مدارج السالكين -4

فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرغبة قال الله عز وجل : يدعوننا رغبا ورهبا [ الأنبياء : 90 ] والفرق بين الرغبة و الرجاء أن الرجاء طمع والرغبة طلب فهي ثمرة الرجاء فإنه إذا رجا الشيء طلبه والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ومن خاف شيئا هرب منه والمقصود : أن الراجي طالب والخائف هارب قال صاحب المنازل : الرغبة : هي من الرجاء بالحقيقة لأن الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق والرغبة سلوك على التحقيق أي الرغبة تتولد من الرجاء لكنه طمع وهي سلوك وطلب وقوله : الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق أي طمع في مغيب عنه مشكوك في حصوله وإن كان متحققا في نفسه كرجاء العبد دخول الجنة فإن الجنة متحققة لا شك فيها وإنما الشك في دخوله إليها وهل يوافي ربه بعمل يمنعه منها أم لا بخلاف الرغبة فإنها لا تكون إلا بعد تحقق ما يرغب فيه فالإيمان في الرغبة أقوى منه في الرجاء فلذلك قال والرغبة سلوك على التحقيق هذا معنى كلامه وفيه نظر فإن الرغبة أيضا طلب مغيب هو على شك من حصوله فإن المؤمن يرغب في الجنة وليس بجازم بدخولها فالفرق الصحيح : أن الرجاء طمع و الرغبة طلب فإذا قوي الطمع صار طلبا قال : والرغبة على ثلاث درجات الدرجة الأولى : رغبة أهل الخبر تتولد من العلم فتبعث على الاجتهاد المنوط بالشهود وتصون السالك عن وهن الفترة وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص أراد بالخبر ههنا الإيمان الصادر عن الأخبار ولهذا جعل تولدها من العلم ولكن هذا الإيمان متصل بمنزلة الإحسان منه يشرف عليه ويصل إليه ولهذا قال : المنوط بالشهود أي المقترن بالشهود وذلك الشهود : هو مشهد مقام الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه ولا مشهد للعبد في الدنيا أعلى من هذا وعند كثير من الصوفية أن فوقه مشهدا أعلى منه وهو شهود الحق مع غيبته عن كل ما سواه وهو مقام الفناء وقد عرفت ما فيه ولو كان فوق مقام الإحسان مقام آخر لذكره النبي لجبريل ولسأله جبريل عنه فإنه جمع مقامات الدين كلها في الإسلام والإيمان والإحسان نعم الفناء المحمود : هو تحقيق مقام الإحسان وهو أن يفنى بحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه وعبادته والتبتل إليه عن غيره وليس فوق ذلك مقام يطلب إلا ما هو من عوارض الطريق قوله : وتصون السالك عن وهن الفترة أي تحفظه عن وهن فتوره وكسله الذى سببه عدم الرغبة أو قلتها وقوله : وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثه الرخص أهل العزائم بناء أمرهم على الجد والصدق فالسكون منهم إلى الرخص رجوع وبطالة وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل ليس على إطلاقه فإن الله عز وجل يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه وفي المسند مرفوعا إلى النبي : إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته فجعل الأخذ بالرخص قبالة إتيان المعاصي وجعل حظ هذا : المحبة وحظ هذا : الكراهية و ما عرض للنبي أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما والرخصة أيسر من العزيمة وهكذا كان حاله في فطره وسفره وجمعه بين الصلاتين والاقتصار من الرباعية على ركعتين وغير ذلك فنقول : الرخصة نوعان أحدهما : الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصا كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة وإن قيل لها : عزيمة باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة وكفطر المريض والمسافر وقصر الصلاة في السفر وصلاة المريض إذا شق عليه القيام قاعدا وفطر الحامل والمرضع خوفا على ولديهما ونكاح الأمة خوفا من العنت ونحو ذلك فليس في تعاطي هذه الرخص ما يوهن رغبته ولا يرد إلى غثاثة ولا ينقص طلبه وإرادته ألبتة فإن منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة ومنها ما هو راجح المصلحة كفطر الصائم المريض وقصر المسافر وفطره ومنها ما مصلحته للمترخص وغيره ففيه مصلحتان قاصرة ومتعدية كفطر الحامل والمرضع ففعل هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها النوع الثاني : رخص التأويلات واختلاف المذاهب فهذه تتبعها حرام ينقص الرغبة ويوهن الطلب ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف وأهل العراق في الأشربة وأهل المدينة في الأطعمة وأصحاب الحيل في المعاملات وقول ابن عباس في المتعة وإباحة لحوم الحمر الأهلية وقول من جوز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء وجوز أن يكون زوج قحبة وقول من أباح آلات اللهو والمعازف : من اليراع والطنبور والعود والطبل والمزمار وقول من أباح الغناء وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء وقول من جوز للصائم أكل البرد وقال : ليس بطعام ولا شراب وقول من جوز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم وقول من صحح الصلاة بمدهامتان بالفارسية وركع كلحظة الطرف ثم هوى من غير اعتدال وفصل بين السجدتين بارتفاع كحد السيف ولم يصل على النبي وخرج من الصلاة بحبقة وقول من جوز وطء النساء في أعجازهن ونكاح بنته المخلوقة من مائه الخارجة من صلبه حقيقة إذا كان ذلك الحمل من زني وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص فهذا لون والأول لون قال : الدرجة الثانية : رغبة أرباب الحال وهي رغبة لا تبقي من المجهود مبذولا ولا تدع للهمة ذبولا ولا تترك غير القصد مأمولا يعني أن الرغبة الحاصلة لأرباب الحال : فوق رغبة أصحاب الخبر لأن صاحب الحال كالمضطر إلى رغبته وإرادته فهو كالفراش الذي إذا رأى النور ألقى نفسه فيه ولا يبالي ما أصابه فرغبته لا تدع من مجهوده مقدورا له إلا بذله ولا تدع لهمته وعزيمته فترة ولا خمودا وعزيمته في مزيد بعدد الأنفاس ولا تترك في قلبه نصيبا لغير مقصوده وذلك لغلبة سلطان الحال وصاحب هذه الحال لا يقاومه إلا حال مثل حاله أو أقوى منه ومتى لم يصادفه حال تعارضه فله من النفوذ والتأثير بحسب حاله قال : الدرجة الثالثة : رغبة أهل الشهود وهي تشرف يصحبه تقية تحمله عليها همة نقية لا تبقي معه من التفرق بقية يشير الشيخ بذلك إلى حالة الفناء التي يحمله عليها همة نقية من أدناس الالتفات إلى ما سوى الحق بحيث لا يبقى معه بقية من تفرقة بل قد اجتمع شاهده كله وانحصر في مشهوده وأراد بالشهود ههنا شهود الحقيقة وقوله : تشرف أي استشرف الغيبة في الفناء ويحتمل أن يريد به تشرفا عن التفاته إلى ما سوي مشهوده و التقية التي تصحب هذا التشرف : يحتمل أن يريد بها التقية من إظهار الناس على حاله وإطلاعهم عليها صيانة لها وغيرة عليها ويحتمل أن يريد بها الحذر من التفاته في شهوده إلى ما سوى حضرة مشهوده فهي تتقي ذلك الالتفات وتحذره كل الحذر ثم ذكر الحامل له على هذه الرغبة وهي اللطيفة المدركة المريدة التي قد تطهرت قبل وصولها إلى هذه الغاية وهي الهمة النقية ولو لم يحصل لها كمال الطهارة لبقيت عليها بقية منها تمنعها من وصولها إلى هذه الدرجة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرعاية وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفريق فالرعاية صيانة وحفظ ومراتب العلم والعمل ثلاثة رواية وهي مجرد النقل وحمل المرويو دراية وهي فهمه وتعقل معناه ورعاية وهي العمل بموجب ما عمله ومقتضاه فالنقلة همتهم الرواية والعلماء همتهم الدراية والعارفون همتهم الرعاية وقد ذم الله من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته فقال تعالى وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتباها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها [ الحديد : رهبانية منصوب بابتدعوها على الاشتغال إما بنفس الفعل المذكور على قول الكوفيين وإما بمقدر محذوف مفسر بهذا المذكور على قول البصريين أي وابتدعوا رهبانية وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه فالوقف التام عند قوله : ورحمة ثم يبتدىء ورهبانية ابتدعوها أي لم نشرعها لهم بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم ولم نكتبها عليهم وفي نصب قوله : إلا ابتغاء رضوان الله ثلاثة أوجه أحدها : أنه مفعول له أي لم نكتبها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وهذا فاسد فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه كيف وقد أخبر : أنهم هم ابتدعوها فهي مبتدعة غير مكتوبة وأيضا فإن المفعول لأجله يجب أن يكون علة لفعل الفاعل المذكور معه فيتحد السبب والغاية نحو : قمت إكراما فالقائم هو المكرم وفعل الفاعل المعلل ههنا هو الكتابة و ابتغاء رضوان الله فعلهم لا فعل الله فلا يصلح أن يكون علة لفعل الله لاختلاف الفاعل وقيل : بدل من مفعول كتبناها أي ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وهو فاسد أيضا إذ ليس ابتغاء رضوان الله عين الرهبانية فتكون بدل الشيء من الشيء ولا بعضها فتكون بدل بعض من كل ولا أحدهما مشتمل على الآخر فتكون بدل اشتمال وليس بدل غلط فالصواب : أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع أي لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان الله ودل على هذا قوله : ابتدعوها ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية وأنه هو طلب رضوان الله ثم ذمهم بترك رعايتها إذ من التزم لله شيئا لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب لزمه رعايته وإتمامه حتى ألزم كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة بإتمامها وجعلوا التزامها بالشروع كالتزامها بالنذر كما قال : أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهو إجماع أو كالإجماع في أحد النسكين قالوا : والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول