الباب الخامس عشر : في استحباب التعزية لأهل المصيبة والدعاء لميتهم

كتاب تسلية أهل المصائب

محمد بن محمد المنيجي الحنبلي

15-30

 

الباب الخامس عشر : في استحباب التعزية لأهل المصيبة والدعاء لميتهم

يقال : عزى الرجل عزاء : إذا صبره على ما نابه ، و التعزية : التصبر ، و عزيته : أمرته بالصبر ، و العزاء ـ بالمد ـ اسم أقيم مقام التعزية ، ذكره النووي . و قال الأزهري : أصل التعزية : التصبر لمن أصيب بمن يعزى عليه . و قال غيره : التعزية التسلية ، وهو أن يقال له : تعزى بعزاء الله ، و عزاء الله قوله تعالى : " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون " . و معنى قوله : تعزى بعزاء الله ، أي : تصبر بالتعزية التي عزاك الله تعالى بها ، كما في كتابه . أو يقال : لك أسوة في فلان ، فقد مضى حميمه و أليفه ، فحسن صبره . و أصل العزاء : الصبر ، و الله أعلم . 

" عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز و جل من حلل الكرامة يوم القيامة " . رواه  ابن ماجة  ، و صححه الشيخ ، و قال : رواته كلهم ثقات .

" و عن  ابن مسعود  ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : من عزى مصاباً فله مثل أجره " . و رواه  ابن ماجة  ، و  الترمذي  ، و قال : لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن عاصم ، و ذكر أنه روي موقوفاً ، و علي بن عاصم ضعف .

" وعن  أبي برزة  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة " . قال  الترمذي  : إسناد هذا الحديث ليس بالقوي .

و المقصود من التعزية : تسلية أهل  المصيبة ، و قضاء حقوقهم ، و التقرب إليهم بقضائها ، قبيل الدفن و بعده ، لشغلهم بمصابهم .

 

 

 فصل ـ في استحباب تعزية أهل الميت و وقتها

و يستحب تعزية أهل الميت ، و هي مسألة متفق عليها ، و لم أعلم أن أحداً خالف فيها إلا سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ قال : لا تستحب التعزية بعد الدفن ، لأنها خاتمة أمره ، و المعروف المستقر عند أهل العلم استحباب التعزية ، قبل الدفن وبعده ، لما تقدم من الأحاديث قريباً ، مثل " عموم قوله عليه السلام : من عزى مصاباً فله مثل أجره ، من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة " . فكل هذه عمومات تدل على الاستحباب مطلقاً .

 

 فصل : فيمن يكره تعزيتهم من أهل الميت وخاصة من النساء

و يستحب تعزية جميع أهل المصيبة ، كبارهم و صغارهم ، و يخص خيارهم و المنظور إليه من بينهم ، ليستن به غيره ، و ذا الضعف منهم عن تحمل  المصيبة ، لحاجته إليها ، و لا يعزي الرجل الأجنبي شواب النساء ، مخافة الفتنة ، و يجوز للمرأة البرزة و نحوها .

و ثبت أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ نهت على الضحك في المصيبة  ، لأن فيه إشماتاً بالمسلم ، و كسراً لقلبه . و لهذا رأى  الإمام أحمد  رجلاً يضحك في جنازة ، فهجره و قال : أي موعظة اتعظ هذا ؟ ! أو نحوه . .

  

 

 فصل : فيما يفعله بعض الناس من الجلوس عند القبر يوم الدفن و بعده

و ما يفعله غالب أهل زماننا من الجلوس عند القبر يوم الدفن للتعزية و كذلك في اليوم الثاني و الثالث .

قال  أبو الخطاب  : يكره الجلوس للتعزية . و قال : ابن عقيل : يكره الإجتماع بعد خروج الروح ، لأن فيها تهييجاً للحزن . و قال  الإمام أحمد  : ـ رحمه الله ـ : يكره التعزية عند القبر ، إلا لمن لم يعز ، فيعزي إذا دفن الميت ، أو قبل أن يدفن . و قال  أحمد  : إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية ، و إن شئت لم تأخذ . و إذا رأى الرجل قد شق ثوبه على  المصيبة ، عزاه ، ولم يترك حقاً لباطل ، و إن نهاه فحسن .

قلت : إن كان الإجتماع ، فيه موعظة للمعزى بالصبر و الرضى ، و حصل له من الهيئة الإجتماعية تسلية ، بتذاكرهم آيات الصبر و أحاديث الصبر و الرضى ، فلا بأس بالاجتماع على هذه الصفة ، فإن التعزية سنة ، سنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لكن على غير الصفة التي تفعل في زماننا ، من الجلوس على الهيئة المعروفة اليوم ، لقراءة القرآن ، تارةً عند القبر في الغالب ، و تارةً في بيت الميت ، و تارة في المجامع الكبار ، فهذا بدعة محدثة ، كرهه السلف كما تقدم ، لكن فيه تسلية لهم ، وإشغال لهم عن الحزن ، و الله أعلم .

 

 

 فصل : فيما يجوز أن يلبسه المصاب وزيه

و أما قول أصحابنا ، و غيرهم من الفقهاء ، ففي غالب كتبهم يذكرون أنه لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوباً يعرف به ، و بعض أصحابنا المقادسة يرخي عذبة من غير عادة . قالوا : لأن التعزية سنة ، و في ذلك تيسير لمعرفته حال التعزية . و أنكر هذا الفعل شيخ الإسلام  ابن تيمية  ، و قال : لا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيء من ذلك ، و لا نقل في هذا عن أحد من الصحابة و التابعين . و ثم آثار صريحة ، تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى ، تقوي هذا القول . و قد كره إسحاق بي راهوية أن يترك لبس ما عادته لبسه ، و الله أعلم .

 

 فصل : في أن التعزية قبل الدفن أو بعده

و قد ذكر الشيخ ،  موفق الدين  و غيره من أصحابنا في غالب الكتب : أن التعزية تجوز قبل الدفن و بعده ، و أنه يقول في تعزية المسلم بالمسلم : أعظم الله أجرك ، و أحسن عزاءك ، و رحم ميتك ،  و في تعزيته بكافر : أعظم الله أجرك ، و أحسن عزاءك.

و توقف  أحمد  ـ رحمه الله ـ عن تعزية أهل الذمة ، و هي تخرج على عيادتهم في أمراضهم ، و فيها روايتان :

إحداهما ـ يعودهم ، لأنه " روي أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه و سلم ، فأتاه النبي صلى الله عليه و سلم يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له : أسلم ، فنظر إلى أبيه ، و هو عند رأسه ، فقال : أطع أبا القاسم ، فأسلم ، فقام النبي صلى الله عليه و سلم و هو يقول : الحمد لله الذي أنقذه من النار " . رواه  البخاري  ، و لكن الحكمة في العيادة منتفية في التعزية و هو رجاء إسلامه ، و الله تعالى أعلم .

و الرواية الثانية ـ لا يجوز " لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال :  لاتبدؤوهم بالسلام " . قال       بجواز تعزيتهم عن مسلم ، يقال له : أحسن الله عزاءك و غفر لميتك ، و عن كافر : أخلف الله عليك ، و لا نقص عددك ، و يقصد زيارة عددهم لتكثر جزيتهم .

و قال أبو عبد الله بن بطة : لا بأس أن يقول في تعزية الكافر : أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطي أحد من أهل ملتك . و قد روى  أبو عبد الله المرزباني  بإسناده ، عن الحسن نحواً مما قال ابن بطة ، و لكن لفظه : أجزاك الله على مصيبتك بأعظم مما جازى به أحد من أهل ملتك .

و روى  أبو موسى المديني  بإسناده ، " عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا دعوتهم لأحد من اليهود أو النصارى ، فقولوا : أكثر الله مالك و ولدك " .

 

 

 فصل : في الألفاظ التي وردت في التعزية عن النبي

ولم يرد في التعزية شيء محدود ، إلا أنه يروى " أن النبي صلى الله عليه و سلم عزى رجلاً فقال : رحمك الله وآجرك " رواه  الإمام أحمد  ، و عزى  أحمد أبا طالب  ، فتوقف على باب المسجد ، فقال : أعظم الله أجرك و أحسن عزاءك .

" و عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و جاءت التعزية سمعوا قائلاً  يقول : إن في الله عزاء من كل مصيبة ، و خلفاً من كل هالك ، و دركاً ، من كل ما فات ، فبالله فثقوا ، و إياه فارجعوا ، فإن المصاب من حرم الثواب " . و رواه  الشافعي  في  مسنده  .

و روى  الحاكم  في  مستدركه  ، و قال : صحيح الإسناد ، " من حديث  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم أحدق به أصحابه ، فبكوا حوله فاجتمعوا ، فدخل رجل أشهب اللحية ، جسيم صبيح ، فتخطى رقابهم فبكى ، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : إن في الله عزاء من كل مصيبة ، و عوضاً من كل فائت ، و خلفاً من كل هالك ، فإلى الله فأنيبوا ، و إليه فارغبوا ، و نظره إليكم في البلاء فانظروا، فإنما المصاب من لم يجبر و انصرف . فقال بعضهم لبعض : تعرفون الرجل ؟ قال : أبو بكر وعلي : نعم ، هذا أخو  رسول الله صلى الله عليه و سلم الخضر عليه السلام " .

و روى  الحاكم  ، " من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ لما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، جاءتهم الملائكة ، يسمعون الحس ، و لا يرون الشخص ، قالت : السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ، إن في الله عزاء من كل مصيبة ، و خلفاً من كل فائت ، فبالله فثقوا . و إياه فارجوا ، فإن المحروم من حرم الثواب ، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " ، وحسنه  الحاكم  .

و سيأتي كلام السلف ـ رحمهم الله ، في التعازي ، بألفاظ مختلفة  ، فتارة مطولة ، و تارة وجيزة بليغة ، كما سأذكره قريباً إن شاء الله  .

   

 

 فصل : فيما يقال عند العلم بوفاة أحد المؤمنين

و من بلغه وفاة أحد من المؤمنين ، فليحسن الاسترجاع و التثبت ، فقد روى  الطبراني  بإسناده " عن سعيد بن جبير ، عن  ابن عباس  ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : إن للموت فزعاً ، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه ، فليقل : إنا لله و إنا إليه راجعون ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، اللهم اكتبه في المحسنين ، و اجعل كتابه في عليين ، و اخلف عقبه في الآخرين ، اللهم لا تحرمنا أجره و لا تفتنا بعده " .

" و في حديث أبي سلمة : لما مات شق بصره فأغمضه النبي صلى الله عليه و سلم ، ثم قال : إن الروح إذا قبض تبعه البصر ، فصاح ناس من أهله ، فقال : لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير ، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون . ثم قال : اللهم اغفر لأبي سلمة ، و ارفع درجته في المهديين ، و اخلفه في عقبه في الغابرين ، و اغفر لنا و له يا رب العالمين ، و افسح له في قبره ، و نور له فيه " رواه  مسلم  .

و روي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لما بلغه و فاة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ قال : رضينا من الله قضاه ، و سلمنا له أمره ، إنا لله و إنا إليه راجعون .

قال  سعيد بن منصور  في سننه : " حدثنا يوسف بن عطية الصفار ، قال جلست إلى عطاء بن ميمونة و هو يعزي رجلاً ، فقال : حدثنا  أنس بن مالك  ، أن رجلاً كان يجيء بصبي له معه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أن الغلام مات ، فاحتبس أبوه عن النبي صلى الله عليه و سلم ، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالوا : مات صبيه الذي رأيت معه ، فقال : أفلا أذنتموني ؟ ! فقوموا إلى أخينا نعزيه ، فلما دخل عليه ، إذا الرجل حزين ، و به كآبة ، فعزاه ، فقال : يا رسول الله ، كنت أرجوه لكبر سني و ضعفي ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أما يسرك أن يكون يوم القيامة بإزائك ؟ ، يقال له : ادخل الجنة ، فيقول رب ، و أبواي ؟ و لا يزال يشفع ، حتى يشفعه الله عز و جل فيكم ، و يدخلكم جميعاً الجنة ؟ ! " .  

 

 فصل ـ فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف و الخلف

فقد روى  الطبراني  في كتاب الدعاءبإسناده ، " عن محمود بن لبيد ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ـ أنه مات ابن له ، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم يعزيه بابنه ، فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله ، إلى معاذ بن جبل ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو ، أمابعد ، فأعظم الله لك الأجر ، و ألهمك الصبر ، و رزقنا و إياك الشكر ، فإن أنفسنا و أموالنا و أهلينا و أولادنا من مواهب الله الهنية ، و عواريه المستودعة ، متعك الله به في غبطة و سرور ، و قبضه منك بأجر كثير ، الصلاة و الرحمة و الهدى ، إن احتسبته بالصبر ، و لا يحبط جزعك أجرك ، فتندم على مافاتك من ثواب مصيبتك ، فإنك لو اطلعت على ثواب مصيبتك ، لعرفت أن  المصيبة  قد قصرت عن الثواب ـ و هذه الزيادة في بعض طرقه ـ ثم قال : و ما هو نازل بك فكأن قد ، و السلام " . و رواه  الحاكم  في  المستدرك  و قال : غريب حسن . و رواه  الحافظ أبو بكر بن مردوية  في كتاب  الأدعية  " و عنده : فليذهب أسفك ما هو نازل بك " . و " لفظ  الحاكم  : فإن أنفسنا و أموالنا و أهلينا و أولادنا من مواهب الله الهنية ، و عواريه المستودعة ، نتمتع به إلى أجل معدود ، و يقبضها لوقت معلوم ، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى ، و الصبر إذا ابتلى ، . . " و باقي الحديث كما ساقه  الطبراني  ، و الله أعلم .

و رأيت في جزء لا أعرف مؤلفه و ليس له أول : قال زيد بن أسلم : مات ابن لداود عليه السلام ، فجزع عليه ، فعزوه فيه ، فقيل له : ما كان يعدل عندك ؟ قال : كان أحب إلي من ملء الأرض ذهباً ، فقيل له : فإن لك من الأجر على قدر ذلك .

و في اسرائيليات : أن سليمان بن داود ـ عليهما السلام ـ مات له ولد ، فجزع عليه حتى عرف ذلك في مصابه ، فتحاكم إليه ملكان في صورة رجلين فقال أحدهما : إن هذا بذر بذراً في طريق الناس ، فمررت فأفسدته ، فقال سليمان للآخر : لم بذرت في الطريق ؟ أما علمت أنه لا بد من ممر ؟ فقال : و لم تحزن أنت على ابنك و هذا طريق الناس إلى الآخرة ؟ !

" و عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ قال : أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه و سلم إليه ، أن ابناً لي قد قبض فأتنا ، فأرسل يقرأ السلام و يقول : إن لله ما أخذ و له ما أعطى ، و كل شيء عنده بأجل مسمى ، فلتصبر و لتحتسب " . رواه  مسلم  ، و  أبو داود  ، و  النسائي  ، و  ابن ماجة  .

" و قال وهب بن منبه : قرأت في بعض كتب الله تعالى يقول : لولا أني جعلت الميت ينتن على أهله ، ما دفن ميت ، و لولا أني جعلت الطعام يفسد ، لاحتجبه الملوك ، و لولا أني آتي بالعزاء بعد  المصيبة  ، ما عمرت الدنيا " .      

و قال  الحسن البصري  ـ رحمه الله ـ : ما من جزعتين أحب إلى الله ، من جزعة مصيبة موجعة محرقة ، ردها صاحبها بحسن عزاء و صبر ، و جزعة غيظ ، ردها صاحبها بحلم .

و قد روي عن شمر ، أنه كان إذا عزى مصاباً قال : اصبر لما حكم ربك .

و قال  ابن أبي الدنيا  : حدثني عبد الله بن محمد بن  إسماعيل التيمي  ، أن رجلاً عزى رجلاً على ابنه ، فقال : إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه ، فلا تجمع إلى ما أصبت به من  المصيبة  الفجيعة بالأجر ، فإنها أعظم مصيبتين عليك ، و السلام .

و عزى  ابن السماك  رجلاً فقال : عليك بالصبر ، فيه يعمل من احتسب ، و إليه يصير من جزع .

و قال عمروبن دينار: قال عبيد بن عمير : ليس الجزع أن تدمع العين و يحزن القلب ، و لكن الجزع : القول السيئ و الظن السيئ  .

و قال خالد بن أبي عثمان القرشي : كان سعيد بن جبير يعزيني على أبي ، فرآني أطوف بالبيت متقنعاً ، فكشف القناع عن رأسي ، و قال : الاستتارمن الجزع .

 و روى  البيهقي  بإسناده في مناقب  الشافعي  ـ رحمه الله ـ : أن عبد الرحمن بن مهدي ، مات له ابن ، فجزع عليه جزعاً شديداً ، فبعث إليه  الشافعي  يقول له : يا أخي ، عز نفسك بما تعزي به غيرك ، و استقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك ، و اعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر ، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر ؟ فتناول حظك ـ يا أخي ـ إذا قرب منك قبل أن تطلبه و قد تناءى عنك ، ألهمك الله عند المصائب صبراً ، و أحرز لنا بالصبر أجراً ، ثم أنشده :

إني معزيك لا أني على ثقة   من الخلود ، و لكن سنة الدين

فلا المعزى بباق بعد ميته    ولا المعزي، ولو عاشا إلى حين 

و مات ابن  للشافعي  ـ رحمه الله ـ فجاؤوا يعزونه ، فأنشد :

 وما الدهر إلا هكذا ، فاصطبر له

       رزية مال ، أو فراق حبيب    

دخل بعض الأعراب على بعض ملوك بني العباس ، و قد توفي له ولد اسمه العباس ، فعزاه فيه فقال :

 اصبر نكن بك صابرين ، فإنما   صبر الرعية عند صبر الراس

 وخير من العباس أجرك بعده       و الله خير منك للعباس

و ذكر  أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا  بإسباده ، أن شخصاً من الحكماء أنشده :

 إذا دام ذا الدهر ، لم يحزن على أحد 

         ممن يموت ، و لم يفرح بمولود

و قال  ابن أبي الدنيا  : حدثنا الحسين ، حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن مسلمة القاسمي ـ و كان قد قارب المائة ـ قال : وعظ عابد جباراً ، فأمر به ، فقطعت يداه و رجلاه ، و حمل إلى متعبده ، فجاءه إخوانه يعزونه ، فقال : لا تعزوني ، و لكن هنئوني بما ساق الله إلي ، ثم قال : إلهي ، أصبحت في منزلة الرغائب ، أنظر إلى العجائب ، إلهي ، أنت تتودد بنعمتك إلي من يؤذيك ، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك ؟!

و ذكر عن سليمان بن حبيب ، قال : لما مات عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، دخل عليه هشام فعزاه عنه ، فقال عمر : و أنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله عز و جل ، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي ، و إحسانه إلي . و في رواية أخرى ، قال : لما مات ابنه عبد الملك ، و أخوه سهل ، و مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز ، في أيام متتابعة ، دخل عليه الربيع بن سبرة ، فقال : أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين ، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة ، و الله ما رأيت مثل ابنك ابناً ، و لا مثل أخيك أخاً ، و لا مثل مولاك مولى قط ، فطأطأ رأسه ، فقال لي رجل معه على الوساد : لقد هيجت عليه ، قال : ثم رفع رأسه فقال : كيف قلت ؟ ! فأعدت عليه ما قلت ، فقال : لا ، و الذي قضى عليهم بالموت ، ما أحب أن شيئاً من ذلك لم يكن .

و عن بشر بن عبد الله ، قال : قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك ، فقال : رحمك الله يا بني ، فقد كنت ساراً مولوداً ، و باراً ناشئاً ، و ما أحب أني دعوتك فأجبتني !

و لما توفيت الياقوتة بنت المهدي ، جزع عليها جزعاً لم يسمع بمثله ، فجلس للناس يعزونه ، و أمر أن لا يحجب عنه أحد ، فأكثر الناس في التعازي ، و اجتهدوا في البلاغة ، فأجمعوا أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز و لا أبلغ من تعزية شبيب بن شبة ، فإنه قال : أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً ، و أعقبك خيراً و لا أجهد بلاءك بنقمة ، و لا نزع منك نعمة ، ثواب الله خير لك منها ، و رحمة الله خير لها منك ، و أحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده . و في رواية قال : يا أمير المؤمنين ، الله خير لك منها ، و أنا أسأل الله أن لا يحزنك و لا يفتنك .

