كتاب الإجارة

وهي عقد على المنافع لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها، ولا تنفسخ بموته ولا جنونه، وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها، وللمستأجر فسخها بالعيب قديما كان أو حادثاً، ولا تصح إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين، أو بناء حائط، أو حمل شئ إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته. وإن وقعت على عين فلا بد من معرفتها. ومن استأجر شيئاً فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه، وإن استأجر أرضاً لزرع فله زرع ما هو أقل منه ضرراً، فإن زرع ما هو أكثر منه ضرراً أو يخالف ضرره ضرره فعليه أجرة المثل. وإن اكترى إلى موضع فجاوزه أو لحمل شئ فزاد عليه فعليه أجرة المثل للزائد.

وضمان العين إن تلفت، وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه، ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط ولا على حجام أو ختان أو طبيب إذا عرف منه حذق في الصنعة ولم تجن أيديهم. ولا على الراعي: إذا لم يتعد، ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف حرزه.

باب الغصب

وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق

من غصب شيئاً فعليه رده وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده، وإن نقص فعليه أرش نقصه، وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه، سواء جنى على سيده أو أجنبي، وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما، وإن زاد المغصوب رده بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة وإن زاد أو نقص رده بزيادته وضمن نقصه، سواء زاد بفعله أو بغير فعله، فلو نجر الخشبة باباً أو عمل الحديد إبراً ردهما بزيادتهما وضمن نقصهما إن نقصا، ولو غصب قطناً فغزله أو غزلاً فنسجه أو ثوبا فقصره أو فصله وخاطه، أو حباً فصار زرعاً أو نوى فصار شجراً أو بيضاً فصار فراخاً فكذلك، وإن غصب عبداً فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة، وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً، وقيمته إن لم يكن كذلك، ثم إن قدر على رده رده ويأخذ القيمة، وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله منه.

وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء. وإن غصب أرضاً فغرسها أخذ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها، وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها، وإن أدرك مالكها الزرع قبل حصاده خير بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته. وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وردها ورد ولدها ومهر مثلها، وأرش نقصها وأجرة مثلها.

وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها وقيمة ولدها إن أولدها وأجرة مثلها ويرجع بذلك كله على الغاصب.

باب الشفعة

وهو استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها. ولا تجب إلا بشروط سبعة:

أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق.

 

الثاني: أن يكون عقاراً أو ما يتصل به من البناء والغراس.

 

الثالث: أن يكون شقصاً مشاعاً، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه لقول جابر: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.

الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه.

 

الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه سقطت شفعته، ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما، فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلا أخذ الكل أو الترك.

 

السادس: إمكان أداء الثمن، فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته وإذا كان الثمن مثلياً فعليه مثله، وإن لم يكن مثلياً فعليه قيمته. وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه.

 

السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته.

إلا أن يكون عاجزاً عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها، إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته، فإن لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه، والثالث على الثاني.

ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته إلا أن يختار المشتري قلعه من غير ضرر فيه، وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد أو الجذاذ، وإن اشترى شقصاً وسيفاً في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته.

كتاب الوقف

وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة. ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائماً مع بقاء عينها، ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين. ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثل ما روي عن عمر أنه قال: يا رسول الله إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه ؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف. ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول فيه. ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجداً ويأذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس.

ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، فيباع ويشتري به ما يقوم مقامه.

والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى به ما يصلح للجهاد. والمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به.

ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها - وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه - إلى شرط الواقف فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان الذكر والأنثى بالسوية إلا أن يفضل بعضهم، فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين.

وإن كان الوقف على من يمكن حصرهم لزم استيعابهم به، والتسوية بينهم، إلا أن يفضل بعضهم. وإن لم يمكن حصرهم جاز تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم به.

باب الهبة

وهي تمليك المال في الحياة بغير عوض، وتصح بالإيجاب والقبول والعطية المقترنة بما يدل عليها.

وتلزم بالقبض، ولا يجوز الرجوع فيها، إلا الأب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، والمشروع في عطية الأولاد أن يسوى بينهم على قدر ميراثهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.

وإذا قال لرجل: أعمرتك داري أو هي لك عمري، فهي له ولورثته من بعده، وإن قال: سكناها لك عمرك، فله أخذها متى شاء.

