كتاب القضاء

وهو فرض كفاية، يلزم الإمام نصب من يكتفي به في القضاء ويجب على من يصلح له إذا طلب منه ولم يوجد غيره الإجابة إليه، وإن وجد غيره فالأفضل تركه ومن شرطه أن يكون رجلاً حراً مسلماً سميعاً بصيراً متكلماً عدلاً عالماً، ولا يجوز له أن يقبل رشوة.

ولا هدية ممن لم يكن يهديه إليه، ولا الحكم قبل معرفة الحق، فإن أشكل عليه شاور فيه أهل العلم والأمانة، ولا يحكم وهو غضبان.

ولا في حال يمنع استيفاء الرأي، ولا يتخذ في مجلس الحكم بواباً، ويجب العدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب.

باب صفة الحكم

إذا جلس إليه الخصمان فادعى أحدهما على الآخر لم تسمع الدعوى إلا محررة تحريراً يعلم به المدعى عليه، فإن كان ديناً ذكر قدره وجنسه، وإن كان عقاراً ذكر موضعه وحده، وإن كان عيناً حاضرة عينها، وإن كانت غائبة ذكر جنسها وقيمتها، ثم يقول لخصمه: ما تقول ؟ فإن أقر حكم للمدعي، وإن أنكر لم يخل من ثلاثة أقسام:

أحدها: أن تكون في يد أحدهما، فيقول للمدعي: ألك بينة ؟ فإن قال: نعم وأقامها حكم له بها، وإن لم تكن له بينة قال: فلك يمينه، فإن طلبها استحلفه وبرىء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه.

وإن نكل عن اليمين وردها على المدعي استحلفه وحكم له، وإن نكل أيضاً صرفهما.

وإن لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي، فإن أقر صاحب اليد لغيره صار المقر له الخصم فيها وقام مقام صاحب اليد فيما ذكرنا.

الثاني: أن تكون في يديهما، فإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها، وإن لم يكن لواحد منهما بينة.

أو لهما بينتان قسمت بينهما وحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به، وإن ادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها ولا بينة قسمت بينهما، واليمين على مدعي النصف، وإن كانت لهما بينتان حكم بها لمدعي الكل.

الثالث: أن تكون في يد غيرهما، وإن أقر بها لأحدهما أو لغيرهما صار المقر له كصاحب اليد، وإن أقر لهما صارت كالتي في يديهما، وإن قال لا أعرف صاحبها منهما ولأحدهما بينة فهي له، وإن لم يكن لهما بينة، أو لكل واحد منهما بينة استهما على اليمين، فمن خرج سهمه حلف وأخذها.

باب في تعارض الدعاوى

إذا تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه. وإن تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل فهي له، وإن تنازعا أرضاً فيها شجر أو بناء أو زرع لأحدهما فهي له، وإن تنازع صانعان في قماش دكان فآلة كل صناعة لصاحبها. وإن تنازع الزوجان في قماش البيت فللزوج ما يصلح للرجال وللمرأة ما يصلح للنساء، وما يصلح لهما بينهما.

وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببنائهما أو محلولاً منهما فهو بينهما، وإن كان معقوداً ببناء أحدهما وحده فهو له، وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما، أو تنازع صاحب الأرض والنهر في الحائط الذي بينهما أو تنازعا قميصاً أحدهما آخذ بكمه وباقيه مع الآخر فهو بينهما.

وإن تنازع مسلم وكافر في ميت يزعم كل واحد منهما أنه مات على دينه فإن عرف أصل دينه حمل عليه، وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للمسلم، وإن كانت لهما بينتان فكذلك، وإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها، وإن ادعى كل واحد من الشريكين في العبد أن شريكه أعتق نصيبه وهما موسران عتق كله ولا ولاء لهما عليه، وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً عتق نصيب الموسر وحده.

وإن كانا معسرين لم يعتق منه شئ وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذ ولم يسر إلى باقيه ولا ولاء عليه. وإن ادعى كل واحد من الموسرين أنه أعتقه تحالفا وكان ولاؤه بينهما. وإن قال رجل لعبده: إن برئت من مرضي هذا فأنت حر وإن قتلت فأنت حر فادعى العبد برءه أو قتله وأنكرت الورثة فالقول قولهم، وإن أقام كل واحد منهم بينة بقوله عتق العبد لأن بينته تشهد بزيادة.

ولو مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة لا مال له سواهما فأقر الابنان أنه أعتق أحدهما في مرض موته عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كله، وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا، وقال الآخر: بل هذا، عتق ثلث كل واحد منهما وكان لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر، وإن قال الثاني: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما وقامت القرعة مقام تعيينه.

باب حكم كتاب القاضي

يجوز الحكم على الغائب إذا كانت للمدعي بينة، ومتى حكم على غائب ثم كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب لزم قبوله وأخذ المحكوم عليه به.

ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين يقولان قرأه علينا، أو قرىء عليه بحضرتنا فقال: أشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، فإن مات المكتوب إليه أو عزل فوصل إلى غيره عمل به، وإن مات الكاتب أوعزل بعد حكمه جاز قبول كتابه.

ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا الحدود والقصاص.

باب القسمة

وهي نوعان: قسمة إجبار، وهي ما يمكن قسمته من غير ضرر ولا رد عوض، إذا طلب أحد الشريكين قسمه فأبى الآخر أجبره الحاكم عليه إذا ثبت عنده ملكهما ببينة فإن أقر به لم يجبر الممتنع عليه، وإن طلباها في هذه الحال قسمت بينهما وأثبت في القضية أن قسمه كان عن إقرار لا عن بينة.

 

والثاني: قسمة التراضي، وهي قسمة ما فيه ضرر بأن لا ينتفع أحدهما بنصيبه فيما هو له أو لا يمكن تعديله إلا برد عوض من أحدهما فلا إجبار فيها.

 

والقسمة إقرار حق لا يستحق بها شفعة ولا يثبت فيها خيار، وتجوز في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً وفي الثمار خرصاً، وتجوز قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض، فإن كان بعضه طلقاً وبعضه وقفاً وفيها عوض من صاحب الطلق لم يجز، وإن كان من رب الوقف جاز.

وإذا عدلت الأجزاء أقرع عليها فمن خرج سهمه على شئ صار له ولزم بذلك، ويجب أن يكون قاسم الحاكم عدلاً وكذلك كاتبه.

كتاب الشهادات

تحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية، إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين لزمهما القيام بها على القريب والبعيد إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين &سورة النساء: الآية 135 &.

 

والمشهود عليه أربعة أقسام:

 

أحدهها: الزنى وما يوجب حده فلا يثبت إلا بأربعة رجال أحرار عدول.

الثاني: المال وما يقصد به المال فيثبت بشاهدين أو رجل وامرأتين وبرجل مع يمين الطالب.

 

الثالث: ما عدا هذين مما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والعتق والولاية والعزل والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك - فلا يقبل إلا رجلان.

 

الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال، كالولادة والحيض والعذرة والعيوب تحت الثياب فيثبت بشهادة امرأة عدل، لأن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما فذكزت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف وقد زعمت ذلك، وتقبل شهادة العبد في كل شئ إلا الحدود والقصاص، وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة النساء للخبر. وشهادة الفاعل على فعله كالمرضعة على الرضاع والقاسم على القسمة، وشهادة الأخ لأخيه.

والصديق لصديقه، وشهادة الأصم على المرئيات، وشهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، وشهادة المستخفي.

ومن سمع إنساناً يقر بحق وإن لم يقل للشاهد أشهد وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه جاز أن يشهد به كالشهادة على النسب والولادة.

ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص، وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته.

باب من ترد شهادته

لا تقبل شهادة صبي ولا زائل العقل ولا أخرس ولا كافر ولا فاسق ولا مجهول الحال.

ولا جاز إلى نفسه نفعاً، ولا دافع عنها شراً، ولا شهادة والد وإن علا لولده، ولا ولد لوالده، ولا سيد لعبده ولا مكاتبه، ولا شهادتهما له.

ولا أحد الزوجين لصاحبه، ولا شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، ولا الوكيل فيما هو وكيل فيه، ولا الشريك فيما هو شريك فيه، ولا العدو على عدوه، ولا معروف بكثرة الغلط والغفلة.

ولا من لا مروءة له كالمسخرة وكاشف عورته للناظرين في حمام أو غيره. ومن شهد بشهادة يتهم في بعضها ردت كلها، ولا يسمع في الجرح والتعديل ونحوها إلا شهادة اثنين.

وإذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح، وإن شهد شاهد بألف وآخر بألفين قضى له بألف وحلف مع شاهده على الألف الآخر إن أحب. وإن قال أحدهما: ألف من قرض، وقال الآخر: من ثمن مبيع لم تكمل الشهادة.

وإذا شهد أربعة بالزنى أو شهد اثنان على فعل سواه واختلفوا في المكان أو الزمان أو الصفة لم تكمل شهادتهم.

باب الشهادة على الشهادة والرجوع عنها

تجوز الشهادة على الشهادة فيما يجوز فيه كتاب القاضي.

إذا تعذرت شهادة الأصل بموت، أو غيبة، أو مرض ونحوه بشرط أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول أشهد على شهادتي أني فلاناً أقر عندي أو أشهدني بكذا، ويعتبر معرفة العدالة في شهود الأصل والفرع.