و قد روى  مالك  في  الموطأ  ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ، قال : هلكت امرأة لي ، فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها ، فقال : إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم عابد مجتهد ، و كانت له امرأة ، و كان بها معجباً ، و كان لها محباً ، فماتت، فوجد عليها وجداً شديداً ، و تأسف عليها تأسفاً شديداً ، حتى خلا في بيت ، و أغلق على نفسه و احتجب ، و إن امرأة سمعت به ، فجاءته ، فقالت : إن لي إليه حاجة أستفتيه فيها ، ليس يجزيني إلا مشافهته ، فذهب الناس و لزمت بابه . و قالت : ما لي منه بد ، فقال له قائل : إن ها هنا امراة أرادت أن تستفتيك . قال : ائذنوا لها ، فدخلت ، فقالت : إني استعرت من جارة لي حلياً ، و كنت ألبسه و أعيره ، فلبث عندي زماناً ، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه ، أفأرده إليهم ؟ قال : نعم ، و الإله ، قالت : إنه مكث عندي زماناً ؟ ! قال : فذاك أحق لردك إياه إليهم ، قالت : أ فتتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك ، و هو أحق به منك ؟ فأبصر ما هو فيه ، و نفعه الله تعالى بقولها .

و عزى عمرو بن عبيد يونس بن عبيد ، على ولد له مات ، فقال : إن أباك كان أصلك ، و إن ابنك كان فرعك ، و إن امرءاً ذهب أصله و فرعه لحري أن يقل بقاؤه .

و عزى صالح المري رجلاً قد مات ولده ، فقال : إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك ، فنعم  المصيبة  مصيبتك ، و إن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك ، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك . 

و عزى رجل رجلاً ، فقال : يا أخي ، العاقل يصنع في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد عام .

و عزى رجل رجلاً فقال : عليك بتقوى الله ، و الصبر فيه ، فإنه يأخذ المحتسب و إليه يرجع الجازع .

و عزى رجل رجلاً فقال : إن من كان لك في الآخرة أجراً ، خير ممن كان لك في الدنيا سروراً .

وعن ابن جريج ، قال : من لم يتعز عند مصيبته بالأجر و الاحتساب ، سلا كما تسلو البهائم .

قال بعض السلف ، و قد عزى مصاباً : إن صبرت فهي مصيبة واحدة ، و إن لم تصبر فهما مصيبتان .

و ذكر  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، عن  ميمون بن مهران  ، قال عزى رجل عمر بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ على ابنه عبدالملك ، فقال عمر : الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه ، فلما وقع لم ننكره .

و روى  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، قال : مات ابن رجل ، فحضره عمر بن عبد العزيز ، فكان رجل حسن العزاء ، فقال رجل من القوم : هذا و الله الرضا ، فقال عمر بن عبد العزيز : أو الصبر ، قال سليمان : الصبر دون الرضا ، الرضا : أن يكون الرجل قبل نزول  المصيبة  راضياً بأي ذلك كان ، و الصبر : أن يكون بعد نزول  المصيبة  فيصبر .

و ذكر  الحافظ بن عساكر  : قال إبراهيم بن خالد : كتب  محمدبن إدريس الشافعي  إلى رجل من إخوانه من قريش ، يعزيه بابن أصيب به : اعلم يا أخي ، أن كل مصيبة لا يجبر صاحبها ثوابها فهي  المصيبة  العظمى ، فكيف رضيت يا أخي بابنك فتنة ، ولم ترض به نعمة ؟ و كيف رضيت به مفارقاً ، و لم ترضى به خالداً ؟ و كيف رضيته على التعريض من الفساد ، ولم ترضى به على اليقين من الصلاح ؟ بل كيف لك بمقت منعم ولم تعرف له نعمة ؟ يريك ماتحب ، و يرى منك ما يكره ؟ ارجع إلى الله عز و جل ، و تعز برسول الله صلى الله عليه و سلم ، و تمسك بدينك ، و السلام .

و ذكر أيضاً بإسناده قال : كتب رجل إلى أخ له يعزيه بابنه : أما بعد ، فإن الله تعالى وهب لك موهبة ، جعل عليك رزقه و مؤنته ، و أن تخشى فتنته ، فاشتد لذلك فرحك ، فلما قبض موهبته و كفاك مؤنته ، اشتد لذلك حزنك ، أقسم بالله إن كنت تقياً لهنئت على ما عزيت عليه ، و لعزيت على ما هنئت عليه ، فإذا أتاك كتابي هذا فاصبر نفسك عن الأمر الذي لا صبر لك على عقباه ، و اصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه ، و اعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها ، فذلك الحزن الدائم ، و السلام .

عن  عبد الله بن صالح العجلي  ، قال : كتب  ابن السماك   إلى رجل يعزيه عن مولود له مات : أما بعد ، فإن استطعت أن يكون شكرك حين قبضه الله عز و جل منك ، أكثر منه حين وهبه لك ، فافعل ، فقد أحرز لك هبته حيث قبضه ، و لو بقي لم تسلم من فتنته ، أرأيت حزنك على فراقه ، و تلهفك على ذهابه ! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك ، أما هو فقد خلص من الكدر و بقيت أنت معلقاً بالخطر ، و المصيبة  إن جزعت ، فهي واحدة إن صبرت ، و مصيبتان إن لم تصبر ، فلا تجمع الأمرين على نفسك ،  و السلام .

و كتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه : أما بعد ، فإن الولد على والده ما عاش حزن و فتنة ، فإذا قدمه فصلاة و رحمة ، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه و فتنه ، و لا تضيع ما عوضك الله من صلاته و رحمته .

و قال موسى بن المهدي لإبراهيم بن مسلم ، و عزاه بابنه : أسرك و هو بلية و فتنة ؟ و أحزنك و هو صلوات و رحمة ؟ !

و قد روي عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه دفن ابناً له فضحك عند قبره ، فقيل له : أتضحك عند قبر ؟ ! قال : أردت أن أرغم الشيطان .

و مات  للحافظ بن عساكر  ولد لم يحتلم ـ و كان ولداً حسناً ـ قال   الحافظ  : فحمدت الله ، و لم أظهر لموته جزعاً و لا قلقاً ، و لم أحالف لذهابه هلعاً و لا أرقاً ، ولم أترك لحزنه مجلس التحديث ، و لم أمتنع لأجله من الانبساط و الحديث ، و ما كان ذلك إلا بتوفيق الله و إعانته ، و حسن عصمته من الجزع و صيانته ، فله الحمد إذ لم يحبط أجري فيه بجزعي ، ولم يذهب صبري عنه بهلعي ، لأن المحروم من حرم عظيم الثواب ، و الملوم من جزع لأليم المصاب . و أعجب من تصبري : لما عزاني بعض إخواني ، حضني على الصبر ، و قال لي : مررت بك يوم ثانية ، و أنت تحدث الجماعة ، فتعجبت من انشراح صدرك للتحديث تلك الساعة ، فقلت له : إن الجزع لا يرد فائتاً و لا ذاهباً ، و الحزن لا يرجع هالكاً و لا عاطباً ، و البكاء لا يجدي صرفاً لمسلم و لا نفعاً ، و القلق لا يفيد دركاً لخطب و لا دفعاً ، و الاحتيال لايوجب لهالك ضراً و لا نفعاً و إذا كان الأمر بهذه الصفة ، و الحال هكذا عند أهل المعرفة ، فالصبر أحرى بذوي الحجى ، و أليق بأولي الدين و النهى .

 

 الباب السادس عشر : في وجوب الصبر على المصيبة

قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون " و قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة إن الله مع الصابرين " و قال تعالى : " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " و الآيات التي فيها الأمر بالصبر كثيرة جداً معروفة .

قال  الإمام أحمد  : ذكر الله سبحانه و تعالى الصبر في القرآن في تسعين موضعاً .

اعلم أن حقيقة الصبر ، عند أرباب التصوف : خلق فاضل من أخلاق النفس ، يمنع به من فعل مالا يحسن و لا يجمل ، و هو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها ، و قوام أمرها .

قال  سعيد بن جبير  : الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه ، و احتسابه عند الله ، و رجاء ثوابه ، و قد يجزع الرجل ، و هو متجلد ، لا يرى منه إلا الصبر . و قد تقدم " حديث أبي زيد ، أسامة بن زيد بن حارثة ، مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و إرسال بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن ابني قد احتضر فاشهد ، فأرسل يقرأ السلام ، ويقول : إن لله ما أخذ وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ، فلتصبر وتحتسب " الحديث . أمرها بالصبر .

" و عن  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : مر النبي صلى الله عليه و سلم بامرأة تبكي عند قبر ، فقال : اتقي الله واصبري ، فقالت : إليك عني ، فإنك لم تصب بمصيبتي ـ ولم تعرفه ـ فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه و سلم ، فأتت باب النبي صلى الله عليه و سلم ، فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك ، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى " . رواه  البخاري  و  مسلم  . و " في رواية : تبكي على صبي لها . فقال : إنما الصبر عند أول صدمة " ، و هذا يشبه " قوله عليه الصلاة والسلام : ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " فإن مفاجئة  المصيبة  بغته ، لها روعة تزعزع القلب ، و تزعجه بصدمها ، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها ، و ضعفت قوتها ، فهان عليه استدامه الصبر ، كذلك الغضب .

" و عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : يقول الله عز وجل : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء   إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة " . رواه  البخاري  .

" وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الطاعون ، فأخبرها : أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء ، فجعله الله رحمة للمؤمنين ، فليس من عبد ، يقع الطاعون ، فيمكث في بلده صابراً محتسباً ، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد " رواه  البخاري  ، و رواه  الإمام أحمد  من حديث عائشة أيضاً بلفظه .

قال شيخ الإسلام  ابن تميمة  : الصبر على المصائب واجب باتفاق أئمة الدين ، و إنما اختلفوا في وجوب الرضا. انتهى كلامه . فالصبر واجب من حيث الجملة ، و لكنه يتأكد بحسب الأوقات فهو في زمن الطاعون آكد منه في غيره ، فإنه إذا صبر على الإقامة في البلد الذي وقع فيه الطاعون ، و صبر عند موت أولاده أو أقاربه أو أصحابه ، و صبر أيضاً عند مصيبته بنفسه ، و علم يقيناً أن الآجال لا تقديم فيها و لا تأخير ، و أن الله تعالى كتب الآجال في بطون الأمهات ، كما ثبت في  الصحاح  : كتب رزقه و أجله ، و شقي هو أم سعيد ، فلا زيادة ولا نقص إلا في صلة الأرحام ، ففيها خلاف معروف بين أهل العلم ، فإذا صبر واحتسب لم يكن له ثواب دون الجنة ، و إذا جزع ولم يصبرأثم و أتعب نفسه ولم يرد من قضاء الله شيئاً . و لقد ضمن  الوافي  الصادق الناطق في محكم كتابه حيث قال عن الصابرين : أنهم يوفون أجرهم بغير حساب . و أخبر أنه معهم بهدايته و نصرة العزيز و فتحه المبين ، فقال تعالى : " إن الله مع الصابرين " فذهب الصابرون بهذه المعية التي هي خير الدنيا و الآخرة ، و شارك بعض الأنبياء في قوله : " إنني معكما أسمع و أرى " و أخبر تعالى أن الصبر خير لأهله خبراً مؤكداً . فقال تعالى : " و لئن صبرتم لهو خير للصابرين " و أخبر أن الصبر مع التقوى لا يضر معه كيد الأعداء أبداً . فقال : " و إن تصبروا و تتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط " .

 

 الباب السابع عشر : فيما ورد بالصبر على المصيبة

قال الله تعالى : " وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " . و قال تعالى : " و لمن صبر و غفر إن ذلك لمن عزم الأمور " . و قال تعالى : " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم "  .

و هذا باب متسع جداً في الآيات و الأحاديث ، و إنما نذكر منه ، ما يوقظ الساهي ، و ينبه الغافل . و قد تقدم حديث أم سلمة من غير وجه ، من رواية  الإمام أحمد  ، و  مسلم  و غيرهما . " و عن  أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الطهور شطر الإيمان ، و الحمد لله تملأ الميزان ، و سبحان الله و الحمد لله تملآن ما بين السموات و الأرض ، و الصلاة نور ، و الصدقة برهان ، و الصبر ضياء ، و القرآن حجة لك أو عليك " الحديث . رواه  مسلم  .

و رواه  أبو داود  ، من طريق أخرى ، بلفظ غريب : " أن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا أصابت أحدكم مصيبة ، فليقل : إنا لله و إنا إليه راجعون ، اللهم عندك احتسبت مصيبتي ، فأجرني بها ، و أبدلني خيراً منها ، فلما احتضر أبو سلمة قال : اللهم أخلفني في أهلي خيراً مني ، فلما قبض ، قالت أم سلمة : إنا لله و إنا إليه راجعون ، عند الله احتسبت مصيبتي فأجرني فيها " . فانظر رحمك الله إلى ما آلت إليه ، حين احتسبت و صبرت ، و رضيت و ركنت ، و اتبعت السنة ، و قد تقدم نحو ذلك .

" و عن  أبي سعيد الخدري  ـ رضي الله عنه ـ أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى نفذ ما عنده ، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده : ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ، و من يستعف يعفه الله ، و من يستغن يغنه الله ، و من يتصبر يصبره الله ، و ما أعطي أحد عطاء خيراً و أوسع من الصبر " . رواه  البخاري  و  مسلم  .

 " و عن  صهيب بن سنان  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : عجباً لأمر المؤمن ! إن أمره كله له خير ، و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له ، و إن أصابته ضراء ، صبر فكان خيراً له " . رواه  مسلم  .

" و عن  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن الله عز و جل ، قال : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ، فصبر ، عوضته منهما الجنة " ـ يريد عينيه ـ رواه  البخاري  .

" و عن  عطاء بن أبي رباح  ، قال : قال لي  ابن عباس  ـ رضي الله عنهما ـ ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ فقلت : بلى ، قال : هذه المرأة السوداء ، أتت النبي صلى الله عليه و سلم ، فقالت : إني أصرع ، و إني أتكشف ، فادع الله تعالى لي فقال :  إن شئت صبرت و لك الجنة ، و إن شئت دعوت الله أن يعافيك . فقالت أصبر ، ثم قالت : إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف ، فدعا لها  " . رواه  البخاري  و  مسلم  .

" و عن  أبي سعيد  و أبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : ما يصيب المسلم من نصب ، و لا وصب ، و لا هم ، و لا حزن ، و لا أذى ، و لا غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه " . رواه  البخاري  و  مسلم  . الهم : على المستقبل ، و الحزن : على الماضي ، و النصب : التعب ، و الوصب : المرض .

" و روي في حديث  أبي موسى الأشعري  ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : لا يصيب العبد نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب ، و ما يعفو الله عنه أكثر قال : و قرأ " و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير " " . و روي " من حديث عمرو بن العاص ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : المسلم الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم ، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس و لا يصبر على أذاهم " .

" و عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من يرد الله به خيراً يصب منه " رواه  البخاري  . قوله يصب بفتح الصاد و كسرها .

و في  الصحيح  " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قسم مالاً ، فقال بعض الناس : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " .

و قال عبد الرزاق : حدثنا الثوري ، عن سفيان العصفري ، عن  سعيد بن جبير  ، أنه قال : في قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة إن الله مع الصابرين " . قال : لم يعط أحد غير هذه الأمة الصبر ، ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام : " يا أسفى على يوسف " .

و روى  سعيد بن منصور  في سننه : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه أن  ابن عباس  ـ رضي الله عنهما ـ نعي إليه أخوه قثم ، و هو في سفر ، فاسترجع ، ثم تنحى عن الطريق فأناخ ، ثم صلى ركعتين ، فأطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته و هو يقول : " و استعينوا بالصبر و الصلاة و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين " .

و قال  هشيم  : حدثنا خالد بن صفوان ، قال : حدثني زيد بن علي ، أن  ابن عباس  كان في مسير له ، فنعي إليه ابن له ، فنزل فصلى ركعتين ، ثم استرجع ، و قال : فعلنا كما أمرنا الله : " و استعينوا بالصبر و الصلاة " .

و قال  أبو الفرج بن الجوزي  : روي عن أم كلثوم ـ و كانت من المهاجرات أنه لما غشي على زوجها عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ خرجت إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر و الصلاة .

و حكى  سعيد بن منصور  ، عن الحجاج ، عن ابن جريج " و استعينوا بالصبر و الصلاة " قال : إنهما معونتان على رحمة الله .

" و عن ـ ابن مسعود ـ رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم و هو يوعك ، فقلت يا رسول الله ، إنك توعك وعكاً شديداً ، قال : أجل إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم ، قلت : ذلك أن لك أجرين ؟ قال : أجل ، ذلك كذلك ، مامن مسلم يصيبه أذى ، شوكة فما فوقه ، إلا كفر الله بها سيئاته ، كما تحط الشجرة ورقها " . رواه  البخاري  و  مسلم  . و الوعك : مغث الحمى ، و قيل : الحمى .

" و عن خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وهو متوسد بردة له ، في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم ، يؤخذ الرجل ، فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار ، فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ، و يمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه و عظمه ، ما يصده ذلك عن دينه ، و الله ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله ، و الذئب على غنمه ، و لكنكم تستعجلون " . رواه  البخاري  .

" وفي  الترمذي  أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمنرضي فله الرضى ، و من سخط فله السخط " قال  الترمذي  : حديث حسن .

" و عن  أنس  ـ رضي الله عنه ـ قال : كان ابن  لأبي طلحة   ـ رضي الله عنه ـ يشتكي ، فخرج  أبو طلحة  فقبض الصبي ، فلما رجع  أبو طلحة  قال : ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم ـ و هي أم الصبي ـ : هو أسكن ما كان ، فقدمت له العشاء فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ منها قالت : واروا الصبي ، فلما أصبح  أبو طلحة  أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره ، فقال : أعرستم الليلة ؟ قال : نعم ! قال : اللهم بارك لهما ، فولدت غلاماً ، فقال لي  أبو طلحة  : احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه و سلم و بعث معه تمرات ، فقال : أمعه شيء ؟ قال : نعم ، تمرات ، فأخذها النبي صلى الله عليه و سلم ، فمضغها ثم أخذها من فيه ، فجعلها في في الصبي ، و حنكه ، و سماه عبد الله " . رواه  البخاري  و  مسلم  . و في رواية  البخاري  : قال ابن عيينة : فقال رجل من الأنصار : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن ـ يعني من أولاد عبد الله ـ .

 " وفي رواية  لمسلم  : مات ابن  لأبي طلحة  من أم سليم ، فقالت لأهلها : لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه ، فجاء فقربت إليه عشاء ، فأكل و شرب ، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك ، فوقع بها ، فلما رأت أنه قد شبع و أصاب منها ، قالت : يا  أبا طلحة  ، أ رأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت ، فطلبوا عاريتهم ، ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا فقالت احتسب ابنك ، فغضب ثم قال : تركتيني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتيني ؟ ! فانطلق ، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأخبره بما كان ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :  بارك الله في ليلتكما قال : فحملت . . " و ذكر تمام الحديث و قد تقدم .

" و عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : مايزال البلاء بالمؤمن و المؤمنة ، في نفسه وولده و ماله ، حتى يلقى الله تعالى ، و ما عليه خطيئة " . رواه  الترمذي  و قال : حديث حسن صحيح .

" و عن  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : تنصب الموازين يوم القيامة ، فيؤتى بأهل الصلاة ، فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل الصيام ، فيوفون أجورهم بالموازين ، و يؤتى بأهل الصدقة ، فيوفون أجورهم بالموازين ، و يؤتى بأهل الحج ، فيوفون أجورهم بالموازين ، و يؤتى بأهل البلاء ، فلا ينصب لهم ميزان ، و لا ينشر لهم ديوان ، و يصب عليهم الأجر صباً بغير حساب ، ثم قرأ " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " . حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا ، أن أجسادهم تقرض بالمقاريض ، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل " . رواه  ابن منجويه  في تفسيره .

