مدارج السالكبن بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ابن قيم الجوزية فصل قال صاحب المنازل : الخلق : ما يرجع إليه المتكلف من نعمته أي خلق كل متكلف : فهو ما اشتملت عليه نعوته فتكلفه يرده إلى خلقه كما قيل : إن التخلق يأتي دونه الخلق وقال الآخر : يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل فمتكلف ما ليس من نعته ولا شيمته : يرجع إلى شيمته ونعته وسجيته فذاك الذي يرجع إليه : هو الخلق قال : واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم : أن التصوف هو الخلق وجميع الكلام فيه يدور على قطب واحد وهو بذل المعروف وكف الأذى قلت : من الناس من يجعلها ثلاثة : كف الأذى واحتمال الأذى وإيجاد الراحة ومنهم : من يجعلها اثنين كما قال الشيخ بذل المعروف وكف الأذى ومنهم من يردها إلى واحد وهو بذل المعروف والكل صحيح قال : وإنما يدرك إمكان ذلك في ثلاثة أشياء في العلم والجود والصبر ف العلم يرشده إلى مواقع بذل المعروف والفرق بينه وبين المنكر وترتيبه في وضعه مواضعه فلا يضع الغضب موضع الحلم ولا بالعكس ولا الإمساك موضع البذل ولا بالعكس بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها وموضع كل خلق : أين يضعه وأين يحسن استعماله و الجود يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه والاستقصاء منها بحقوق غيره فالجود هو قائد جيوش الخير و الصبر يحفظ عليه استدامة ذلك ويحمله على الاحتمال وكظلم الغيظ وكف الأذى وعدم المقابلة وعلى كل خير كما تقدم وهو أكبر العون على نيل كل مطلوب من خير الدنيا والآخرة قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاةوإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ البقرة : 45 ] فهذه الثلاثة أشياء : بها يدرك التصوف والتصوف : زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى ومعية من تحبه فإن المرء مع من أحب كما قال سمنون : ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة فإن المرء مع من أحب والله أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تعرف مقام الخلق وأنهم بأقدارهم مربوطون وفي طاقتهم محبوسون وعلى الحكم موقوفون فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك حتى الكلب ومحبة الخلق إياك ونجاة الخلق بك فبهذه الدرجة : يكون تحسين الخلق مع الخلق في معاملتهم وكيفية مصاحبتهم وبالثانية : تحسين الخلق مع الله في معاملته وبالثالثة : درجة الفناء على قاعدته وأصله يقول : إذا عرفت مقام الخلق ومقاديرهم وجريان الأحكام القدرية عليهم وأنهم مقيدون بالقدر لا خروج لهم عنه ألبتة ومحبوسون في قدرتهم وطاقتهم لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري لايتعدونه استفدت بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك وذلك : أنه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة : لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه وامتثل فيهم أمر الله تعالى لنبيه بأخذ العفو منهم فأمنوا من تكليفه إياهم وإلزامه لهم ما ليس في قواهم وقدرهم وأيضا فإنهم يأمنون لائمته فإنه في هذه الحال عاذر لهم فيما يجري عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم لأنهم إذا كانوا محبوسين في طاقتهم فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس وعذرهم بما يعذر به المحبوس وإذا بدا منهم في حقك تقصير أو إساءة أو تفريط فلا تقابلهم به ولا تخاصمهم بل اغفر لهم ذلك واعذرهم نظرا إلى جريان الأحكام عليهم وأنهم آلة وههنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود جنايتهم عليك كما قال بعض العارفين لرجل تعدى عليه وظلمه : إن كنت ظالما فالذي سلطك علي ليس بظالم وههنا للعبد أحد عشر مشهدا فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه أحدها : المشهد الذي ذكره الشيخ رحمه الله وهو مشهد القدر وأن ما جرى عليه : بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار فإن الكل أوجبته مشيئة الله فما شاء الله كان ووجب وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وإذا شهد هذا : استراح وعلم أنه كائن لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت فصل المشهد الثاني : مشهد الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة وعلم أنه إن لم يصبر اختيارا على هذا وهو محمود صبر اضطرارا على أكبر منه وهو مذموم فصل المشهد الثالث : مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته : لم يعدل عنه إلا لعشي في بصيرته فإنه ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا كما صح عن النبي وعلم بالتجربة والوجود وما انتقم أحد لنفسه إلا ذل هذا وفي الصفح والعفو والحلم : من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام : ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام فصل المشهد الرابع : مشهد الرضى وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله فإذا كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته : رضيت بما نالها في الله وهذا شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره ومتى تسخط به وتشكى منه كان ذلك دليلا على كذبه في محبته والواقع شاهد بذلك والمحب الصادق كما قيل : من أجلك جعلت خدي أرضا للشامت والحسود حتى ترضى ومن لم يرض بما يصيبه في سبيل محبوبه فلينزل عن درجة المحبة وليتأخر فليس من ذا الشأن فصل المشهد الخامس : مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل إساءة المسيء إليه بالإحسان فيحسن إليه كلما أساء هو إليه ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته وأثبتها في صحيفة من أساء إليه فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك وههنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبة الثواب وهذا المسكين قد وهبك حسناته فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبة وتأمن رجوع الواهب فيها وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم ويهونه عليك أيضا : علمك بأن الجزاء من جنس العمل فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك فهذا لابد منه وشاهده في السنة من وجوه كثيرة لمن تأملها فصل المشهد السادس : مشهد السلامة وبرد القلب وهذا مشهد شريف جدا لمن عرفه وذاق حلاوته وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له وألذ وأطيب وأعون على مصالحه فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه فيكون بذلك مغبونا والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس وإعمال الفكر في إدراك الانتقام فصل المشهد السابع : مشهد الأمن فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام : أمن ما هو شر من ذلك وإذا انتقم : واقعه الخوف ولا بد فإن ذلك يزرع العداوة والعاقل لا يأمن عدوه ولو كان حقيرا فكم من حقير أردى عدوه الكبير فإذا غفر ولم ينتقم ولم يقابل : أمن من تولد العداوة أو زيادتها ولابد أن عفوه وحلمه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه ويكف من جزعه بعكس الانتقام والواقع شاهد بذلك أيضا فصل المشهد الثامن : مشهد الجهاد وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامة دين الله وإعلاء كلماته وصاحب هذا المقام : قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم الثمن فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها فلا حق له على من آذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على الله وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ولهذا منع النبي من سكنى مكة أعزها الله ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله ولما عزم الصديق رضي الله عنه على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمشهد من الصحابة رضي الله عنهم : تلك دماء وأموال ذهبت في الله وأجورها على الله ولا دية لشهيد فأصفق الصحابة على قول عمر ووافقه عليه الصديق فمن قام لله حتى أوذي في الله : حرم الله عليه الانتقام كما قال لقمان لابنه : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور [ لقمان : 17 ] فصل المشهد التاسع : مشهد النعمة وذلك من وجوه أحدها : أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوما يترقب النصر ولم يجعله ظالما يترقب المقت والأخذ فلو خير العاقل بين الحالتين ولابد من إحداهما لاختار أن يكون مظلوما ومنها : أن يشهد نعمة الله في التكفير بذلك من خطاياه فإنه ما أصاب المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه فذلك في الحقيقة دواء يستخرج به منه داء الخطايا والذنوب ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها وأسقامه ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء : فهو مغبون سفيه فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته ومن كان على يديه وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته ومنها : أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها فإنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهينة وأنها في الحقيقة نعمة والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين ومنها : توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة وفي بعض الآثار : أنه يتمنى أناس يوم القيامة لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء هذا وإن العبد ليشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض فالعاقل يعد هذا ذخرا ليوم الفقر والفاقة ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئا فصل المشهد العاشر : مشهد الأسوة وهو مشهد شريف لطيف جدا فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله وأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه فإنهم أشد الخلق امتحانا بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم وشأن نبينا وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله وقد قال له ورقة بن نوفل : لتكذبن ولتخرجن ولتؤذين وقال له : ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده : الأمثل فالأمثل ومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء وأذى الجهال لهم وقد صنف في ذلك ابن عبدالبر كتابا سماه محن العلماء فصل المشهد الحادي عشر : مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له ومعاملته وإيثار مرضاته والتقرب إليه وقرة العين به والإنس به واطمأن إليه وسكن إليه واشتاق إلى لقائه واتخذه وليا دون من سواه بحيث فوض إليه أموره كلها ورضي به وبأقضيته وفنى بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكل عليه عن كل ما سواه : فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له ألبتة فضلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره بتطلب الانتقام والمقابلة فهذا لا يكون إلا من قلب ليس فيه ما يغنيه عن ذلك ويعوضه منه فهو قلب جائع غير شبعان فإذا رأى أي طعام رآه هفت إليه نوازعه وانبعثت إليه دواعيه وأما من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها : فإنه لا يلتفت إلى ما دونها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل وأما قوله : أن يستفيد بمعرفة أقدار الناس وجريان الأحكام عليهم : محبتهم له ونجاتهم به فلأنه إذا عاملهم بهذه المعاملة : من إقامة أعذارهم والعفو عنهم وترك مقابلتهم : استوت كراهتهم ومحبتهم له وكان ذلك سببا لنجاتهم الأخروية أيضا إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه وتلقي ما يأمرهم به وينهاهم عنه أحسن التلقي هذه طباع الناس فصل قال : الدرجة الثانية : تحسين خلقك مع الحق وتحسينه منك : أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرا وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكرا وأن لا ترى له من الوفاء بدا هذه الدرجة مبنية على قاعدتين إحداهما : أن تعلم أنك ناقص وكل ما يأتي من الناقص ناقص فهو يوجب اعتذاره منه لا محالة فعلى العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير وشر أما الشر : فظاهر وأما الخير : فيعتذر من نقصانه ولا يراه صالحا لربه فهو مع إحسانه معتذر في إحسانه ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل منه مع إحسانهم بقوله : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة [ المؤمنون : 60 ] وقال النبي : هو الرجل يصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه فإذا خاف فهو بالاعتذار أولى والحامل له على هذا الاعتذار أمران أحدهما : شهود تقصيره ونقصانه والثاني : صدق محبته فإن المحب الصادق يتقرب إلى محبوبه بغاية إمكانه وهو معتذر إليه مستحي منه : أن يواجهه بما واجهه به وهو يرى أن قدره فوقه وأجل منه وهذا مشاهد في محبة المخلوقين القاعدة الثانية : استعظام كل ما يصدر منه سبحانه إليك والاعتراف بأنه يوجب الشكر عليك وأنك عاجزة عن شكره ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله فإذا ذكره بشيء وأعطاه إياه : كان سروره بذكره له وتأهيله لعطائه : أعظم عنده من سروره بذلك العطاء بل يغيب بسروره بذكره له عن سروره بالعطية وإن كان المحب يسره ذكر محبوبه له وإن ناله بمساءة كما قال القائل : لئن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالكا فكيف إذا ناله محبوبه بمسرة وإن دقت فإنه لا يراها إلا جليلة خطيرة فكيف هذا مع الرب تعالى الذي لا يأتي أبدا إلا بالخير ويستحيل خلاف ذلك في حقه كما يستحيل عليه خلاف كماله وقد أفصح أعرف الخلق بربه عن هذا بقوله : والشر ليس إليك أي لا يضاف إليك ولا ينسب إليك ولا يصدر منك فإن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وأفعاله كلها فضل وعدل وحكمة ورحمة ومصلحة فبأي وجه ينسب الشر إليه سبحانه وتعالى فكل ما يأتي منه فله عليه الحمد والشكر وله فيه النعمة والفضل قوله : وأن لا يرى من الوفاء بدا يعني : أن معاملتك للحق سبحانه بمقتضى الاعتذار من كل ما منك والشكر على ما منه : عقد مع الله تعالى لازم لك أبدا لا ترى من الوفاء به بدا فليس ذلك بأمر عارض وحال يحول بل عقد لازم عليك الوفاء به إلى يوم القيامة فصل قال : الدرجة الثالثة : التخلق بتصفية الخلق ثم الصعود عن تفرقة التخلق ثم ثم ثم التخلق بمجاوزة الأخلاق هذه الدرجة ثلاثة أشياء أحدها : تصفية الخلق بتكميل ما ذكر في الدرجتين قبله فيصفيه من كل شائبة وقذى ومشوش فإذا فعلت ذلك صعدت من تفرقته إلى جمعيتك على الله فإن التخلق والتصوف تهذيب واستعداد للجمعية وإنما سماه تفرقة : لأنه اشتغال بالغير والسلوك يقتضي الإقبال بالكلية والاشتغال بالرب وحده عما سواه ثم يصعد إلى ما فوق ذلك وهو مجاوزة الأخلاق كلها بأن يغيب عن الخلق والتخلق وهذه الغيبة لها مرتبتان عندهم إحداهما : الاشتغال بالله عز وجل عن كل ما سواه والثانية : الفناء في الفردانية التي يسمونها حضرة الجمع وهي أعلى الغايات عندهم وهي موهبية لا كسبية لكن العبد إذا تعرض وصدق في الطلب : رجى له الظفر بمطلوبه والله أعلم فصل ومدار حسن الخلق مع الحق ومع الخلق : على حرفين ذكرهما عبدالقادر الكيلاني فقال : كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس فتأمل ما أجل هاتين الكلمتين مع اختصارهما وما أجمعهما لقواعد السلوك ولكل خلق جميل وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى وتوسط النفس بينك وبين خلقه فمتى عزلت الخلق حال كونك مع الله تعالى وعزلت النفس حال كونك مع الخلق فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم وشمروا إليه وحاموا حوله والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التواضع قال الله تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا [ الفرقان : 63 ] أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين قال الحسن : علماء حلماء وقال محمد بن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا والهون بالفتح في اللغة : الرفق واللين و الهون بالضم : الهوان فالمفتوح منه : صفة أهل الإيمان والمضموم صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [ المائدة : 54 ] لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني هذه الأفعال فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول فالمؤمن ذلول كما في الحديث : المؤمن كالجمل الذلول والمنافق والفاسق ذليل وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق : الكذاب والنمام والبخيل والجبار وقوله : أعزة على الكافرين هو من عزة القوة والمنعة والغلبة قال عطاء رضي الله عنه : للمؤمنين كالوالد لولده وعلى الكافرين كالسبع على فريسته كما قال في الآية الأخرى : أشداء على الكفار رحماء بينهم [ الفتح : 29 ] وهذا عكس حال من قيل فيهم : كبرعلينا وجبنا عن عدوكم لبئست الخلتان : الكبر والجبن وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن الله أوحى إلي : أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر وفي الصحيحين مرفوعا : ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر وفي حديث احتجاج الجنة والنار : أن النار قالت : مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون وقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وهو في الصحيح وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله : يقول الله عز وجل : العزة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني عذبته وفي جامع الترمذي مرفوعا عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه : لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين فيصيبه ما أصابهم وكان النبي يمر على الصبيان فيسلم عليهم وكانت الأمة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت وكان إذا أكل لعق أصابعه الثلاث وكان يكون في بيته في خدمة أهله ولم يكن ينتقم لنفسه قط وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب الشاة لأهله ويعلف البعير ويأكل مع الخادم ويجالس المساكين ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما ويبدأ من لقيه بالسلام ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء وكان هين المؤنة لين الخلق كريم الطبع جميل المعاشرة طلق الوجه بساما متواضعا من غير ذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين لين الجانب لهم وقال : ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو تحرم عليه النار تحرم على كل قريب هين لين سهل رواه الترمذي وقال : حديث حسن وقال : لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت رواه البخاري وكان يعوض المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف فصل سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال : يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله وقيل : التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب وهذا مذهب الفضيل وغيره وقال الجنيد بن محمد : هو خفض الجناح ولين الجانب وقال أبو يزيد البسطامي : هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى في الخلق شرا منه وقال ابن عطاء : هو قبول الحق ممن كان والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار وقال إبراهيم بن شيبان : الشرف في التواضع والعز في التقوي والحرية في القناعة ويذكر عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال : أعز الخلق خمسة أنفس : عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت : يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره يقولطرقوا للأمير وركب زيد بن ثابت مرة فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال : مه يا ابن عم رسول الله فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال : أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها فقال : هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله وقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الصحابة رضي الله عنهم حللا فبعث إلى معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال عمر : لأنك بعت الأولى فقال معاذوما عليك ادفع لي نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر رضي الله عنه : رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ ومر الحسن بن علي صبيان معهم كسر خبز فاستضافوه فنزل فأكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وقال : اليد لهم لأنهم لا يجدون شيئا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عير بلالا رضي الله عنه بسواده ثم ندم فألقى بنفسه فحلف : لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال وقال رجاء بن حيوة قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة فقال : تدري بكم شريت أمك بثلاثمائة درهم وأبوك لا كثر الله في المسلمين مثله أنا وأنت تمشي هذه المشية وقال حمدون القصار : التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في الدين ولا في الدنيا وقال إبراهيم بن أدهم : ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات : كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك كان يقول : كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزني لأنه لم يكن فى تلك السفينة أحد أحقر مني والأخرى : كنت عليلا في مسجد فدخل المؤذن وقال : اخرج فلم أطق فأخذ برجلي وجرني إلى خارج والأخرى : كنت بالشام وعلي فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذلك وفي رواية : كنت يوما جالسا فجاء إنسان فبال علي وقال بعضهم : رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا فتعجبت منه فقال لي : إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه عمر : بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع 0 الخاتم وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه حديدا صينيا واكتب عليه : رحم الله امرءا عرف قدر نفسه والله اعلم فصل أول ذنب عصى الله به أبو الثقلين : الكبر والحرص فكان الكبر ذنب إبليس اللعين فآل أمره إلى ما آل إليه وذنب آدم على نبينا وعليه السلام : كان من الحرص والشهوة فكان عاقبته التوبة والهداية وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار وذنب آدم أوجب له إضافته إلى نفسه والاعتراف به والاستغفار فأهل الكبر والإصرار والاحتجاج بالأقدار : مع شيخهم وقائدهم إلى النار إبليس وأهل الشهوة : المستغفرون التائبون المعترفون بالذنوب الذين لا يحتجون عليها بالقدر : مع أبيهم آدم في الجنة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : التكبر شر من الشرك فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى والمشرك يعبد الله وغيره قلت : ولذلك جعل الله النار دار المتكبرين كما قال الله تعالى في سورة الزمر وفي سورة غافر : فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين [ غافر : [ الزمر : 72 ] وفي سورة النحل : فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوي المتكبرين [ النحل : 29 ] وفي سورة تنزيل : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين [ الزمر : 60 ] وأخبر أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على قلوبهم فقال تعالى كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار [ غافر : 35 ] وقال : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر رواه مسلم وقال : الكبر بطر الحق وغمص الناس وقال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به [ النساء : 8 ] تنبيها على أنه لا يغفر الكبر الذي هو أعظم من الشرك وكما أن من تواضع لله رفعه فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه وصغره وحقره ومن تكبر عن الانقياد للحق ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه أو يعاديه فإنما تكبره على الله فإن الله هو الحق وكلامه حق ودينه حق والحق صفته ومنه وله فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله : فإنما رد على الله وتكبر عليه والله أعلم فصل قال صاحب المنازل : التواضع : أن يتواضع العبد لصولة الحق يعني : أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له والذل والانقياد والدخول تحت رقه بحيث يكون الحق متصرفا فيه تصرف المالك في مملوكه فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع ولهذا فسر النبي الكبر بضده فقال : الكبر بطر الحق وغمص الناس فبطر الحق : رده وجحده والدفع في صدره كدفع الصائل و غمص الناس احتقارهم وازدراؤهم ومتى احتقرهم وازدراهم : دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها ولما كان لصاحب الحق مقال وصولة : كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها ولا سيما النفوس المبطلة فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها فكان حقيقة التواضع : خضوع العبد لصولة الحق وانقياده لها فلا يقابلها بصولته عليها قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : التواضع للدين وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا ولا يتهم للدين دليلا ولا يرى إلى الخلاف سبيلا التواضع للدين هو الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان وذلك بثلاثة أشياء الأول : أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة : بالمعقول والقياس والذوق والسياسة فالأولى : للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة وقالوا : إذا تعارض العقل والنقل : قدمنا العقل وعزلنا النقل إما عزل تفويض وإما عزل تأويل والثاني : للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه قالوا : إذا تعارض القياس والرأي والنصوص : قدمنا القياس على النص ولم نلتفت إليه والثالث : للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال ولم يعبأوا بالأمر والرابع : للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة فهؤلاء الأربعة : هم أهل الكبر والتواضع : التخلص من ذلك كله الثاني : أن لا يتهم دليلا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى منه ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل : وكم من عائب قولاصحيحا وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم وهكذا الواقع في الواقع حقيقة : أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزا من كنوز العلم ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك وأما بالنسبة إلى غيرك : فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص فما لم تفعل ذلك فلست على شيء ولو ولو وهذا لا خلاف فيه بين العلماء قال الشافعي قدس الله روحه : أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله : لم يحل له أن يدعها لقول أحد الثالث : أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا ألبتة لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله بل إذا أحس بشيء من الخلاف : فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك وهو داع إلى النفاق وهو الذي خافه الكبار والأئمة على نفوسهم واعلم أن المخالف للنص لقول متبوعه وشيخه ومقلده أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته إن كان عند الله معذورا ولا والله ما هو بمعذور فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله وملائكته والمؤمنين من عباده فواعجبا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدا أو تأويلا أو لغير ذلك فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النصوص وكيف نصبوا له الحبائل وبغوه الغوائل ورموه بالعظائم وجعلوه أسوأ حالا من أرباب الجرائم فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا وقذفوه بمصابهم وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذا لهم ومعاذا والله أعلم فصل قال : ولا يصح ذلك إلا بأن يعلم : أن النجاة في البصيرة والاستقامة بعد الثقة وأن البينة وراء الحجة يقول : إن ما ذكرناه من التواضع للدين بهذه الأمور الثلاثة : الأولى : علمه أن النجاة من الشقاء والضلال : إنما هي في البصيرة فمن لا بصيرة له : فهو من أهل الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة والبصيرة نور يجعله الله في عين القلب يفرق به العبد بين الحق والباطل ونسبته إلى القلب : كنسبة ضوء العين إلى العين وهذه البصيرة وهبية وكسبية فمن أدار النظر في أعلام الحق وأدلته وتجرد لله من هواه : استنارت بصيرته ورزق فرقانا يفرق به بين الحق والباطل الثاني : أن يعلم أن الاستقامة إنما تكون بعد الثقة أي لا يتصور حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلا بعد الثقة بصحة ما معه من العلم وأنه مقتبس من مشكاة النبوة ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة الثالث : أن يعلم أن البينة وراء الحجة و البينة مراده بها : استبانة الحق وظهوره وهذا إنما يكون بعد الحجة إذا قامت استبان الحق وظهر واتضح وفيه معنى آخر وهو : أن العبد إذا قبل حجة الله بمحض الإيمان والتسليم والانقياد : كان هذا القبول هو سبب تبينها وظهورها وانكشافها لقلبه فلا يصبر على بينة ربه إلا بعد قبول حجته وفيه معنى آخر أيضا : أنه لا يتبين له عيب عمله من صحته إلا بعد العلم الذي هو حجة الله على العبد فإدا عرف الحجة اتضح له بها ما كان مشكلا عليه من علومه وما كان معيبا من أعماله وفيه معنى آخر أيضا : وهو أن يكون وراء بمعنى أمام والمعنى : أن الحجة إنما تحصل للعبد بعد تبينها فإذا لم تتبين له لم تكن له حجة يعني فلا يقنع من الحجة بمجرد حصولها بلا تبين فإن التبين أمام الحجة والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : أن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبدا من المسلمين أخا وأن لا ترد على عدوك حقا وأن تقبل من المعتذر معاذيره يقول : إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدا أفلا ترضى أنت به أخا فعدم رضاك به أخا وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدا لنفسه عين الكبر وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله لا يرضى بأخوته وسيده راض بعبوديته فيجيء من هذا : أن المتكبر غير راض بعبودية سيده إذ عبوديته توجب رضاه بأخوة عبده وهذا شأن عبيد الملوك فإنهم يرون بعضهم خشداشية بعض ومن ترفع منهم عن ذلك : لم يكن من عبيد أستاذهم قوله : وأن لا ترد على عدوك حقا أي لا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك وإذا لم ترد عليه حقه فكيف تمنعه حقا له قبلك بل حقيقة التواضع أنه إذا جاءك قبلته منه وإذا كان له عليك حق أديته إليه فلا تمنعك عداوته من قبول حقه ولا من إيتائه إياه وأما قبولك من المعتذر معاذيره فمعناه : أن من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كانت أو باطلا وتكل سريرته إلى الله تعالى كما فعل رسول الله في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه فقبل أعذارهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى وعلامة الكرم والتواضع : أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه وقل يمكن أن يكون الأمر كما تقول ولو قضى شيء لكان والمقدور لا مدفع له ونحو ذلك فصل قال : الدرجة الثالثة : أن تتضع للحق فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ورؤية حقك في الصحبة وعن رسمك في المشاهدة بقول : التواضع بأن تخدم الحق سبحانه وتعبده بما أمرك به على مقتضى أمره لا على ما تراه من رأيك ولا يكون الباعث لك داعي العادة كما هو باعث من لا بصيرة له غير أنه اعتاد أمرا فجرى عليه ولو اعتاد ضده لكان كذلك وحاصله : أنه لا يكون باعثه على العبودية مجرد رأي وموافقة هوى ومحبة ولاعادة بل الباعث مجرد الأمر والرأي والمحبة والهوى والعوائد : منفذة تابعة لا أنها مطاعة باعثة وهذه نكتة لا يتنبه لها إلا أهل البصائر وأما نزوله عن رؤية حقه في الصحبة فمعناه : أن لا يرى لنفسه حقا على الله لأجل عمله فإن صحبته مع الله بالعبودية والفقر المحض والذل والإنكسار فمتى رأى لنفسه عليه حقا فسدت الصحبة وصارت معلولة وخيف منها المقت ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه لا باستحقاق العبيد وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق والناس فيه ثلاث فرق فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقا فقالت : لا يجب على الله شيء ألبتة وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورا لعبده فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله وأن أعماله كانت سببا لهذا الإيجاب والفرقتان غالطتان والفرقة الثالثة : أهل الهدى والصواب قالت : لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحا ولا يدخل أحدا عمله الجنة أبدا ولا ينجيه من النار والله تعالى بفضله وكرمه ومحض جوده وإحسانه أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد فإن وعد الكريم إيجاب ولو ب عسى ولعل ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : عسى : من الله واجب ووعد اللئيم خلف ولو اقترن به العهد والحلف والمقصود : أن عدم رؤية العبد لنفسه حقا على الله لا ينافي ما أوجبه الله على نفسه وجعله حقا لعبده قال النبي لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قال : الله ورسوله أعلم قال : حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت : الله ورسوله أعلم قال : حقهم عليه : أن لا يعذبهم بالنار فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق ولا يضيع لديه سعي كما قيل : ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعد له أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع وأما قوله : وتنزل عن رسمك في المشاهدة أي من جملة التواضع للحق : فناؤك عن نفسك فإن رسمه هي نفسه والنزول عنها : فناؤه عنها حين شهوده الحضرة وهذا النزول يصح أن يقال كسبي باعتبار وإن كان عند القوم غير كسبي لأنه يحصل عند التجلي والتجلي نور والنور يقهر الظلمة ويبطلها والرسم عند القوم ظلمة فهي تنفر من النور بالذات فصار النزول عن الرسم حين التجلي ذاتيا ووجه كونه كسبيا : أنه نتيجة المقامات الكسبية ونتيجة الكسبي كسبي وثمرته وإن حصلت ضرورة بالذات : لم يمتنع أن يطلق عليها كونها كسبية باعتبار السبب والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفتوة هذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى الناس وكف الأذى عنهم واحتمال أذاهم فهي استعمال حسن الخلق معهم فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله والفرق بينها وبين المروءة : أن المروءة أعم منها فالفتوة نوع من أنواع المروءة فإن المروءة استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد أو متعد إلى غيره وترك ما يدنس ويشين مما هو مختص أيضا به أو متعلق بغيره و الفتوة إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق فهي ثلاثة منازل : منزلة التخلق وحسن الخلق ومنزلة الفتوة ومنزلة المروءة وقد تقدمت منزلة الخلق وهذه منزلة شريفة لم تعبر عنها الشريعة باسم الفتوة بل عبرت عنها باسم مكارم الأخلاق كما في حديث يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه عن النبي : إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وأصل الفتوة من الفتى وهو الشاب الحديث السن قال الله تعالى عن أهل الكهف : إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى [ الكهف : 13 ] وقال عن قوم إبراهيم : إنهم قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [ الأنبياء : 60 ] وقال تعالى عن يوسف ودخل معه السجن فتيان [ يوسف : 36 ] وقال لفتيانه : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم [ يوسف : 62 ] فاسم الفتى لا يشعر بمدح ولا ذم كاسم الشاب والحدث ولذلك لم يجىء اسم الفتوة في القرآن ولا في السنة ولا في لسان السلف وإنما استعمله من بعدهم في مكارم الأخلاق وأصلها عندهم : أن يكون العبد أبدا : في أمر غيره وأقدم من علمته تكلم في الفتوة جعفر بن محمد ثم الفضيل بن عياض والإمام أحمد وسهل بن عبدالله والجنيد ثم الطائفة فيذكر أن جعفر بن محمد سئل عن الفتوة فقال للسائل : ما تقول أنت فقال : إن أعطيت شكرت وإن منعت صبرت فقال : الكلاب عندنا كذلك فقال السائل : يا ابن رسول الله فما الفتوة عندكم فقال : إن أعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا وقال الفضيل بن عياض : الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان وقال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية ابنه عبدالله عنه وقد سئل عن الفتوة فقال : ترك ما تهوى لما تخشى ولا أعلم لأحد من الأئمة الأربعة فيها سواه وسئل الجنيد عن الفتوة فقال : لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا وقال الحارث المحاسبي : الفتوة أن تنصف ولا تنتصف وقال عمر بن عثمان المكي : الفتوة حسن الخلق وقال محمد بن علي الترمذي : الفتوة أن تكون خصما لربك على نفسك وقيل : الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك وقال الدقاق : هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول الله فإن كل أحد يقول يوم القيامة : نفسي نفسي وهو يقول : أمتي أمتي وقيل : الفتوة كسر الصنم الذي بينك وبين الله تعالى وهو نفسك فإن الله حكى عن خليله إبراهيم عليه السلام : أنه جعل الأصنام جذاذا فكسر الأصنام له فالفتى من كسر صنما واحدا في الله وقيل : الفتوة أن لا تكون خصما لأحد يعني في حفظ نفسك وأما في حق الله فالفتوة : أن تكون خصما لكل أحد ولو كان الحبيب المصافيا وقال الترمذي : الفتوة أن يستوي عندكم المقيم والطارىء وقال بعضهم : الفتوة أن لا يميز بين أن يأكل عنده ولي أو كافر وقال الجنيد أيضا : الفتوة كف الأذى وبذل الندى وقال سهل : هي اتباع السنة وقيل : هي الوفاء والحفاظ وقيل : فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها وقيل : أن لا تحتجب ممن قصدك وقيل : أن لا تهرب إذا أقبل العافي يعني طالب المعروف وقيل : إظهار النعمة وإسرار المحنة وقيل : أن لا تدخر ولا تعتذر وقيل : تزوج رجل بامرأة فلما دخلت عليه رأى بها الجدري فقال : اشتكيت عيني ثم قال : عميت فبعد عشرين سنة ماتت ولم تعلم أنه بصير فقيل له في ذلك فقال : كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها فقيل له : سبقت الفتيان وقيل : ليس من الفتوة أن تربح على صديقك واستضاف رجل جماعة من الفتيان فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم فانقبض واحد منهم وقال : ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال فقال آخر منهم : أنا منذ سنين أدخل إلى هذه الدار ولم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أو رجلا وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى فقال الرجل : يا غلام قدم السفرة فلم يقدم فقالها ثانياوثالثا فلم يقدم فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا فقال الرجل : لم أبطأت بالسفرة فقال الغلام : كان عليها نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد فلبثت حتى دب النمل فقالوا : يا غلام مثلك يخدم الفتيان ومن الفتوة التي لا تلحق : ما يذكر أن رجلا نام من الحاج في المدينة ففقد هميانا فيه ألف دينار فقام فزعا فوجد جعفر بن محمد فعلق به وقال : أخذت همياني فقال : أي شيء كان فيه قال : ألف دينار فأدخله داره ووزن له ألف دينار ثم إن الرجل وجد هميانه فجاء إلى جعفر معتذرا بالمال فأبى أن يقبله منه وقال : شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدا فقال الرجل للناس : من هذا فقالوا : هذا جعفر بن محمد رضي الله عنه فصل قال صاحب المنازل نكتة الفتوة : أن لا تشهد لك فضلا ولا ترى لك حقا يقول : قلب الفتوة وإنسان عينها : أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم والناس في هذا مراتب فأشرفها : أهل هذه المرتبة وأخسها : عكسهم وهم أهل الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم وشهود حقوقهم على الناس عن شهود حقوق الناس عليهم وأوسطهم : من شهد هذا وهذا فيشهد ما في العيب والكمال ويشهد حقوق الناس عليه وحقوقه عليهم قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : ترك الخصومة والتغافل عن الزلة ونسيان الأذية هذه الدرجة من باب الترك والتخلي وهي أن لا يخاصم أحدا فلا ينصب نفسه خصما لأحد غيرها فهي خصمه وهذه المنزلة أيضا ثلاث درجات لا يخاصم بلسانه ولا ينوي الخصومة بقلبه ولا يخطرها على باله هذا في حق نفسه وأما في حق ربه : فالفتوة أن يخاصم بالله وفي الله ويحاكم إلى الله كما كان النبي يقول في دعاء الاستفتاح : وبك خاصمت وإليك حاكمت وهذه درجة فتوة العلماء الدعاة إلى الله تعالى وأما التغافل عن الزلة فهو أنه إذا رأى من أحد زلة يوجب عليه الشرع أخذه بها : أظهر أنه لم يرها لئلا يعرض صاحبها للوحشة ويريحه من تحمل العذر وفتوة التغافل : أرفع من فتوة الكتمان مع الرؤية قال أبو علي الدقاق : جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسألة فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة فخجلت فقال حاتم : ارفعي صوتك فأوهمها أنه أصم فسرت المرأة بذلك وقالت : إنه لم يسمع الصوت فلقب بحاتم الأصم وهذا التغافل هو نصف الفتوة وأما نسيان الأذية فهو بأن تنسى أذية من نالك بأذى ليصفو قلبك له ولا تستوحش منه قلت : وهنا نسيان اخر أيضا وهو من الفتوة وهو نسيان إحسانك إلى من أحسنت إليه حتى كأنه لم يصدر منك وهذا النسيان أكمل من الأول وفيه قيل : ينسى صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا فصل قال : الدرجة الثانية : أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك وتعتذر إلى من يجني عليك سماحة لا كظما ومودة لا مصابرة هذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب فإن الأولى : تتضمن ترك المقابلة والتغافل وهذه تتضمن الإحسان إلى من أساء إليك ومعاملته بضد ما عاملك به فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خطتين فخطتك : الإحسان وخطته : الإساءة وفي مثلها قال القائل : إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي مع الناس يجدها هذه بعينها ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال : إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال منه فرحمه الله ورضى عنه وهذا مفهوم وأما الاعتذار إلى من يجني عليك فإنه غير مفهوم في بادي الرأي إذ لم يصدر منك جناية توجب اعتذارا وغايتك : أنك لا تؤاخذه فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة ومعنى هذا : أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه والجاني خليق بالعذر والذي يشهدك هذا المشهد : أنك تعلم أنه إنما سلط عليك بذنب كما قال تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [ الشورى : 30 ] فإذا علمت أنك بدأت بالجناية فانتقم الله منك على يده : كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار والذي يهون عليك هذا كله : مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدمة فعليك بها فإن فيها كنوز المعرفة والبر وقوله : سماحة لا كظما ومودة لا مصابرة يعني : اجعل هذه المعاملة منك صادرة عن سماحة وطيبة نفس وانشراح صدر لا عن كظم وضيق ومصابرة فإن ذلك دليل على أن هذا ليس في خلقك وإنما هو تكلف يوشك أن يزول ويظهر حكم الخلق صريحا فتفتضح وليس المقصود إلا إصلاح الباطن والسر والقلب وهذا الذي قاله الشيخ لا يمكن إلا بعد العبور على جسر المصابرة والكظم فإذا تمكن منه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله والله أعلم فصل قال : الدرجة الثالثة : أن لا تتعلق في السير بدليل ولا تشوب إجابتك بعوض ولا تقف في شهودك على رسم هذه ثلاثة أمور اشتملت عليها هذه الدرجة أما عدم تعلقه في السير بدليل : فقد بين مراده به في آخر الباب إذ يقول : وفي علم الخصوص : من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحل له دعوى الفتوة أبدا وهذا موضع عظيم يحتاج إلى تبيين وتقدير والمراد : أن السائر إلى الله يسير على قدم اليقين وطريق البصيرة والمشاهدة فوقوفه مع الدليل : دليل على أنه لم يشم رائحة اليقين والمراد بهذا : أن المعرفة عندهم ضرورية لا استدلالية وهذا هو الصواب ولهذا لم تدع الرسل قط الأمم إلى الإقرار بالصانع سبحانه وتعالى وإنما دعوهم إلى عبادته وتوحيده وخاطبوهم خطاب من لا شبهة عنده قط في الإقرار بالله تعالى ولا هو محتاج إلى الاستدلال عليه ولهذا : قالت لهم رسلهم : أفي الله شك فاطر السموات والأرض [ إبراهيم : 10 ] وكيف يصح الاستدلال على مدلول هو أظهر من دليله حتى قال بعضهم : كيف أطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء فتقيد السائر بالدليل وتوقفه عليه دليل على عدم يقينه بل إنما يتقيد بالدليل الموصل له إلى المطلوب بعد معرفته به فإنه يحتاج بعد معرفته إلى دليل يوصله إليه ويدله على طريق الوصول إليه وهذا الدليل : هو الرسول فهو موقوف عليه يتقيد به لا يخطو خطوة إلا وراءه وأيضافالقوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة وهذا لا يمكن طلبه بالدليل أصلا ولا يقال : ما الدليل على حصول هذا وإنما يحصل بالسلوك في منازل السير وقطعها منزلة منزلة حتى يصل إلى المطلوب فوصوله إليه بالسير لا بالاستدلال بخلاف وصول المستدل فإنه إنما يصل إلى العلم ومطلوب القوم وراءه والعلم منزلة من منازلهم كما سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ولهذا يسمون أصحاب الاستدلال : أصحاب القال وأصحاب الكشف : أصحاب الحال والقوم عاملون على الكشف الذي يحصل بنور العيان لا على العلم الذي ينال بالاستدلال والبرهان وهذا موضع غلط واشتباه فإن الدليل في هذا المقام شرط وكذلك العلم وهو باب لا بد من دخوله إلى المطلوب ولا يوصل إلى المطلوب إلا من بابه كما قال تعالى : وائتوا البيوت من أبوابها [ البقرة : 189 ] ثم إنه يخاف على من لا يقف مع الدليل ما هو أعظم الأمور وأشدها خطرا وهو الانقطاع عن الطلب بالكلية والوصول إلى مجرد الخيال والمحال فمن خرج عن الدليل : ضل سواء السبيل فإن قيل : تعلقه في المسير بالدليل : يفرق عليه عزمه وقلبه فإن الدليل يفرق والمدلول يجمع فالسالك يقصد الجمعية على المدلول فماله ولتفرقة الدليل قيل : هذه هي البلية التي لأجلها أعرض من أعرض من السالكين عن العلم ونهى عنه وجعلت علة في الطريق ووقع هذا في زمن الشيوخ القدماء العارفين فأنكروه غاية الإنكار وتبرأوا منه ومن قائله وأوصوا بالعلم وأخبروا أن طريقهم مقيدة بالعلم لا يفلح فيها من لم يتقيد بالعلم والجنيد كان من أشد الناس مبالغة في الوصية بالعلم وحثا لأصحابه عليه والتفرق في الدليل خير من الجمعية على الوهم والخيال فإنه لا يعرف كون الجمعية حقا إلا بالدليل والعلم فالدليل والعلم ضروريان للصادق لا يستغنى عنهما نعم يقينه ونور بصيرته وكشفه : يغنيه عن كثير من الأدلة التي يتكلفها المتكلفون وأرباب القال فإنه مشغول عنها بما هو أهم منها وهو الغاية المطلوبة مثاله : أن المتكلم يفني زمانه في تقرير حدوث العالم وإثبات وجود الصانع وذلك أمر مفروغ منه عند السالك الصادق صاحب اليقين فالذي يطلبه هذا الاستدلال الذي هو عرضة الشبه والأسئلة والإيرادات التي لا نهاية لها هو كشف ويقين للسالك فتقيده في سلوكه بحال هذا المتكلم انقطاع وخروج عن الفتوة وهذا حق لا ينازع فيه عارف فترى المتكلم يبحث في الزمان والمكان والجواهر والأعراض والأكوان وهمته مقصورة عليها لا يعدوها ليصل منها إلى المكون وعبوديته والسالك قد جاوزها إلى جمع القلب على المكون وعبوديته بمقتضى أسمائه وصفاته لا يلتفت إلى غيره ولا يشتغل قلبه بسواه فالمتكلم متفرق مشتغل في معرفة حقيقة الزمان والمكان والعارف قد شح بالزمان أن يذهب ضائعا في غير السير إلى رب الزمان والمكان وبالجملة : فصاحب هذه الدرجة لا يتعلق في سيره بدليل ولا يمكنه السير إلا خلف الدليل وكلاهما يجتمع في حقه فهو لا يفتقر إلى دليل على وجود المطلوب ولا يستغني طرفة عين عن دليل يوصله إلى المطلوب فسير الصادق على البصيرة واليقين والكشف لا على النظر والاستدلال وأما قوله : ولا تشوب إجابتك بعوض أي تكون إجابتك لداعي الحق خالصة إجابة محبة ورغبة وطلب للمحبوب ذاته غير مشوبة بطلب غيره من الحظوظ والأعواض فإنه متى حصل لك حصل لك كل عوض وكل حظ به وكل قسم كما في الأثر الإلهي : ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء فمن أعرض عن