باب عطية المريض

تبرعات المريض مرض الموت المخوف ومن هو في الخوف كالمريض كالواقف بين الصفين عند التقاء القتال ومن قدم ليقتل، وراكب البحر حال هيجانه ومن وقع الطاعون ببلده إذا اتصل بهم الموت - حكمها حكم وصيته في ستة أحكام:

 

أحدها: أنها لا تجوز لأجنبي بزيادة على الثلث ولا لوارث بشئ إلا بإجازة الورثة، لما روي أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثاً فأعتق اثنين وأرق أربعة.

 

الثاني: أن الحرية تجمع في بعض العبيد بالقرعة إذا لم يف الثلث بالجميع للخبر.

 

الثالث: أنه إذا أعتق عبداً غير معين أو معيناً فأشكل أخرج بالقرعة.

 

الرابع: أنه يعتبر خروجها من الثلث حال الموت، فلو أعتق عبداً لا مال له سواه أو تبرع به ثم ملك عند الموت ضعف قيمته تبينا أنه عتق كله حين إعتاقه وكان ما كسبه بعد ذلك له، وإن صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شئ، ولا يصح تبرعه به، ولو وصى له بشئ فلم يأخذه الموصى له زماناً قوم عليه وقت الموت لا وقت الأخذ.

 

الخامس: أن كونه وارثاً يعتبر حالة الموت فيهما فلو أعطاه أخاه أو وصى له ولا ولد له فولد له ابن صحت العطية والوصية ولو كان له ابن فمات بطلت.

السادس: أنه لا يعتبر رد الورثة وإجازتهم إلا بعد الموت فيهما.

وتفارق العطية الوصية في أحكام أربعة:

 

أحدها: أن العطية تنفذ من حينها، فلو أعتق عبداً أو أعطاه إنساناً صار المعتق حراً وملكه المعطي وكسبه له ولو وصى به أو دبره لم يعتق ولم يملكه الموصى له إلا بعد الموت، وما كسب أو حدث فيه من نماء منفصل فهو للورثة.

 

الثاني: أن العطية يعتبر قبولها وردها حين وجودها كعطية الصحيح، والوصية لا يعتبر قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصي.

 

الثالث: أنها تقع لازمة لا يملك المعطي الرجوع فيها، والوصية له الرجوع فيها متى شاء.

 

الرابع: أن يبدأ بالأول فالأول منها إذا ضاق الثلث عن جميعها، والوصية يسوى بين الأول منها والآخر، ويدخل النقص على كل واحد بقدر وصيته سواء كان فيها عتق أو لم يكن، وكذلك الحكم في العطايا إذا وقعت دفعة واحدة.

كتاب الوصايا

روي عن سعد قال: قلت يا رسول الله قد بلغ بي الجهد ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا قلت: فالشطر ؟ قال: لا قلت: فالثلث ؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.

ويستحب لمن ترك خيراً الوصية بخمس ماله.

وتصح الوصية والتدبير من كل من تصح هبته، ومن الصبي العاقل والمحجوز عليه لسفه، ولكل من تصح الهبة له، وللحمل إذا علم أنه كان موجوداً حين الوصية له، وتصح بكل ما فيه نفع مباح ككلب الصيد والغنم وبما فيه نفع من النجاسات.

 

وبالمعدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته، وتصح بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء، وبما لا يملكه كمائة درهم لا يملكها، وبغير معين كعبد من عبيده، ويعطيه الورثة منهم ما شاءوا، وبالمجهول كحظ من ماله أو جزء ويعطيه الورثة ما شاءوا، وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته فله مثل أقلهم نصيباً يزاد على الفريضة.

فلو خلف ثلاثة بنين ووصى بمثل نصيب أحدهم فله الربع، فإن كان معهم ذو فرض كأم صححت مسألة الورثة بدون الوصية من ثمانية عشر، وزدت عليها بمثل نصيب ابن فصارت من ثلاثة وعشرين. ولو وصى بمثل نصيب أحدهم ولآخر بسدس، باقي المال جعلت صاحب سدس الباقي كذي فرض وصححتها كالتي قبلها، فإن كانت وصية الثاني بسدس باقي الثلث صححتها كما قلنا سواء، ثم زدت عليها مثليها فتصير تسعة وستين تعطي صاحب السدس سهماً واحداً والباقي بين البنين والوصي الآخر أرباعاً.