 و روى  مالك بن أنس  ، في  الموطأ  ، " من حديث عطاء بن يسار ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إذا مرض العبد ، بعث الله إليه ملكين ، فقال : انظرا ماذا يقول لعواده ؟ فإن هو ، إذا جاؤوه ، حمد الله ، و أثنى عليه ، رفعا ذلك إلى الله ـ و الله أعلم ـ فيقول : لعبدي علي إن توفيته ، أن أدخله الجنة ، وإن أنا شفيته ، أن أبدله لحماً خيراً من لحمه ، و دماً خيراً من دمه ، و أن أكفر عنه سيئاته " .

 

 فصل ـ في كلام السلف في الصبر

قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : الصبر ثلاثة : صبر على  المصيبة  ، و صبر على الطاعة ، و صبر عن المعصية ، فمن صبر على  المصيبة  ، حتى يردها بحسن عزائها ، كتب له ثلثمائة درجة ، و من صبر على الطاعة ، كتب له ستمائة درجة ، و من صبر عن المعصية ، كتب له تسعمائة درجة .

و قال  ميمون بن مهران  : الصبر صبران : فالصبر على  المصيبة  حسن ، و أفضل منه الصبر عن المعصية .

و قال  الجنيد  ، و قد سئل عن الصبر ، فقال : هو تجرع المرارة من غير تعبس .

و قال  الفضيل بن عياض  : في قوله تعالى : " سلام عليكم بما صبرتم  فنعم عقبى الدار " ثم قال : صبروا على ما أمروا به ، و صبروا عما نهوا عنه . انتهى كلامه ، فكأنه ـ رحمه الله ـ جعل الصبر عن المعصية داخلاً في قسم المأمور به .

قال  الإمام أحمد  : حدثنا وكيع ، عن مالك بن مغول ، عن أبي السفر ، قال : مرض أبو بكر فعادوه ، فقالوا : ألا ندعو لك الطبيب ؟ فقال : قد رآني الطبيب ، قالوا : فأي شيء قال لك ؟ قال : إني فعال لما أريد .

قال  أحمد  : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن مجاهد ، قال : قال عمر بن الخطاب : وجدنا خير عيشنا بالصبر . و في رواية : أفضل عيش أدركناه بالصبر ، و لو أن الصبر كان من الرجال كان كريماً .

و قال علي بن أبي طالب : ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا قطع الرأس بار الجسد ، ثم رفع صوته فقال : ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له .

و قال الحسن : الصبر كنز من كنوز الخير ، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده .

و قال عمر بن عبد العزيز : ما أنعم الله على عبد نعمة ، فانتزعها منه ، فعاضها مكانها الصبر ، إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه منه .

و قال بعض العارفين في رقعة ، يخرجها كل وقت ، فينظر فيها ، و فيها مكتوب " و اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا " .

و قال مجاهد في قوله تعالى : " فصبر جميل " : في غير جزع .

و قال عمروبن قيس " فصبر جميل " قال : الرضا بالمصيبة و التسليم .

و قال حسان : " فصبر جميل " : لا شكوى فيه . و قال همام عن قتادة في قول الله تعالى : " و ابيضت عيناه من الحزن ، فهو كظيم " . قال : كظيم على الحزن ، فلم يقل إلا خيراً . و قال الحسن : الكظيم : الصبور . و قال الضحاك : كظيم الحزن .

و قال  عبد الله بن المبارك  : أخبرنا عبد الله بن لهيعة ، عن  عطاء ابن دينار  ، أن سعيد بن جبير ، قال : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منهو احتسابه عند الله .

قال  يونس بن زيد  : سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن : ما منتهى الصبر ؟ قال : أن يكون يوم تصيبه  المصيبة  مثله قبل أن تصيبه .

و قال  قيس بن الحجاج  في قوله تعالى : " فاصبر صبراً جميلاً " . قال : أن يكون صاحب  المصيبة  في القوم لا يعرف من هو .

و ذكر  أبو الفرج بن الجوزي  في  عيون الحكايات  : قال الأصمعي : خرجت أنا و صديق لي إلى البادية ، فضللنا الطريق ، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق ، فقصدناها ، فسلمنا ، فإذا امرأة ترد علينا السلام ، قالت : ما أنتم ؟ قلنا : قوم ضالون عن الطريق ، أتيناكم فأنسنا بكم ، فقالت : يا هؤلاء و لو وجوهكم عني . حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل ، ففعلنا ، فألقت لنا مسحاً ، فقالت : اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني ، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة و تردها ، إلى أن رفعتها ، فقالت : أسأل الله بركة المقبل ، أما البعير فبعير ابني ، و أما الراكب فليس بابني ، فوقف الراكب عليها ، فقال : يا أم عقيل ، أعظم الله أجرك في عقيل ، قالت : ويحك ! مات ابني ؟ قال : نعم ، قالت : و ما سبب موته ؟ قال : ازدحمت عليه الإبل ، فرمت به في البئر ، فقالت : انزل فاقض ذمام القوم ، و دفعت إليه كبشاً ، فذبحه و أصلحه ، و قرب إلينا الطعام ، فجعلنا نأكل و نتعجب من صبرها ، فلما فرغنا ، خرجت إلينا و قد تكورت ، فقالت : يا هؤلاء ، هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئاً ؟ قلت : نعم ، قالت : اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها ، قلت : يقول الله عز وجل في كتابه : " وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " قالت : آلله ، إنها لفي كتاب الله هكذا ؟ قلت : آلله ، إنها لفي كتاب الله هكذا ! قالت : السلام عليكم ، ثم صفت قدميها ، وصلت ركعات ، ثم قالت : " إنا لله و إنا إليه راجعون " عند الله أحتسب عقيلاً ، تقول ذلك ثلاثاً ، اللهم إني فعلت ما أمرتني به ، فأنجز لي ما وعدتني .

 

 الباب الثامن عشر : في أن الشخص لا يستغني عن الصبر لا في المصيبة و لا في غيرها

اعلم ـ رحمك الله ـ أن الشخص البالغ العاقل المسلم ، ما دام في دار التكليف ، و الأقلام جارية عليه ، لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال ، فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله ،  و الصبر لا بد منه قولاً و فعلاً ، و بين نهي يجب عليه اجتنابه و تركه ،و بين قضاء و قدر يجب عليه الصبر فيهما ، و بين نعمة يجب عليه شكر المنعم عليها و الصبر عليه ، و إذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه ، فالصبر لا زم له إلى الممات .

فإن قيل : النعم يجب الصبر عليه ؟

قيل : نعم ، لأنها من الابتلاء ، كما قال تعالى : " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن " و قال تعالى : " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " ، و في الآية الأخرى : " وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا " أي ليس الأمر كذلك ، و إنما الله تعالى يبتلي عباده بالغنى و الفقر ، فينظر من هو المجاهد الشاكر الصابر على ما ابتلاه به ، كما يبتلي عباده بالمصائب و الأسقام تطهيراً لهم من الذنوب و الآثام .

 

 فصل : في الحالات التي يحتاج فيها العبد إلى الصبر

و يحتاج العبد إلى الصبر في ثلاثة أحوال :

أحدهما : قبل الشروع في العبادات ، بتصحيح النية و الإخلاص ، و عقد العزم على توفية المأمور به و تجنب دواعي الرياء و السمعة .

و الحالة الثانية : الصبر حال العمل ، فيلازم الصبر ، عند دواعي التقصير فيه و التفريط ، و يلازم على استصحاب ذكر النية و حضور القلب بين يدي المعبود ، و هو محتاج إلى الصبر توفية أركانها و شروطها و واجباتها و سننها .

و الحالة الثالثة : الصبر بعد الفراغ من العمل ، فيحذر من الإتيان بما يبطله ، كما قال قال تعالى : " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " ، فالصبر على محافظتها بعد الفراغ أنفع ما للعبد . هذا معنى ما ذكره الشيخ الإسلام  ابن تيمية  .

و قال العلامة ابن اليقيم : و كل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين :

أحدهما ـ موافق هواه و مراده .

و الثاني ـ يخالفه ، و هو محتاج إلى الصبر في كل منهما .

أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة و السلامة و الجاه و المال وأنواع الملاذ المباحة . و هو أحوج شيء إلى الصبر فيهامن وجوه :

أحدهما ـ أن لا يركن إليها ، و لا يغتر بها ، و لا يحمله عليه البطر و الأشر و الفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله .

الثاني ـ أن لا ينهمك في نيلها ، و لا يبالغ في استقصائها ، فإنها تنقلب إلى أضدادها ، فمن يبالغ في الأكل و الشرب و الجماع  ، انقلب ذلك ضده ، و حرم الأكل و الشرب و الجماع .

الثالث ـأن يصبر على أداء حق الله فيها ، و لا يضيعه ، فيسلبها .

الرابع ـ أن يصبر عن صرفها في الحرام ، فلا يمكن نفسه من كل ما تريده منها ، فإنها توقعه في الحرام ، فإذا احترز أوقعته في المكروه ، و لا يصبر على السراء إلا الصديقون .

قال بعض السلف : البلاء يصبر عليه المؤمن و الكافر ،  و لا يصبر على العافية إلا صديق .

و أما النوع الثاني : فأما الطاعة ، فالعبد يحتاج إلى الصبر عليها ، لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبادات إلا من وفقه الله ، و تبين ذلك بالصلاة ، طبع النفس فيها الكسل و إيثار الراحة ، و الزكاة فطبع النفس فيها الشح و البخل ، و أما الصوم فطبع النفس بمحبة الفطر و عدم الجوع ، و على هذا فقس ، فهو محتاج إلى الصبر في جميع ذلك ، و الله أعلم .

و من هذا الباب قول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : ابتلينا بالضراء فصبرنا ، وابتلينا بالسراء فلم نصبر .

 

 فصل : في مشقة الصبر على السراء أيضاً

و إنما كان الصبر على السراء شديداً مشقاً على النفس ، لأنه مقرون بالقدرة على ما تشتهيه النفس و تميل إليه ، لأن الجائع ، عند عدم الطعام ، أقدر منه على الصبر عند حضوره ، و كذلك الشبق ، عند غير المرأة ، أصبر منه عندحضورها و كذلك العطشان الشديد ، العطش عند عدم الماء ، أصبر منه عند وجوده .

 

 فصل ـ في التحذير من فتنة المال و الأزواج و الأولاد

و قد حذر الله سبحانه و تعالى ، عباده المؤمنين ، في كتابه العزيز ، من فتنة المال ، و من فتنة الأزواج ، و من فتنة الأولاد ، فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم و لا أولادكم عن ذكر الله " . و قال تعالى : " إنما أموالكم و أولادكم فتنة " . و قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " و ليس المراد من هذه العداوة ، ما يفهمه كثير من الناس ، أنها عداوة البغضاء و المجادلة ، بل عداوة المحبة الصادة للآباء ، عن الهجرة و الجهاد و تعليم العلم ، و غير ذلك من أعمال البر ، هذا معنى ما ذكره العلامة  ابن القيم  .

فالمقصود : أنه من صبر في السراء عن المعصية ، فقد أمن فتنة المال ، فإنه قادر على فعل المعصية و بذل المال ، فلهذا كان له الثواب الجزيل ، و الفضل العظيم ، و كذلك من صبر على تربية الأولاد ، و أذى بعض الزوجات ، كان له الدرجات العاليات ، فإنه ليس كل زوجة و ولد منهم أذى .

 قال شيخ الإسلام  ابن تيمية  ـ رحمه  الله ـ : قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم و أولادكم عدواً لكم فاحذروهم " فإن :من ، هنا للتبعيض باتفاق الناس ، و المعنى : إن من الأزواج و الأولاد عدواً ، ليس المراد أن كل زوج و ولد عدو ، فإن هذا ليس هو مدلول اللفظ ، و هو باطل في نفسه ، فإنه سبحانه و تعالى قد قال عن عباد الرحمن : إنهم يقولون : " ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين " ، فسألوا الله أن يهب لهم من أزواجهم و أولادهم قرة أعين ، فلو كان كل زوج و ولد عدواً ، لم يكن فيهم قرة أعين ، فإن العدو لا يكون قرة عين ، بل سخنة عين . و أيضاً فإنه من المعلوم أن إسماعيل و إسحاق ابني إبراهيم ، و يحيى بن زكريا و أمثالهم ليسوا أعداء .

و قول من قال : إنها زائدة غلط لوجوه :

أحدهما ـ أن مذهب سيبويه و جمهور أئمة النحاة : أنها لا تزاد في الإثبات ، و إنما تزاد في النفي تحقيقاً لعموم النفي ، لقوله تعالى : " و ما من إله إلا الله " ، " و ما من إله إلا إله واحد " ، " و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " و نحو ذلك ، فإنه لولا : من ، لكان الكلام ظاهراً في العموم ، فإنه يجوز أن يقول ، ما رأيت رجلاً بل رأيت رجلين : فإذا أدخلت من ، فقلت : ما رأيت من رجل ، كان نعتاً في العموم ، فلا يجوز أن يقال : ما رأيت من رجل بل رجلين ، مع أن النكرة في سياق النفي العموم مطلقاً ، لكن قد يكون نصاً . و قد يكون ظاهراً ، فإذا كانت ظاهراً ، احتملت نفي الواحد من الجنس ، بخلاف النص ، و هذا الموضع إثبات لا نفي ، فلا تزاد فيه .

الثاني ـ أن من جوز زيادتها في الإثبات ـ  كالأخفش  ـ لا يجوزه إلا إذا كان في الكلام ما يدل عليه ، و إلا فلو قال قائل : إن من هؤلاء القوم مسلمين ، و أراد أن جميعهم مسلمون لم يجز ذلك بالاتفاق .

الثالث إذا قيل بزيادتها كان المعنى باطلاً .

الرابع ـ الزيادة على خلاف الأصل ، فلا يجوز ادعاؤها بغير دليل . انتهى كلامه .

و هذه فائدة عارضة ، ذكرتها على سبيل التنبيه ، لوقوع ناس كثر فيها .

و المقصود : أن العبد لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال ، و يكفي من فضل الصبر ، أن الله تعالى وصف نفسه به ، كما في

" حديث  أبي موسى  ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ليس أحد ـ أو ليس شيء ـ أصبر على أذى سمعه ، من الله تعالى ، إنهم يدعون له ولداً ، و إنه ليعافيهم و يرزقهم " . رواه  البخاري  .

قال  القرطبي  في  تفسيره  : وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم ، و معنى وصفه تعالى بالحلم ، هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها ، و وصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل ، و إنما ورد في الحديث ، و تأوله أهل السنة على تأويل الحلم . قاله :  ابن فورك  . انتهى كلامه . و ذكر عند قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة " ، قلت : و قد جاء في أسمائه الحسنى الصبور ، و جاء في أسمائه الحليم ، فلو كان الصبور بمعنى الحليم كان الاسمان الشريفان مترادفين ، و الأصل في الأسماء التغابر ، و الله أعلم .    

  

 

 الباب التاسع عشر: في أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس

و هذا الباب ينقسم فيه الصبر إلى قسمين :

أحدهما ـ بحسب قوة الداعي إلى الفعل .

الثاني ـ بسهولته على العبد .

فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق ، و إن فقدا ـ معاً ـ يعني قوة الداعي و سهولته ـ سهل الصبر عنه ، و إن وجد أحدهما و فقد الآخر سهل الصبر من وجه دون آخر ، فمن لا داعي له إلى قتل النفس و السرقة و شرب الخمر و أكل الحشيشة و أنواع الفواحش ، و لا هو سهل عليه ، فصبره عنه من أيسر  شيء و أسهله ، و من اشتد داعيه إلى ذلك ، و سهل عليه فعله ، فصبره عنه أشق شيء عليه ، و لهذا كان صبر السلطان عن الظلم ، و صبر الشباب عن الفاحشة ، و صبر الغني عن تناول اللذات و الشهوات ، منزلتهم عند الله منزلة عظيمة عالية منيعة ، لا يصل إليها إلا من صبر مثل صبرهم ، و كذلك من صبر على موت أولاده و أبويه و أقاربه و أصحابه و نحوهم ، و هو مع ذلك صابر محتسب ، يأمر أهله بالصبر ، و ينهاهم عن لطم الخدود و شق الجيوب ، و عن كلام ما لا يجوز لهم شرعاً ، هذا له من الثواب الجزيل ، و الأجر العظيم ، ما لا يعلمه إلا الله ، فالعبد ، إذا ذاق لذة المعصية ، ثم تاب و صبر عنها ، كانت توبته توبة صادقة .

و لقد بلغني عمن أعرفه ، أنه تاب عن الخمر ، و حلف بالطلاق     لا يشربه ، ثم إنه خالع ، وشرب . ولقد رأيت جماعة منهم ، ممن حلف بالطلاق الثلاث ، لا يلعب بالشنطرنج و تاب منه ، و مع ذلك يعلم أن أكثر العلماء قالوا بتحريمه ، و إنه يصد عن ذكر الله و عن الصلاة ، و أنه يحصل عليه من الحلف الكاذبه و الفحش ما هو معروف مشهور ، و مع ذلك منهم من خالع و لعب ، و منهم من لعب و وقع عليه الطلاق الثلاث بعد التوبة و الحلف . فالصبر المستمر مع القدرة من غير خوف على جاهه أو ماله أو عرضه ، صبر على المعاصي ، و مواظيته على ما أمره الله تعالى به ، صبر على الطاعات ، فإذا فعل ذلك ، ابتغاء وجه الله تعالى ، ثوابه أن يوفى أجره بغير حساب .

" ولهذا روى  الإمام أحمد  في مسنده أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : عجب ربك من شاب ليست له صبوة " .

وفي الصحيح " من أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : سبعة يظلهم الله في ظل عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، و شاب نشأ في عبادة الله ، و رجل قلبه معلق بالمساجد ، و رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه و تفرقا عليه ، و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال ، فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، و رجل تصدق بصدقة فأخفاه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، و رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه " .

و لذلك استحق هؤلاء السبعة أن يظلهم في ظله ، لكمال صبرهم ، و مشقته على نفوسهم ، فصبر الملك على العدل مع قدرته على الظلم و الانتقام من رعيته ، و صبر الشاب على عبادة الله و مخالفة هواه ، و صبر الرجل على ملازمة المسجد ، و صبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن شماله مع قدرته على الرياء ، و صبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال الداعي ، و صبرالمتحابين في الله في اجتماعهما و انفرادهما ، و صبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك عن الناس ، فهذه الأمور فيها مشقة على النفوس ، فالصبر عليها ، بتوفيق الله و فضله و إحسانه إلى عبده ، صبر عظيم جميل .

 

 فصل : في عقوبة من لم يصبر مع تمكنه من الصبر

و لما كان الداعي ، في حق بعض الناس ، ضعيفاً ، ولم يصبروا مع تمكنهم من الصبر ، كان عقوبتهم عند الله تعالى أشد من عقوبة غيرهم ، كالشيخ الزاني ، و الملك الكذاب ، و الفقير المختال ، و إنما كانوا أشد عقوبة من غيرهم ، لسهولة التصبر عن هذه المحرمات عليهم ، و لضعف دواعيها في حقهم ، فكان تركهم الصبر عنها دليلاً على تمردهم على الله تعالى ، و عتوهم عليه ، و لهذا كان الصبر على معاصي اللسان و الفرج ، من أشق أنواع الصبر ، لشدة الداعي إليهما و سهولتهما ، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان ، لسرعة حركته وسهولة إطلاقه .

و ثبت " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : و هل يكب الناس في النار على وجوههم ـ أو على مناخرهم ـ إلا حصائد ألستنهم ؟ ! " .

فيجب لجامه بلجام الشرع ، " لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم  : من  كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت " .

فإن اللسان رحب الميدان في الخير و الشر ، فمن أطلقه و لم يضبطه بالشرع ، سلك به الشيطان في المهالك ، و كبه في النار عند مالك ، فالكمال إمساكه مطلقاً عن فضول الكلام ، إلا في خير ، و ما لا بد منه ، فإن اللسان لا تؤمن غائلته ، و خطره عظيم . و لسهولة حركته ، و سرعة إطلاقه ، قد بلي أكثر الناس في زماننا بآفاته ، التي هي فاكهة و سرور مجالسهم : كالغيبة و النميمة و الكذب ، و المراء و الجدال و الخوض في الباطل ، و الخصومات و فضول الكلام ، و التحريف و الزيادة و النقصان ، و تزكية النفس تفريحاً وتعرضاً ، وحكاية كلام الناس ، والطعن على ما يبغضه وتزكية من يحبه ، و هتك المستورات ، و نحو ذلك . فيتفق قوة الداعي و سرعة حركة اللسان ، فيضعف الصبر ، و " لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ : أمسك عليك لسانك " ، و قد تقدم الحديث .