طلب ما سوى الله ولم يشب طلبه له بعوض بل كان حبا له وإرادة خالصة لوجهه فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلها فإنه لما لم يجعلها غاية طلبه توفرت عليه في حصولها وهو محمود مشكور مقرب ولو كانت هي مطلوبة لنقصت عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته فهذا قلبه ممتليء بها والحاصل له منها : نزر يسير والعارف ليس قلبه متعلقا بها وقد حصلت له كلها فالزهد فيها لا يفيتكها بل هو عين حصولها والزهد في الله هو الذي يفيتكه ويفيتك الحظوظ وإذا كان لك أربعة عبيد أحدهم : يريدك ولا يريد منك بل إرادته مقصورة عليك وعلى مرضاتك والثاني : يريد منك ولا يريدك بل إرادته مقصورة على حظوظه منك والثالث : يريدك ويريد منك والرابع : لا يريدك ولا يريد منك بل هو متعلق القلب ببعض عبيدك فله يريد ومنه يريد فإن آثر العبيد عندك وأحبهم إليك وأقربهم منك منزلة والمخصوص من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيد الثلاثة : هو الأول هكذا نحن عندالله سواء وأما قوله : ولا تقف في شهودك على رسم فيعني : أن لا يكون منك نظر إلى السوي عند الشهود كما تقدم مرارا وهذا عند القوم غير مكتسب فإن الشهود إذا صح محا الرسوم ضرورة في نظر الشاهد فلا حاجة إلى أن يشرط عليه عدم الوقوف عليها والشهود الصحيح ماح لها بالذات لكن أوله قد لا يستغني عن الكسب ونهايته لا تقف على كسب قال : واعلم أن من أحوج عدوه إلى شفاعة ولم يخجل من المعذرة إليه : لم يشم رائحة الفتوة يعني أن العدو متى علم أنك متألم من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى أن يعتذر إليك ويشفع إليك شافعا يزيل ما في قلبك منه فالفتوة كل الفتوة : أن لا تحوجه إلى الشفاعة بأن لا يظهر له منك عتب ولا تغير عما كان له منك قبل معاداته ولا تطوي عنه بشرك ولا برك وإذا لم تخجل أنت من قيامه بين يديك مقام المعتذر لم يكن لك في الفتوة نصيب ولا تستعظم هذا الخلق فإن للفتيان ما هو أكبر منه ولا تستصعبه فإنه موجود في كثير من الشطار والعشراء الذين ليس لهم في حال المعرفة ولا في لسانها نصيب فأنت أيها العارف أولى به قال : وفي علم الخصوص : من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال : لم يحل له دعوى الفتوة أبدا كأنه يقول : إذا لم تحوج عدوك إلى العذر والشفاعة ولم تكلفه طلب الاستدلال على صحة عذره فكيف تحوج وليك وحبيبك إلى أن يقيم لك الدليل على التوحيد والمعرفة ولا تشير إليه حتى يقيم لك دليلا على وجوده ووحدانيته وقدرته ومشيئته فأين هذا من درجة الفتوة وهل هذا إلا خلاف الفتوة من كل وجه ولو أن رجلا دعاك إلى داره فقلت للرسول : لا آتي معك حتى تقيم لي الدليل على وجود من أرسلك وأنه مطاع وأنه أهل أن يغشى بابه لسكنت في دعوى الفتوة زنيما فكيف بمن وجوده ووحدانيته وقدرته وربوبيته وإلهيته : أظهر من كل دليل تطلبه فما من دليل يستدل به إلا ووحدانية الله وكماله أظهر منه فإقرار الفطر بالرب سبحانه خالق العالم : لم يوقفها عليه موقف ولم تحتج فيه إلى نظر واستدلال : أفي الله شك فاطر السموات والأرض [ إبراهيم : 10 ] فأبعد الناس من درجة الفتوة : طالب الدليل على ذلك وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المروءة المروءة فعولة من لفظ المرء كالفتوة من الفتى والإنسانية من الإنسان ولهذا كان حقيقتها : اتصاف النفس بصفات الإنسان التي فارق بها الحيوان البهيم والشيطان الرجيم فإن في النفس ثلاثه دواع متجاذبة : داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان : من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى والفساد والغش وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان وهو داعي الشهوة وداع يدعوها إلى أخلاق الملك : من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة فحقيقة المروءة : بغض ذينك الداعيين وإجابة الداعي الثالث وقلة المروءة وعدمها : هو الاسترسال مع ذينك الداعيين والتوجه لدعوتهما أين كانت فالإنسانية والمروءة والفتوة : كلها في عصيان الداعيين وإجابة الداعي الثالث كما قال بعض السلف : خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة وخلق البهائم شهوة بلا عقول وخلق ابن آدم وركب فيه العقل والشهوة فمن غلب عقله شهوته : التحق بالملائكة ومن غلبت شهوته عقله : التحق بالبهائم ولهذا قيل في حد المروءة : إنها غلبة العقل للشهوة وقال الفقهاء في حدها : هي استعمال ما يجمل العبد ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه وقيل : المروءة استعمال كل خلق حسن واجتناب كل خلق قبيح وحقيقة المروءة تجنب للدنايا والرذائل من الأقوال والأخلاق والأعمال فمروءة اللسان : حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر ومروءة الخلق : سعته وبسطه للحبيب والبغيض ومروءة المال : الإصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا ومروءة الجاه : بذله للمحتاج إليه ومروءة الإحسان : تعجيله وتيسيره وتوفيره وعدم رؤيته حال وقوعه ونسيانه بعد وقوعه فهذه مروءة البذل وأما مروءة الترك : فترك الخصام والمعاتبة والمطالبة والمماراة والإغضاء عن عيب ما يأخذه من حقك وترك الاستقصاء في طلبه والتغافل عن عثرات الناس وإشعارهم أنك لا تعلم لأحد منهم عثرة والتوقير للكبير وحفظ حرمة النظير ورعاية أدب الصغير وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : مروءة المرء مع نفسه وهي أن يحملها قسراعلى ما يجمل ويزين وترك ما يدنس ويشين ليصير لها ملكة في العلانية فمن أراد شيئا في سره وخلوته : ملكه في جهره وعلانيته فلا يكشف عورته في الخلوة ولا يتجشأ بصوت مزعج ما وجد إلى خلافه سبيلا ولا يخرج الريح بصوت وهو يقدر على خلافه ولا يجشع وينهم عند أكله وحده وبالجملة : فلا يفعل خاليا ما يستحي من فعله في الملإ إلا مالا يحظره الشرع والعقل ولا يكون إلا في الخلوة كالجماع والتخلي ونحو ذلك الدرجة الثانية : المروءة مع الخلق بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخلق الجميل ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه وليتخذ الناس مرآة لنفسه فكل ما كرهه ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليجتنبه وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص وسيء الخلق وحسنه وعديم المروءة وغزيرها وكثير من الناس : يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها كما روي عن بعض الأكابر : أنه كان له مملوك سيء الخلق فظ غليظ لا يناسبه فسئل عن ذلك فقال : أدرس عليه مكارم الأخلاق وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه ويكون بتمرين النفس على مصاحبته ومعاشرته والصبر عليه الدرجة الثالثة : المروءة مع الحق سبحانه بالاستحياء من نظره إليك وإطلاعه عليك في كل لحظة ونفس وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان فإنه قد اشتراها منك وأنت ساع في تسليم المبيع وتقاضي الثمن وليس من المروءة : تسليمه على ما فيه من العيوب وتقاضي الثمن كاملاأو رؤية منته في هذا الإصلاح وأنه هو المتولي له لا أنت فيغنيك الحياء منه عن رسوم الطبيعة والاشتغال بإصلاح عيوب نفسك عن التفاتك إلى عيب غيرك وشهود الحقيقة عن رؤية فعلك وصلاحك وكل ما تقدم في منزلة الخلق و الفتوة فإنه بعينه في هذه المسألة فلذلك اقتصرنا منها على هذا القدر وصاحب المنازل رحمه الله استغني بما ذكر في الفتوة والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة البسط والتخلي عن القبض وهي منزلة شريفة لطيفة وهي عنوان على الحال وداعية لمحبة الخلق وقد غلط صاحب المنازل حيث صدرها بقوله تعالى حاكيا عن كليمه موسى عليه الصلاة والسلام : إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء [ الأعراف : 155 ] وكأنه فهم من هذا الخطاب : انبساطا بين موسى وبين الله تعالى حمله على أن قال : إن هي إلا فتنتك وسمعت بعض الصوفية يقول لآخر وهما في الطواف لما قال : إن هي إلا فتنتك تدارك هذا الانبساط بالتذلل بقوله : أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [ الأعراف : 155 ] أو نحو من هذا الكلام وكل هذا وهم وفهم خلاف المقصود فالفتنة ههنا : هي الامتحان والاختبار كقوله تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [ ] وقوله : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتهم فيه [ الجن : 1617 ] وقوله : ونبلوكم بالشر والخير فتنة [ الأنبياء : 35 ] والمعنى : أن هذه الفتنة اختبار منك لعبدك وامتحان تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء فأى تعلق لهذا بالانبساط وهل هذا إلا توحيد وشهود للحكمة وسؤال للعصمة والمغفرة وليس للعارف في هذه المنزلة حظ مع الله وإنما هي متعلقة بالخلق وصاحب المنازل : جعلها ثلاث درجات الأولى : مع الناس والثانية والثالثة : مع الله وسنبين ما في كلامه بحول الله وقوته وتوفيقه قال : الانبساط : إرسال السجية والتحاشي من وحشة الحشمة السجية الطبع وجمعها سجايا يقال : سجية وخليفة وطبيعة وغريزة و إرسالها تركها في مجراها والتحاشي من وحشة الحشمة التحاشي : هو تجنب الوحشة الواقعة بينك وبين من تحبه وتخدمه فإن مرتبته تقتضي احتشامه والحياء منه وإجلاله عن انبساطك إليه وذلك نوع وحشة فالانبساط : إزالة تلك الوحشة لا تسقطك من عينه بل تزيدك حبا إليه ولا سيما إذا وقع في موقعه قال : وهو السير مع الجبلة أي المشي مع ما جبل الله عليه العبد من الأخلاق من غير تكلف قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الانبساط مع الخلق وهو أن لا تعتزلهم ضنا على نفسك أو شحا على حظك وتسترسل له في فضلك وتسعهم بخلقك وتدعهم يطؤونك والعلم قائم وشهود المعنى دائم يريد : لا تبخل عليهم بنفسك فيحملك ذلك البخل