ويقول بديع الزمان النورسي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده                                   وبعد

ويقول بديع الزمان النورسي:"رُكِّبتَ من القصور والفقر والعجز والإحتياج لتنظر بمر صاد قصورك إلى سرادقات كماله سبحانه وبمقياس فقرك إلى درجات غناه ورحمته.وبميزان عجزك إلى قدرته وكبريائه ومن تنوع احتياجك إلى أنواع نعمه وإحسانه.

فغاية فطرتك هي العبودية.والعبودية إن تعلن عند باب رحمته قصورك بـ(استغفر الله)و(سبحان الله).

وفقرك بـ(حسبناالله)وبـ(الحمدلله)وبالسؤل.

وعجزك بـ(لاحول ولاقوةإلابالله)وبـ(الله أكبر)فتظهر بمراتب عبوديتك جمال ربوبيته"[1]

**أهمية الموضوع:

تكمن أهمية الموضوع في النقاط التالية:

1-ان جميع الرسل من اولهم الى آخرهم دعوا إلى عبادة  الله{ اعبدواالله مالكم من إله غيره}[2].

2-أنالله جعل العباده وصفاُ لآكمل خلقه وهم الانبياء {لن يستنكف المسيح ان يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا }[3]

3-أن الله وصف أكرم خلقه عليه وآعلاهم عنده منزله صلى الله عليه وسلم بالعبوديه في اشرف مقامته فقال { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً}[4]

وقال سبحانه { سبحان الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه آيتنا إنه هو السميع البصير}[5]

4-ان العبادةسياج رباني للداعية الى الله

فالداعية إلى الله وطالب العلم في مكتبته مهما كان عنده من قوه وجلد فلبد له من سياج يقيه مصاعب الدنياوشهواتهاوفتنها فهذاالنبي صلى الله عليه وسلم وقد غفرله ما تقدم من ذنبه وما تاخريخاطبه ربه بظرورة النصب بعد الفراغ0 قال تعالى:{فإذا فرغت فانصب } [6]0

بل "لما عدنعمه السالفه ووعوده  الانفه يحثه على الشكروالإجتهاد في العباده والنصب فيها0وان يواصل بين بعضها وبعض ويتابع ويحرص على  أن يتخلى وقتاً من اوقاتها فيها0فإذافرغ من عباده ذنبها بأخرى"[7]وهذا هوا السر في صبره صلى الله عليه وسلم وحلمه على قومه حينما بلغ به من الأذاى ما بلغ فما يكون منه صلى الله عليه وسلم ألا أن يقول :"رب اغفر لقومي فإنهم لايعلمون"[8]

وحينما يتحلى العبد المؤمن بهذه الحصانه يكون في دعوته وفي جهاده وفي كل شؤنه مع الله

            وهل انت إلا اصبع دميت                وفي سبيل الله ما لقيت

فلهذا وفق الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي الخلوه  بغار حراء فيتحنث ـ أي: يتعبد ـ فيه الليا لي ذوات العدد0[9]فربى الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الخلوات الطويله ليتهييء للوحي والنبوه0 وكا ن صلى الله عليه وسلم لا يغفل عن هذا الجانب بعد النبوه فكان صلى الله عليه وسلم يعكتف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف ازواجه من بعده0[10]وهذا بخلاف العاملين لهذا الدين اليوم تجد الوحد منهم يتعذر بضيق الوقت وكثرة المشاغل وتعب الجسد فيدخل الشيطان عليه من هذا الباب 0

0وهذا نبي الله هود عليه السلام يرشد قومه الى طريق القوه والنصر0{ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مدبرين}[11]0ويقول الله سبحانه وتعالى مبيناً حال أنبيائه معه:{واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولوا الأيدي والأبصار}[12]فيقول شيخ الإسلام بن تيميه حول هذه الآيه"وعن عطاء الخرساني :"أولي الأيديوالأبصار"قال:أولوالقوه في العباده والعلم بأمر الله0"[13]

**وسنتكلم عن هذا الموضوع في النقاط التاليه:

1-المسارعة إلى العبادة.