فإذا صارت هذه الآفات التي ذكرناها للسان عادة و سجية ، فإنه يشق على العبد الصبر عنها إلا من عصمه الله ، فآفات اللسان مهلكة و لها حلاوة في القلب ، و عليها بواعث من الطبع ، نسأل الله السلامة منها .

لهذا نجد كثيراً من المتفقهة و غيرهم ، ممن ينتسب إلى الورع ، يتورع من استناده إلى مخدة من الحرير ، أو من قعوده على بساط حرير ، أو من شربه من قدح زجاج مموه بالذهب ، أو الجلوس لحظة واحدة في فرح و غيره ، مع ما فيه من الخلاف ، و لا يتورع من إطلاق لسانه في الكبائر من الذنوب ، كالغيبة و النميمة ، و التفكه في أعراض الخلق .

و كذا إذا وقع الكلام في تفسير كلام الله ، أو في مسند رسول الله ، أطلق لسانه فيهما بغير علم ، مع علمه بقوله تعالى : " و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً " .

ثم أيضاً ممن يتورع عن الحبة من الحرام ، بل عن الفلس المحرم ، و عن القطرة من الخمر ، و يتحرز عن مثل رأس الإبرة من النجاسة ، و  لا يبالي بارتكاب الفرج المحرم ، سواء كان صبياً أو امرأة . كما يحكى : أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية ، فلما أراد جماعها ، قال : يا هذه غطي وجهك ، فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام .

و المقصود : أن الصبر على الأشياء الذي اعتادها الإنسان ، و ورد الشرع بذمها ، من أشق الأشياء على النفوس ، إلا من وفقه الله لذلك .

 

 فصل : في علامات الصبر و رضا النفس عن قضاء الله تعالى

ومن علامات الصبر ، عدم مشقته على النفس عند ورود المصائب ، وكف الكف عن تمزيق الثياب و لطم الخدود ، و حبس اللسان عن الاعتراض على المقادير و التسخط ، و الامتناع من كل شيء يوجب إظهاره ، حتى إن السلف كرهوا الأنين .

قال الحكماء : العاقل يفعل أول يوم ، ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام .

و قد قال عليه الصلاة والسلام للأشعث بن قيس : إنك إن صبرت إيماناً و احتساباً . و إلا سلوت كما تسلو البهائم .

 

 االباب العشرون : في الرضا بالمصيبة

اعلم ـ رحمك الله ـ أن الرضا بالمصائب ، أشق على النفوس من الصبر ، و قد تقدم أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس ، و في  جامع الترمذي  " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا أحب الله قوماً ابتلاهم ، فمن رضي ، فله الرضا، ومن سخط ، فله السخط " .

و قد تنازع العلماء و المشايخ ، من أصحاب  الإمام أحمد  ، و غيرهم ، في الرضا بالقضاء ، هل هو واجب ؟ أو مستحب ؟ على قولين ، فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين ، و على الثاني  يكون من أعمال المقربين ، ذكره شيخ الإسلام  ابن تيمية  ، فالعبد قد يصبر على المصيبة و لا يرضى بها ، فالرضا أعلى من مقام الصبر ، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه ، و الرضا اختلفوا على وجوبه ، و الشكر أعلى من مقام الرضا ، فإنه يشهد  المصيبة  نعمة ، فيشكر المبلي عليها .

قال عمر بن عبد العزيز : أما الرضا ، فمنزلة عزيزة أو منيعة ، و لكن قد جعل الله في الصبر معولاً حسناً .

و قال  محمد بن إدريس الشافعي  : حدثنا زهير بن عباد ، عن السري ابن حيان ، قال : قال عبد الواحد بن زيد : الرضا باب الله الأعظم ، و جنة الدنيا ، و سراج العابدين .

و روى  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، " عن  أبي موسى الأشعري  ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : الصبر رضا " ، فهذا الحديث ، فيه بشارة عظيمة لأهل المصائب ، إذ سمى الصبر رضا .

و بإسناده أيضاً إلى أبي مسلم ، قال أبو مسلم : دخلت على  أبي الدرداء  في اليوم الذي قبض فيه ، و كان عندهم في العز كأنفسهم ، فجعل أبو مسلم يكبر ، فقال  أبو الدرداء  : أجل ، فهكذا فقولوا ، فإن الله إذا قضى بقضاء ، أحب أن يرضى به .

و ذكر  ابن أبي الدنيا  ، في قوله تعالى : " و من يؤمن بالله يهد قلبه " ، قال  علقمة بن أبي وقاص  : هي المصيبة ، تصيب الرجل ، فيعلم أنها من عند الله ، و يسلم لها و يرضى .

و قال : حدثنا الحسين ، حدثنا عبد الله ، حدثنا علي بن الحسن العامري ، حدثنا أبوه بدر ، حدثنا عمر بن ذر ، قال : بلغنا أن أم الدرداء كانت تقول : إن الراضين بقضاء الله ، الذين ما قضى الله لهم رضوا به ، لهم في الجنة منازل يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة .

و بهذا الإسناد ، عن سليمان بن المغيرة ، قال : كان فيما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام ، إنك لن تلقاني بعمل ، هو أرضى لي عنك ، و لا أحط لوزرك ، من الرضا بقضائي ، و لن تلقاني بعمل ، هو أعظم لوزرك ، و لا أشد لسخطي عليك، من البطر ، فإياك يا داود و البطر .

و قال  الشافعي  : سمعت ابن أبي الحواري يقول : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : أرجو أن أكون رزقت من الرضا طرفاً ، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً .

و قال ابن زيد : نظر علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ إلى عدي بن حاتم كئيباً ، فقال : يا عدي مالي أراك كئيباً حزيناً ؟ قال : و ما يمنعني ، و قد قتل أبنائي ، و فقئت عيني ؟! فقال يا عدي ، من رضي بقضاء الله كان له أجر ، و من لم يرض بقضاء الله حبط عمله . ذكره  ابن أبي الدنيا  .

و قال  أبو عبد الله البراثي  : من وهب له الرضا فقد بلغ أقصى الدرجات .

فإن قيل : غالب الناس يصبرون و لا يرضون ، فكيف يتصور الرضى بالمكروه ؟ يقال : إن نفور الطبع عن  المصائب ، لا ينافي رضا القلب بالمقدور ، فإنا نرضى القضاء ، و إن كرهنا المقتضى !

قيل لبعض الصالحين : قتل و لدك في سبيل الله ! فبكى ، فقيل له :  أتبكي و قد استشهد ؟ ! فقال : إنما أبكي ، كيف كان رضاه عن الله عز و جل ، حين أخذته السيوف .

و ذكر  أبو الفرج بن الجوزي  ، بسنده ، عن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : اللهم لو أعلم أنه أرضى لك ، أن أوقد ناراً عظيمة ، فأقع فيها ، لفعلت ، و لو أعلم أنه أرضى لك عني ، أن ألقي نفسي في الماء ، فأغرق ، لفعلت .

و عن  مصعب بن ماهان  ، عن  سفيان الثوري  ، قال : في قوله تعالى : " و بشر المخبتين " . قال : المطمئنين الراضين بقضائه المستسلمين له .

        .      

    

 

 فصل : في أقوال السلف و الخلف في الرضا

و قد أطنب الناس ـ من السلف و الخلف ـ في الرضا ، و بسطوا القول فيه ، و اعتنوا به و هذا يدل على علو منزلته .

قال  عمرو بن أسلم العابد  : سمعت  أبا معاوية الأسود  يقول : في قوله تعالى : " فلنحيينه حياة طيبة " قال : الرضا و القناعة . 

و ذكر  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، " رفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : جلساء الرحمن ، تبارك وتعالى ، يوم القيامة : الخائفون الراضون ، المتواضعون الشاكرون الذاكرون " .

وبإسناده ، إلى  محمد بن كعب  ، رفعه ، أنه قال :  أي رب ، أي خلقك أعظم ذنباً ؟ قال : الذي يتهمني ، قال : رب و هل يتهمك أحد ؟ ! قال : نعم ، الذي يستجيرني ، و لا يرضى بقضائي .

قال  مالك بن أنس  : بلغني أن  أبا الدراء  ، دخل على رجل و هو يموت ، و هو يحمد الله تعالى ، فقال  أبو الدراء  : أصبت ، إن الله تعالى إذا قضى أحب أن يرضى به .

و روى  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، عن ابن عون ، أنه قال : أرض بقضاء الله على ما كان من عسر و يسر ، فإن ذلك أقل لغمك ، و أبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك ، و اعلم ، أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا ، حتى يكون رضاه عند الفقر و البلاء ، كرضاه عند الغنى و الرخاء ، كيف تستقضي الله في أمرك ، ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفاً لهواك ؟ ! و لعل ما هويت من ذلك ، لو وفق لك ، لكان فيه هلكك ، و ترضى قضاءه إذا وافق هواك ، و ذلك لقلة علمك بالغيب ، وكيف تستقضيه ؟ إن كنت كذلك ما أنصفت من نفسك ، و لا أصبت باب الرضا ! !

و روى  أبو بكر بن أبي الدنيا  أيضاً ، قال : حدثنا الحسين ، ثنا عبد الله ، حدثني  المروزي  ، قال : قال حفص بن حميد : كنت عند  عبد الله بن المبارك  بالكوفة حين ماتت امرأته ، فسألته ما الرضا ؟ قال : الرضا أن لا يتمنى خلاف حاله ، فجاء أبو بكر بن عياش فعزى  ابن المبارك  ـ قال حفص : ولم أعرفه ـ فقال عبد الله : سله عما كنا فيه ، فسألته ، فقال : من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض . قال حفص : و سألت الفضيل بن عياض ، فقال : ذاك للخواص . ثم قال  قادم الديلمي العابد  . قال : قلت  للفضيل بن عياش  : من الراضي عن الله ؟ قال : الذي لا يحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها .

و قال  أبو عبد الله البراثي  : لم يرد الآخرة ، أرفع درجات من الراضين عن الله عز وجل على كل حال .

و قال سيار : دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه ، فقال : إن أحبه إلي ، أحبه إلى الله عز وجل .

و قال  عمرو بن أسلم العابد  : سمعت  أبا معاوية الأسود   يقول : في قوله تعالى : " فلنحيينه حياة طيبة " . قال : الرضا و القناعة .

ذكرهن  ابن أبي الدنيا  في كتاب  الرضا  ، ثم ذكر عن  مصعب بن ماهان  ، عن  سفيان الثوري  ، قال في قوله تعالى : " وبشر المخبتين " قال : المطمئنين الراضين بقضائه المستسلمين له .

و عن  وهب بن منبه  ، قال : وجدت في زبور داود عليه السلام : يا داود ، هل تدري أي الفقراء أفضل ؟ الذين يرضون بحلمي و بقسمي ، و يحمدوني على ما أنعمت عليهم ، هل تدري يا داود أي المؤمنين أعظم عندي منزلة ؟ الذي هو بما أعطي أشد فرحاً بما حبس .

و روى  الإمام أحمد  في كتاب  الزهد  ، عن زياد ابن أبي حسان ، أنه شهد عمر بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ حين دفن ابنه عبد الملك ، استوى قائماً ، و أحاط به الناس ، فقال : و الله يا بني ، لقد كنت باراً بأبيك ، و الله ما زلت منذ وهبك الله لي مسروراً بك ، و لا و الله ما كنت قط أشد سروراً ، و لا أرجى لحظي من الله فيك ، منذ وضعك الله في المنزل الذي صيرك إليه ، فرحمك الله ، و غفر لك ذنبك ، و جزاك بأحسن عملك ، و رحم كل شافع يشفع لك بخير شاهد و غائب ، رضينا بقضاء الله ، و سلمنا لأمره ، و الحمد لله رب العالمين . ثم انصرف .

و قال  سفيان الثوري  : قال عمر بن عبد العزيز لابنه : كيف تجدك ؟ قال : في الموت ، قال : لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك ، فقال و الله يا أبه ، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب .

و روى  الإمام أحمد  في  الزهد  بإسناده ، عن الحسن ، قال : حدثني الأحوص ، قال : دخلنا على  ابن مسعود  ـ رضي الله عنه ـ و عنده بنون له ثلاثة ، كأنهم الدنانير حسناً ، فجعلنا نتعجب من حسنهم ، فقال لنا كأنكم يغبطونني بهم ؟ قلنا : أي و الله ، لمثل هؤلاء يغبط المسلم ، فرفع رأسه إلى سقف بيت له صغير ، قد عشش فيه خطاف و باض ، فقال : و الذي نفسي بيده ، لأن أكون نفضت يدي عن تراب قبورهم ، أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف و ينكسر بيضه .

و بإسناده عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال يوم مات أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ : رضينا عن الله قضاءه ، و سلمنا له أمره ، إنا لله و إنا إليه راجعون .  

 

 فصل ـ فيما سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم لأهل المصيبة و ما نهى عنه

قد تقدم ما سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم لأهل  المصيبة  ، و ما نهى عنه ، و مما سنه الخشوع ، و البكاء الذي لا صوت معه ، و حزن القلب ، " و كان يفعل ذلك و يقول : تدمع العين و يحزن القلب و لا نقول إلا ما يرضي الرب " ، و كذلك الحمد و الاسترجاع . و قد تقدم .

و من سنته : الرضا عن الله في  المصيبة  و غيرها ، و لم يكن ذلك منافياً لدمع العين و حزن القلب .

و أشد الناس حرصاً على رضى مولاهم الأنبياء ، فقد روى  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، " عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إنا معشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفاً ، قال : فقلنا سبحان الله ! قال : أفعجبتم ؟ إن أشد الناس بلاءً الأنبياء و الصالحون ، الأمثل فالأمثل . قلنا سبحان الله ! قال : أفعجبتم ؟ إن كان النبي من الأنبياء ، ليتدرع العباءة من الحاجة ، لا يجد غيرها ، قلنا : سبحان الله ! قال : أفعجبتم ؟ إن كانوا ليفرحون بالبلاء ، كما تفرحون بالرخاء " . و لهذا كان أرضاهم ، و أرضى الخلق عن الله ، نبينا محمد صلى الله عليه و سلم في قضائه و قدره ، و أعظمهم له حمداً ، و لم يمكنني حصر ما وقع له في ذلك لكثرته و شهرته ، و مع ذلك بكى يوم مات ابنه إبراهيم ـ عليه السلام ـ رأفةً و رحمةً منه للولد ، و رقةً عليه ، و قلبه صلى الله عليه و سلم ممتلئ بالرضا عن الله تعالى و شكره له ، و اللسان مشتغل بحمده و ذكره .

و لما ضاق هذا المشهد و الجمع بين الأمرين ـ يعني رحمة الولد و الرقة عليه و الرضا عن الله تعالى ـ على أن بعض العارفين من السلف ، يوم مات ولده ، جعل يضحك ، فقيل له : تضحك في مثل هذه الحال ؟ فقال : إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه .

فأشكل هذا على جماعة من العلماء  و أرباب الأحوال و التصوف ، و قالوا : كيف يبكي رسول رب العالمين صلى الله عليه و سلم يوم مات ولده ، و هو أرضى الخلق عن الله ، و يبلغ الرضا بهذا العارف إلى أن ضحك يوم مات ولده ؟!

قال  شيخ الإسلام ابن تيمية  : هدي نبينا صلى الله عليه و سلم أكمل من هدي هذا العارف ، فإنه أعطى صلى الله عليه و سلم العبودية حقها ، فاتسع قلبه للرضا عن الله و رحمة الولد و الرقة عليه ، فحمد الله و رضي عنه في قضائه ، و بكى رحمةً و رقةً ، فحملته الرحمة على البكاء ، و عبوديته لله و محبته له على الرضا و الحمد ، و هذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين ، و لم يتسع باطنه لشهودهما و القيام بهما ، فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة و الرقة ، و الله تعالى أعلم . انتهى .

قلت و ما يؤيد ما ذكره الشيخ ـ رحمه الله ـ قصة نبي الله يعقوب إسرائيل عليه السلام ، إذ حكى الله تعالى عنه أنه ابيضت عيناه من الحزن ، و قال : " فصبر جميل " و " إنما أشكو بثي و حزني إلى الله " فمشهده أوسع من مشهد هذا العارف ، بل نبي الله يعقوب أبلغ من هذا العارف ، فإن يعقوب كان له عدة من الولد ، و مع هذا فهذه الرقة و الرحمة التي عنده ، مع الرضا الكامل ، و استعمل الرضا و التفويض في قوله : " إنما أشكو بثي و حزني إلى الله " و استعمل الرقة و الرحمة عند " و ابيضت عيناه من الحزن " فطريقة يعقوب عليه السلام أفضل من طريقة هذا العارف ، مع كثرة أولاد يعقوب ، و هذه رحمته و رقته ، و أما هذا العارف ـ على ما قيل ـ لم يكن له ولد سواه .

و روى  الإمام أحمد  في كتاب  الزهد  بإسناده ، عن ثابت البناني : أن صلة بن أشيم ، كان في مغزى له ، و معه ابنه ، فقال له : أي بني ، تقدم فقاتل ، حتى أحتسبك ، فجاء فقاتل حتى قتل ، ثم تقدم أبوه فقتل ، فاجتمعت النساء عند أمه معاذة العدوية ، فقالت : مرحباً ، إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحباً بكن ، و إن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن .

و ذكر  أبو الفرج بن الجوزي  : قال أبو جحيفة : إنا لمتوجهون إلى همذان ، و معنا رجل من الأزد ، فجعل يبكي ، فقلت : أجزع هذا ؟ قال : لا ، ولكن تركت ابني في الرحل ، فلوددت أنه كان معي ، فدخلنا الجنة جميعاً . 

 

 فصل ـ في تحقيق الرضا و أنه من عمل القلب

الرضا من أعمال القلوب ، لكن و إن كان من أعمال القلوب ، فكماله هو الحمد ، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا ، و لهذا جاء في الكتاب و السنة : حمد لله على كل حال ، و ذلك يتضمن الرضا بقضائه .

" و في الحديث : أول من يدعى إلى الجنة الحمادون ، الذين يحمدون الله في السراء و الضراء " .

" و في الحديث مرفوعاً ، أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أتاه أمر يسره ، قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، و إذا أتاه أمر يسوؤه قال : الحمد لله على كل حال " .

و قد تقدم في مسند  الإمام أحمد  " من حديث  أبي موسى الأشعري  ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا قبض الله ولد العبد ، يقول الله لملائكته : أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : ماذا قال ؟ فيقولون حمدك و استرجع ، فيقول الله عز و جل : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة ، و سموه بيت الحمد " .

و محمد نبينا صلى الله عليه و سلم هو صاحب لواء الحمد ، و أمته هم الحمادون ، الذين يحمدون الله في السراء و الضراء ، و الرضا .

و الحمد على الرضا له مشهدان :

أحدهما ـ علم العبد ، بأن الله سبحانه مستوجب لذلك ، مستحق له لنفسه ، أحسن كل شيء خلقه ، و أتقن كل شيء ، و هو العليم الحكيم .

الثاني ـ أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه ، كما روى  مسلم  في  صحيحه  ، " عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : و الذي نفسي بيده ، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً ، إلا كان خيراً ، و ليس ذلك إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له ، و إن أصابته ضراء صبر ، فكان خيراً له " ، فأخبر صلى الله عليه و سلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء و يشكر على الرخاء فهو خير له ، كما قال تعالى : " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " .

فمن لا يصبر على البلاء ، و لا يشكر على الرخاء ، فلا يلزم أن يكون القضاء خيراً له ، و لهذا أجيب من أورد على هذا ، بما يقضى على المؤمن من المعاصي ، بجوابين :

أحدهما : أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما يفعله ، كما في قوله تعالى : " ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك " و كقوله تعالى أيضاً : " و بلوناهم بالحسنات و السيئات لعلهم يرجعون " أي السراء و الضراء .

الثاني ـ أن هذا في حق المؤمن الصابر الشاكر ، و الذنوب تنقص الإيمان ، فإذا تاب العبد أحبه الله ، و قد ترتفع درجته بالتوبة .