على اعتزالهم وتشح بحظك في الخلوة وراحة العزلة : أن تذهب بمخالطتهم بل تحملك السماحة والجود والبذل على أن تترك ذلك لراحة إخوانك بك وانتفاعهم بمجالستك فتتكرم عليهم بحظك في عزلتك وخلوتك وتؤثرهم به على نفسك وهذا من الفتوة والمروءة والتخلق ضد من أضدادها قوله : وتسترسل لهم في فضلك يعني : إذا استرسلت معهم ولم تجذب عنهم عنانك : نالوا من فضلك فيكون استرسالك سببا لنيلهم لفضلك وقبض العنان سببا للحرمان وتسعهم بخلقك باحتمال ما يبدو منهم من سوء العشرة فخذ منهم ما أمر الله نبيه أن يأخذه من أخلاق الناس وهو العفو وتدعهم يطؤونك أي يدوسونك من لينك وتواضعك وخفض جناحك بحيث لا تترك لنفسك بينهم رتبة تتقاضاهم أن يحترموك لأجلها هذا معنى كلامه وقوله : والعلم قائم وشهود المعنى دائم أما قيام العلم : فهو أن يكون هذا الاسترسال موافقا للشرع غير مخرج عن حدوده وآدابه بحيث لا تحملهم على تعدي حدود الله وتضييع حقه وحقوق عباده وأما دوام شهود المعنى فهو حفظ حالك وقلبك مع الله ودوام إقبالك عليه بقلبك كله فأنت معهم مسترسل بشبحك ورسمك وصورتك فقط ومفارقهم بقلبك وسرك مشاهدا للمعنى الذي به حياتك فإذا فارقته كنت كالحوت إذا فارق الماء فإن هذا المعنى هو حياة القلب والروح فإذا فات العبد علته الكآبة وغمره الهم والغم والأحزان وتلون في أفعاله وأقواله وتاه قلبه في الأودية والشعاب وفقد نعيم الدنيا والآخرة وهذا هو الذي أشار إليه يحيى الصرصري في قوله : إذا صار قلب العبد للسر معدنا تلوح على أعطافه بهجة السنا وإن فاته المعنى علته كآبة فأصبح في أفعاله متلونا فمتى كان شهود هذا المعنى قائما في قلبك : لا يضرك مخالطة من لا تسلبك إياه مخالطته والانبساط إليه فصل قال : الدرجة الثانية : الانبساط مع الحق وهو أن لا يحبسك خوف ولا يحجبك رجاء ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء يريد : أن لا يمنعك عن الانبساط إليه خوف فإن مقام الخوف لا يجامع مقام الانبساط والخوف من أحكام اسم القابض والانبساط من أحكام اسم الباسط و البسط عندهم : من مشاهدة أوصاف الجمال والإحسان والتودد والرحمة و القبض من مشاهدة أوصاف الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام وبعضهم يجعل الخوف من منازل العامة والانبساط من منازل الخاصة إذ الانبساط لا يكون إلا للعارفين أرباب التجليات وليس في حق هؤلاء خوف وأما قوله : ولا يحجبك رجاء فلأن الراجي لطلبه حاجته تحتاج إلى التملق والتذلل فيحجبه رجاؤه وطمعه فيما يناله من المعظم عن انبساطه كالسائل للغني فإن سؤاله وطمعه يمنعه من انبساطه إليه فإذا غاب عن ذلك انبسط وقوله : ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء استعارة والمعنى : أنك تراه أقرب إليك من أبيك وأمك وأرحم بك منهما وأشفق عليك فلا توسط بينك وبينه أبا خرجت من صلبه ولا أما ركضت في رحمها وفيه معنى آخر وهو الإشارة إلى أنك تشاهد خلقه لك بلا واسطة كما خلق آدم وحواء فتشاهد خلقه لك بيده ونفخه فيك من روحه وإسجاد ملائكته لك وإبعاد إبليس حيث لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم وهذا يوجب لك شهود الانطواء عن الانبساط وهو رحب الهمة لانطواء انبساط العبد في بسط الحق جل جلاله ومعنى هذا : أن لا يرى العبد لنفسه انبساطا ولا انقباضا بل ينطوي انبساطه ويضمحل في صفة البسط التي للحق جل جلاله وهذا شهود معنى اسم الباسط عز وجل فهذا تقدير كلامه على أن فيه مقبولا ومردودا ولا معنى لتعلق هذه الصفة بالرب تعالى ألبتة وأما تعلقها بالخلق : فصحيح نعم ههنا مقام اشتباه وفرق وهو أن المحب الصادق : لابد أن يقارنه أحيانا فرح بمحبوبه ويشتد فرحه به ويرى مواقع لطفه به وبره به وإحسانه إليه وحسن دفاعه عنه والتلطف في إيصاله المنافع والمسار والمبار إليه بكل طريق ودفع المضار والمكاره عنه بكل طريق وكلما فتش عن ذلك اطلع منه على أمور عجيبة لا يقف وهمه ومقتبسه لها على غاية بل ما خفي عنه منها أعظم فيداخله من شهود هذه الحالة نوع إدلال وانبساط وشهود نفسه في منزلة المراد المحبوب ولا يسلم من آفات ذلك إلا خواص العارفين وصاحب هذا المقام نهايته : أن يكون معذورا وما يبدو منه من أحكامه بالشطحات أليق منه بأحكام العبودية ولم يكن لأحد من البشر في منزلة القرب والكرامة والحظوة والجاه : ما لرسول الله من ربه تبارك وتعالى فكان أشد الخلق لله خشية وتعظيما وإجلالا وحاله كلها مع الله تشهد بتكميل العبودية وأين درجة الانبساط من المخلوق من التراب إلى الانبساط مع رب الأرباب نعم لا ينكر فرح القلب بالرب تعالى وسروره به وابتهاجه وقرة عينه ونعيمه بحبه والشوق إلى لقائه : إلا كثيف الحجاب حجري الطباع فلا بهذا الميعان ولا بذاك الجمود والقسوة وبهذا ومثله طرق المتأخرون من القوم السبيل إليهم وفتحوا للمقالة فيهم بابا فالعبد الخائف الوجل المشفق الذليل بين يدي الله عز وجل المنكس الرأس بين يديه الذي لا يرضى لربه شيئا من عمله : هو أحوج شيء إلى عفوه ورحمته ولا يرى نفسه في نعمته إلا طفيليا ولا يرى نفسه محسنا قط وإن صدر منه إحسان : علم أنه ليس من نفسه ولا بها ولا فيها وإنما هو محض منة الله عليه وصدقته عليه فما لهذا والانبساط نعم انبساطه انبساط فرح وسرور ورضى وابتهاج فإن كان المراد بالانبساط هذا : فلا ننكره لكنه غير الاسترسال المذكور والاستشهاد عليه بالآية يبين مراده والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة العزم وقد ذكرنا في أول الكتاب أنه نوعان أحدهما : عزم المريد على الدخول في الطريق وهو بداية والثاني : عزم السالك وهو مقام ذكره صاحب المنازل في وسط كتابه في قسم الأصول فقال : هو تحقيق القصد طوعا أو كرها أما قوله : تحقيق القصد فهو أن يكون قصده محققا لا يشوبه شيء من التردد وأما تقسيمه هذا التحقيق إلى طوع وكره : فصحيح فإن المختار : تحقيق قصده طوعا وأما المكره : فتحقيق قصده كرها فإنه إذا أكره على فعل وعزم عليه : فقد حقق قصده كرها لا طوعا واختلف الفقهاء والأصوليون في المكره : هل يسمى مختارا أم لا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : والتحقيق أنه محمول على الاختيار فله اختيار في الفعل وبه صح وقوعه فإنه لولا إرادته واختياره : لما وقع الفعل ولكنه محمول على أن هذه الإرادة والاختيار ليست من قبله فهو مختار باعتبار أن حقيقة الإرادة والاختيار منه وغير مختار باعتبار أن غيره حمله على الاختيار ولم يكن مختارا من نفسه هذا معنى كلامه قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : إباء الحال على العلم لشيم برق الكشف واستدامة نور الأنس والإجابة لإماتة الهوى يريد ب إباء الحال على العلم استعصاؤه عليه وأن صاحب الحال : تأبى عليه حاله أن ينزل منه إلى درجة العلم ويصعب عليه ذلك كل الصعوبة وهو انحطاط في رتبته ولا يريد امتناع الحال عن طاعة العلم وتحكيمه فإن هذا انحلال وانسلاخ من الطريق بالكلية فكل حال لا يطيع العلم ولا يحكمه فهو حال فاسد مبعد عن الله لكن من وصل إلى حال العلم لم يحجبه حاله أن ينزل إلى درجة العلم وينحط إليها بلا حال فإن كان مراده هذا المعني : فهو صحيح وإن كان مراده : امتناع الحال عن طاعة العلم لأن العلم يدعو إلى أحكام الغيبة والحجاب والحال يدعو إلى أنس الكشف والحضور فصاحب الحال لا يلتفت إلى العلم : فباطل فإن العلم شرط في الحال تستحيل معرفة صحته بدونه نعم لا ينكر حصوله بدون العلم لكن صاحبه على غير بصيرة ولا وثوق به وشيم برق الكشف هو النظر إليه على بعد فإن صاحب الحال : عامل على شيم برق الكشف لأن شيم برق الكشف : يوجب نورا يأنس به القلب فعزيمة صاحبه : على استدامته وحفظه وأما الإجابة لإماته الهوى فهو أن السالك إذا أشرف على الكشف : أحس بحالة شبيهة بالموت حتى أن منهم من يسقط إلى الأرض ويظن ذلك موتا وهذه الحال من مبادىء الفناء فتهوى نفسه العود إلى الحجاب خوفا من الانعدام لما جبلت عليه النفس البشرية من كراهة الموت فإذا حصل العزم أميت هذا الهوى ولم يلتفت إليه رغبة فيما يطلبه من الفناء في الفردانية فإن الحقيقة لا تبدأ إلا بعد فناء البشرية وهذا الذي قاله حق لا ينكره إلا من لم يذقه وإنما الكلام في مرتبته وأنه غاية أو توسط أو لازم أو عارض فشيخنا رحمه الله كان يرى أنه عارض من عوارض الطريق لا يعرض للكمل ومن السالكين من لم يعرض له ألبتة ومن الناس من يراه لازما للطريق لابد منه ومن الناس من يراه غاية لا شيء فوقه ومنهم من يراه توسطا وفوقه ما هو أجل منه وأرفع وهو حالة البقاء والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : الاستغراق في لوائح المشاهدة واستنارة ضياء الطريق واستجماع قوى الاستقامة هذه ثلاثة أشياء أحدها : فقدان الإحساس بغيره لاستغراقه في مشاهدته الثاني : استنارة ضياء الطريق يعني ظهور الجادة له ووضوحها واتصالها بمطلوبه وهذا كمن هو سائر إلى مدينة فإذا شارفها ورآها : رأى الطريق حينئذ واضحة إليها واستنار له ضياؤها واتصالها بالمدينة وكان قبل مشاهدة المدينة على علم أو ظن يجوز معه أن يضيع عن باب المدية وأما الآن : فقد أمن من أن يضيع عن الباب وكذلك هذا السالك : قد انقطعت عنه الموانع واستبان له الطريق وأيقن بالوصول وصارت حاله حال معاين باب المدينة من حين يقع بصره عليه وكحال معاين الشفق الأحمر قرب طلوع الشمس حيث تيقن أن الشمس بعده قوله : واستجماع قوى الاستقامة يعني : تستجمع له قوى الظاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه لمشاهدته ما هو سائر إليه وهكذا عادة المسافر : أنه إذا عاين القرية التي يريد دخولها أسرع السير وبذل الجهد وكذلك المسابق إذا عاين الغاية : استفرغ قوى جريه وسوقه وكذلك الصادق في آخر عمره : أقوى عزما وقصدا من أوله لقرابه من الغاية التي يجري إليها والله أعلم فصل قال : الدرجة