فكما يجب عليه رعاية ما التزمه بالنذر وفاء يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة والقصد : أن الله سبحانه وتعالى ذم من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق رعايتها فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله ورضيها لعباده وأذن بها وحث عليها فصل قال صاحب المنازل : الرعاية : صون بالعناية وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : رعاية الأعمال والثانية : رعاية الأحوال والثالثة : رعاية الأوقات فأما رعاية الأعمال : فتوفيرها بتحقيرها والقيام بها من غير نظر إليها وإجراؤها على مجرى العلم لا على التزين بها أما قوله صون بالعناية أي حفظ بالاعتناء والقيام بحق الشيء الذي يرعاه ومنه راعي الغنم وقوله أما رعاية الأعمال : فتوفيرها بتحقيرها فالتوفير : سلامة من طرفي التفريط بالنقص والإفراط بالزيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها وأما تحقيرها : فاستصغارها في عينه واستقلالها وأن ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديته أمر آخر وأنه لم يوفه حقه وأنه لا يرضى لربه بعمله ولا بشيء منه وقد قيل : علامة رضي الله عنك : إعراضك عن نفسك وعلامة قبول عملك : احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك حتى إن العارف ليستغفر الله عقيب طاعته وقد كان رسول الله إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا وأمر الله عباده بالاستغفار عقيب الحج ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل وشرع النبي عقيب الطهور التوبة والاستغفار فمن شهد واجب ربه ومقدار عمله وعيب نفسه : لم يجد بدا من استغفار ربه منه واحتقاره إياه واستصغاره وأما القيام بها فهو توفيتها حقها وجعلها قائمة كالشهادة القائمة والصلاة القائمة والشجرة القائمة على ساقها التي ليست بساقطة وقوله : من غير نظر إليها أي من غير أن يلتفت إليها ويعددها ويذكرها مخافة العجب والمنة بها فيسقط من عين الله ويحبط عمله وقوله : وإجراؤها على مجرى العلم هو أن يكون العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوة إخلاصا لله وإرادة لوجهه وطلبا لمرضاته لا على وجه التزين بها عند الناس قال : وأما رعاية الأحوال : فهو أن يعد الاجتهاد مراءاة واليقين تشبعا والحال دعوى أي يتهم نفسه في اجتهاده : أنه راءى الناس فلا يطغى به ولا يسكن إليه ولا يعتد به وأما عده اليقين تشبعا فالتشبع : افتخار الإنسان بما لا يملكه ومنه قول النبي : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وعد اليقين تشبعا : يحتمل وجهين أحدهما أن ما حصل له من اليقين لم يكن به ولا منه ولا استحقه بعوض وإنما هو فضل الله وعطاؤه ووديعته عنده ومجرد منته عليه فهو خلعة خلعها سيده عليه والعبد وخلعته ملكه وله فما للعبد في اليقين مدخل وإنما هو متشبع بما هو ملك لله وفضله ومنته على عبده والوجه الثاني : أن يتهم يقينه وأنه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي بل ما حصل له منه هو كالعارية لا الملك المستقر فهو متشبع بزعم نفسه بأن اليقين ملكه وله وليس كذلك وهذا لا يختص باليقين بل بسائر الأحوال فالصادق يعد صدقه تشبعا وكذا المخلص يعد إخلاصه وكذا العالم لاتهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه وأنه لم ترسخ قدمه في ذلك ولم يحصل له فيه ملكة فهو كالمتشبع به ولما كان اليقين روح الأعمال وعمودها وذروة سنامها : خصه بالذكر تنبيها على ما دونه والحاصل : أنه يتهم نفسه في حصول اليقين فإذا حصل فليس حصوله به ولا منه ولا له فيه شيء فهو يذم نفسه في عدم حصوله ولا يحمدها عند حصوله وأما عد الحال دعوى : أي دعوى كاذبة اتهاما لنفسه وتطهيرا لها من رعونة الدعوى وتخليصا للقلب من نصيب الشيطان فإن الدعوى من نصيب الشيطان وكذلك القلب الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان أعاذنا الله من الدعوى ومن الشيطان فصل قال : وأما رعاية الأوقات : فأن يقف مع كل خطوة ثم أن يغيب عن حضوره بالصفاء من رسمه ثم أن يذهب عن شهود صفوه أي يقف مع حركة ظاهره وباطنه بمقدار تصحيحها نية وقصدا وإخلاصا ومتابعة فلا يخطو هجما وهمجا بل يقف قبل خطوة حتى يصحح الخطوة ثم ينقل قدم عزمه فإذا صحت له ونقل قدمه انفصل عنها وقد صحت الغيبة عن شهودها ورؤيتها فيغيب عن شهود تقدمه بنفسه فإن رسمه هو نفسه فإذا غاب عن شهود نفسه وتقدمه بها في كل خطوة فذلك عين الصفاء من رسمه الذي هو نفسه فعند ذلك يشاهد فضل ربه ولما كانت النفس محل الأكدار سمي انفصاله عنها : صفاء وهذه الأمور تستدعي لطف إدراك واستعدادا من العبد وذلك عين المنة عليه وأما ذهابه عن شهود صفوه : أي لا يستحضره في قلبه ويشهد ذلك الصفو المطلوب ويقف عنده فإن ذلك من بقايا النفس وأحكامها وهو نوع كدر فإذا تخلص من الكدر لا ينبغي له الالتفات والرجوع إليه فيصفو من الرسم ويغيب عن الصفو بمشاهدة المطلب الأعلى والمقصد الأسنى فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة قال الله تعالى : " واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه " [ البقره : 235 ] وقال تعالى " وكان الله على كل شيء رقيبا " [ الأحزاب : 52 ] وقال تعالى : وهو معكم أينما كنتم [ الحديد : 4 ] وقال تعالى : " ألم يعلم بأن الله يرى " [ العلق : 14 ] وقال تعالى : " فإنك بأعيننا " [ الطور : 48 ] وقال تعالى : " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " [ غافر : 19 ] إلى غير ذلك من الآيات وفي حديث جبريل عليه السلام : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال له : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين : هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات فكيف بحال المريدين فكيف بحال العارفين قال الجريري : من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة : لم يصل إلى الكشف والمشاهدة وقيل : من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه وقيل لبعضهم : متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة فقال : إذا علم أن عليه رقيبا وقال الجنيد : من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله وتصغير ما صغر الله وقيل : الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعد عن المعاصي والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق وقيل : المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة وقال الجريري : أمرنا هذا مبني على فصلين : أن تلزم نفسك المراقبة لله وأن يكون العلم على ظاهرك قائما وقال إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل وقيل : أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق : المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم وقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري : إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر : سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره : حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته و المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها : حصلت له المراقبة والله أعلم فصل قال صاحب المنازل : المراقبة : دوام ملاحظة المقصود وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام بين تعظيم مذهل ومداناة حاملة وسرور باعث فقوله : دوام ملاحظة المقصود أي دوام حضور القلب معه وقوله بين تعظيم مذهل فهو امتلاء القلب من عظمة الله عز وجل بحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره وعن الالتفات إليه فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع الله بل يستصحبه دائما فإن الحضور مع الله يوجب أنسا ومحبة إن لم يقارنهما تعظيم أورثاه خروجا عن حدود العبودية ورعونة فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب : فهو سببا للبعد عنه والسقوط من عينه فقد تضمن كلامه خمسة أمور : سير إلى الله واستدامة هذا السير وحضور القلب معه وتعظيمه والذهول بعظمته عن غيره وأما قوله : ومداناة حاملة يريد دنوا وقربا حاملا على هذه الأمور الخمسة وهذا الدنو يحمله على التعظيم الذي يذهله عن نفسه وعن غيره فإنه كلما ازداد قربا من الحق ازداد له تعظيما وذهولا عن سواه وبعدا عن الخلق وأما السرور الباعث فهو الفرحة والتعظيم واللذة التي يجدها في تلك المداناة فإن سرور القلب مع الله وفرحه به وقرة العين به لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة وليس له نظير يقاس به وهو حال من أحوال أهل الجنة حتى قال بعض العارفين : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته ومن لم يجد هذا السرور ولا شيئا منه فليتهم إيمانه وأعماله فإن للإيمان حلاوة من لم يذقها فليرجع وليقتبس نورا يجد به حلاوة الإيمان وقد ذكر النبي ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته فذكر الذوق والوجد وعلقه بالإيمان فقال : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وقال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول والقصد : أن السرور بالله وقربه وقرة العين به تبعث على الازدياد من طاعته وتحث على الجد في السير إليه قال : الدرجة الثانية مراقبة نظر الحق إليك برفض المعارضة بالإعراض عن الاعتراض ونقض رعونة التعرض هذه مراقبة لمراقبة الله لك فهي مراقبة لصفة خاصة معينة وهي توجب صيانة الباطن والظاهر فصيانة الظاهر : بحفظ الحركات الظاهرة وصيانة الباطن : بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة التي منها رفض معارضة أمره وخبره فيتجرد الباطن من كل شهوة وإرادة تعارض أمره ومن كل إرادة تعارض إرادته ومن كل شبهة تعارض خبره ومن كل محبة تزاحم محبته وهذه حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقربين العارفين وكل تجريد سوى هذا فناقص وهذا تجريد أرباب العزائم ثم بين الشيخ سبب المعارضة وبماذا يرفضها العبد فقال بالإعراض عن الاعتراض فإن المعارضة تتولد من الاعتراض و الاعتراض ثلاثة أنواع سارية في الناس والمعصوم من عصمه الله منها النوع الأول : الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة التي يسميها أربابها قواطع عقلية وهي في الحقيقة خيالات جهلية ومحالات ذهنية اعتراضوا بها على أسمائه وصفاته عز وجل وحكموا بها عليه ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله وأثبتوا ما نفاه ووالوا بها أعداءه ووعادوا بها أولياءه وحرفوا بها الكلم عن مواضعه ونسوا بها نصيبا كثيرا مما ذكروا به وتقطعوا لها أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون والعاصم من هذا الاعتراض : التسليم المحض للوحي فإذا سلم القلب له : رأى صحة ما جاء به وأنه الحق بصريح العقل والفطرة فاجتمع له السمع والعقل والفطرة وهذا أكمل الإيمان ليس كمن الحرب قائم بين سمعه وعقله وفطرته النوع الثاني : الاعتراض على شرعه وأمره وأهل هذا الاعتراض : ثلاثة أنواع أحدها : المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى وتحريم ما أباحه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما أسقطه وإبطال ما صححه وتصحيح ما أبطله واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره وتقييد ما أطلقه وإطلاق ما قيده وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها والتحذير منها وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذروا منهم ونفروا عنهم النوع الثاني : الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفوس الجاهلة والعجب أن أربابها ينكرون على أهل الحظوظ وكل ما هم فيه فحظ ولكن حظهم حظ متضمن مخالفة مراد الله والإعراض عن دينه واعتقاد أنه قربة إلى الله فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات المعترفين بذمها المستغفرين منها المقرين بنقصهم وعيبهم وأنها منافية للدين وهؤلاء في حظوظ اتخذوها دينا وقدموها على شرع الله ودينه واغتالوا بها القلوب واقتطعوها عن طريق الله فتولد من معقول أولئك وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة وأذواق هؤلاء خراب العالم وفساد الوجود وهدم قواعد الدين وتفاقم الأمر وكاد لولا أن الله ضمن أنه لايزال يقوم به من يحفظه ويبين معالمه ويحميه من كيد من يكد النوع الثالث : الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله وحكموا بها بين عباده وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده فقال الأولون : إذا تعارض العقل والنقل : قدمنا العقل وقال الآخرون : إذا تعارض الأثر والقياس : قدمنا القياس وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد : إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع : قدمنا الذوق والوجد والكشف وقال أصحاب السياسة : إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه فهؤلاء يقولون : لكم النقل ولنا العقل والآخرون يقولون : أنتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار وأولئك يقولون : أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق والآخرون يقولون : لكم الشرع ولنا السياسة فيا لها من بلية عمت فأعمت ورزية رمت فأصمت وفتنة دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون وأهوية عصفت فصمت منها الآذان وعميت منها العيون عطلت لها والله معالم الأحكام كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام واستند كل قوم إلى ظلم وظلمات آرائهم وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم وصار لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل والدين وقفا على كل إفساد وتبديل النوع الرابع : الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره وهذا اعتراض الجهال وهو ما بين جلي وخفي وهو أنواع لا تحصى وهو سار في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم ولو تأمل العبد كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله لرأى ذلك في قلبه عيانا فكل نفس معترضة على قدر الله وقسمه وأفعاله إلا نفسا قد اطمأنت إليه وعرفته حق المعرفة التي يمكن وصول البشر إليها فتلك حظها التسليم والانقياد والرضى كل الرضاء وأما نقض رعونة التعرض فيشير به إلى معنى آخر لا تتم المراقبة عنده إلا بنقضه وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حال المراقبة والحضور مع الله فإن ذلك تعرض منه لحجاب الحق له عن كمال الشهود لأن بقاء العبد مع مداركه وحواسه ومشاعره وأفكاره وخواطره عند الحضور والمشاهدة : هو تعرض للحجاب فينبغي أن تتخلص مراقبة نظر الحق إليك من هذه الآفات وذلك يحصل بالاستغراق في الذكر فتذهل به عن نفسك وعما منك لتكون بذلك متهيئا مستعدا للفناء عن وجودك وعن وجود كل ما سوى المذكور سبحانه وهذا التهيؤ والاستعداد : لا يكون إلا بنقض تلك الرعونة والذكر يوجب الغيبة عن الحس فمن كان ذاكرا لنظر الحق إليه من إقباله عليه ثم أحس بشىء من حديث نفسه وخواطره وأفكاره : فقد تعرض واستدعى عوالم نفسه واحتجاب المذكور عنه لأن حضرة الحق تعالى لا يكون فيها غيره وهذه الدرجة لا يقدر عليها العبد إلا بملكة قوية من الذكر وجمع القلب فيه بكليته على الله عز وجل فصل قال : الدرجة الثالثة : مراقبة الأزل بمطالعة عين السبق استقبالا لعلم التوحيد ومراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة قوله : مراقبة الأزل أي شهود معنى الأزل وهو القدم الذي لا أول له بمطالعة عين السبق أي بشهود سبق الحق تعالى لكل ما سواه إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء فمتى طالع العبد عين هذا السبق شهد معنى الأزل وعرف حقيقته فبدا له حينئذ علم التوحيد فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد وأعلام الجيش ورفع له فشمر إليه وهو شهود انفراد الحق بأزليته وحده وأنه كان ولم يكن شيء غيره ألبتة وكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه فإذا عدمت الكائنات من شهوده كما كانت معدومة في الأزل فطالع عين السبق وفني بشهود من لم يزل عن شهود من لم يكن فقد استقبل علم التوحيد وأما مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد فقد تقدم أن ما يظهر فى الأبد : هو عين ما كان معلوما في الأزل وأنه إنما تجددت أحايينه وهي أوقات ظهوره فقد ظهرت إشارات الأزل وهي ما يشير إليه العقل بالأزلية من المقدرات العلمية على أحايين الأبد هذا معناه الصحيح عندي والقوم يريدون به معنى آخر : وهو اتصال الأبد بالأزل في الشهود وذلك بأن يطوى بساط الكائنات عن شهوده طيا كليا ويشهد استمرار وجود الحق سبحانه وحده مجردا عن كل ما سواه فيصل بهذا الشهود الأزل بالأبد ويصيران شيئا واحدا وهو دوام وجوده سبحانه بقطع النظر عن كل حادث والشهود الأول أكمل وأتم وهو متعلق بأسمائه وصفاته وتقدم علمه بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي فهذا الشهود يعطي إيمانا ومعرفة وإثباتا للعلم والقدرة والفعل والقضاء والقدر وأما الشهود الثاني : فلا يعطي صاحبه معرفة ولا إيمانا ولا إثباتا لاسم ولا صفة ولا عبودية نافعة وهو أمر مشترك يشهده كل من أقر بالصانع من مسلم وكافر فإذا استغرق في شهود أزليته وتفرده بالقدم وغاب عن الكائنات : اتصل في شهوده الأزل بالأبد فأي كبير أمر في هذا وأي إيمان ويقين يحصل به ونحن لا ننكر ذوقه ولا نقدح في وجوده وإنما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله من المراقبة بحيث يكون لخاصة الخاصة وما قبله لمن هم دونهم فهذا عين الوهم والله الموفق فإذا اتصل في شهود الشاهد : الأزل الذي لا بداية له بالأزمنة التي يعقل لها بداية وهي أزمنة الحوادث ثم اتصل ذلك بما لا نهاية له بحيث صارت الأزمنة الثلاثة واحدا لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل وذلك لا يكون إلا إذا شهد فناء الحوادث فناء مطلقا وعدمها عدما كليا وذلك تقدير وهمي مخالف للواقع وهو تجريد خيالي يوقع صاحبه في بحر طامس لا ساحل له وليل دامس لا فجر له فأين هذا من مشهد تنوع الأسماء والصفات وتعلقها بأنواع الكائنات وارتباطها بجميع الحادثات وإعطاء كل اسم منها وصفة حقها من الشهود والعبودية والنظر إلى سريان آثارها في الخلق والأمر والعالم العلوي والسفلي والظاهر والباطن ودار الدنيا ودار الآخرة وقيامه بالفرق والجمع في ذلك علما ومعرفة وحالا ! والله المستعان قوله : ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة يشير إلى فناء شهود المراقب عن نفسه وما منها وأنه يفني بمن يراقبه عن نفسه وما منها فإذا كان باقيا بشهود مراقبته : فهو في ورطتها لم يتخلص منها لأن شهود المراقبة لا يكون إلا مع بقائه والمقصود : إنما هو الفناء والتخلص من نفسه ومن صفاتها وما منها وقد عرفت أن فوق هذا درجة أعلى منه وأرفع وأشرف وهي مراقبة مواقع رضى الرب ومساخطه في كل حركة والفناء عما يسخطه بما يحب والتفرق له وبه وفيه ناظرا إلى عين جمع العبودية فانيا عن مراده من ربه مهما ولو علا بمراد ربه منه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل قال الله عز وجل : " ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه " [ الحج : 30 ] قال جماعة من المفسرين حرمات الله ههنا مغاضبه وما نهى عنه و تعظيمها ترك ملابستها قال الليث : حرمات الله : ما لا يحل انتهاكها وقال قوم : الحرمات : هي الأمر والنهي وقال الزجاج : الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه وقال قوم : الحرمات ههنا المناسك ومشاعر الحج زمانا ومكانا والصواب : أن الحرمات