فإن الله يقول {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض }

وكذلك قول الله تعالى (( يأيها اللذين آمنوا اذا نوديا للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله ))

الله عباده الصالحين وهم زكريا وأهله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في سننه

(( التؤدة في كل شيء خير الا في عمل الآخرة )) فانه لاتؤدة ولاانتظار . وانما هو مسارعة ومسابقة .

ولمادنا المشركون من المسلمين في غزوة بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( قوموا الى جنة عرضها كعرض السموات والأرض )) قال أنس [ راوي الحديث والحديث في صحيح مسلم ] قال عمير بن الحمام الأنصاري يارسول الله جنة عرضها السموات والآرض.قال نعم.فقال عمير بخ بخ[وهذه كلمة تطلقها العرب لتفخيم الامر وتعظيمه] فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم(مايحملك على قولك بخ بخ) قال :لا والله يارسول الله..إلارجاءه أن اكون من أهلها[ يعني ما قصدت بهذه الكلمه الاوانا أرجو ان أكون من آهل هذه الجنة التي عرضها السماء والأرض ] قال صلى الله عليه وسلم وقوله وحي-(فإنك من أهلها)فأخرج تمرات من قرنه.. فجعل يأكل منهن ثم قال :لئن حييت حتى اكل تمراتي هذه انها لحياة طويله قال : فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه وارضاه.

ويقول صلى اللهعليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه عزوجل (( وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه )) وكلمة [ مايزال] في هذا الحديث تدل على الاستمراريه.

2-استدراكـ مافات من العباده

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ك(( من نام عن حزبه من الليا او عن شيء منه فقراءه في ما بين صلاة الفجر وصلا ة الظهر..كتب له كانماقرأه من الليل ))

وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إذا صلى صلاة داوم عليها وكان إذا فاته القيام القيام من الليل ] مثلاً غلبته عيناه بنوم أو وجع [ صلى اثنتي عشرة ركعة من النهار ] وكذلك قصة : أن أم سلمة [والقصه في صحيح البخاري]جاءها ضيوف من الانصار والنبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر دخل وصلى ركعتين وهي عنده ضيوف فلم تزد انتترك ضيوفها فقلت للجاريه :(اذهب اليه فقومي بجانبه فقولي له : تقول لك ام سلمه انك نهيت عن الركعتين بعد العصر وارك تصليها؟فان اشار اليك فاتاخري عنه (( فجائت الجاريه فوقفت بجانب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقالت له هذا الكلام فاشار اليها فتاهخرت عنه وذهبت بعان ما فرغ من صلاته جاء الى ام سلامه فقال [ فقال ياابنت ابي اميه سالت عن الركعتين بعد العصر وانه اتاني ناس من عبد القيس [ يعني بعد الظهر] فشغلوني عن الركعتين التين بعد الظهر ] السنه الراتبه بعد الظهر [ فهما هاتان ]

**والحديث فيه فوائد منها:

1-جواز تكليم المصلي لحاجه

2- إن الذي يكالم المصلي يقوم بجانبه ولا يتقدم ولا يتأخر

3-جواز الإشارة في الصلاة

فهذه الأحاديث  تدل على مشروعية قضاء السنن الرواتب  ومشروعية قضاء صلا ة الليل.

**  لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان أكثر من غيره ؟ أو يصوم أكثر شعبان ؟

  ذكر ابن القيم رحمه الله ثلاث أسباب في تعليقه على سنن أبي داود يقول   : ( من أسباب إكثار النبي صلى الله عليه وسلم  الصيام في شعبان أنه كان يصوم ثلاثة أيام    من كل شهر فربما شغل عن الصيام أشهراً فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض )

وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان وهذا معروف  فلما فاته

الاعتكاف مرة لعارض السفر اعتكف في العام المقبل عشرين يوماً فلذلك عنون عليه البخاري [ الاعتكاف في العشر الأوسط ]

إذاً تعرف أن  النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاته شيء ما يضيعه ويتركه لفواته وإنما كان يستدركه. وهذا الاستدراك مهم في الاستمرار على العبادة

3-الخوف من عدم القبول .