ومتى لم يحكم بشهادة الفرع حتى حضر شهود الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهم، وإن حدث من بعضهم ما يمنع قبول الشهادة لم يحكم بها.

فصل: ومتى غير العدل شهادته

ومتى غير العدل شهادته فزاد فيها أو نقص قبل الحكم قبلت، وإن حدث منه ما يمنع قبولها بعد أدائها ردت، وإن حدث ذلك بعد الحكم بها لم يؤثر.

وإن رجع الشهود بعد الحكم بشهادتهم لم ينقض الحكم ولم يمنع الاستيفاء إلا في الحدود والقصاص، وعليهم غرامة ما فات بشهادتهم بمثله إن كان مثلياً، وقيمته إن لم يكن مثلياً، ويكون ذلك بينهم على عددهم، فإن رجع أحدهم فعليه حصته، وإن كان المشهود به قتلاً أو جرحاً فقالوا: تعمدنا فعليهم القصاص، وإن قالوا: أخطأنا غرموا الدية وأرش الجرح.

باب اليمين في الدعاوى

اليمين المشروعة في الحقوق هي اليمين بالله تعالى سواء كان الحالف مسلماً أو كافراً.

ويجوز القضاء في الأموال وأسبابها بشاهد ويمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين، والأيمان كلها على البت إلا اليمين على نفي فعل غيره فإنها على نفي العلم، وإذا كان للميت أو المفلس حق بشاهد فحلف المفلس أو ورثة الميت ثبت.

وإن لم يحلف فبذل الغرماء اليمين لم يستحلفوا، وإذا كانت الدعوى لجماعة فعليه لكل واحد يمين، وإن قال: أنا أحلف يميناً واحدة لجميعهم لم يقبل منه إلا أن يرضوا، وإن ادعى واحد حقوقاً على واحد فعليه في كل حق يمين، وتشرع اليمين في كل حق لآدمي، ولا تشرع في حقوق الله من الحدود والعبادات.

باب الإقرار

وإذا أقر المكلف الحر الرشيد الصحيح المختار بحق أخذ به.

ومن أقر بدراهم ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ثم قال: زيوفاً أو صغاراً أو مؤجلة لزمته جياداً وافية حالة، وإن وصفها بذلك متصلاً بإقراره لزمته كذلك، وإن استثنى مما أقر به أقل من نصفه متصلاً به صح استثناؤه، وإن فصل بينها بسكوت يمكنه الكلام أو بكلام أجنبي أو استثنى أكثر من نصفه أو من غير جنسه لزمه كله.

ومن قال: له علي دراهم ثم قال: وديعة لم يقبل قوله، ومن أقر بدراهم فأقل ما يلزمه ثلاثة إلا أن يصدقه المقر له في أقل منها. ومن أقر بشئ مجمل قبل تفسيره بما يحتمله.

فصل: ولا يقبل إقرار غير المكلف بشئ

ولا يقبل إقرار غير المكلف بشئ، إلا المأذون له من الصبيان في التصرف في قدر ما أذن له وإن أقر السفيه بحد أو قصاص أو طلاق أخذ به، وإن أقر بمال لم يقبل إقراره، وكذلك الحكم في إقرار العبد إلا أن يتعلق بذمته يتبع به بعد العتق إلا أن يكون مأذوناً له في التجارة فيصح إقراره في قدر ما أذن له فيه.

ويصح إقرار المريض بالدين لأجنبي، ولا يصح إقراره في مرض الموت لوارث إلا بتصديق سائر الورثة، ولو أقر لوارث فصار غير وارث لم يصح، وإن أقر له وهو غير وارث ثم صار وارثاً صح إقراره.

ويصح إقراره بوارث، وإذا كان على الميت دين لم يلزم الورثة وفاؤه إلا إن خلف تركة فيتعلق دينه بها، فإن أحب الورثة وفاء الدين وأخذ التركة فلهم ذلك، وإن أقر جميع الورثة بدين على مورثهم ثبت بإقرارهم، وإن أقر به بعضهم ثبت بقدر حقه، فلو خلف ابنين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة دينار على أبيه لزمه خمسون درهماً، فإن كان عدلاً وشهد بها فللغريم أن يحلف مع شهادته ويأخذ باقيها من أخيه.

وإن خلف ابناً ومائة فادعى رجل مائة على أبيه فصدقه ثم ادعى آخر مثل ذلك فصدقه الابن فإن كانا في مجلس واحد فالمائة بينهما، وإن كانا في مجلسين فهو للأول ولا شئ للثاني، وإن كان الأول ادعاها فصدقه الابن ثم ادعاها آخر فصدقه الابن فهي للأول ولا شئ للثاني ويغرمها لأنه فوتها عليه بإقراره.

 

Hosted by: http://www.WDELSHAIKH.com  

copyright© 2005 for all muslims
   http://www.deen.wdelshaikh.com

احياء علوم الدين