تعم هذا كله وهي جمع حرمة وهي ما يجب احترامه وحفظه : من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن فتعظيمها : توفيتها حقها وحفظها من الإضاعة قال صاحب المنازل : الحرمة : هي التحرج عن المخالفات والمجاسرات التحرج الخروج من حرج المخالفة وبناء تفعل يكون للدخول في الشيء كتمنى إذا دخل في الأمنية وتولج في الأمر : دخل فيه ونحوه وللخروج منه كتحرج وتحوب وتأثم إذا أراد الخروج من الحرج والحوب : هو الإثم أراد أن الحرمة هي الخروج من حرج المخالفة وجسارة الإقدام عليها ولما كان المخالف قسمين جاسرا وهائبا قال عن المخالفات والمجاسرات : قال : هي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تعظيم الأمر والنهي لا خوفا من العقوبة فتكون خصومة للنفس ولا طلبا للمثوبة فيكون مستشرفا للأجرة ولا مشاهدا لأحد فيكون متزينا بالمراءاة فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة النفس هذا الموضع يكثر في كلام القوم والناس بين معظم له ولأصحابه معتقد أن هذا أرفع درجات العبودية : أن لا يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه فإن هذا واقف مع غرضه وحظ نفسه وأن المحبة تأبى ذلك فإن المحب لا حظ له مع محبوبه فوقوفه مع حظه علة في محبته وأن طمعه في الثواب : تطلع إلى أنه يستحق بعمله على الله تعالى أجرة ففي هذا آفتان : تطلعه إلى الأجرة وإحسان ظنه بعمله إذ تطلعه إلى استحقاقه الأجر وخوفه من العقاب : خصومة للنفس فإنه لا يزال يخاصمها إذا خالفت ويقول : أما تخافين النار وعذابها وما أعد الله لأهلها فلا تزال الخصومة بذلك بينه وبين نفسه ومن وجه آخر أيضا : وهو أنه كالمخاصم عن نفسه الدافع عنها خصمه الذي يريد هلاكه وهو عين الاهتمام بالنفس والالتفات إلى حظوظها مخاصمة عنها واستدعاء لما تلتذ به ولا يخلصه من هذه المخاصمة وذلك الاستشراف : إلا تجريد القيام بالأمر والنهي من كل علة بل يقوم به تعظيما للآمر الناهي وأنه أهل أن يعبد وتعظم حرماته فهو يستحق العبادة والتعظيم والإجلال لذاته كما في الأثر الإسرائيلي لو لم أخلق جنة ولا نارا أما كنت أهلا أن أعبد ومنه قول القائل : هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستح ق على ذي الورى الشكر للمنعم فالنفوس العلية الزكية تعبده لأنه أهل أن يعبد ويجل ويحب ويعظم فهو لذاته مستحق للعبادة قالوا : ولا يكون العبد كأجير السوء إن أعطى أجره عمل وإن لم يعط لم يعمل فهذا عبد الأجرة لا عبد المحبة والإرادة قالوا : والعمال شاخصون إلى منزلتين : منزلة الآخرة ومنزلة القرب من المطاع قال تعالى في حق نبيه داود " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " [ ص : 25 ] فالزلفى منزلة القرب وحسن المآب : حسن الثواب والجزاء وقال تعالى : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " [ يونس : 26 ] ف الحسنى الجزاء و الزيادة منزلة القرب ولهذا فسرت بالنظر إلى وجه الله عز وجل وهذان هما اللذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى فقالوا له : إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال : نعم وإنكم إذا لمن المقربين [ الأعراف : 11311 وقال تعالى : " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر " [ التوبه : 72 ] قالوا : والعارفون عملهم على المنزلة والدرجة والعمال عملهم على الثواب والأجرة وشتان ما بينهما فصل وطائفة ثانية تجعل هذا الكلام من شطحات القوم ورعوناتهم وتحتج بأحوال الأنبياء والرسل والصديقين ودعائهم وسؤالهم والثناء عليهم بخوفهم من النار ورجائهم للجنة كما قال تعالى في حق خواص عباده الذين عبدهم المشركون : إنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه كما تقدم وقال عن أنبيائه ورسله : " وزكريا إذ نادى ربه " إلى أن قال " إنهم كانوا يسارعون في " " الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " [ الأنبياء : 8990 أي رغبا فيما عندنا ورهبا من عذابنا والضمير في قوله : إنهم عائد على الأنبياء المذكورين في هذه السورة عند عامة المفسرين والرغب والرهب رجاء الرحمة والخوف من النار عندهم أجمعين وذكر سبحانه عباده الذين هم خواص خلقه وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم وجعل منها : استعاذتهم به من النار فقال تعالى : والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقراومقاما [ الفرقان : 6566 ] وأخبر عنهم : أنهم توسلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار فقال تعالى : " الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار " [ آل عمران : 16 ] فجعلوا أعظم وسائلهم إليه : وسيلة الإيمان وأن ينجيهم من النار وأخبر تعالى عن سادات العارفين أولي الألباب أنهم كانوا يسألونه جنته ويتعوذون به من ناره فقال تعالى : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الآيات إلى آخرها ولا خلاف أن الموعود به على ألسنة رسله : هي الجنة التى سألوها وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحينواجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [ الشعراء : 8289 ] فسأل الله الجنة واستعاذ به من النار وهو الخزي يوم البعث وأخبرنا سبحانه عن الجنة : أنها كانت وعدا عليه مسئولا أي يسأله إياها عباده وأولياؤه وأمر النبي أمته : أن يسألوا له في وقت الإجابة عقيب الأذان أعلى منزلة في الجنة وأخبر : أن من سألها له حلت عليه شفاعته وقال له سليم الأنصاري أما إني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال : أنا ومعاذ حولها ندندن وفي الصحيح في حديث الملائكة السيارة الفضل عن كتاب الناس إن الله تعالى يسألهم عن عباده وهو أعلم تبارك وتعالى فيقولون : أتيناك من عند عباد لك يهللونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول عز وجل : وهل رأوني فيقولون : لا يا رب ما رأوك فيقول عز وجل : كيف لو رأوني فيقولون : لو رأوك لكانوا لك أشد تمجيدا قالوا : : يارب ويسألونك جنتك فيقول : هل رأوها فيقولون : لا وعزتك ما رأوها فيقول : فكيف لو رأوها فيقولون : لو رأوها لكانوا لها أشد طلبا قالوا : ويستعيذون بك من النار فيقول عز وجل : وهل رأوها فيقولون : لا وعزتك ما رأوها فيقول : فكيف لو رأوها فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد منها هربا فيقول : إني أشهدكم أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأعذتهم مما استعاذوا منه والقرآن والسنة مملوءان من الثناء على عباده وأوليائه بسؤال الجنة ورجائها والاستعاذة من النار والخوف منها قالوا وقد قال النبي لأصحابه : استعيذوا بالله من النار وقال لمن سأله مرافقته في الجنة : أعني على نفسك بكثرة السجود قالوا : والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من أمته ليكونا دائما على ذكر منهم فلا ينسونهما ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة والعمل على حصول الجنة والنجاة من النار : هو محض الإيمان قالوا : وقد حض النبي عليها أصحابه وأمته فوصفها وجلاها لهم ليخطبوها وقال : ألا مشمر للجنة فإنها ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وزوجة حسناء وفاكهة نضيجة وقصر مشيد ونهر مطرد الحديث فقال الصحابة رضي الله عنهم : يا رسول الله نحن المشمرون لها فقال : قولوا : إن شاء الله ولو ذهبنا نذكر ما في السنة من قوله : من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنة تحريضا على عمله لها وأن تكون هي الباعثة على العمل : لطال ذلك جدا وذلك في جميع الأعمال قالوا : فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولا ورسول الله يحرض عليه ويقول : من فعل كذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية و : من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة و : من كسا مسلما على عرى كساه الله من حلل الجنة و : عائد المريض في خرفة الجنة والحديث مملوء من ذلك أفتراه يحرض المؤمنين على مطلب معلول ناقص ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا يحرضهم عليه قالوا : وأيضا فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته ويستعيذوا به من ناره فإنه يحب أن يسأل ومن لم يسأله يغضب عليه وأعظم ما سئل الجنة وأعظم ما استعيذ به من النار فالعمل لطلب الجنة محبوب للرب مرضي له وطلبها عبودية للرب والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها قالوا : وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار ورجاء هذه والهرب من هذه : فترت عزائمه وضعفت همته ووهى باعثه وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها : كان الباعث له أقوى والهمة أشد والسعي أتم وهذا أمر معلوم بالذوق قالوا : ولو لم يكن هذا مطلوبا للشارع لما وصف الجنة للعباد وزينها لهم وعرضها عليهم وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها وما عداه أخبرهم به مجملا كل هذا تشويقا لهم إليها وحثا لهم على السعى لها سعيها قالوا : وقد قال الله عز وجل : " والله يدعو إلى دار السلام " وهذا حث على إجابة هذه الدعوة والمبادرة إليها والمسارعة في الإجابة والتحقيق أن يقال : الجنة ليست اسما لمجرد الأشجار والفواكه والطعام والشراب والحور العين والأنهار والقصور وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل ومن أعظم نعيم الجنة : التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدا فأيسر يسير من رضوانه : أكبر من الجنان وما فيها من ذلك كما قال تعالى : " ورضوان من الله أكبر " [ التوبه : 72 ] وأتى به منكرا في سياق الإثبات أي أي شيء كان من رضاه عن عبده : فهو أكبر من الجنة قليل منك يقنعني ولكن قليلك لا يقال له قليل وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية : فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه وفي حديث آخر : أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا : نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفوا إليه ولا ريب أن الأمر هكذا وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة فإن المرء مع من أحب ولا تخصيص في هذا الحكم بل هو ثابت شاهدا وغائبا فأي نعيم وأي لذة وأي قرة عين وأي فوز يداني نعيم تلك المعية ولذتها وقرة العين بها وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ولا أكمل ولا أجمل قرة عين ألبتة وهذا والله هو العلم الذي شمر إليه المحبون واللواء الذي أمه العارفون وهو روح مسمى الجنة وحياتها وبه طابت الجنة وعليه قامت فكيف يقال : لا يعبد الله طلبا لجنته ولا خوفا من ناره وكذلك النار أعاذنا الله منها فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله وإهانته وغضبه وسخطه والبعد عنه : أعظم من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم بل التهاب هذه النار في قلوبهم : هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم ومنها سرت إليها فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين : هو الجنة ومهربهم : من النار والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل ومقصد القوم : أن العبد يعبد ربه بحق العبودية والعبد إذا طلب من سيده أجرة على خدمته له كان أحمق ساقطا من عين سيده إن لم يستوجب عقوبته إذ عبوديته تقتضي خدمته له وإنما يخدم بالأجرة من لا عبودية للمخدوم عليه إما أن يكون حرا في نفسه أو عبدا لغيره وأما من الخلق عبيده حقا وملكه على الحقيقة ليس فيهم حر ولا عبد لغيره : فخدمتهم له بحق العبودية فاقتضاؤهم للأجرة خروج عن محض العبودية وهذا لا ينكر على الإطلاق ولا يقبل على الإطلاق وهو موضع تفصيل وتمييز وقد تقدم في أول الكتاب : ذكر طرق الخلق في هذا الموضع وبينا طريق أهل الاستقامة فالناس في هذا المقام أربعة أقسام أحدهم : من لا يريد ربه ولا يريد ثوابه فهؤلاء أعداؤه حقا وهم أهل العذاب الدائم وعدم إرادتهم لثوابه : إما لعدم تصديقهم به وإما لإيثار العاجل عليه ولو كان فيه سخطه والقسم الثاني : من يريده ويريد ثوابه وهؤلاء خواص خلقه قال الله تعالى : وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراعظيما [ الأحزاب : 29 ] فهذا خطابه لخير نساء العالمين أزواج نبيه وقال الله تعالى : " ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا " [ الإسراء : 19 ] فأخبر أن السعي المشكور : سعي من أراد الآخرة وأصرح منها : قوله لخواص أوليائه وهم أصحاب نبيه ورضى عنهم في يوم أحد " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة " [ ] فقسمهم إلى هذين القسمين اللذين لا ثالث لهما وقد غلط من قال : فأين من يريد الله فإن إرادة الآخرة عبارة عن إرادة الله تعالى وثوابه فإرادة الثواب لا تنافي إرادة الله والقسم الثالث : من يريد من الله ولا يريد الله فهذا ناقص غاية النقص وهو حال الجاهل بربه الذي سمع : أن ثم جنة ونارا فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنة المخلوق لا يخطر بباله سواه ألبتة بل هذا حال أكثر المتكلمين المنكرين رؤية الله تعالى والتلذذ بالنظر إلى وجهه في الآخرة وسماع كلامه وحبه والمنكرين على من يزعم أنه يحب الله وهم عبيد الأجرة المحضة فهؤلاء لا يريدون الله تعالى وتقدس ومنهم من يصرح بأن إرادة الله محال قالوا : لأن الإرادة إنما تتعلق بالحادث فالقديم لا يراد فهؤلاء منكرون لإرادة الله غاية الإنكار وأعلى الإرادة عندهم : إرادة الأكل والشرب والنكاح واللباس في الجنة وتوابع ذلك فهؤلاء في شق وأولئك الذين قالوا : لم نعبده طلبا لجنته ولا هربا من ناره في شق وهما طرفا نقيض بينهما أعظم من بعد المشرقين وهؤلاء من أكثف الناس حجابا وأغلظهم طباعا وأقساهم قلوبا وأبعدهم عن روح المحبة والتأله ونعيم الأرواح والقلوب وهم يكفرون أصحاب المحبة والشوق إلى الله والتلذذ بحبه والتصديق بلذة النظر إلى وجهه وسماع كلامه منه بلا واسطة وأولئك لا يعدونهم من البشر إلا بالصورة ومرتبتهم عندهم قريبة من مرتبة الجماد والحيوان البهيم وهم عندهم في حجاب كثيف عن معرفة نفوسهم وكمالها ومعرفة معبودهم وسر عبوديته وحال الطائفتين عجب لمن اطلع عليه والقسم الرابع وهو محال : أن يريد الله ولا يريد منه فهذا هو الذي يزعم هؤلاء : أنه مطلوبهم وأن من لم يصل إليه ففي سيره علة وأن العارف ينتهي إلى هذا المقام وهو أن يكون الله مراده ولا يريد منه شيئا كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال : قبل لي : ما تريد فقلت : أريد أن لا أريد وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع : عقلا وفطرة وحسا وشرعا فإن الإرادة من لوازم الحي وإنما يعرض له التجرد عنها بالغيبة عن عقله وحسه كالسكر والإغماء والنوم فنحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي تزاحم إرادتها إرادته أفليس صاحب هذا المقام مريدا لقربه ورضاه ودوام مراقبته والحضور معه وأي إرادة فوق هذه نعم قد زهد في مراد لمراد هو أجل منه وأعلا فلم يخرج عن الإرادة وإنما انتقل من إرادة إلى إرادة ومن مراد إلى مراد وأما خلوه عن صفة الإرادة بالكلية مع حضور عقله وحسه : فمحال وإن حاكمنا في ذلك محاكم إلى ذوق مصطلم مأخوذ عن نفسه فإن عن عوالمها : لم ننكر ذلك لكن هذه حال عارضة غير دائمة ولا هي غاية مطلوبة للسالكين ولا مقدورة للبشر ولا مأمور بها ولا هي أعلا المقامات فيؤمر باكتساب أسبابها فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قوله : ولا مشاهدا لأحد فيكون متزينا بالمراءاة هذا فيه تفصيل أيضا وهو أن المشاهدة في العمل لغير الله نوعان مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه فهذه مراءاة خالصة أو مشوبة كما أن المشاهدة القاطعة عنه أيضا من الآفات والحجب ومشاهدة لا تبعث عليه ولا تعين الباعث بل لا فرق عنده بين وجودها وعدمها فهذه لا تدخله في التزين بالمراءاة ولا سيما عند المصلحة الراجحة في هذه المشاهدة : إما حفظا ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة أو مشاهدة ناظر إليك يريد أن يتعلم منك فتكون محسنا إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص أو قصدا منك للاقتداء وتعريف الجاهل فهذا رياء محمود والله عند نية القلب وقصده فالرياء المذموم : أن يكون الباعث : قصد التعظيم والمدح والرغبة فيما عند من ترائيه أو الرهبة منه وأما ما ذكرنا من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك : فليس في هذه المشاهد رياء بل قد يتصدق العبد رياء مثلا وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر مثال ذلك : رجل مضرور سأل قوما ما هو محتاج إليه فعلم رجل منهم : أنه إن أعطاه سرا حيث لا يراه أحد : لم يقتد به أحد ولم يحصل له سوى تلك العطية وأنه إن أعطاه جهرا : اقتدي به واتبع وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية فجهر له بالعطاء وكان الباعث له على الجهر : إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين فهذه مراءاة محمودة حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أوجور أولئك المعطين قوله : فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة النفس يعني أن الخائف يشتغل بحفظ نفسه من العذاب ففيه عبادة لنفسه إذ هو متوجه إليها وطالب المثوبة متوجه إلى طلب حظ نفسه وذلك شعبة من عبوديتها والمشاهد للناس في عبادته : فيه شعبة من عبودية نفسه إذ هو طالب لتعظيمهم وثنائهم ومدحهم فهذه شعب من شعب عبودية النفس والأصل الذي هذه الشعب فروعه : هي النفس فإذا ماتت بالمجاهدة والإقبال على الله والاشتغال به ودوام المراقبة له : ماتت هذه الشعب فلا جرم أن بناء أمر هذه الطائفة على ترك عبادة النفس وقد علمت أن الخوف وطلب الثواب : ليس من عبادة النفس في شيء نعم التزين بالمراءاة عين عبادة النفس والكلام في أمر أرفع من هذا فإن حال المرائي أخس ونفسه أسقط وهمته أدنى من أن يدخل في شأن الصادقين ويذكر مع الصالحين والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال صاحب المنازل : الدرجة الثانية : إجراء الخبر على ظاهره وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها ولا يتحمل البحث عنها تعسفا ولا يتكلف لها تأويلا ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلا ولا يدعي عليها إدراكا أو توهما يشير الشيخ رحمه الله وقدس روحه بذلك إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان العامة ولا يعني بالعامة الجهال بل عامة الأمة كما قال مالك رحمه الله وقد سئل عن قوله تعالى " الرحمن على العرش استوى " [ طه : 5 ] كيف استوى فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ففرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة وبين الكيف الذي لا يعقله البشر وهذا الجواب من مالك رضي الله عنه شاف عام في جميع مسائل الصفات فمن سأل عن قوله : " إنني معكما أسمع وأرى " [ طه : 46 ] كيف يسمع ويرى أجيب بهذا الجواب بعينه فقيل له : السمع والبصر معلوم والكيف غير معقول وكذلك من سأل عن العلم والحياة والقدرة والإرادة والنزول والغضب والرضى والرحمة والضحك وغير ذلك فمعانيها كلها مفهومة وأما كيفيتها : فغير معقولة إذ تعقل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها فإذا كان ذلك غير معقول للبشر فكيف يعقل لهم كيفية الصفات والعصمة النافعة في هذا الباب : أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل تثبت له الأسماء والصفات وتنفى عنه مشابهة المخلوقات فيكون إثباتك منزها عن التشبيه ونفيك منزها عن التعطيل فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثل ومن قال : استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه وهكذا الكلام في السمع والبصر والحياة والإرادة والقدرة واليد والوجه والرضى والغضب والنزول والضحك وسائر ما وصف الله به نفسه والمنحرفون في هذا الباب قد أشار الشيخ إليهم بقوله : لا يتحمل البحث عنها تعسفا أي لا يتكلف التعسف عن البحث عن كيفياتها و التعسف سلوك غير الطريق يقال : ركب فلان التعاسيف في سيره إذا كان يسير يمينا وشمالا جائرا عن الطريق ولا يتكلف لها تأويلا أراد بالتأويل ههنا : التأويل الاصطلاحي وهو صرف اللفظ عن ظاهره عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح وقد حكى غير واحد من العلماء : إجماع السلف على تركه وممن حكاه البغوى وأبو المعالي الجويني في رسالته النظامية بخلاف ما سلكه في شامله و إرشاده وممن حكاه : سعد بن علي الزنجاني وقبل هؤلاء خلائق من العلماء لا يحصيهم إلا الله ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلا أي لا يمثلها بصفات المخلوقين وفي قوله : لا يتجاوز ظاهرها إشارة لطيفة وهي أن ظواهرها لا تقتضي التمثيل كما تظنه المعطلة النفاة وأن التمثيل تجاوز لظواهرها إلى ما لا تقتضيه كما أن تأويلها تكلف وحمل لها على ما لا تقتضيه فهي لا تقتضي ظواهرها تمثيلا ولا تحتمل تأويلا بل إجراء على ظواهرها بلا تأويل ولا تمثيل فهذه طريقة السالكين بها سواء السبيل وأما قوله : ولا يدعى عليها إدراكا أي لا يدعى عليها استدراكا ولا فهما ولا معنى غير فهم العامة كما يدعيه أرباب الكلام الباطل المذموم بإجماع السلف وقوله : ولا توهما أي لا يعدل عن ظواهرها إلى التوهم و التوهم نوعان : توهم كيفية لا تدل عليه ظواهرها أو توهم معنى غير ما تقتضيه ظواهرها وكلاهما توهم باطل وهما توهم تشبيه وتمثيل أو تحريف وتعطيل وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنة ومقداره في العلم وأنه بريء مما رماه به أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنة بذلك كرمي الرافضة لهم بأنهم نواصب والمعتزلة بأنهم نوابت حشوية وذلك ميراث من أعداء رسول الله في رميه ورمي أصحابه رضي الله عنهم بأنهم صبأة قد ابتدعوا دينا محدثا وميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة وقدس الله روح الشافعي حيث يقول وقد نسب إلى الرفض : إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان : أني رافضي ورضي الله عن شيخنا أبي العباس بن تيمية حيث يقول إن كان نصباحب صحب محمد فليشهد الثقلان : أني ناصبي وعفا الله عن الثالث حيث يقول : فإن كان تجسيما ثبوت صفاته وتنزيهها عن كل تأويل مفترى فإني بحمد الله ربي مجسم هلموا شهودا واملأوا كل محضر فصل قال : الدرجة الثالثة : صيانة الانبساط : أن تشوبه جرأة وصيانة السرور : أن يداخله أمن وصيانة الشهود : أن يعارضه سبب لما كانت هذه الدرجة عنده مختصة بأهل المشاهدة والغالب عليهم الانبساط والسرور فإن صاحبها متعلق باسمه الباسط حذره من شائبة الجرأة وهي ما يخرجه عن أدب العبودية ويدخله في الشطح كشطح من قال سبحاني ونحو ذلك من الشطحات المعروفة المخرجة عن أدب العبودية التي نهاية صاحبها : أن يعذر بزوال عقله وغلبة سكر الحال عليه فلا بد من مقارنة التعظيم والإجلال لبسط المشاهدة وإلا وقع في الجرأة ولا بد فالمراقبة تصونه عن ذلك قوله : وصيانة السرور : أن يداخله أمن يعني أن صاحب الانبساط والمشاهدة يداخله سرور لا يشبهه سرور ألبتة فينبغي له أن لا يأمن في هذا الحال المكر بل يصون سروره وفرحه عن خطفات المكر بخوف العاقبة المطوي عنه علم غيبها ولا يغتر وأما صيانة الشهود : أن يعارضه سبب فيريد أن صاحب الشهود : قد يكون ضعيفا في شهود حقيقة التوحيد فيتوهم أنه قد حصل له ما حصل بسبب الاجتهاد التام والعبادة الخالصة فينسب حصول ما حصل له من الشهود إلى سبب منه وذلك نقص في توحيده ومعرفته لأن الشهود لا يكون إلا موهبة ليس هو كسبيا ولو كان كسبيا فشهود سببه نقص في التوحيد وغيبة عن شهود الحقيقة ويحتمل أن يريد بالسبب المعارض للشهود : ورود خاطر على الشاهد يكدر عليه صفو شهوده فيصونه عن ورود سبب يعارضه : إما معارض إرادة أو معارض شبهة وقد يعم كلامه الأمرين والله سبحانه أعلم فصلومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإخلاص قال الله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [ البينة : 5 ] وقال : وقال إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص وقال : قل الله لنبيه أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه [ الزمر : 23 ] وقال : له " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " [ الأنعام : 16216 وقال : " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " [ عملا : الملك : 2 ] قال الفضيل بن عياض : هو أخلصه وأصوبه قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا : لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص : أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ قوله تعالى : " فمن كان يرجو لقاء ربه " " فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : " ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن " [ النساء : 125 ] فإسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله والإحسان فيه : متابعة رسوله وسنته وقال تعالى : وقدمنا إلى ما عملوا من علم فجعلناه هباء منثورا [ الفرقان : 23 ] وهي الأعمال التي كانت على غير السنة أو أريد بها غير وجه الله قال النبي لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله تعالى : إلا ازددت به خيرا ودرجة ورفعة وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم أي لا يبقى فيه غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه وتخرجه عنه فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل وكذلك يغل على الغش وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه : بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة و سئل رسول الله عن الرجل : يقاتل رياء ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية : أي ذلك في سبيل الله فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وأخبر عن أول ثلاثة تسعر بهم النار : قارىء القرآن والمجاهد والمتصدق بماله الذين فعلوا ذلك ليقال : فلان قارىء فلان شجاع فلان متصدق ولم تكن أعمالهم خالصة لله وفي الحديث الصحيح الإلهى يقول الله تعالى : أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء وفي أثر آخر : يقول له يوم القيامة : اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا أجر لك عندنا وفي الصحيح عنه إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وقال تعالى : " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " [ الحج : 37 ] وفي أثر مروري إلهي : الإخلاص : سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي وقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص و الصدق والقصد واحد فقيل : هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة وقيل : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وقيل : التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك و الصدق التنقي من مطالعة النفس فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص ولا يتمان إلا بالصبر وقيل : من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص فنقصان كل مخلص في إخلاصه : بقدر رؤية إخلاصه فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلصا مخلصا وقيل : الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن والرياء : أن يكون ظاهره خيرا من باطنه والصدق في الإخلاص : أن يكون باطنه أعمر من ظاهره وقيل : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله ومن كلام الفضيل ترك العمل من أجل الناس : رياء والعمل من أجل الناس : شرك والإخلاص : أن يعافيك الله منهما قال الجنيد : الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله وقيل لسهل : أي شيء أشد على النفس فقال : الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب وقال بعضهم : الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدا غير الله ولا مجازيا سواه وقال مكحول : ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وقال يوسف بن الحسين : أعز شيء في الدنيا : الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر وقال أبو سليمان الداراني : إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء فصل قال صاحب المنازل الإخلاص : تصفية العمل من كل شوب أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس : إما طلب التزين في قلوب الخلق وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم أو طلب تعظيمهم أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه أو طلب محبتهم له أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عقد متفرقاتها : هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنا ما كان قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : إخراج رؤية العمل عن العمل والخلاص من طلب العوض على العمل والنزول عن الرضى بالعمل يعرض للعامل في عمله ثلاث آفات : رؤيته وملاحظته وطلب العوض عليه ورضاه به وسكونه إليه ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه البلية فالذي يخلصه من رؤية عمله : مشاهدته لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه له وأنه بالله لا بنفسه وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو كما قال تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [ التكوير : 29 ] فهننا ينفعه شهود الجبر وأنه آلة محضة وأن فعله كحركات الأشجار وهبوب الرياح وأن المحرك له غيره والفاعل فيه سواه وأنه ميت والميت لا يفعل شيئا وأنه لو خلي ونفسه لم يكن من فعله الصالح شيء ألبتة فإن النفس جاهلة ظالمة طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة وهي منبع كل شر ومأوى كل سوء وما كان هكذا لم يصدر منه خير ولا هو من شأنه فالخير الذي صدر منها : إنما هو من الله وبه لا من العبد ولا به كما قال تعالى : " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء " [ النور : 21 ] وقال أهل الجنة " الحمد لله الذي هدانا لهذا " [ الأعراف : 43 ] وقال تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " [ الإسراء : 74 ] وقال تعالى : " ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم " الآية فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته وإحسانه ونعمته وهو المحمود عليه فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخلقية : من سمعه وبصره وإدراكه وقوته بل من صحته وسلامة أعضائه ونحو ذلك فالكل مجرد عطاء الله ونعمته وفضله فالذي يخلص العبد من هذه الآفة : معرفة ربه ومعرفة نفسه والذي يخلصه من طلب العوض على العمل : علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه وإحسان إليه وإنعام عليه لا معاوضة إذ الأجرة إنما يستحقها الحر أو عبد الغير فأما عبد نفسه فلا والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه : أمران : أحدهما : مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان فقل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل وللنفس فيه حظ سئل النبي عن التفات الرجل في صلاته فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد فإذا كان هذا التفات طرفه أو لحظه فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية وقال ابن مسعود لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته يرى أن حقا عليه : أن لا ينصرف إلا عن يمينه فجعل هذا القدر اليسير النزر حظا ونصيبا للشيطان من صلاة العبد فما الظن بما فوقه وأما حظ النفس من العمل : فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون الثاني : علمه بما يستحقه الرب جل جلاله : من حقوق العبودية وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقا وأن يرضى بها لربه فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه ولا يرضى نفسه لله طرفة عين ويستحيي من مقابلة الله بعمله فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله : يحول بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه وكان بعض السلف يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة ثم يقبض على لحيته ويهزها ويقول لنفسه : يا مأوى كل سوء وهل رضيتك لله طرفة عين وقال بعضهم : آفة العبد رضاه عن نفسه ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور فصل قال صاحب المنازل : الدرجة الثانية : الخجل من العمل مع بذل المجهود وتوفير الجهد بالاحتماء من الشهود ورؤية العمل في نور التوفيق من عين الجود هذه ثلاثة أمور خجلة من عمله وهو شدة حيائه من الله إذ لم ير ذلك العمل صالحا له مع بذل مجهوده فيه قال تعالى : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة : أنهم إلى ربهم راجعون [ المؤمنون : 60 ] قال النبي : هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه وقال بعضهم : إني لأصلي ركعتين فأقوم عنهما بمنزلة السارق أو الزاني الذي يراه الناس حياء من الله عز وجل فالمؤمن : جمع إحسانا في مخافة وسوء ظن بنفسه والمغرور : حسن الظن بنفسه مع إساءته الثاني : توفير الجهد باحتمائه من الشهود أي يأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل محتميا عن شهوده منك وبك الثالث : أن تحتمي بنور التوفيق الذي ينور الله به بصيرة العبد فترى في ضوء ذلك النور : أن عملك من عين جوده لا بك ولا منك فقد اشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء : عمل واجتهاد فيه وخجل وحياء من الله عز وجلوصيانة عن شهوده منك ورؤيته من عين جود الله سبحانه ومنه قال : الدرجة الثالثة : إخلاص العمل بالخلاص من العمل تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم حرا من رق الرسم قد فسر الشيخ مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله : تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم ومعنى كلامه : أنك تجعل عملك تابعا للعلم موافقا له مؤتما به تسير بسيره وتقف بوقوفه وتتحرك بحركته نازلا منازله مرتويا من موارده ناظرا إلى الحكم الديني الأمري متقيدا به فعلا وتركا وطلبا وهربا ناظرا إلى ترتب الثواب الثواب والعقاب عليه سببا وكسبا ومع ذلك فتسير أنت بقلبك مشاهدا للحكم الكوني القضائي الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات والحركات والسكنات ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرد الرب وحده بالأفعال ومصدرها عن إرادته ومشيئته فيكون قائما بالأمر والنهي : فعلا وتركا سائرا بسيره وبالقضاء والقدر : إيمانا وشهودا وحقيقة فهو ناظر إلى الحقيقة قائم بالشريعة وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين " لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " [ التكوير : 2829 ] وقال تعالى : إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماحكيما [ الإنسان : 2930 ] فترك العمل يسير سير العلم : مشهد لمن شاء منكم أن يستقيم وسير صاحبه مشاهدا للحكم : مشهد وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وأما قوله : حرا من رق الرسم فالحرية التي يشيرون إليها : هي عدم الدخول تحت عبودية الخلق والنفس والدخول تحت رق عبودية الحق وحده ومرادهم بالرسم : ما سوى الله فكله رسوم فإن الرسوم هي الآثار ورسوم المنازل والديار : هي الآثار التي تبقى بعد سكانها والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة ورسوم وآثار للقدرة أي فتخلص نفسك من عبودية كل ما سوى الله وتكون بقلبك مع القادر الحق وحده لا مع آثار قدرته التي هي رسوم فلا تشتغل بغيره لتشغلها بعبوديته ولا تطلب بعبوديتك له حالا ولا مقاما ولا مكاشفة ولا شيئا سواه فهذه أربعة أمور : بذل الجهد وتحكيم العلم والنظر إلى الحقيقة والتخلص من الالتفات إلى غيره والله الموفق والمعين فصل الإخلاص عدم انقسام المطلوب و الصدق عدم انقسام الطلب فحقيقة الإخلاص : توحيد المطلوب وحقيقة الصدق : توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة فهذه الأركان الثلاثة : هي أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع وإن ظن أنه سائر فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده وإما سير المقعد والمقيد وإما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى خلف فإن عدم الإخلاص والمتابعة : انعكس سيره إلى خلف وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه : سار سير المقيد وإن اجتمعت له الثلاثة : فذلك الذي لا يجاري في مضمار سيره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل2 ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التهذيب والتصفية وهو سبك العبودية في كير الامتحان طلبا لإخراج ما فيها من الخبث والغش قال صاحب المنازل : التهذيب : محنة أرباب البدايات وهو شريعة من شرائع الرياضة يريد : أنه صعب على المبتدي فهو له كالمحنة وطريقة للمرتاض الذي قد مرن نفسه حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه قال : وهو على ثلاث درجات الأولى : تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة ولا يشوبها عادة ولا يقف عندها همة أي : تخليص العبودية وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة وهي : مخالجة الجهالة وشوب العادة ووقوف همة الطالب عندها النوع الأول : مخالطة الجهال فإن الجهالة متى خالطت العبودية أوردها العبد غير موردها ووضعها في غير موضعها وفعلها في غير مستحقها وفعل أفعالا يعتقد أنها صلاح وهي إفساد لخدمته وعبوديته بأن يتحرك في موضع السكون أو يسكن فى موضع التحرك أو يفرق في موضع جمع أو يجمع في موضع فرق أو يطير في موضع سفوف أو يسف في موضع طيران أو يقدم في موضع إحجام أو يحجم في موضع إقدام أو يتقدم في موضع وقوف أو يقف في موضع تقدم ونحو ذلك من الحركات التي هي في حق الخدمة : كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس فالخدمة ما لم يصحبها علم ثان بآدابها وحقوقها غير العلم بها نفسها كانت في مظنة أن تبعد صاحبها وإن كان مراده بها التقرب ولا يلزم حبوط ثوابها وأجرها فهي إن لم تبعده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلا بمعرفة خاصة بالله وأمره ومحبة تامة له ومعرفة بالنفس وما منها النوع الثاني : شوب العادة وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس تكون منفذة لها معينة عليها وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة كمن اعتاد الصوم مثلا وتمرن عليه فألفته النفس وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية وإنما هو تقاضي العادة وعلامة هذا : أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك وأيسر منه وأتم مصلحة : لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته كما حكى عن بعض الصالحين من الصوفية قال : حججت كذا وكذا حجة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي وذلك : أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء فثقل ذلك على نفسي فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كان بحظ نفسي