدخل للعلاقات الدولية : ص 102 / 103

 

قائمة المراجع

أولا : الكتـــــــــب

1/ النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية للدكتور منير حميد البياتي دار وائل للنشر والتوزيع الطبعة الاولى 2003 عمان

2/ القانون والعلاقات الدولية في الإسلام للدكتور صبحي محمصاني  دار العلم للملايين الطبعة الثانية  بيروت لبنان 1982

الاردن

3/ المدخل للعلاقات الدولية , للدكتور : مبروك غضبان ط .1 شركة باتنين للمعلوماتية والخدمات المكتبية . باتنة الجزائر 2005

4/ غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام  تأليف العلامة محمد ناصر الدين الألباني

5/ الشرع الدولي في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ  للدكتور : عبد الوهاب كلزية . دار العلم للملايين الطبعة الاولى 1984م. بيروت لبنان

5/ الوجيز في اصول الفقه . الدكتور عبد الكريم زيدان . مؤسسة الرسالة ناشرون . منشورات مروان رضوان دعبول . الطبعة الأولى : 2004م . بيروت لبنان .

6/  صحيح سنن أبي داود للعلامة لالباني

ثانيا : الاقراص ومواقع الانترنت

1/ مكتبة الحديث الشريف

2/ موسوعة كتب الشيخ الالباني ـ رحمه الله ـ

[رجوع]

جميع الحقوق محفوظة لموقع التواصل 2008

تصميم و إشراف حدي الكنتاوي hadikentawi@yahoo.es