الثالثة : معرفة علة العزم على التخلص من العزم ثم الخلاص من تكاليف ترك العزم فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم معرفة علة العزم هي نسبته إلى نفسه فإذا عرف أن العزم مجرد فضل الله وإيثاره وتوفيقه وأنه ليس من العبد : فنسبته إياه بعد ذلك إلى نفسه علة قادحة فيه فإذا لاح له لائح الكشف وشهد توحيد الفضل علم حينئذ علة عزمه وهو نسبته إياه إلى نفسه ورؤيته له فإذا عرف هذه العلة عزم على التخلص منها بالعزم على التخلص من العزم وهذا قد يسبق منه إلى الذهن تناقض وتدافع فكيف يتخلص من العزم بالعزم ومراده : أن يعزم على التخلص من العزم المنسوب إليه بالعزم الذي هو مجرد فضل الله وموهبته ولا تناقض حينئذ فيتخلص من العزم بالعزم كما ينازع القدر بالقدر وأما الخلاص من ترك تكاليف العزم فهو أنه إذا تخلص من هذا العزم وتركه : بقيت عليه بقية وهي رؤيته أنه قد ترك فعليه التخلص من رؤية هذا الترك فهو يطلب الآن الخلاص من رؤية ترك العزم كما كان يطلب ترك العزم قوله : فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم مدار علل العزائم : على ثلاثة أشياء : أحدها : فتورها وضعفها الثاني : عدم تجردها من الأغراض وشوائب الحظوظ الثالث : رؤية العزائم وشهودها ونسبتها إلى أنفسهم فإذا عرف هذه الثلاثة : عرف علل العزائم والله المستعان وهو سبحانه وتعالى أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإرادة قال الله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ الأنعام : 52 ] وقال تعالى : وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى [ الليل : 1921 ] وقال تعالى : وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراعظيما [ الأحزاب : 29 ] وقد أشكل على المتكلمين تعلق الإرادة بالله وكون وجهه تعالى مرادا قالوا : الإرادة لا تتعلق إلا بالحادث وأما بالقديم : فلا لأن القديم لا يراد وأولوا الإرادة المتعلقة به بإرادة التقرب إليه ثم إنه لا يتصور عندهم التقرب إليه فأولوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه هذا حاصل ما عندهم وحجابهم في هذا الباب : غليظ كثيف من أغلظ الحجب وأكثفها ولهذا تجدهم أهل قسوة ولا تجد عليهم روح السلوك ولا بهجة المحبة والطلب والإرادة عند أرباب السلوك : هي التجرد عن الإرادة فلا تصح عندهم الإرادة إلا لمن لا إرادة له ولا تظن أن هذا تناقض بل هو محض الحق واتفاق كلمة القوم عليه وقد تنوعت عبارات القوم عنها وغالبهم يخبر عنها بأنها ترك العادة ومعنى هذا : أن عادة الناس غالبا التعريج على أوطان الغفلة وإجابة داعي الشهوة والإخلاد إلى أرض الطبيعة والمريد منسلخ عن ذلك فصار خروجه عنه : أمارة ودلالة على صحة الإرادة فسمي انسلاخه وتركه إرادة وقيل : نهوض القلب في طلب الحق ويقال : لوعة تهون كل روعة قال الدقاقي : الإرادة لوعة في الفؤاد لذعة في القلب غرام في الضمير انزعاج في الباطن نيران تأجج في القلوب وقيل : من صفات المريد التحبب إلى الله بالنوافل والإخلاص في نصيحة الأمة والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأحكام والإيثار لأمره والحياء من نظره وبذل المجهود في محبوبه والتعرض لكل سبب يوصل إليه والقناعة بالخمول وعدم قرار القلب حتى يصل إلى وليه ومعبوده وقال حاتم الأصم : إذا رأيت المريد يريد غير مراده فاعلم أنه أظهر نذالته وقيل : من حكم المريد : أن يكون نومه غلبة وأكله فاقة وكلامه ضرورة وقال بعضهم : نهاية الإرادة : أن تشير إلى الله فتجده مع الإشارة فقيل له : وابنتستوعبه الإشارة فقال : أن تجد الله بلا إشارة وهذا كلام متينفإن المراتب ثلاثة : أعلاها : أن يكون واجدا لله في كل وقت لا يتوقف وجوده له على الإشارة منه ولا من غيره الثاني : أن يكون له ملكة وحال وإرادة تامة بحيث إنه متى أشير له إلى الله وجده عند إشارة المشير الثالث : أن لا يكون كذلك ويتكلف وجدانه عند الإشارة إليه فالمرتبة الأولى : للمقربين السابقين والوسطى : للأبرار المقتصدين والثالثة : للغافلين وقال أبو عثمان الحيري : من لم تصح إرادته ابتداء فإنه لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارا وقال : المريد إذا سمع شيئا من علوم القوم فعمل به : صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به وإذا تكلم انتفع به من سمعه ومن سمع شيئا من علومهم ولم يعمل به كان حكاية يحفظها أياما ثم ينساها وقال الواسطي : أول مقام المريد : إرادة الحق بإسقاط إرادته وقال يحيى بن معاذ : أشد شيء على المريد : معاشرة الأضداد وسئل الجنيد : ما للمريد حظ في مجازات الحكايات فقال : الحكايات جند من جند الله يثبت الله بها قلوب المريدين ثم قرأ قوله تعالى : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [ هود : 120 ] وقد ذكر عن الجنيد كلمتان في الإرادة مجملتان تحتاج كل منهما إلى تفسير الكلمة الواحدة : قال أبو عبدالرحمن السلمي : سمعت محمد بن مخلد يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت الجنيد يقول : المريد الصادق غني من العلماء وقال أيضا : سمعت الجنيد يقول : إذا أراد الله بالمريد خيرا : أوقعه إلى الصوفيه ومنعه صحبة القراء قلت : إذا صدق المريد وصح عقد صدقه مع الله : فتح الله على قلبه ببركة الصدق وحسن المعاملة مع الله : ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار الناس وآرائهم وعن العلوم التي هي فضلة ليست من زاد القبر وعن كثير من إشارات الصوفية وعلومهم التي أفنوا فيها أعمارهم : من معرفة النفس وآفاتها وعيوبها ومعرفة مفسدات الأعمال وأحكام السلوك فإن حال صدقه وصحة طلبه : يريه ذلك كله بالفعل ومثال ذلك : رجل قاعد في البلد يدأب ليله ونهاره في علم منازل الطريق وعقباتها وأوديتها ومواضع المتاهات فيها والموارد والمفاوز وآخر : حمله الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطريق وسار فيها فصدقه يغنيه عن علم ذلك القاعد ويريه إياها في سلوكه عيانا وأما أن يغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام وأحكام الأمر والنهي ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها وعن علم أحكام الله ورسوله على ظاهره وباطنه : فقد أعاذ الله من هو دون الجنيد من ذلك فضلا عن سيد الطائفة وإمامها وإنما يقول ذلك قطاع الطريق وزنادقة الصوفية وملاحدتهم الذين لا يرون اتباع الرسول شرطا في الطريق وأيضا فإن المريد الصادق : يفتح الله على قلبه وينوره بنور من عنده مضاف إلىا معه من نور العلم يعرف به كثيرا من أمر دينه فيستغني به عن كثير من علم الناس فإن العلم نور وقلب الصادق ممتلىء بنور الصدق ومعه نور الإيمان والنور يهدي إلى النور والجنيد أخبر بهذا عن حاله وهذا أمر جزئي ليس على عمومه بل صدقه يغنيه عن كثير من العلم وأما عن جملة العلم : فكلام أبي القاسم الثابت عنه في ضرورة الصادق إلى العلم وأنه لا يفلح من لم يكن له علم وأن طريق القوم مقيدة بالعلم وأنه لا يحل لأحد أن يتكلم في الطريق إلا بالعلم فمشهور معروف قد ذكرنا فيما مضى طرفا منه كقوله : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة وأيضا فإن علم العلماء الذين أشار إليهم : هو ما فهموه واستنبطوه من القرآن والسنة والمريد الصادق : هو الذي قرأ القرآن وحفظ السنة والله يرزقه ببركة صدقه ونور قلبه فهما في كتابه وسنة رسوله يفنيه عن تقليد فهم غيره وأما قوله يعني الجنيد إذا أراد الله بالمريد خيرا : أوقعه على الصوفية ومنعه صحبة القراء فالقراء في لسانهم : هم أهل التنسك والتعبد سواء كانوا يقرءون القرآن أم لا فالقارىء عندهم : هو الكثير التعبد والتنسك الذي قد قصر همته على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف ودون حقائق الإيمان وروح المحبة وأعمال القلوب فهمتهم كلها إلى العبادة ولا خبر عندهم مما عند أهل التصوف وأرباب القلوب وأهل المعارف ولهذا قال من قال : طريقنا تفت لا تقسر فسير هؤلاء : بالقلوب والأرواح وسير أولئك : بمجرد القوالب والأشباح وبين أرواح هؤلاء وقلوبهم وأرواح هؤلاء وقلوبهم : نوع تناكر وتنافر ولا يقدر أحدهم على صحبة النوع الآخر إلا على نوع إغضاء وتحميل للطبيعة ما تأباه وهو من جنس ما بينهم وبين ظاهرية الفقهاء من التنافر ويسمونهم : أصحاب الرسوم ويسمون أولئك : القراء والطائفتان عندهم : أهل ظواهر لا أرباب حقائق هؤلاء مع رسوم العلم وهؤلاء مع رسوم العبادة ثم إنهم في أنفسهم فريقان : صوفية وفقراء وهم متنازعون في ترجيح الصوفية على الفقراء أو بالعكس أو هما سواء على ثلاثة أقوال فطائفة رجحت الصوفي منهم كثير من أهل العراق وعلى هذا صاحب العوارف وجعلوا نهاية الفقير : بداية الصوفي وطائفة رجحت الفقير وجعلوا الفقر لب التصوف وثمرته وهم كثير من أهل خراسان وطائفة ثالثة قالوا : الفقر والتصوف شيء واحد وهؤلاء هم أهل الشام ولا يستقيم الحكم بين هؤلاء وهؤلاء حتى تتبين حقيقة الفقر والتصوف وحينئذ يعلم : هل هما حقيقة واحدة أو حقيقتان ويعلم راجحهما من مرجوحهما وسترى ذلك مبينا إن شاء الله في منزلتي الفقر والتصوف إذا انتهينا إليهما إن ساعد الله ومن بفضله وتوفيقه فلا حول ولا قوة إلا بالله وبه المستعان وعليه التكلان وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والمقصود : أن المراتب عندهم ثلاثة : مرتبة التقوى وهي مرتبة التعبد والتنسك ومرتبة التصوف وهي مرتبة التفتي بكل خلق حسن والخروج من كل خلق ذميم ومرتبة الفقر وهي مرتبة التجرد وقطع كل علاقة تحول بين القلب وبين الله تعالى فهذه مراتب طلاب الآخرة ومن عداهم : فمع القاعدين المتخلفين فأشار أبو القاسم الجنيد إلى أن

Hosted by: http://www.WDELSHAIKH.com  

copyright© 2005 for all muslims
   http://www.deen.wdelshaikh.com

احياء علوم الدين