قال بعض السلف : كان داود عليه السلام ، بعد التوبة ، خيراً منه قبل الخطيئة ، فمن قضي له بالتوبة كان كما قال  سعيد بن جبير  : إن العبد ليعمل الحسنة ، فيدخل بها النار ، و إن العبد ليعمل السيئة ، فيدخل بها الجنة ، و ذلك أنه يعمل الحسنة ، فتكون نصب عينيه و يعجب بها ، و يعمل السيئة ، فتكون نصب عينيه ، فيستغفر الله و يتوب إليه منها .

و ثبت في  الصحيح  " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : الأعمال بالخواتيم " .

و المؤمن ، إذا فعل سيئة ، فإن عقوبتها تندفع بعشرة أسباب :

أحدهما : أن يتوب توبة نصوحاً ليتوب الله عليه ، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له .

الثاني : أن يستغفر الله فيغفر الله تعالى له .

الثالث : أن يعمل حسنات يمحوها لقوله : " إن الحسنات يذهبن السيئات " .    

الرابع :أن يدعو له إخوانه المؤمنون و يشفعون له حياً و ميتاً .

الخامس : أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به .

السادس : أن يشفع فيه نبينا محمد صلى الله عليه و سلم .

السابع : أن يبتليه الله في الدنيا بمصائب ، في نفسه و ماله ، و أولاده و أقاربه ، و من يحب ، و نحو ذلك .

الثامن : أن يبتليه في البرزخ بالفتنة و الضغطة ، و هي عصر القبر ، فيكفر بها عنه .

التاسع : أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه .

العاشر : أن يرحمه أرحم الراحمين .

فمن أخطأته هذه العشرة ، فلا يلومن إلا نفسه ، " كما قال تعالى في الأحاديث الإلهيات : إنما هي أعمالكم ، أحصيها لكم ـ ثم أوفيكم إياها ـ ، فمن وجد خيراً ، فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه " ذكره  شيخ الإسلام ابن تيمية  . و المقصود أن المؤمن إذا كان يعلم أن القضاء خير له ، فيرضى عن الله بما قسم له ، كان قد رضي بما هو خير له .

" و في الحديث : عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : إن الله يقضي بالقضاء ، فمن رضي فله الرضا ، و من سخط فله السخط " . 

 

 الباب الحادي و العشرون : فيما يقدح في الصبر و الرضا و ينافيهما

قد تقدم أن الصبر اعتراف العبد بالله بما أصابه منه ، و احتسابه عند الله ، و أنه حبس النفس عما لا يحسن فعله و لا يجمل ، و حبس اللسان عما لا يحسن قوله ، فإذا كان معنى هذه المقالة أن الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله ، و القلب عن التسخيط ، و الجوارح عن لطم الخدود ، و خمش الوجوه ، و شق الثياب ، و نحو ذلك ، و أن العبد يرضى عن الله فيما يفعله به مما يحب و قوعه ، و مما يكره و قوعه ، فإذا وقع من العبد عكس ما ذكرته كان متلبساً بالنقائص و الرذائل ، فمن شكا ما به إلى مخلوق مثله ، كان قد شكا ربه إلى بعض مخلوقاته ، فمثله كمثل من شكا من يرحمه و يلطف به و يعافيه و بيده ضره و نفعه ، إلى من لا يرحمه و ليس بيده نفعاً ولا ضراً . فهذا من عدم المعرفة و ضعف الإيمان شكاية الضار النافع الذي بيده أزمة الأمور ، إلى من لا يضر و لا ينفع . قال شقيق البلخي : من شكا مصيبة نزلت به إلى غير الله ، لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبداً .

و أما إخبار المخلوق بحاله لا على وجه الشكوى ، فإن كان للاستعانة بأن يرشده أو يعاونه أو يوصله إلى زوال ضره بما ينفعه مما هو أخبر منه به ، كالحجام يحجبه و يقلع ضرسه ، أو رجل صالح يدعو له ، فهذه الأمور على هذا الوجه لم تقدح في صبره ، لأن هذا كإخبار المريض الطبيب بحاله ، و إخبار المبتلي في جسده ببلائه لمن يرجو أن يكون فرجه على يديه ، و كذلك إخبار المظلوم لمن ينتصر به ، و إخبار المبتلى في دينه لمن هو مسترشد الهداية ، ليبين له طريق الهداية إن وفق لها .

" و قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا دخل على المريض ، سأله عن حاله ، ويقول : كيف تجدك ؟ " وهو استخبار منه و استعلام بحاله .

و أما الأنين فهل يقدح في الصبر ؟ فيه روايتان عن  الإمام أحمد  ، قال  القاضي أبو الحسين  : أصح الروايتين الكراهة ، لما روي عن طاووس ، أنه كان يكره الأنين في المريض .

و قال  مجاهد  :يكتب على ابن آدم مما سطر به ، حتى أنينه في مرضه . انتهى .

و قال جماعة من العلماء : الأنين شكوى بلسان الحال ، فينافي الصبر .

و قال عبد الله بن  الإمام أحمد  : قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه : أخرج إلي كتاب  عبد الله بن إدريس  ، فأخرجت الكتاب ، فقال : أخرج أحاديث  ليث بن أبي سليم  ، فأخرجت أحاديث  ليث بن أبي سليم  ، فقال : اقرأ علي أحاديث الليث ، قال : قلت لطلحة : إن طاووساً كان يكره الأنين في المرض ، فما سمع له أنين حتى مات ، فما سمعت أبي أن في مرضه ذلك إلى أن توفي . و الرواية الثانية أنه لا يكره و لا يقدح في الصبر ، بل قد يقدح في الرضا .  

قال بكر بن محمد عن أبيه : " سئل  الإمام أحمد  عن المريض ، يشكو ما يجد من الوجع ! فقال : يعرف فيه شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : نعم ، حديث عائشة : وا رأساه ! وجعل يستحسنه " .

و قال  المروزي  : دخلت على أبي عبد الله  أحمد بن حنبل  ، و هو مريض ، فسألته ، فتغرغرت عينيه ، و جعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة .

قال  العلامة ابن القيم  ـ رحمه الله ـ : اعلم أن الأنين على قسمين : أنين شكوى ، فيكره ، و أنين استراحة و تفريج ، فلا يكره ، و الله أعلم .

 

 

 فصل : في أن شق الثياب و لطم الخدود ينافي الصبر و الرضا

و مما ينافي الصبر و الرضا ، ما يفعله أكثر الناس في زماننا عند  المصيبة ، من شق ثيابهم ، و لطم خدودهم ، و خمش وجوههم ، و نتف شعورهم ، و التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى ،  و رفع أصواتهم عند المصيبة .

و لقد حضرت عند شخص ، حين فارق الدنيا ، و هو من الجند ، فحين خرجت روحه ، أتوا بجعبة نشاب ، فكسروها بمجموعها ، واحدة بعد واحدة عليه ، و أتوا أيضاً بعدة الحرب فرموها عليه ، و أنا مع ذلك أعظم و أقول لهم : هذا حرام ، نهى الله ورسوله عن ذلك ، و هذا فيه إضاعة مال ، فقال بعضهم لي : لم يصبك ما أصابنا ، فخرجت عنهم ، ثم إنهم بعد ذلك ندموا على ما فعلوا من إتلاف ما أتلفوه .

" و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم : إنما الصبر عند الصدمة الأولى " لأن في تلك الحالة هيجان الحزن ، و استغراق الذهن ، و ذهول العقل بما دهمه ، و تمكن الشيطان منه ، فإن الشيطان ـ لعنه الله دائماً ـ يتمكن من بني آدم عند ذهول عقلهم : إما بسكر كما وقع في قصة هاروت و ماروت ، و هي مشهورة حين دعتهما المرأة إل ىقتل الولد ، أو السجود للصنم، أو شرب القدح من الخمر مراراً ، و أنهما شربا القدح من المسكر ، فلما شربا سكرا، فأتيا كل ما أمرتهما به . و كذلك ذهول العقل عند العشق ، و عند الولاية ، و عند كثرة المال ، و عند  المصيبة ، فكل هذه الأمور العارضة للعبد في الغالب يحصل له بها ذهول العقل ، فيتمكن الشيطان بها منه .

نسأل الله العافية ، و دوام العافية ، و الثبات في الأمر ، و العزيمة على الرشد ، " فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يسأل الله في دعائه : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر " الدعاء المشهور . " وكان يقول : اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك " . فالثبات في الأمور مطلوب شرعاً ، كما أن العبد نهي عن الأمور المذمومة من اللجاج  و الطيش ، و العجلة والحدة ، و افتقاد الحزن ، و غير ذلك من الأمور المذمومة التي لا أحصيها عدداً . ويحاً لمن يقدم على الله تعالى مع هذه الأمور المذمومة التي نهى الشرع عنها ، غير تائب منها ، معتمداً على صومه و صلاته و حجه و عبادته ، و هومع ذلك فرح مستبشر ، كأنه قد جاز الصراط ، و أعطي البراءة ، و جاءه البشير من الله تعالى بالفوز و الخلاص ! ويحاً لمن بعتز بأعماله الظاهرة ، و باطنه مثل المزابل ! نسأل الله تعالى حسن التوفيق .

  

 

 فصل : في البكاء و الحزن الصامت لا ينافي الرضا و الصبر

و أما البكاء و الحزن من غير صوت و لا كلام محرم ، فهو لا ينافي الصبر و الرضا ، و قد تقدم لنا قريباً من ذلك . قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام : " و ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم " قال قتادة : كظيم على الحزن ، فلم يقل إلا خيراً . مع قوله تعالى : " إنما أشكو بثي و حزني إلى الله " و قوله تعالى عنه في أول السورة : " فصبر جميل " و قد " جاء في أثر مرفوع إلى النبي صلى الله عليه و سلم : من بث لم يصبر " لكن يعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من البكاء ، و لم يناف حزنه و بكاءه صبره ، فإنه عليه السلام ما شكا بثه و حزنه إلى مخلوق ، و إنما شكاه إلى الله .

و روى حماد بن سلمة ، " عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن  ابن عباس  ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم . قال : ما كان من العين و من القلب فمن الله و الرحمة ، و ما كان من اليد و اللسان فمن الشيطان " .

قال خالد بن أبي عثمان : مات ابن لي ، فرآني  سعيد بن جبير  مقنعاً ، فقال لي : إياك و التقنع ، فإنه من الاستكانة .

و قال  بكر بن عبد الله المزني  : كان يقال : من الاستكانة الجلوس في البيت بعد  المصيبة  .

و قال  عبيد بن عمير  : ليس الجزع أن تدمع العين و يحزن القلب ، و لكن الجزع القول السيئ ، و الظن السيئ .

و مات ابن لبعض قضاة البصرة ، فاجتمع إليه العلماء  و الفقهاء ، فتذاكروا ما تبين به جزع الرجل من صبره ، فأجمعوا أنه إذا ترك شيئاً مما كان يصنعه فقد جزع .

و قال ابن عبد العزيز : مات ابن لي نفيس ، فقلت لأمه : اتق الله و احتسبيه عند الله و اصبري ، فقالت مصيبتي به أعظم من أفسدها بالجزع .

و قال  عبد الله بن مبارك  ـ رحمه الله ـ : أتى رجل يزيد بن يزيد ، و هو يصلي ، و ابنه في الموت ، فقال : ابنك يقضي و أنت تصلي ؟ فقال : إن الرجل ، إذا كان له عمل يعمله ، فتركه يوماً واحداً ، كان ذلك خللاً في عمله .

و قال ثابت : أصيب  عبد الله بن مطرف  بمصيبة ، فرأيته أحسن شيء شارة و أطيبه .

 

 فصل ـ في أن من يبتلي بالمصائب هو أحكم الحاكمين و أرحم الراحمين

و لا بد أن يعلم المصاب ، أن الذي ابتلاه بمصيبته ، أحكم الحاكمين ، و أرحم الراحمين ، و أنه سبحانه ، لم يرسل البلاء ليهلكه به ، و لا ليعذبه ، و لا ليجتاحه ، و إنما افتقده به ، ليمتحن صبره و رضاه عنه و إيمانه ، و ليسمع تضرعه و ابتهاله و ليراه طريحاً على بابه ، لائذاً بجنابه ، مكسور القلب بين يديه ، رافعاً قصص الشكوى إليه .

قال الشيخ الإمام العالم العارف المكاشف  عبد القادر الكيلاني  ـ رحمة الله عليه ـ لابنه ، يا بني ، إن  المصيبة  ما جاءت لتهلكك ، و إنما جاءت لتمتحن صبرك و إيمانك ، يا بني ، القدر سبع ، و السبع لا يأكل الميتة . انتهى كلامه .

و المقصود : أن المصيبة كير العبد الذي يسبك بها حاصله ، فإما أن يخرج ذهباً أحمر و إما أن يخرج خبثاً كله ، كما قيل :

 سبكناه ، و تحسبه لجيناً     فأبدى الكير عن خبث الحديد

فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم ، فإذا علم العبد ، أن إدخاله كير الدنيا و مسبكها ، خير له من ذلك الكير و المسبك ، و أنه لا بد من أحد الكيرين ، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل ، فالعبد ، إذا امتحنه الله بمصيبة ، فصبر عند الصدمة الأولى ، كما ورد " في حديث  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : مر النبي صلى الله عليه و سلم بامرأة عند قبر، و هي تبكي ، فقال لها : اتق الله و اصبري ، فقالت : إليك عني ، فإنك لم تصب بمصيبتي ـ و لم تعرفه ـ فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه و سلم ، فأتت باب النبي صلى الله عليه و سلم ، فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك يا رسول الله ! قال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى " رواه  البخاري  . و " لفظ  مسلم  : أتى على امرأة تبكي على صبي لها ، فقال لها : اتق الله و اصبري ، فقالت : و ما تبالي بمصيبتي ؟ فلما ذهب قيل لها : إنه رسول الله ! فأخذها مثل الموت ، فأتت بابه ، فلم تجد على بابه بوابين . . . " و ذكر تمام الحديث .    

 

 فصل ـ في أن الشكوى و التحدث بالمصيبة ينافي الصبر و الرضا

و مما يقدح في الصبر و الرضا ، و ينافيهما : إظهار  المصيبة  و التحدث بها و إشاعتها ، سواء كان كلام بها بين الأصحاب أو غيرهم ، اللهم إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه : مات فلان ، يعني والده أو ولده ، و نحو ذلك ، و ما يريد به إظهار  المصيبة ، و إنما يريد إعلامهم لأجل الصلاة عليه و تشييعه و نحو ذلك ، مما هو من فروض الكفايات و يحصل لهم بذلك القراريط من الأجر ، و قد تقدم أن الإعلام بالميت ، هل هو نعي أم لا ؟ و المقصود أن كتمان  المصيبة  رأس الصبر .

قال  الحسن بن الصباح  في مسنده : " حدثنا خلف بن تميم ، حدثنا زفر بن سليمان ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من البر كتمان المصائب و الأمراض و الصدقة " و ذكر أنه من بث لم يصبر .

و روي من وجه آخر ، " من حديث  أنس  ـ رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : من كنوز البر كتمان المصائب ، و ما صبر من بث " .

و لما نزل في إحدى عيني عطاء الماء ، مكث عشرين سنة ، لا يعلم به أهله ، حتى جاء ابنه يوماً من قبل عينه التي أصيب فيها ، فلم يشعر به ، فعلم أن الشيخ قد أصيب .

و دخل رجل على داود الطائي في فراشه ، فرآه يزحف ، فقال إنا لله و إنا إليه راجعون ، فقال : مه، لا تعلم بهذا أحداً . و قد أقعد قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد .

و شكا الأحنف إلى عمه وجع ضرسه ، فكرر ذلك عليه ، فقال : ما تكرر علي ؟ لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ، فما شكوتها إلى أحد !

و من المنافاة للصبر و الرضا : الهلع عند ورود  المصيبة  ، و هو الجزع ، قال الله تعالى : " إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا " قال  الجوهري  : الهلع : أفحش الجزع ، و قد هلع بالكسر فهو هالع و هلوع .

" و في الحديث : شر ما في العبد شح هالع و جبن خالع " .

قال العلامة ابن القيم  ـ رحمه الله ـ : هنا في هذا الحديث أمران : أمر لفظي و أمر معنوي .

فأما اللفظي ، فإنه وصف الشح بكونه هالعاً ، و الهالع صاحبه ، و أكثر ما يسمى هلوعاً ، و لا يقال : هالع له ، فإنه لا يتعدى ، و فيه وجهان :

أحدهما ـ أنه على النسب ، كقولهم : ليل نائم ، و شر قائم ، و نهار صائم و يوم عاصف ، كله عند سيبويه على النسب ، أي ذو كذا .

و الثاني ـ أن اللفظة غيرت عن بابها للازدواج مع خالع ، و له نظائر .

و أما المعنوي فإن الشح و الجبن أردى صفتين في العبد ، و لا سيما إذا كان شحه هالعاً ، أي ملولة في الهلع ، و جبنه خالعاً ، أي قد خلع قلبه من مكانه ، فلا سماحة و لا شجاعة ، كما يقال : لا يطرد و لا يثرد ، انتهى كلامه .

و روى  سعيد بن منصور  في سننه: " حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن سليمان بن سليم ، عن يحيى بن جابر ، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : ما يحبط الأجر في  المصيبة  ؟ قال :  تصفيق الرجل بيمينه على شماله و الصبر عند الصدمة الأولى   فمن رضي فله الرضى ، و من سخط فله السخط " .  

" و ذكر بإسناده أيضاً ، رفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إن القوم ليصابون بالمصيبة فيجزعون و يهلعون ، فما يكون لهم من أجرها شيء فيمر بهم الرجل من المسلمين ، فيسترجع ، فيكتب الله عز و جل له أجر ما أعطاه من تلك المصيبة  " .

و قال  ابن أبي الدنيا  : حدثني أحمد بن عبد الأعلى ، حدثني شيخ من آل ميمون بن مهران ، أن الحجاج أصيب بابن له ، فاشتد جزعه عليه ، فدخل فغير ثيابه ، و مس شيئاً من طيب ، و جلس ، و أذن للناس ، فلم يتكلموا، فقال : حسبي ثواب الله من كل نكبة ، و حسبي بقاء الله من كل هالك ، تحدثوا .     

 

 فصل ـ في أن الله تبارك و تعالى يختبر عباده بالمصائب

و الله تبارك و تعالى يبتلي عبده ، ليسمع شكواه و تضرعه و دعاءه و صبره و رضاه بما قضاه عليه ، فهو سبحانه و تعالى يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب و غيرها ، و يعلم خائنة أعينهم و ما تخفي صدورهم ، فيثيب كل عبد على قصده و نيته ، و قد ذم الله تعالى من لم يتضرع إليه و لم يستكن له وقت البلاء ، كما قال تعالى : " و لقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون " .

و العبد أضعف من أن يتجلد على ربه و لا يشكو إليه حاله ، فإنه إذا كان سادات الخلائق ، و هم الأنبياء المعصومون صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين ، قد أثنى الله تعالى عليهم حيث شكوا ما بهم إلى الله تعالى ، فقال تعالى عن بعضهم : " و ذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " و أثنى على أيوب بقوله : " أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " ، و على يعقوب : " إنما أشكو بثي و حزني إلى الله " و على موسى بقوله : " إني لما أنزلت إلي من خير فقير "  . " و قد شكا إليه خاتم أنبيائه و رسله بقوله : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، و قلة حيلتي ، و هواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين " الحديث المشهور في دعاء الطائف ، و هو دعاء عظيم ، فالشكوى إلى الله تعالى لا تنافي الصبر و لا الرضا ، بل إعراض العبد بالشكوى إلى غيره من جهله بخالقه و عدم رضاه و صبره بما ابتلاه الله تعالى به ، و الله تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه و يحب من يشكو ما به إليه .

قيل لبعضهم : كيف تشتكي إلى من لا يخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء ؟ فقال :

 قالوا : أتشكو إليه       ما ليس يخفى عليه

 فقلت : ربي يرضى        ذل العبيد لديه  

و ذكر  ابن أبي الدنيا  ، عن علي بن الحسن ، قال : قال رجل : لأمتحنن أهل البلاء ، قال : فدخلت على رجل بطرسوس ، و قد أكلت الأكلة أطرافه ، فقلت له كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت و الله و كل عرق ، و كل عضو ، يألم على حدته من الوجع ، و إن ذلك لبعين الله ، أحبه إلي أحبه إلى الله عز و جل ، و ددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم ، و أنه لم يبق مني إلا لساني تكون له ذاكراً ، قال : فقال له رجل : متى بدأت هذه العلة ؟ قال : أما كفاك ؟ الخلق كلهم عبيد الله و عياله ، فإذا نزلت بالعباد علة ، فالشاكي إلى الله ليس يشكي الله إلى العباد .