وإرادتها إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع النوع الثالث : وقوف همته عند الخدمة وذلك علامة ضعفها وقصورها فإن العبد المحض لا تقف همته عند خدمة بل همته أعلى من ذلك إذ هي طالبة لرضى مخدومه فهو دائما مستصغر خدمته له ليس واقفا عندها والقناعة تحمد من صاحبها إلا في هذا الموضع فإنها عين الحرمان فالمحب لا يقنع بشيء دون محبوبه فوقوف همة العبد مع خدمته وأجرتها : سقوط فيها وحرمان قال : الدرجة الثانية : تهذيب الحال وهو أن لا يجنح الحال إلى علم ولا يخضع لرسم ولا يلتفت إلى حظ أما جنوح الحال إلى العلم فهو نوعان : ممدوح ومذموم فالممدوح : التفاته إليه وإصغاؤه إلى ما يأمر به وتحكيمه عليه فمتى لم يجنح إليه هذا الجنوح كان حالا مذموما ناقصا مبعدا عن الله فإن كل حال لا يصحبه علم : يخاف عليه أن يكون من خدع الشيطان وهذا القدر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم وعلى أهل الثغور ثغورهم وشردهم عن الله كل مشرد وطردهم عنه كل مطرد حيث لم يحكموا عليه العلم وأعرضوا عنه صفحا حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام وهم الذين قال فيهم سيد الطائفة الجنيد بن محمد لما قيل له : أهل المعرفة يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد : إن هذا كلام قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح وهو عندي عظيمة الذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها وقال : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث : لا يقتدي به في طريقنا هذا لأن طريقنا وعلمنا مقيد بالكتاب والسنة وقال : علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله والبلية التي عرضت لهؤلاء : أن أحكام العلم تتعلق بالعلم وتدعو إليه وأحكام الحال تتعلق بالكشف وصاحب الحال ترد عليه أمور ليست في طور العلم فإن أقام عليها ميزان العلم ومعياره تعارض عنده العلم والحال فلم يجد بدا من الحكم على أحدهما بالإبطال فمن حصلت له أحوال الكشف ثم جنح إلى أحكام العلم فقد رجع القهقرى وتأخر في سيره إلى وراء فتأمل هذا الوارد وهذه الشبهة التي هي سم ناقع : تخرج صاحبها من المعرفة والدين كإخراج الشعرة من العجين واعلم أن المعرفة الصحيحة : هي روح العلم والحال الصحيح : هو روح العمل المستقيم فكل حال لا يكون نتيجة العمل المستقيم مطابقا للعلم : فهو بمنزلة الروح الخبيثة الفاجرة ولا ينكر أن يكون لهذه الروح أحوال لكن الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها فمتى عارض الحال حكم من أحكام العلم فذلك الحال إما فاسد وإما ناقص ولا يكون مستقيما أبدا فالعلم الصحيح والعمل المستقيم : هما ميزان المعرفة الصحيحة والحال الصحيح وهما كالبدنين لروحيهما فأحسن ما يحمل عليه قوله : أن لا يجنح الحال إلى العلم أن العلم يدعو إلى التفرقة دائما والحال يدعو إلى الجمعية والقلب بين هذين الداعيين فهو يجيب هذا مرة وهذا مرة فتهذيب الحال وتصفيته : أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم ولا يلزم من هذا إعراضه عن العلم وعدم تحكيمه والتسليم له بل هو متعبد بالعلم محكم له مستسلم له غير مجيب لداعيه من التفرقة بل هو مجيب لداعي الحال والجمعية آخذ من العلم ما يصحح له حاله وجمعيته غير مستغرق فيه استغراق من هو مطرح همته وغاية مقصده لا مطلوب له سواه ولا مراد له إلا إياه فالعلم عنده آلة ووسيلة وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه فهو كالدليل بين يديه يدعوه إلى الطريق ويدله عليها فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره وباعث همته على الخروج من أوطانه ومرباه ومن بين أصحابه وخلطائه الحامل له على الاغتراب والتفرد في طريق الطلب : هو المسير له والمحرك والباعث فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزئيات أحوال الدليل وما هو خارج عن دلالته على طريقه فهذا مقصد شيخ الإسلام إن شاء الله تعالى لا الوجه الأول والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما قوله : ولا يخضع لرسم أي لا يستولي على قلبه شيء من الكائنات بحيث يخضع له قلبه فإن صاحب الحال : إنما يطلب الحي القيوم فلا ينبغي له أن يقف عند المعاهد والرسوم وأما قوله : ولا يلتفت إلى حظ أي إذا حصل له الحال التام : لم يشتغل بفرحه به وحظه منه واستلذاذه فإن ذلك حظ من حظوظ النفس وبقية من بقاياها فصل قال صاحب المنازل : الدرجة الثالثة : تهذيب القصد وهو تصفيته من ذل الإكراه وتحفظه من مرض الفتور ونصرته على منازعات العلم هذه أيضا ثلاثة أشياء تهذب قصده تصفيه أحدها : تصفيته من ذل الإكراه أي لا يسوق نفسه إلى الله كرها كالأجير المسخر المكلف بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعا ومحبة وإيثارا كجريان الماء في منحدره وهذه حال المحبين الصادقين فإن عبادتهم طوعا ومحبة ورضى ففيها قرة عيونهم وسرور قلوبهم ولذة أرواحهم كما قال النبي : وجعلت قرة عيني في الصلاة وكان يقول : يا بلال أرحنا بالصلاة فقرة عين المحب ولذته ونعيم روحه : في طاعة محبوبه بخلاف المطيع كرها المتحمل للخدمة ثقلا وفي قوله : ذل الإكراه لطيفة وهي أن المطيع كرها يرى أنه لولا ذل قهره وعقوبة سيده له لما أطاعه فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي قد أذله مكرهه وقاهره بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتا ونعيما ولذة وسرورا فهذا ليس الحامل له ذل الإكراه والثاني : تحفظه من مرض الفتور أي توقيه من مرض فتور قصده وخمود نار طلبه فإن العزم هو روح القصد ونشاطه كالصحة له وفتوره مرض من أمراضه فتهذيب قصده وتصفيته بحميته من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره وإنما يتحفظ منه بالحمية من أسبابه وهو أن يلهو عن الفضول من كل شيء ويحرص على ترك ما لا يعنيه ولا يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله ولا يصحب إلا من يعينه على ذلك فإن بلي بمن لا يعينه فليدرأه عنه ما استطاع ويدفعه دفع الصائل الثالث : نصرة قصده على منازعات العلم ومعنى ذلك : نصرة خاطر العبودية المحضة والجمعية فيها والإقبال على الله فيها بكلية القلب على جواذب العلم والفكرة في دقائقه وتفاريع مسائله وفضلاته أو أن العلم يطلب من العبد العمل للرغبة والرهبة والثواب وخوف العقاب فتهذيب القصد : تصفيته من ملاحظة ذلك وتجريده : أن يكون قصده وعبوديته محبة لله بلا علة وأن لا يحب الله لما يعطيه ويحميه منه فتكون محبته لله محبة الوسائل ومحبته بالقصد الأول : لما يناله من الثواب المخلوق فهو المحبوب له بالذات بحيث إذا حصل له محبوبه تسلى به عن محبة من أعطاه إياه فإن من أحبك لأمر والاك عند حصوله وملك عند انقضائه والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لغرض من الأغراض فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض وإنما مراده : أن محبته تدوم لا تنقضي أبدا وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه وهذا القدر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله وتكلموا فيه وشمروا إليه فمنهم من أحسن التعبير عنه ومنهم من أساء العبارة وقصده وصدقه يصلح فساد عبارته ومن الناس : من لم يفهم هذا كما ينبغي فلم يجد له ملجأ غير الإنكار والله يغفر لكل من قصده الحق واتباع مرضاته فإنه واسع المغفرة فصلومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الاستقامة قال الله تعالى : إن الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة : أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [ فصعلت : 30 ] وقال : إن الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم " ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون " [ الأحقاف : 1314 ] وقال لرسوله : " فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير " [ هود : 112 ] فبين أن الاستقامة ضد الطغيان وهو مجاوزة الحدود فى كل شىء وقال تعالى : قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه [ فصعلت : 6 ] وقال تعالى : " وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه " [ الجن : 16 ] سئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال : أن لا تشرك بالله شيئا يريد الاستقامة على محض التوحيد وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : استقاموا : أخلصوا العمل لله وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما : استقاموا أدوا الفرائض وقال الحسن : استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته وقال مجاهد : استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبدالله رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك قال : قل آمنت بالله ثم استقم وفيه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي قال : استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن والمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد فإن لم يقدر عليها فالمقاربة فإن نزل عنها : فالتفريط والإضاعة كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال : سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال وأخبر في حديث ثوبان : أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه ومع هذا فأخبرهم : أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة فلا يركن أحد إلى عمله ولا يعجب به ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات فالاستقامة فيها : وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله قال بعض ال

Hosted by: http://www.WDELSHAIKH.com  

copyright© 2005 for all muslims
   http://www.deen.wdelshaikh.com

احياء علوم الدين