فإن بعض الناس إذا عملوا أعمالاً وعبادات أصيبوا بنوع من الغرور وشعروا أن فيهم صلاحاً عظيماً .

فعن عائشة رضي الله عنها . قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ((والذين يؤتون  ما آتوا وقلوبهم وجلة )) قالت عائشة [ تسأل النبي صلى الله عليه وسلم]

الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟!

قال : (( لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات ))[14]  

فهذه الخشية مهمة ويجب أن يعيش الإنسان بين الرجاء والخوف مهما كثرت العبادة .

ويقول أبو الدر داء رضي الله عنه (( لئن أستيقن أن الله تقبل مني صلاة واحدة .. أحب إلي من الدنيا وما فيها . إن الله يقول (( إنما يتقبل الله من المتقين ))

4-  معرفة نصوص الترغيب في العبادات .

فإن النفس تتحمس إذا ذكر الأجر ولنأخذ على سبيل المثال بعض الأحاديث التي ترغب في بعض العبادات .

**فقال عليه الصلاة والسلام (( لئن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة ))

وعتق الرقبة فيه فضل عظيم (( من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه في النار .حتى الفرج بالفرج ))

**وقال عليه الصلاة والسلام (( من توضأ فقال بعد فراغه من وضوئه : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) [ هذه مثل كفارة المجلس ] كتب في رَق ثم جعل في طابع فلا يكسر إلى يوم القيامة فيجعل في مظروف مختوم لايكسر إلى يوم القيامة  

**وقال عليه الصلاة والسلام لإحدى زوجاته (( لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم )) [ لأنها من الفجر وحتى تعالى النهار وهي جالسة في مكانها تذكر الله ] لوزنتها : سبحان الله وبحمده . عدد خلقه  . ورضا نفسه  . وزنه عرشه ومدار كلماته )).

**وفي فضل حفظ القرآن يقول النبي صلى الله عليه وسلم ((  لو جمع القرآن في ايهاب ما أحرقه الله بالنار ))     

الإهاب : هو الجلد والمقصود به جسد الحافظ للقرآن .

(( يجئ القرآن يوم القيامة فيقول يارب حله فيلبس تاج الكرامة . ثم يقول يارب زده فيلبس حلة الكرامة . ثم يقول: يارب ارض عنه فيرضى عنه . فيقول اقرأ وارق ويزاد بكل آيه حسنة ))

**وكذلك فضل التبكير في يوم الجمعة وهذا فرطنا فيه كثيراً من غسل يوم الجمعة واغتسل . ثم بكر وابتكر . و مشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع وأنصت ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنة أجر صيامها وقيامها ))

**كذلك تكبيرة الإحرام مع الإمام التي تفوت كثير من الناس (( من صلى لله أربعين يوماً  في جماعة يدرك التكبيرة الأولى . كتب الله له براءتان . براءة من النار وبراءة من النفاق))

**كذلك عيادة المريض .

(( مامن امرئ مسلم يعود مسلماً إلى ابتعث الله  سبعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار كان حتى يمسي وأي ساعات الليل كان حتى يصبح ))

**كذلك زيارة الأخوة في الله .

**كذلك احتساب الأجر في الخطوات الى المسجد والتبكير الى المسجد قال عليه الصلاة والسلام (( إذا تطهر الرجل ثم مر الى المسجد       الصلاة [ من أجل الصلاة ] كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها الى المسجد عشر حسنات والقاعد يرعى الصلاة [  القاعد في

 

 

المسجد ] كالقانت ويكتب من المصلين من حيث يخرج من بيته حتى يرجع إليه )) .

 5- قراءة سير العباد

وذلك لتشجيع النفوس . لأن القصة من هذه القصص تولد في النفس معاني وينبغي أن نهتم بهذا فقد سطر العلماء سير العباد في كتبهم ككتاب { سير أعلام النبلاء } للحافظ الذهبي رحمه الله و { حلية الأولياء } لأبي نعيم . و { البداية والنهاية } لابن كثير .