وإن زاد البنون على ثلاثة زدت صاحب سدس الباقي بقدر زيادتهم، فإن كانوا أربعة أعطيته مما صحت منه المسألة سهمين، وإن كانوا خمسة فله ثلاثة، وإن كانت الوصية بثلث باقي الربع والبنون أربعة فله سهم واحد، وإن زاد البنون على أربعة زدته بكل واحد سهماً.

وإن وصى بضعف نصيب وارث أو ضعفيه فله مثلاً نصيبه، وثلاثة أضعاف ثلاثة أمثاله.

وإن وصى بجزء مشاع كثلث أو ربع أخذته من مخرجه وقسمت الباقي على الورثة وإن وصى بجزءين أخذتهما من مخرجهما، وهو اثنا عشر وقسمت الباقي على الورثة، فإن ردوا جعلت سهام الوصية ثلث المال وللورثة ضعف ذلك، وإن وصى بمعين من ماله فلم يخرج من الثلث فللموصى له قدر الثلث إلا أن يجيز الورثة.

وإن زادت الوصايا على المال كرجل وصى بثلث ماله لرجل ولآخر بجميعه ضممت الثلث إلى المال فصار أربعة أثلاث وقسمت التركة بينهما على أربعة إن أجيزت لهما، والثلث على أربعة إن رد عليهما، ولو وصى بمعين لرجل ثم وصى به لآخر أو أوصى إلى رجل ثم أوصى إلى آخر فهو بينهما، وإن قال ما أوصيت به للأول فهو للثاني بطلت وصية الأول.

فصل إذا بطلت الوصية

إذا بطلت الوصية أو بعضها رجع إلى الورثة. فلو وصى أن يشترى عبد زيد بمائة فيعتق فمات أو لم يبعه سيده فالمائة للورثة، وإن وصى بمائة تنفق على فرس حبيس فمات الفرس فهي للورثة، ولو وصى أن يحج عنه زيد بألف فلم يحج فهي للورثة، وإن قال الموصى له: أعطوني الزائد على نفقة الحج لم يعط شيئاً، ولو مات الموصى له قبل موت الموصي أو رد الوصية ردت إلى الورثة ولو وصى لحي وميت فللحي نصف الوصية.

ولو وصى لوارثه ولأجنبي بثلث ماله فللأجنبي السدس ويوقف سدس الوارث على الإجازة.

باب الموصى إليه

تجوز الوصية إلى كل مسلم عاقل عدل من الذكور والإناث بما يجوز للموصي فعله: من قضاء ديونه، وتفريق وصيته.

 

والنظر في أمر أطفاله، ومتى أوصى إليه بولاية أطفاله أو مجانينه ثبتت ولايته عليهم، ونفذ تصرفه لهم بما لهم فيه الحظ: من البيع والشراء، وقبول ما يوهب لهم، والإنفاق عليهم وعلى من تلزمهم مؤنته بالمعروف، والتجارة لهم، ودفع أموالهم مضاربة بجزء من الربح. وإن اتجر لهم بنفسه فليس له من الربح شئ، وله أن يأكل من مالهم عند الحاجة بقدر عمله ولا غرم عليه، ولا يأكل إذا كان غنياً لقول الله تعالى: ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف.

وليس له أن يوصي بما أوصى إليه به ولا أن يبيع ويشتري من مالهم لنفسه، ويجوز ذلك للأب، فلا يلي مال الصبي والمجنون إلا الأب أو وصيه أو الحاكم.

فصل: ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده

ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده، والرشد هنا الصلاح في المال، فمن آنس رشده دفع إليه ماله إذا بلغ وأشهد عليه ذكراً كان أو أنثى، فإن عاود السفه أعيد عليه الحجر، ولا ينظر في ماله إلا الحاكم، ولا ينفك عنه الحجر إلا بحكمه. ولا يقبل إقراره في المال، ويقبل في الحدود والقصاص والطلاق، فإن طلق أو أعتق نفذ طلاقه دون إعتاقه.

فصل: وإذا أذن السيد لعبده في التجارة صح بيعه

وإذا أذن السيد لعبده في التجارة صح بيعه وشراؤه وإقراره، ولا ينفذ تصرفه إلا في قدر ما أذن له فيه، وإن رآه سيده أو وليه يتصرف فلم ينهه لم يصر بهذا مأذوناً له.

Hosted by: http://www.WDELSHAIKH.com  

copyright© 2005 for all muslims
   http://www.deen.wdelshaikh.com

احياء علوم الدين