 

 الباب الثاني و العشرون : هل المصائب مكفرات أم مثيبات

و قد اختلف العلماء  في هذا الباب اختلافاً كثيراً ، و تباينوا فيه تبايناً شديداً ، فذهب بعض العلماء  إلى أنه يثاب على كل مصيبة ، و ذهب طائفة أخرى من العلماء  إلى أنه لا يثاب على المصائب مطلقاً ، و إنما يثاب على الصبر عليها ، حتى قطع به  ابن عبد السلام  في  قواعده  ، و ذهب  شيخ الإسلام ابن تيمية  و جماعة من العلماء  إلى أن إطلاق القول بالثواب ، كلاهما يرد عليه ما يدفعه ، و أن ثم فرقاً مؤثراً نذكره فيما بعد ، إن شاء الله .

و قد احتجت كل طائفة بظواهر مرجحة لما ذهبت إليه كما سنذكره بعد .

احتجت طائفة من العلماء  إلى أنه يثاب على كل مصيبة بقوله تعالى : " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله و لا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح . . " الآية .

و في  الصحيحين  ، " عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما يصيب المؤمن من وصب و لا نصب ، و لا هم و لا حزن ، و لا غم و لا أذى ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه " ، الوصب : الوجع اللازم ، و منه قوله تعالى : " و لهم عذاب واصب " أي لازم ثابت ، و النصب : التعب .

و روى  الحاكم  في  المستدرك  " أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : المصاب من حرم الثواب ".

و روى  ابن ماجة  " من حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ليس الزهادة في الدنيا ، بتحريم الحلال و لا بإضاعته ، و لكن الزهادة في الدنيا ، أن تكون بما في يد الله ، أوثق منك بما في يدك ، و أن تكون في ثواب  المصيبة  ، إذا أصبت بها ، أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك " رواه  الإمام أحمد  ، موقوفاً عن  أبي مسلم الخولاني  .

و في  صحيح البخاري  " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : مامن مسلم ، يموت له ثلاثة من الولد ، لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة ، بفضل رحمته إياهم " . و " رواه أحمد و النسائي : ما من مسلمين ، يموت لهما ثلاثة من الولد ، لم يبلغوا الحنث ، إلا غفر لهما " . و غير ذلك من الأحاديث مما اختصرته .

قال  النووي  ـ رحمه الله ـ في  شرح مسلم  عند قوله صلى الله عليه و سلم : "ما من مسلم يشاك بشوكة ، فما فوقها ، إلا كتبت له بها درجة ، و محيت عنه بها خطيئة " و في رواية : " إلا رفعه الله بها درجة ، أو حط عنه بها خطيئة " . و في بعض النسخ " و حط عنه بها خطيئة " بغير ألف ، و في رواية " إلا كتب له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة " . قال : وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين ، فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور ، و فيه تكفير الخطايا بالأمراض و الأسقام و مصائب الدنيا و همومها و إن قلت مشقتها ، و فيه رفع الدرجات بهذه الأمور و زيادة الحسنات ، و هذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء  . و حكى  القاضي عياض  عن بعض العلماء  : أنها تكفر الخطايا فقط . و لم يبلغهم هذه الأحاديث الصحيصة الصربحة برفع الدرجات ، و كتب الحسنات ، انتهى كلامه .

" و يؤيد ذلك قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ : ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه و سلم . و قوله صلى الله عليه و سلم : إني لأوعك مثل رجلين منكم، و إنك لتوعك وعكاً شديداً ، و قوله صلى الله عليه و سلم : أشد الناس بلاءً الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل " . قال جماعة من العلماء  : و الحكمة في كون الأنبياء أشد بلاءً ثم الأمثل بالأمثل : أنهم مخصصون بكمال الصبر و صحة الاحتساب ، و الأنبياء معصومون من الخطايا فتعين الثواب ، و الله أعلم .

و في حديث المرأة التي كانت تصرع : دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب .

و في  صحيح مسلم  " قالت امرأة يا رسول الله ، دفنت ثلاثة من الولد قال : احتظرت بحظار من النار " .

قال بعض السلف : فقد الثواب على  المصيبة  أعظم من  المصيبة  ، فإنه قد " ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : المصاب من حرم الثواب " و قد تقدم .

و تقدم في أثناء الكتاب أحاديث تشهد لهذا القول ، و الله أعلم .

احتجت الطائفة الأخرى من العلماء  ممن أطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها ، و إنما يثاب على الصبر عليها . بقوله تعالى : " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " قال  ابن عبد السلام  في  قواعده  : الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل الله فيه ، قال تعالى : " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " .فما حصل لهم من صلاة الله عليهم و رحمته لهم و هدايته إياهم بقولهم : " إنا لله و إنا إليه راجعون " فالاسترجاع هو سبب في حصول ما ذكر ، و كذلك " حديث  أبي موسى الأشعري  ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يقول الله عز و جل لملك الموت : يا ملك الموت ، قبضت ولد عبدي ؟ قبضت قرة عينيه و ثمرة فؤاده ؟ قال : نعم ، قال : فما قال ؟ قال : حمدك و استرجع ، قال : ابنوا له بيتاً في الجنة و سموه بيت الحمد " فحمده و استرجاعه هو سبب بناء البيت له في الجنة ، و تسمية البيت كافية .

قال  القاضي عياض  : و قد روي عن  عبد الله بن مسعود  ، أنه قال : الوجع لا يكتب به أجر إنما يكفر الخطايا فقط .

        

 

 فصل ـ في سياق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

أما ما يحدثه الله من مصائب ، فتارة بغير فعل الخلائق كالأمراض و نحوها ، و تارة بفعلهم . و فصل الخطاب : أن المصائب إن تولدت عن عمل صالح ، كما تتولد عن الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نحوه ، فهذا يثاب عليه ، فإن الإنسان يثيبه الله على عمله و على ما يتولد من عمله إذا أقدم على احتماله ، فإن المجاهد قد أقدم على الجهاد و هو يعلم أنه يؤذى في الله عز وجل ، و قد يناله ضرر في جهاده فتموت فرسه ، أو يأخذ ماله ، أو يضرب أو يشتم و نحو ذلك، كما قال تعالى : " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " ، فأخبر تعالى ، أنه يكتب لهم عمل صالح ، بما يصيبهم من التعب و الجوع و العطش ، و نحو ذلك الذي حصل لهم بسبب الجهاد في سبيل الله عز و جل ، فهذه الأمور يغفر الله بها خطاياه ، و يؤجر على هذه المصائب ، لأنها حصلت بسبب جهاده فهي مما تولد من عمله ، و ما تولد عن عمله الصالح من المصائب يثاب عليها . و أما الجوع و العطش و التعب الذي يحصل من دون ذلك فلا يثاب إلا على الصبر عليه ، فإنه ليس من عمله و لا متولداً من عمل صالح ، لكن هو من المصائب التي يكفر الله بها خطاياه . و أما  المصيبة بالولد ، فالولد تولد عن جماعه الذي صان نفسه به عن الزنا ، و قصد به النسل ، و تكثير الأمة ، و غض البصر عن المحارم ، فإذا حصل له ذلك ، ثم مات الولد ، فقد أثيب عليه من جهة ، و كفر الله به خطاياه من جهة ، لأنه تولد عن عمله . و أما الأمراض و الأسقام فهي تكفر الخطايا .

و قد روي أن أبا عبيدة بن الجراح لما عادوه و قالوا : له أجر . فقال : ليس لي من الأجر مثل هذه ، و لكن المرض حطة يحيط الله بها الخطايا .

فهذا الذي ذكرته هو الفرق بين المصائب التي يثاب عليها ، و المصائب التي لا يثاب عليها ، فإن بعض الناس يظن أنه يثاب على كل مصيبة ، و من العلماء من يطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها ، و إنما يصاب على الصبر عليها .

ثم قال بعد ذلك بكلام كثير : فمن فعل فعلاً صالحاً باختياره ، فأوذي ، و احتسب ذلك الأذى ، كان ذلك الأذى من عمله الصالح الذي يثاب عليه ، كالصائم إذا احتسب جوعه و عطشه . " و قد قال صلى الله عليه و سلم : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " والخلوف تولد عن صومه بغير اختياره ، و لكن تولد عن عمل صالح ، و كذلك القائم بالليل ، إذا احتسب تعبه و سهره ، فإن  الأذى الذي يحصل باختيارك في طاعة الله ، أنت جلبته على نفسك باختيارك طاعة الله ، فليس هو كمن أوذي بغير اختياره ، فإن ذلك أذاه مصيبة محضة ، لكن هي حق له على الظالم .

 و قال الشيخ ـ رحمه الله ـ " في قول النبي صلى الله عليه و سلم : لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له ، و إن أصابته ضراء صبر ، فكان خيراً له " . و هي نفسها تكفر خطاياه و يؤجر على الصبر عليها ، ففيها له مغفرة من جهة ما يكفره من الخطايا . و له فيها رحمة من جهة ما يؤجر على الصبر عليها ، لا سيما إذا اقترن بها توبة و إنابة إلى الله ، و توكل عليه و توحيد له و إخلاص الدين له ، فإنها تكون من أعظم النعم ، و مصيبة تقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله .

و قال بعض السلف : يا ابن آدم ، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها قرع باب سيدك .

" و في الحديث إذا قالوا للمرض : اللهم ارحمه ، يقول الله عز و جل : كيف أرحمه من شيء به أرحمه ؟ " .

و في الأثر : يا ابن آدم ، البلاء يجمع بيني و بينك ،  و العافية تجمع بينك و بين نفسك. انتهى .

و المقصود من كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ أن كل ما تولد عن عمله الصالح من المصائب أثيب عليه ، بخلاف المصائب التي لم تتولد عن عمله ، فإنها مكفرات لا مثيبات .

ت

 

 فصل ـ في قوله أيضاً رحمه الله في أن المصائب نعمة من نعم الله تعالى

قال الشيخ رحمه الله : و كثير من الناس لا يعرف النعمة إلا ما يلتذ به في دنياه ، كما قال بعض السلف : من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه و مشربه ، فقد قل علمه ، و حضر عذابه . فمن الناس من يرى النعمة في بدنه فقط ، بالأكل و الشرب و النكاح ، و منهم من يرى النعمة بالرئاسة و الجاه و نفاذ الأمر و النهي و قهر الأعداء ، و منهم من يرى النعمة في جميع الأموال و القناطير المقنطرة ، و هؤلاء من جنس الكفار ، يرون هذه نعماً ، و أعلى من هؤلاء : من يرى النعمةفي الإيمان و العمل الصالح، لكن لا يرى الأمر بذلك و الجهاد عليه نعمة ، بل يرى فيه من المضار ما يوجب تركه و الذين يرون هذه النعمة : منهم من لا يراه نعمة إلا مع السلامة و الغنيمة ، فإن جرح أو قتل بعض أولاده ، أو أخذ ماله ، عد ذلك مصيبة لا نعمة . و حجة هؤلاء كلهم أن النعمة ما يتنعم به العبد ، و هذه الأمور تؤلم النفس ، فلا تكون من النعم ، بل من المصائب ، و لا ريب أنها من المصائب ، باعتبار ما يحصل فيها من الألم ، و لهذا أمر بالصبر عليها ، لكن لا منافاة بين كون الشيء مصيبة باعتبار ، و نعمة باعتبار ، فباعتبار ما يحصل له من الأذى هو مصيبة ، و باعتبار ما حصل به من الرحمة نعمة ، و هذا لأنه إذا قيل : هذا يكفر به الخطايا و يؤجر عليها ويؤجر على الصبر عليها كانت نعمة ، و هذا بمنزلة شرب المريض الدواء الكريه ، هو مصيبة باعتبار مرارته ، و هو نعمة باعتبار إزالته للمريض الذي هو أشد ضرراً فيه ،و أدنى الشرين إذا زال أعظمهما كان نعمة ، و من استعمل نعمة الله في المعاصي ، كانت شراً في حقه ، لأنها جرته إلى العذاب الذي هو أعظم من تلك اللذة كمن أكل عسلاً فيه سم ، فإن ضرر السم أعظم من حلوة العسل ، و الله أعلم . انتهى كلامه .

 

 

 الباب الثالث والعشرون : في الصدقة عن المصاب به و أفعال البر عنه

و هذا الباب مما يطيب قلوب أهل المصائب على مصابهم ، فإنهم إذا بدلوا بدل الحزن و البكاء و لطم الخدود و شق الثياب و النياحة ، الصدقة و الدعاء و الاستغفار و قراءة القرآن و الصلاة  و الصيام ، و نحو ذلك من أفعال القرب ، و علموا وصولهم إلى موتاهم ، و إنه يحصل لهم بذلك : إما تكفير سيئات ، أو رفع درجات ، أو كلاهما ـ حصل لهم السرور بذلك و الفرح الزائد .

و هذا الباب منعقد على إهداء القرب إلى الموتى و الأحياء ، فنذكر اختلاف العلماء في وصول ثواب ذلك إليهم ، فمن أنواع القرب : قرب لم يختلف في وصول ثوابها إلى الموتى ، و ثم قرب اختلف   العلماء في وصول ثوابها اختلافاً كثيراً ، فنذكر ما يسره الله تعالى في ذلك ، فإن ذكر الاختلاف و البسط ، سبيل ذلك الكتب المطولة .

 

 

 فصل : في ذكر اختلاف الناس في وصول ثواب إهداء القرب إلى الموتى

أما الدعاء و الاستغفار و الصدقة و قضاء الدين و أداء الواجبات ، فلا أعلم خلافاً في وصولها ، حكاها غير واحد من العلماء ، و من العلماء من يشرط في الوصول إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة . قال الله تعالى : " و الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا " ، و قال تعالى : " و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات " " و دعاء النبي صلى الله عليه و سلم لأبي سلمة حين مات أبو سلمة ، و دعاء النبي صلى الله عليه و سلم للميت الذي صلى عليه ، و شرع الله ذلك له ، و شرعه لكل من صلى على ميت بقوله : اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وكذلك : اللهم اغفر له و ارحمه و عافه و اعف عنه " الدعاء المشهور المعروف .

و أما وصول العبادات المالية المحضة ، كالعتق و الصدقة و نحوهما : فجمهور العلماء من أهل السنة و الجماعة على وصول ثوابها إلى الموتى ، كما يصل إليهم الدعاء و الاستغفار ، و أما وصول ثواب الأعمال البدنية كالصوم و الصلاة و القراءة و نحو ذلك ، فالصحيح الوصول ، و هو مذهب  الإمام أحمد   و أبي حنيفة  و طائفة من أصحاب  مالك  و  الشافعي  ، لما يأتي من الأحاديث بعد إن شاء الله .

    

 

 

 فصل : في الآيات و الأحاديث الواردة في هذا الباب

قد تقدم قوله تعالى : " و الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان " . و قال تعالى : " و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات " ، و قال تعالى : " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " فلو لم ينفعهم ذلك ، لم يخبر الله تعالى به ترغيباً .

و أما الأحاديث ، فمنها : ما روى  الإمام أحمد  " من حديث الحسن بن سعد بن عباده ، أن أمه ماتت ، فقال : يا رسول الله ، ماتت أمي ، أفأتصدق عنها ؟ قال : نعم ، قال : قلت : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : سقي الماء " ، قال الحسن : فتلك سقاية آل سعد بالمدينة . و رواه  النسائي  أيضاً .

و منها : " عن معقل بن يسار ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اقرؤوا يس على موتاكم " . رواه  أبو داود  و  ابن ماجة  ، و رواه  الإمام أحمد  ، و " لفظه : يس قلب القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد الله تبارك و تعالى و الدار الآخرة إلا غفر الله له ، و اقرؤوها على موتاكم " .

و فيه دليل على وصول القراءة إلى الميت فإنه صلى الله عليه و سلم أمرنا أن نقرأها على موتانا ، و أمره في هذا المكان أمر إرشاد لا يجوز أن يعرى عن فائدة ، و لا فائدة للعبد بعد موته أعظم من الثواب ، فإنا نعلم يقيناً ، أن الميت من أحوج الناس الى ما يقربه من رحمة الله ، و يباعده من عذاب الله ، و قد امتنع  عليه ذلك بعد موته بفعل نفسه ، فما بقي يحصل له ذلك إلا بفعل غيره ، و الحصول هو الثواب المترتب على القراءة ، و الله أعلم .

فإن قيل : قد فسر جماعة من العلماء أن المراد بقراءة يس  عند الاحتضار للمسلم الذي سيموت . و قد ذهب الى هذا جماعة من العلماء حتى  الشيخ مجد الدين ابن تيمية الحراني  بوب عليه في كتابه  المنتقى  .

قيل : هذا خلاف الحقيقة ، فإنه إذا حمل على من سيموت يكون حمل اللفظ على مجازه ، و معلوم أن حمل اللفظ على حقيقته أولى من حمله على مجازه ، فإن سلم أنه أريد به المحتضر ، فهو حجة على المخالف المانع من وصول ثواب القراءة إلى الميت ، فإن قول المخالف في أن الحي لا ينتفع بعمل الغير ، أشد من قوله في الميت .

فإن قيل : إنما يحصل له به راحة و سرور كالتذاذة به في الدنيا .

قلنا : هذه دعوى تفتقر إلى دليل ، و الأصل عدمه ، بل نقول : أي راحة و سرور أعظم من ثواب يحصل للميت يرفع درجاته أو يحط عنه سيئاته ؟ و قد أفردت لهذا الكلام جزءاً و سميته  الدر المنتخب في إهداء القرب  فمن رام كشف ذلك فليطلبه من محله ، و ما نذكره هنا على سبيل التنبيه . و منها ما روي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن العاص بن وائل ، نذر أن ينحر في الجاهلية مائة بدنة ، و أن هشام بن العاص نحر حصته خمسين ، " و أن عمراً سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك ، فقال : أما أبوك ، فلو أقر بالتوحيد ، فصمت عنه و تصدقت عنه نفعه ذلك " رواه  الإمام أحمد  ، و هو دليل على وصول أفعال الخير إلى الميت .

و منها : " عن أبي هريرة  ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه و سلم : إن أبي مات و لم يوص ، أفينفعه أن أتصدق عنه ؟ قال : نعم " . رواه  مسلم  و  الإمام أحمد  و  النسائي  و  ابن ماجة  .

و منها : " عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رجلاً ، قال للنبي صلى الله عليه و سلم : إن أمي افتلتت نفسها ، و أراها لو تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم " . رواه  البخاري   و  مسلم  و  الإمام أحمد  .

و " عن  عمرو بن شعيب  ، عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : ما على أحدكم ، إذا أراد أن يتصدق بصدقة تطوعاً ، أن يجعلها عن والديه ، إذا كانا مسلمين ، فيكون لوالديه أجرها ، و له مثل أجورهما ، من غير أن ينقص من أجورهما شيء " . رواه  حرب  في مسائله  بسنده .

و روى  ابن المنذر  بإسناده ، عن عائشة  ـ رضي الله عنها ـ أنها أعتقت عن أخيها عبد الرحمن عبداً بعد موته .

و روى  الدارقطني  ، و غيره ، " عن عطاء بن أبي رباح ، مرسلاً ، أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إن أبي مات ، أفأعتق عنه ؟ قال : نعم " .

و روى  الدار قطني  أيضاً ، عن الحسن و الحسين ـ رضي الله عنهما ـأنهما كانا يعتقان عن أبيهما علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بعد موته .

" عن ابن أسيد ، مالك بن ربيعة الساعدي ، قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ جاءه رجل من بني سلمة ، فقال : يا رسول الله ، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : نعم ، الصلاة عليهما ، و الاستغفار لهما ، و افتقاد عهدهما بعدهما ، و صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، و إكرام صديقيهما " . رواه  أبو داود  ، و هذا لفظه ، و  ابن ماجة  .