·       وذلك كسيرة شيخ الإسلام

·       أما تلميذه ابن القيم فيقول عنه الحافظ ابن رجب :" وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى وتأله ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والإنابة والإفتقار إلى الله والإنكسار له والإطراح بين يديه على عتبة عبوديته لم أشاهد مثله في ذلك ولا رأيت أوسع منه علماً.."

ويقول الحافظ عماد الدين ابن كثير " كان ملازماً للإشتغال ليلاً ونهاراً كثير الصلاة والتلاوة .. الخ " ثم قال :" وكان يقصد لإفتاء بمسألة الطلاق حتى جرى له بسببها مايطول بسطه مع ابن السبكي وغيره ."

·       وحينما ننظر في سيرة شقيق شيخ الإسلام عبد الله بن عبد الحليم بن تيميه نرى فيه كامل الصفات فقالوا : " كان صاحب صدق وإخلاص . قانعاً باليسير. شريف النفس .شجاعاً ورعاً . يخرج من بيته ليلاً ولا يجلس في مكان معين بحيث يقصد فيه لكنه يأوي إنكار منكر أو طلب العلم عن هذه الأوقات إلى المساجد المهجورة خارج البلد فيختلي فيها للصلاة والذكر وكان كثير العبادة والتأله . والمراقبة والخوف من الله تعالى "[15]

افنطمع اليوم أن نأخذ من هذا الفقيه جهاده وشجاعته دون أن نأخذ عبادته وزهده وورعه؟

6- ملازمة أهل العبادة .

7- عدم إشغال أوقات العبادة .

فلا تشتغل بأي شيء عن وقت عبادتك وذكرك ولا يصح الاعتذار بأعمال الدعوة أو.

فهذا شيخ الإسلام رحمه الله كان يخرج بطلابه إلى السوق لإنكار المنكر . ويكسرون آلات اللهو ويشقون دنان الخمر ويخرج لتنظيم العساكر والجهاد ويسجن ويعلم ويعمل أشياء كثيرة

لكن الأمر في حياته كما يقول تلميذه ابن القيم رحمه الله (( وحضرت شيخ الإسلام ابن تيميه مرة . صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريباً من انتصاف النهار ثم التفت إلي وقال : هذه غدوتي ولو لم أتخذ هذا الغذاء { قراءة وذكر ودعاء } سقطت قوتي وقال لي مرة (( لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وراحتها لأستعد بتلك الراحة إلى ذكر آخر ))

كذلك ينبغي أن لا تشغلنا الأحداث المتلاحقة عن أداء العبادات ألم ترى أن علياً رضي الله عنه ماترك الأذكار في ليلة صفين ؟ وهي من أشد الليالي عليه . قتال وهم  وغم فلما سئل عن مواظبته للذكر الذي أوصاه به النبي صلى الله عليه وسلم قيل له " ولا ليلة صفين " يعني حتى ليلة صفين كنت تحافظ عليه قال " ولا ليلة صفين .

8- ما أفضل العبادة ؟

الناس على ذلك أصناف

الصنف الأول : قالوا أنفع العبادة وأفضلها أشقها على النفوس .

                 قالوا لأنه أبعد الأشياء عن هواها .

الصنف الثاني : قالوا أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا والتقلقل منها غاية الإمكان .

الصنف الثالث : قالوا أفضل العبادات ما فيه نفع متعدي فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر. فرأو خدمة الفقراء والإشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم أفضل .

وقالوا : ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب .

وقالوا : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه ((لئن يهدي الله بك رجل واحد خير لك من حمر النعم )) وهذا التفضيل إنما هو للنفع المتعدي .

واحتجوا : بقوله صلى الله عليه وسلم (( من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ))

واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله وصاحب النفع لا ينقطع عمله .

واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم .

ولم يبعثوا بالخلوات والإنقطاع عن الناس ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد وترك مخالطة الناس .

الصنف الرابع :  قالوا أفضل العبادات : العمل على مرضات الرب في كل وقت مما هو مقتضى ذلك الوقت ووضيفته .    

فأضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد وإن آل إلى الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حال الأمن .

والأفضل في وقت حضور الضيف : القيام بحقه والإشتغال به عن الورد المستحب . وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل والأفضل في وقت السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر الاستغفار . والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل : الإقبال على تعليمه والاشتغال به .

والأفضل في أوقات الآذان : ترك ما هو فيه من ورد والاشتغال بإجابة المؤذن .

والأفضل في أوقات الصلوات الخمس : الجد والنصح في إيقاعها على أكمل وجه . والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل .

والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك . 

والأفضل في وقت قراءة القرآن : جمع القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك فتجمع قلبك على فهمه وتدبره .

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة : الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم .

والأفضل في أيام عشرة ذي الحجة : الإكثار من التعبد لا سيما التكبير والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعين .

والأفضل في العشر الأخير من رمضان : لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التعدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم . حتى أنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن . عند كثير من العلماء

والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته : عيادته وحضور جنازته وتشييعه .

والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاه الناس لك : أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم . دون الهرب منهم . فإن المؤمن الذي يخالط ويصبر على آذاهم افضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه .

والأفضل خلطتهم في الخير . فهي خير من إعتزالهم فيه واعتزالهم في الشر فهو أفضل من خلطتهم فيه .

فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من إعتزالهم .

فالأفضل في كل وقت وحال : إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال . والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه .

وهؤلاء  هم أهل التعبد المطلق . والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد .

فإن رأيت رأيته معهم . وإن رأيت العباد رأيته معهم .وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم . وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم . وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه الرسوم ولم تقيده القيود . ولم يكن عمله على المراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات . بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه .

فهو يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل مخيف ويستوحش منه كل مبطل كالغيث حيث وقع نفع وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها فهو قد صحب الله بلا خلق : وصحب الناس بلا نفس . فواهاً له ما أغربه بين الناس ! وما أشد وحشته منهم ! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه !! والله المستعان وعليه التكلان [16]

8- صوارف العبادة .

1-            الإنهماك في الدنيا .

فإن حمارا عبد الله بن عمر باع له فقيل له : لو امسكته ! فقال لقد كان لنا موافقاً ولكنه أذهب بشعبه من قلبي فكرهت أن أشغل قلبي بشيء.[17]فمن جعل الهم الذي يشغله هو المركب والمسكن والوظيفة والراتب فهيهات أن يذوق حلاوة العبادة .

2-             الإنخراط في أوساط غير إيمانية .

فمجالسة الناس ولو كانت مظاهرهم طيبة فلو كانوا أصحاب لحى وثياب قصيرة لكن قساة قلوب وشلل ألسن عن ذكر الله فلا شك أن يضعف الإنسان بمصاحبة هؤلاء .

3-             الإغراق في جانب من جوانب الخير .

كالإغراق والإنهماك في الأعمال الإغاثية أو الأعمال الشبابية فجل تفكيره وأعماله ووقته في هذه الأمور دون أن يجعل لنفسه نصيب من العبادة وانظر الحال مع شيخ الإسلام .

4-             وجود قدواة ضعيفة في جانب العبادة .

       فقد يتربى الإنسان في بيئة ضعيفة العبادة

5- الفوضوية في العبادة .

فتارة تجد الإنسان يكثر من تلاوة القرآن ثم يتركه حتى يصدق عليه أنه هاجر للقرآن . وتارة يصوم ثم يترك الصوم . وتارة يقوم الليل ثم يدع قيام الليل . بل قد يتعدى الأمر للفرائض فقد يصليها منفردا .

5-             المعاصي

فيقول بعض السلف " حرمت قيام الليل بسبب ذنب أذنبته "

10- ثمرات العبادة .

والمقصود بذالك الثمرات العاجلة في الدنيا وهي :

أولاً : توحيد الهدف .

من المعلوم عند علماء التربية أن الإنسان إذا كان له أكثر من هدف فإنه لا يتحقق له شيء من ذلك أما من جعل له هدف واحد فإنه يتمكن منه . وحينما يتعلق الإنسان بخالقه لا يكون له هدف إلا إرضاء الله فليس له هدف ثانوي من منصب أو شهرة أو غير ذلك من الأاهداف الزائلة . فيقول الغزالي رحمه الله مبيناً حال الداعية إلى الله :" أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة . إذ لا يخلوا القلب عن حلاوة المحبة . إما محبة الدنيا أو محبة الله وهما في القلب كالماء والهواء في القدح فالماء إذا دخل خرج الهواء  ولا يجتمعان وكل من أنس بالله . اشتغل به ولم يشتغل بغيره .

ولذلك قيل لبعضهم : إلى ماذا  أفضى بهم الزهد ؟

فقال : إلى الأنس بالله فأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان "[18]

ثانياً : الصبر أمام المحن .

فحينما ننظر في سيرة الإمام أحمد وشيخ الإسلام بن تيميه وبن القيم وغيرهم نجد أن وراء صبرهم أمام ما أتاهم من بلاء هو التعلق بالله  سبحانه وتعالى وملازمة عبودية الله .

ثالثاً : تأثر الآخرين .

فالداعية إلى الله المشتغل بعبادة الله ليلاً ونهاراً سريع التأثير بالآخرين . فليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة فيقول الكاتب محمد الراشد :" من يتخرج من مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ماشاء الله . والمتخلف عنها يابس قاس تقسوا قلوب الناظرين إليه "[19]

رابعاً : حصول البركة .

فكثيراً  ما تذهب علينا الأوقات دون إنتاجيه في العمل والسبب هو قلة البركة الناتجة من ضعف العبادة . فلو نظرنا على سبيل المثال لشيخ الإسلام فيقول عنه تلميذه ابن القيم :" وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيميه في سننه وكلامه وكتابه أمراً  عجيباً . فكان يكتب في اليوم من التصانيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً ".[20]

خامساً : التجرد من الأهواء .

فيقول ابن القيم في مدارج السالكين " علامة أهل العبودية إن سئل عن شيخه ؟ قال الرسول. وعن طريقة ؟ قال الإتباع .

وعن خرقته ؟ قال لباس التقوى .

وعن مذهبه ؟ قال تحكيم السنة

وعن مقصده ومطلبه ؟ قال " يريدون وجهه "

وعن رباطه وعن خانكاه ؟" في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه .. الايه "

وعن نسبه ؟ قال

أبي الإسلام لا أبا لي سواه     إذا افتخروا بقيس أو تميم

وعن مأكله ومشربه ؟ قال " مالك ولها ؟ معها حذائها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر حتى تلقى ربها"

وأخيراً . أسأل الله أن يجعلني وإياكم من عباده الصالحين وصلى الله وسلم على نبينا محمد .                          



[1] -المثنوي العربي لبديع الزمان نورسي(232)

[2] -الأعراف (59)

[3] -النساء(172)

[4] -الفرقان(1)

[5] -الإسراء(1)

[6]-ألإنشراح(7)

[7] -الكشاف 4/267

[8] -البخاري (3477)0ومسلم (1792)0

[9] - البخاري0 باب بدأ الوحي ( 4)

[10] -البخاري (33) كتا ب الإعتكاف 0

[11] -هود (22)

[12]-ص(45)

[13] -افتاوى (19/170)

[14] - رواه الترمذي وهو حديث صحيح 

[15] - 2/382

[16] - تهذيب مدارج السالكين ص73

[17] - ابن المبارك في الزهد (195)

[18] - إحياء علوم الدين 4/241

[19] - الرقائق (34)

[20] - صحيح الكلم الطيب (144)

 

 

 

 [الصفحة الرئيسية][مكتبة الموقع] [من قضايا الشباب] [من قصص الشباب] [الفتاوى] [استبانة] [روابط] [لغز] [اخترنا لك]  [سجل الزوار]

حقوق الموقع لكل مسلم بشرط ذكر المصدر

sslm1@yahoo.com