        

 

 فصل ـ من الأدلة المستحسنة قوله صلى الله عليه و سلم في الأضحية : بسم الله و الله أكبر

و من الأدلة المستحسنة ، " قوله صلى الله عليه و سلم في الأضحية لما ضحى بكبشين ، فلما ذبح أحدهما ، قال : بسم الله و الله أكبر ، اللهم هذا عن محمد و آل محمد ، و لما ذبح الثاني ، قال : اللهم هذا عني و عمن لم يضح من أمتي " . و في رواية  ابن ماجة  ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لما ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موسومين ، فذبح أحدهما عن محمد و آل محمد ، و ذبح الآخر عن أمته و عمن شهد له بالبلاغ ، ففيه دليل على أن النفع قد نال الأحياء و الأموات من أمته بأضحيته صلى الله عليه و سلم ، و إلا لم يكن في ذلك فائدة ، فإنه صلى الله عليه و سلم ما ينطق عن الهوى .

" و قال للذي قضى الدين عن الميت : الآن بردت عليه جلدته " .

" و حديث  ابن عباس  ، أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبرين ، فقال : إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير ، أما أحدهما ، فكان لا يستتر من البول ـ و في قول لا يستنزه من البول ـ أما الآخر ، فكان يمشي بالنميمة ، ثم دعا بجريدة رطبة ، فشقها نصفين ، ثم غرس على كل قبر واحدة . و قال : إنه ليخفف عنهما ما لم ييبسا " .

قال  الخطابي  : هذا عند أهل العلم ، محمول على أن الأشياء ، ما دامت على أصل خلقتها أو خضرتها و طراوتها ، فإنها تسبح الله عز و جل ، حتى تجف رطوبتها ، أو تحول خضرتها ، أو تقطع من أصلها ، فإذا خفف عن الميت بوضعه صلى الله عليه و سلم الجريدة على قبره ، لكونها تسبح الله ، فبطريق الأولى و الأحرى أن تخفف القرب على اختلاف أسبابها ، و إن أعظم القرب كلام رب العالمين ، الذي نزل به الروح الأمين ، على قلب أشرف المرسلين ، و قد أوصى بريدة ـ رضي الله عنه ـ أن يجعل جريدة على قبره ، ذكره  البخاري  .

و قد استحب ذلك جماعة من العلماء  من أصحابنا و غيرهم ، و أنكره آخرون .

و قال الشيخ  محي الدين النووي  في  شرح مسلم  : ذكر أن العلماء  استحبوا القراءة ، لخبر الجريدة ، لأنه إذا أرجي التخفيف لتنسبيحها ، فالقراءة أولى . انتهى كلامه .

 

 

 فصل ـ في قوله تعالى  و أن ليس للإنسان إلا ما سعى

و أما احتجاج بعض من خالف ، من أصحاب  الشافعي  و مالك ، بهذه الآية على أن الميت لا ينتفع بثواب من سعي غيره ، " لأن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به من بعده ، أو ولد صالح يدعو له " .

قالوا : و لأن نفع العبادة لا يتعدى فاعلها .

فيقال لهم : قد ثبت بالسنة المتواترة و إجماع الأمة ، أن الميت يصلى عليه و يدعى له و يستغفر له ، و هذا من سعي غيره ، و كذلك ما وافقوا عليه و سلموه من أن ينتفع بالصدقة و العتق و هو من سعي غيره ، فما كان جوابهم على مورد الإجماع ، فهو جواب الباقين عن محل النزاع ، و للناس في ذلك أجوبة متعددة سبيلها الكتب المطولة ، و لكن تحقيق ذلك أن يقال : إن الله تعالى لم يقل : إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه ، و إنما قال : " و أن ليس للإنسان إلا ما سعى " و هو لا يملك إلا سعيه ، و لا يستحق غير ذلك ، و إنما سعي غيره فهو له ، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ، و يملك نفع نفسه بمال غيره . و قد روي عن  ابن عباس  أن الآية منسوخة بقوله تعالى : " و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " ، فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء ، و لا يصح هذا ، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر ، و الأخبار لا تنسخ .

قال  شيخ الإسلام ابن تيمية  : اللفظ المنقول عن  ابن عباس  هو من تفسير  علي بن طلحة الوالبي  عنه ، و قد قيل : إنه لم يسمعه من  ابن عباس  ، و قال  عكرمة  : هي خاصة بقوم إبراهيم و موسى دون هذه الأمة ، و شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ، و أما هذه الأمة فلهم ما سعوا و سعي لهم . قال الشيخ : و هذا ضعيف ، لأن الله إنما ذكر هذا ليخبر به هذه الأمة ، و ليعلموا أن هذا حكم شامل ، و لو كان هذا مخصوصاً بأمة موسى و إبراهيم لم يقم به حجة ، على أن من أرسل إليه النبي صلى الله عليه و سلم و جميع المسلمين بما في هذا القوله : " و لا تزر وازرة وزر أخرى "

و أيضاً ، فمن أين لهم أن تلك الأمة ، لم تكن تنفعهم الصدقة عنهم بعد الموت و الدعاء لهم ؟ و قد بين النبي صلى الله عليه و سلم أنا إذا قلنا : السلام علينا و على عباد الله الصالحين ، أصابت كل عبد لله في السماء و الأرض ، و نحن إذا ذكرنا الصالحين من الأمم و ترحمنا عليهم ، وصل ذلك إليهم ، و ليس هو من سعيهم ، و إبراهيم قد دعا لأولاده بنص القرآن ، و ليس ذلك من سعيهم .

و قال  الربيع بن أنس  : المراد بالإنسان و الكافر ، و هذا ليس بشيء ، لأن سياق الآية يناقضه بقوله : " ثم يجزاه الجزاء الأوفى " ، و هذا يتناول المؤمن قطعاً ، فلو عكس كان أولى ، مع أن حكم العدل ، لا فرق فيه بين مؤمن و كافر .

قال  الحسن بن الفضل  : ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل ، فأما من طريق الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء .

قال  شيخ الإسلام ابن تميمة  : و هذا القول أمثل من غيره ، و معناه صحيح ، لكنه لم يفسر لفظه الآية ، فإن قوله : ليس للإنسان : نفي عام فليس له إلا ذلك ، و هذا هو العدل ، ثم إن الله قد ينفعه و يرحمه بغير سعيه من جهة فضله و إحسانه ،  و إن كان ذلك ليس له ، ثم قال الشيخ : و قال  ابن الزاغوني  ، إنه ليس له إلا سعيه ، غير أن  الأسباب مختلفة ، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء نفسه ، و تارة يكون في تحصيل سببه ، مثل سعيه في تحصيل قرابة أو نكاح ليحصل له ولد صالح يدعو له ، أو صديق صالح ، و تارة يسعى في خدمة أهل الدين و العبادة ، فيكتسب محبتهم بسب سعيه في ذلك  .

قال الشيخ رحمه الله : و هذا أمثل من غيره ، و قد استحسنه و رجحه  أبو البركات  و هو ضعيف ، فإنه قد ينتفع بعمل غيره من لم يحصل سبباً ، و بسط القول على هذا و علله بأمور ، و ذكر  ابن أبي الزغواني  قولاً آخر ، قال : و أن ليس للإنسان ، بمعنى : و أن ليس عليه إلا ما سعى .

قال الشيخ : و هذا من أرذل الأقول فإنه قلب لمعنى الآية ، فإنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، و تمامها " وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى " أفترى السعي الصالح لم يدخل في هذه ؟ ! و بسط القول على هذا و بين فساده ، و قد ذكرنا هذه الأقوال و رتبناها مبسوطة في  إهداء القرب  .

  

 

 فصل ـ في أن الدفن بجوار الصالحين يجلب نوال بركتهم

و مما يستأنس به في وصول الثواب ، أنه يستحب الدفن عند الصالحين ، ليناله بركتهم ، و نص  الإمام أحمد  ، على أن الميت يتأذى بالمنكر عنده .

و قد روي عن  ابن عباس  ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال : جنبوا الميت جار السوء .

و قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ : الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته .

لكن : هذان الأثران ، و إن كان فيهما ضعف ، ففيهما دلالة على المسألة ، فإن الميت إذا تأذى بالمنكر انتفع بالخير بطريق الأولى .

و قد ثبت في  الصحيح  : " أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " فالله تعالى أحكم و أعدل من أن يوصل عقوبة المعصية إليه و يحجب عنه المثوبة . و الله تعالى أعلم .

 

 فصل : في استحباب القراءة عند القبر و ما ورد فيها

تستحب القراءة عند القبر ، لأنه قد صح ، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه أوصى إذا دفن ، أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة و خاتمتها .

و المشهور عن  الإمام أحمد  ، أن القراءة في المقبرة و عند القبر لا تكره ، اختاره أبو بكر عبد العزيز ، و القاضي ، و جماعة من أصحابنا ، ذكره بعض أصحابنا ، و عليه عمل الناس في زمننا هذا .

قال في  المستوعب  : و لا تكره القراءة على القبر . و كان  أحمد  رحمه الله يكرهما ، ثم رجع رجوعاً أبان به عن نفسه ، و قال : يقرأ، بعد أن نهى عن ذلك . و من أصحابنا من يتمسك بكراهته أولاً ، و يجعل المسألة على روايتين . ثم قال بعد ذلك : فإن أهدي إليه الثواب نفعه ، انتهى كلامه .

و هذا مذهب الحنفية ، لكن اختلف أصحابهم هل تستحب القراءة أم تباح ؟ وجهان لهم .

و روي عن  الإمام أحمد  أن القراءة لا تكره حال الدفن دون غيره .

و روي عنه الكراهة مطلقاً ، اختارها  الإمام عبد الوراق  و  أبو حفص العكبري  .

قال  شيخ الإسلام ابن تيمية  : الكراهة نقلها الجماعة عن  الإمام أحمد  و هي قول جمهور السلف ، و عليها قدماء أصحابه  كالمروزي  و غيره .

و قال  ابن عقيل  و  ابن المنجا  ـ تعليلاً لرواية الكراهة ـ بأنها مدفن النجاسة كالحش و نحوه . انتهى كلامهما .

و ذكر بعض أصحابنا ، عن الخلال ، أنه قال : المذهب رواية واحدة ، أن القراءة عند القبر لا تكره . انتهى .

لكن القراءة على القبر ، ليست من فعل النبي صلى الله عليه و سلم و لا أصحابه ، و الله أعلم .

 

 فصل ـ فيما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل في استحباب الدعاء للميت عقب دفنه

نص  الإمام أحمد  ، على أنه يستحب الدعاء للميت عقب دفنه . ثم قال  أحمد  : قد فعله علي بن أبي طالب ، و الأحنف  بن قيس ، و يروى " عن عثمان بن عفان ، أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، إذا فرغ من دفن الميت ، وقف عليه و قال : استغفروا لأخيكم ، و سلوا له التثبيت ، فإنه الآن يسأل " . رواه  أبو داود  .

و روى  الطبراني  " من حديث  ابن مسعود  ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقف على القبر ، بعد ما يسوى عليه التراب ، فيقول : اللهم نزل بك صاحبنا ، و خلف الدنيا خلف ظهره ، اللهم ثبت عندالمسألة منطقة . و لا تبتله في قبره بما لا طاقة له به "

و يروى أن علياً ـ رضي الله عنه ـ كان يقول ـ إذا سوي على الميت التراب ، عند شفير القبر ، بعد ما يدفن ـ : اللهم عبدك و ولد عبدك ، نزل بك ، و أنت خير منزول به ، اللهم أوسع له مدخله ، و اغفر له ذنبه ، فإنا لا نعلم إلا خيراً ، و أنت أعلم به . رواه  حرب الكرماني  في  مسائله  .

و كان  أنس  ـ رضي الله عنه ـ إذا سوى على الميت قبره ، قام عليه ، فقال : اللهم ، عبدك نزل بك ، فارأف به و ارحمه ، اللهم ، جاف الأرض عن جنبيه ، و افتح أبواب السماء لروحه ، و تقبل منه بقبول حسن ، اللهم ، إن كان محسناً فضاعف له الحسنات ، أو قال : ـ فزد له في إحسانه ـ و إن كان مسيئاً فتجاوز عنه . رواه  الإمام أحمد  ، و  الطبراني  ، و غيرهما .

و ذهب  الشافعي  أيضاً إلى استحباب الدعاء عقب الدفن .

و قال أكثر المفسرين ، في قوله عز و جل ، في حق المنافقين : " و لا تقم على قبره " : معناه بالدعاء و الاستغفار بعد الفراغ من دفنه ، و كذلك ذكر جماعة من المفسرين : لما هم النبي صلى الله عليه و سلم بالاستغفار لعمه أبي طالب لما مات ، و هم بعض الصحابة بالاستغفار لأبويه ، أنزل الله تعالى : " ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى " الآية ، فلولا أن ذلك نافع للمؤمنين كما تقدم ، لم يكن لذلك معنى ، بل لما نهى عنه المشركين ، دل على وقوعه للمؤمنين و نفعه لهم .

و قال  محمد بن حبيب التمار  : كنت مع  أحمد بن حنبل  في جنازة فأخذ بيدي ، و قمنا ناحية ، فلما فرغ الناس من دفنه جئنا إلى القبر ، فجلس و وضع يده على القبر و قال : اللهم ، إنك قلت في كتابك : " فأما إن كان من المقربين " فقرأ إلى آخر السورة ، اللهم ، و إنا نشهد أن هذا فلان بن فلان ما كذب بك ، و لقد كان يؤمن بك و برسولك ، اللهم ، فاقبل شهادتنا له ، و دعا له ، ثم انصرف .        

 

 فصل ـ هل يصح إهداء ثواب نوافل العبادات للمسلم الحي ؟

و هذه مسألة لا تكاد تظفر بها في كتاب مشهور ، لغرابتها ، فذكر  ابن تميم  في كتابه ، فذكر وصول الثواب إلى الميت ، قال : و في الحي وجهان .

و ذكر لي بعض فضلاء الحنفية ، أن وصول القرب إلى الحي مذهبهم ، و الدليل على الوصول قوله تعالى : " فاعف عنهم و استغفر لهم " ، " و أيضاً فإن الرسول صلى الله عليه و سلم و المسلمون ، مازال يدعو بعضهم لبعض عموماً و خصوصاً ، لأحيائهم و أمواتهم ، من غير نكير ، و لأنه مشروع في دعاء الميت إلى يوم القيامة في قوله : اللهم اغفر لحينا و ميتنا " .

قال  القاضي أبو يعلى  : و ليس يعرف عن  الإمام أحمد  رواية في الفرق بين الحي و الميت ، بل ظاهر قوله يعمهما ، و قد دل عليه الكتاب و السنة في الدعاء و الاستغفار للتساوي فلا فرق .

و قال الشيخ  شمس الدين بن عبد القوي  في  مجمع البحرين  : هذا ليس له نكير ، فهو إجماع ، و لا شبهة لمن قال بعدم الجواز . انتهى كلامه .

و قال  ابن عقيل  في  المفردات  : إن القراءة و نحوها لا تصل إلى الحي ، فإنه يفتح مفسدة عظيمة ، فإن الأغنياء يتكلمون عن الأعمال ببذل الأموال التي تسهل لمن ينوب عنهم ، فيفوتهم أسباب الثواب بالاتكال على الثواب ، و تخرج أعمال الطاعات عن بابها إلى المعاوضات . انتهى كلامه .

فلو قال قائل : نحن نلتزم ذلك ، لوروده في الكتاب و السنة ؟

و نقول : ذلك فضل الله ، يؤتيه من يشاء ، و الله ذو الفضل العظيم .

  

 

 الباب الرابع و العشرون : في ذكر عمارة القبور

و قد اشتغل بعض أهل زماننا ، ممن أصيب بموت أقاربه ، ببناء قبورهم و تبليطها و تجصيصها ، و بناء التربة المحتوية على القبور و تحسينها و تزويقها و يزرعونها أنواع الرياحين ، و يصعدون إليها في الغالب كل خميس بالأهل و الأقارب و ملاذ الأطعمة و أنواعها ، و يظنون أن ذلك قربة و طاعة إلى الله عزو جل ، و ربما يقولون : في هذه الأمور تسلية لنا عن الموتى . و ما علموا أن هذه الأمور من البدع المكروهة المنهي عنها ، و أن من البدع تعظيم القبور و تبليطها و تجصيصها ، و بناء القباب عليها ، كل هذا من البدع الذي كرهه السلف و العلماء  ، و هو مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و قد روى  أبو داود  و  الترمذي  " من حديث جابر : أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يجصص القبر ، و أن يبنى عليه "  زاد  الترمذي  :  و أن يكتب عليه و أن يوطأ  . و حسنه و صححه . و لفظ  أبو داود   و أن يقعد عليه  .

 و قد بعث النبي علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن لا يدع تمثالاً إلا طمسه ، و لا قبراً مشرفاً إلا سواه .

و عن  الهياج الأسدي  ، قال : قال لي علي : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ اذهب ، فلا تدع تمثالاً إلا طمسته ، و لا قبراً مشرفاً إلا سويته . رواه  أبو داود  و  الترمذي  .

فالسنة تسوية هذه القبور المشرفة المحجرة المطينة المجصصة .

 و كذلك ، نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكتب عليه ، و نهى عن اتخاذها مساجد ، و إيقاد السرج عليها ، و اشتد نهيه صلى الله عليه و سلم حتى لعن فاعل ذلك ، و نهى عن الصلاة إلى القبور ، حتى نهى أمته أن يتخذوا قبره مسجداً أو عيداً .

و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعظ الناس عند القبور ، كما ثبت ذلك في  صحيح البخاري  و  مسلم  " من حديث علي ـ رضي الله عنه ـ قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فجلس و جلسنا حوله ، و معه مخصرة ، فنكس ، و جعل ينكت بمخصرته ، و قال : ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار و مقعده من الجنة فقالوا : يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا ؟ فقال : اعملوا و سددوا و قاربوا ، و كل ميسر لما خلق له ، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ، و أما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ الآية : " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى " " .

" و في  الصحيح  أيضاً : أنه كان يقف عند الدفن و يقول : استغفروا لأخيكم ، و اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " .

 

 فصل ـ في أن العمارة ليست من الظاهر بل عمارة الأحياء و الأموات في الباطن

و ليعلم ، أن عمارة الأحياء و الأموات ليست من خارج ، " فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن الله لا ينظر إلى صوركم ، و لا إلى أجسامكم ، و لكن ينظر إلى قلوبكم " فعمارة القلب هي العمارة النافعة ، و الميت في قبره كذلك ، ليست بزخرفة القبر و لا التربة و لا تزويقها ، و إنما العمارة بالصدقة عن ساكنها و أفعال القرب عنه ، و قد تقدم هذا في الباب الذي قبله .

أما علم ، أن القبر الذي يزخرف ظاهره ، فإن باطنه مظلم ضيق ، و قد طرح فيه ، من هو أحب أقاربه إليه فريداً و حيداً ، مستوحشاً من غير و سادة و لا تمهيد ، و قد باشر الثرى و واجه البلى ، و ترك دنياه بالورى ، و نبذ منها ما كان بيده بالعرا ، مع حبيب تركه ، و قرين أسلمه ، فكل ما ذكرته لك يا أخي يفطم النفوس عن الشهوات ، و تعلم أن عمارة البواطن أولى من عمارة الظواهر ، و هي العمارة النافعة في يوم القارعة .

فإذا بحثت عن الحقيقة ، و نظرت بعين البصيرة ، علمت أنك عن قريب صائر إلى ما صار إليه ، و قادم على ما قدم عليه ، فإن العبد بينما هو يمرح في أمنيته ، غافلاً عن يوم مصرعه ، إذ هجمت عليه المنية ، فهتكت أستاره ، و كسفت أنواره ، و طمست أعلامه و آثاره ، فأخرجته من قصر مشيد و بيت حميد ، مزخرف نضيد ، إلى حفرة من الأرض ، كحفرة أخيه أو ولده أو غيرهما ، مظلمة ضيقة الجوانب ، مملوءة من الرعب و الفزع ، فإما هي روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، أعاذنا الله منها .

قيل لبعض الزهاد : ما أبلغ الموعظة ؟ قال : النظر في محلة الأموات .

فإذا كانت القبور النظر إليها موعظة ، و هي أول منازل الآخرة ، و عبرة لأهل الدنيا ، فلا ينبغي التزين و لا التزخرف ، و لا ما يفعله غالب الأغنياء من الأمراء و التجار ، و غيرهم ، من ضرب الخام و الخيام و غيرهما في الترب ، و وضع البسط و الفرش تحت ذلك و ينامون عليها ، و إخوانهم تحت ذلك ، على التراب في حفرة ضيقة مظلمة ، فأي موعظة تعظ هؤلاء بموتاهم ؟ ! بل هذه غفلة ، نسأل الله تعالى السلامة منها .

 

 

 فصل ـ في بكاء عثمان رضي الله عنه على القبور

" و كان عثمان رضي الله عنه ـ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة و النار و لا تبكي ، و تبكي من هذا ؟ ! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : إن القبر أول منازل الآخرة ، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه ، و إن لم ينج منه فما بعده أشد منه " .

" و روى  الترمذي  في  جامعه  أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : ما رأيت منظراً إلا و القبر أفظع منه "

و روى  الترمذي  أيضاً ، " من حديث  أبي سعيد الخدري  ـ رضي الله عنه ـ قال : دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مصلاه ، فرأى ناساً كأنهم يكتشرون ، فقال : أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات ـ يعني الموت ـ لشغلكم عما أرى ، فأكثروا ذكر هاذم اللذات : الموت ، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه ، فيقول : أنا بيت الغربة ، و أنا بيت الوحدة ، و أنا بيت التراب ، و أنا بيت الدود ، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر : مرحباً و أهلاً ، أما إن كنت لأحب من مشى على ظهري إلي ، فإذا و ليتك اليوم و صرت إلي ، فسترى صنيعي بك ، فيتسع له مد بصره ، و يفتح له باب إلى الجنة ، و إذا دفن العبد الفاجر أو الكافر ، قال له القبر : لا مرحباً و لا أهلاً ، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي ، فإذا وليتك اليوم ، فسترى صنيعي بك ، فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه و تختلف أضلاعه ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بأصابعه فأدخل بعضها في بعض ، قال : و يقيض له سبعون تنيناً ، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ، ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا ، فينهشنه و يخدشنه ، حتى يفضى به إلى الحساب " .

" قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنما القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار " .

و روى  الحاكم  في كتاب  الكنى  ، و  القاسم بن أصبغ  ، " من حديث أبي الحجاج الثمالي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يقول القبر للميت إذا وضع فيه : ويحك يا ابن آدم ! ما غرك بي ؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة ، و بيت الظلمة ، و بيت الوحدة ، و بيت الدود ؟ ما غرك بي يا ابن آدم ؟ ! فإن كان مصلحاً ، أجاب عنه مجيب القبر : فيقول : أ رأيت إن كان يأمر بالمعروف ، و ينهى عن المنكر ؟ فيقول القبر : إني أعود عليه خضراً و يعود جسمه نوراً ، و تصعد روحه إلى رب العالمين " .

و قال  مجاهد  : أول ما يكلم ابن آدم حفرته ، تقول أنا بيت الدود ، و بيت الوحدة ، و بيت الوحشة ، و بيت الظلمة ، و بيت الغربة ! هذا ما أعددت لك يا ابن آدم فما أعددت لي ؟ !

و قال  أبو الدرداء  ـ رضي الله عنه ـ : ألا أخبركم بيوم فقري ؟ يوم أدخل قبري !

و كان  جعفر الصادق  ـ رضي الله عنه ـ يأتي القبور ليلاً ، و يقول : يا أهل القبور ، ما لي إذا دعوتكم لا تجيبون ؟ ثم يقول : حيل و الله بينهم و بين الجواب ، و كأني أكون مثلهم ، و أدخل في جملتهم . ثم يستقبل القبلة حتى طلوع الفجر .

و قال عمر بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ لبعض جلسائه : يا فلان ، لقد أرقت البارحة تفكيراً بالقبر و ساكنه ، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث ليال في قبره ، لاستوحشت منه بعد طول الأنس به ، و لرأيت بيتاً تجول الهوام فيه ، و يجري فيه الصديد ، و تخرقه الديدان ، مع تغير الريح و تقطع الأكفان ، و كان ذلك بعد حسن الهيئة و طيب الريح ، و نقاء الثوب . ثم شهق شهقة خر مغشياً عليه .

و قال بعض الحكماء : أربعة أبحر لأربع : الموت بحر الحياة ، و النفس بحر الشهوات ، و القبر بحر الندامات ، و عفو الله بحر الخطيئات ، فنسأل الله العظيم أن يجعل الله القبر خير بيت نعمره و نسكنه !

   

 

 فصل ـ في عدم استطاعة التمييز بين السعيد و الشقي في القبر

و اعلم ، أنه لو دخل شخص إلى المقابر المزخرفة ، ليميز السعيد من الشقي ، ما علم هذا من هذا ، و ما يعلمه إلا علام الغيوب ، بل قد يكون قبراً من القبور قد درست أعلامه ، و قد بقي ممشى للدولاب ، و صاحبه في أعلى الجنان ، و قد يكون قبراً مزخرفاً ، و قد عليت عليه القباب و البشخانات الحرير ، و صاحبه في نار جهنم ، بل نقول : لو دخل الشيخ المقابر ، لم يميز قبر الذكر من الأنثى ، و لا الشيخ من الشاب ، و لا الحر من العبد ، فإذا كان هذا التمييز الذي يمكن الشخص العاقل أن يميز بين هؤلاء في الحياة الدنيا ، قد أبهم علينا بعد الموت ، فكيف نميز السعيد من الشقي ؟ و يشبه هذا ما روي ، أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها عدة ملوك ، و بادوا ، فقال الإسكندر : هل بقي من نسل أولئك الملوك ، أحد ؟ فقيل : ما بقي منهم إلا رجل واحد يأوي المقابر ، فدعا به ، فلما أحضره قال له : ما حملك على لزوم المقابر ؟ قال : أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم ، فوجدت الكل سواء . قال له الإسكندر : هل لك أن تتبعني ، فأجيز لك بشرف آبائك ، إن كانت لك همة عظيمة ؟ فقال : إن لي همة عظيمة بشرط : إن كانت بغيتي عندك تبعتك . قال : و ما بغيتك ؟ قال : حياة لا موت فيها ، و شباب ليس معه هرم ، و غنى ليس معه فقر ، و سرور ليس معه حزن . قال الإسكندر : ليس ذلك عندي و لا بيدي ، فقال : أي خير أرجوه عندك ، إن لم يكن عندك هذه الأشياء ؟ فامض لشأنك ، و دعني أطلب ذلك ممن يملكه ، و هو عنده . ثم عاد إلى مكانه ، و لم يلتف إلى الإسكندر .

كان  عطاء السليمي  ـ رحمه الله ـ إذا جن الليل خرج إلى المقابر ، فيقول : يا أهل القبور ، متم ، فوا موتاه ، و عانيتم أعمالكم ، فوا عملاه ، ثم يقول : غداً يكون عطاء في القبور ، فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح .

و قال  سفيان الثوري  : من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ، و من غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار .

و مر علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بالمقابر ، فوقف عليها قليلاً ، فقال : السلام عليكم أهل الديار الموحشة ، و المحال المقفرة ، أنتم لنا سلف ، و نحن لكم تبع ، و بكم عما قليل لاحقون ، اللهم  اغفر لنا و لهم ، و تجاوز عنا وعنهم ، طوبى لمن ذكر المعاد ، للحساب ، و قنع بالكفاف ، و رضي في جميع أحواله عن الله تعالى  . ثم قال : يا أهل القبور ، أما الزوجات فقد نكحت ، و أما الديار فقد سكنت ، و أما الأموال فقد قسمت ، هذا خبر ما عندك ، فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال : أما إنهم لو تكلموا لقالوا : وجدنا خير الزاد التقوى .

و يروى ، أن رجلاً دخل على عمر بن عبد العزيز ـ رحهم الله ـ فرآه قد تغير من كثرة العبادة ، فجعل يتعجب من تغير لونه و استحالة صفته ، فقال : له عمر : يا ابن أخي ،  و ما تعجبك مني ؟ ! فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث ؟ و قد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين ، و تقطعت الشفتان ، و تقلصت عن الأسنان ، و خرج الصديد و الدود من المنخرين و الفم ، و انتفخ البطن فعلا على الصدر ، لو رأيت ذاك مني فهو أعجب مما رأيته الآن .

و اعلم ـ رحمك الله ـ أنه من علم مصيره إلى هذه الحفرة المظلمة الموحشة ، لم يبالغ في تحسين ظاهرها ، مع علمه بما يؤول صاحبها ، إليه ، مع ترافةجسمه و حسن منظره ، و لين بدنه ،فإنه عن قريب سيطرح في حفرة تتقطع فيها أوصاله ، و تتغير فيها أحواله ، ثم ينتن بعد ذلك ، و يفر من رائحته من كان عنده من أحب الناس إليه إذا اطلع عليها .

فإذا نظر العبد بعين بصره و بصيرته ، إلى قبور المترفين من أهل الدنيا ، رأى كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا أبداً في لذاتهم و طيب عيشهم ، هم و الله صرعى ، قد حلت بهم المثلات ، و استحكم فيهم البلاء ، و أصابت الهوام ، في أجسادهم ، فأطيبهم و أنعهم من قد أمن من عذاب الله عز و جل .

قال  ثابت البناني  : دخلت المقابر ، فلما أردت الخروج منها ، إذا أنا بصوت يقول : يا ثابت ، لا يغرنك صموت أهلها ، فكم من نفس معذبة فيها ! !

     

 

 الباب الخامس و العشرون : في أن الله يثبت الذين آمنوا عند المسألة

قال الله تعالى : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " . قال أكثر المفسرين : هي كلمة التوحيد ، و هي قول : لا إله إلا الله في الحياة الدنيا ـ يعني قبل الموت ـ و في الآخرة يعني في القبر ـ . و ذهب بعض المفسرين إلى أن قال : في الحياة الدنيا في القبر عند السؤال ، و في الآخرة : عند البعث ، و الأول أصح .

 " عن  البراء بن عازب  ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : المسلم إذا سأل في قبره ، فشهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، فذلك قوله تعالى : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة " و في لفظ : نزلت في عذاب القبر . يقال له : من ربك ؟ فيقول ربي الله و نبيي محمد ، و ذلك قول الله : " يثبت الله  الذين آمنوا بالقول الثابت " الآية " . رواه  البخاري  و  مسلم  ، و رواه  أحمد  مطولاً ، و أهل السنن والمسانيد .

 و راه  الإمام أبو داود  في  سننه  بأتم من هذا ، " من حديث  البراء  أيضاً ، و لفظه : قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم و جلسنا حوله ، كأنما على رؤوسنا الطير ، و في يده عود ينكت به الأرض ، فرفع رأسه و قال : استعيذوا بالله القبر ، مرتين أو ثلاثاً . و ذكر صفة قبض الروح و عروجها إلى السماء ، ثم عودها إليه ، إلى أن قال : و إنه ليسمع خفق نعالهم ـ إذا ولو مدبرين ـ حين يقال له : يا هذا ، من ربك ؟ و ما دينك ؟ و من نبيك ؟  و في لفظ  فيأتيه ملكان ، فيجلسانه و يقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ قال : فيقول : هو رسول الله ، فيقولان : و ما يدريك ؟ فيقول : قرأت كتاب صلى الله عليه و سلم و آمنت به و صدقت ؟ فذلك قوله : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة " قال : فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة ، و ألبسوه من الجنة ، و افتحوا له باباً إلى الجنة . قال : فيأتيه من روحها و طيبها . قال : و يفسح له مد بصره . قال : و إن الكافر ، فذكر موته ، قال : و تعاد روحه إلى جسده ، فيأتيه ملكان ، فيجلسانه و يقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري ! فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري ! فينادي مناد من السماء : أن كذب عبدي ، فأفرشوه من النار ، و ألبسوه من النار ، و افتحوا له باباً إلى النار ، فيأتيه من حرها و سمومها . قال : و يضيق عليه قبره ، حتى تختلف عليه أضلاعه ، قال : ثم يقيض له أعمى أبكم ، معه مرزبة من حديد ، لو ضرب بها جبل لصار تراباً ، قال : فيضربه بها ضربة يسمعها بين المشرق و المغرب إلا الثقلين ، فيصير تراباً ، ثم تعاد فيه الروح " . ورواه  الطبراني  بأتم من هذا .

 فقد اشتمل هذا الحديث على فوائد ، منها : التثبيت لأهل الإسلام و الإيمان الذين آمنوا بالله ، و ما جاء من عند الله ، و صدقوا به ، و آمنوا برسوله و اتبعوه ، و منها الإيمان بعذاب القبر ، و إعادة الروح إلى الجسد ، و غير ذلك من الأمور التي لا تحضرني كما سأذكره مفصلاً بعد إن شاء الله .

 " وعن  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن العبد إذا وضع في قبره ، و تولى عند أصحابه ، إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا ، قال : يأتيه ملكان فيقعدانه ، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله و رسوله ، قال : فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة . قال : نبي الله صلى الله عليه و سلم : فيراهما جميعاً ، و ذكر لنا ، أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً ، يملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون . و أما المنافق أو الكافر ، فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما تقول الناس فيه ! فقال : لا دريت و لا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه ، فيصيح صيحة ، يسمعها من يليه إلا الثقلين " . رواه  البخاري  و  مسلم  .

و قد روي من حديث  البراء  و حديث  أنس  ، في قبض الروح و المسألة ، و نعيم صاحب القبر و عذابه ، عن أبي هريرة ،  و حذيفة ابن اليمان ، و غيرهما .

فرواه  الإمام أحمد  في  مسنده  ، و  ابن حبان  في  صحيحه  " من حديث أبي هريرة ، و لفظه : أن لنبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إن الميت إذا وضع في قبره ، إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه ، فإن كان مؤمناً ، كانت الصلاة عند رأسه ، و كان الصيام عن يمينه ، و كانت الزكاة عن شماله ، و كان فعل الخيرات و الصدقة و الصلة و المعروف و الإحسان عند رجليه ، فيأتيان من قبل رأسه ، فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى من قبل شماله ، فتقول الزكاة : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى من قبل رجليه ، فيقول فعل الخيرات من الصدقة و الصلة و المعروف و الإحسان : ما قبلي مدخل ، فيقال اجلس ،  فيجلس ، قد مثلت له الشمس قد أضاءت الغروب ، فيقال له : هذا الرجل الذي كان فيكم ، ما تقول فيه ؟ و ماذا تشهد به عليه ؟ فيقول دعوني حتى أصلي : فيقال : إنك ستصلي ، أخبرنا عما نسألك عنه ، أرايت هذا الرجل الذي كان فيكم ، ما تقول فيه ؟ و ما تشهد به عليه ؟ قال : فيقول : محمد ، أشهد أنه رسول الله ، جاء بالحق من عند الله ، فيقال له : على ذلك حييت ، و على ذلك تموت ، و على ذلك تبعث إن شاء الله ، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة ، فيقال له هذا مقعدك و ما أعد الله لك فيها ، فيزداد غبطة و سرور اً ، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً ، و ينور له فيه ، و يعاد الجسد لما بدأ منه ، فيجعل نسمة في النسيم الطيب ، و هو طير يعلق من شجر الجنة ، قال : فذلك قوله تعالى : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة " . و ذكر في الكافر ضد ذلك ، إلى أن قال : يضيق عليه قبره ، إلى أن تختلف أضلاعه ، فتلك المعيشة الضنك التي قال الله تعالى : " فإن له معيشة ضنكاً و نحشره يوم القيامة أعمى " " و هذا مختصر من الحديث .

و رواه  مسلم  في  صحيحه  ، " من حديث أبي هريرة أيضاً ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : إذا خرجت روح المؤمن ، تلقاها ملكان يصعدانها ـ فذكر من ريح طيبها ، و ذكر المسك ـ قال : فيقول أهل السماء : روح طيبة جاءت من قبل الأرض ، صلى الله عليك و على جسد كنت تعمرينه ، فينطلق به إلى ربه ، ثم يقول : انطلقوا به إلى آخر الأجل ، قال : و إن الكافر ، إذا خرجت روحه ، و ذكر من نتنها و ذكر اللعن ، فيقول أهل السماء : روح جاءت من قبل الأرض ، فيقال انطلقوا به إلى آخر الأجل ، قال أبو هريرة : فرد رسول الله صلى الله عليه و سلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا " . و " في رواية أخرى : فيقول عبدك فلان ـ يعني المؤمن ـ فيقول أرجعوه ، فإني منها خلقتهم ، و فيها أعيدهم ، و منها أخرجهم تارة أخرى . قال : فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه ، فيأتيه آت ، و في لفظ فيأتيه ملكان أسودان أزرقان ، يقال لأحدهما المنكر ، و للآخر : النكير ، ففي  الترمذي  : فيقولان ، و في غيره : فيقول من ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ فيقول : ربي الله . و ديني الإسلام ، و نبيي محمد صلى الله عليه و سلم ، فينتهره ، فيقول : من ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ و هي آخر فتنة تعرض على المؤمن ، فذلك حين يقول : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " الآية ، فيقول كما قال ، فيقول له : صدقت ، ثم يأتيه آت حسن الوجه ، طيب الريح ، حسن الثياب ، فيقول : أبشر بكرامة من الله و نعيم مقيم ، فيقول : و أنت فبشرك الله بخير ، من أنت ؟ فيقول أنا عملك الصالح ، كنت و الله سريعاً في طاعة الله ، بطيئاً عن معصية الله ، فجزاك الله خيراً ، ثم يفتح له باب من الجنة و باب من النار ، فيقول : هذا منزلك ، لو عصيت الله ، أبدلك به هذا ، فإذا رأى ما في الجنة قال : رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي و مالي ، فيقول له : اسكن ، و في لفظ : فيقال له : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، حتى يبعثه الله من مضجعه . و إن الكافر ، إذا كان في انقطاع من الدنيا ، و إقبال من الآخرة ، نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد ، فانتزعوا روحه ، كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل ، و ينزع نفسه مع العروق ، فيلعنه كل ملك بين السماء و الأرض ، و كل ملك في السماء ، و تغلق أبواب السماء ، ليس من أهل باب إلا و هم يدعون الله أن لا يعرج بروحه من قبلهم ، فإذا عرج بروحه قالوا : رب ، فلان عبدك ، قال : أرجعوه ، فإني عهدت إليهم ، أني منها خلقتهم ، و فيها أعيدهم ، و منها أخرجهم تارة أخرى ، فإنه ليسمع خق نعال أصحابه ، إذا ولوا عنه ، قال : فيأتيه آت ، فيقول : ما دينك ؟ فيقول : لا أدري ! فيقال : لا دريت و لا تليت ، فيأتيه آت قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح ، فيقول : أبشر بهوان من الله و عذاب مقيم ، فيقول : و أنت بشرك الله بالشر ، من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث ، كنت بطيئاً عن طاعة الله ، سريعاً في معصية الله ، فجزاك الله شراً ، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم ، في يده مرزبة ، لو ضرب بها جبل كان تراباً ، فيضربه ضربة فيصير تراباً ، ثم يعيده الله كما كان ، فيضربه ضربة أخرى ، فيصيح صيحة ، يسمعه كل شيء إلا الثقلين ، قال  البراء  : ثم يفتح له باب من النار ، ويمهد له له من فرش النار " . و رواه  الإمام أحمد  .

و روى  أحمد  ، و  الحافظ ابن منده  ، بإسناد حسن ، " من حديث    البراء  أيضاً ، بأتم ما تقدم من حديث أبي هريرة و  البراء  ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في جنازة ، فانتهينا إلى القبر ، فجلس فجلسنا ، كأن على أكتافنا فلق الصخر ، و على رؤوسنا الطير ، فأرم قليلاً ـ و الإرمام السكوت ـ فلما رفع رأسه قال : إن المؤمن ، إذا كان في قبل من الآخرة ، و دبر من الدنيا ، و حضره ملك الموت ، فجلس عند رأسه ، و نزلت عليه ملائكة معهم كفن من الجنة ، و حنوط من الجنة ، فجلسوا منه مد الصبر ، ثم يقول ـ يعني ملك الموت ـ : اخرجي أيتها النفس الطيبة ـ و في رواية أيتها النفس المطمئنة ـ إلى مغفرة من الله و رضوان ، قال : فتخرج نفسه ، كما تسيل القطرة من في السقاء ، فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء و الأرض إلا الثقلين ، فيأخذها و في رواية ، فإذا أخذها ـ يعني ملك الموت ـ لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن و ذلك الحنوط ، و يخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ، قال : فيصعدون بها إلى السماء ، فيفتح له السماء ، و يشيعه مقربوها إلى السماء الثانية ، و في لفظ : فلا يمرون منها على ملأ من الملائكة ، إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون: فلان بن فلان ، بأحسن أسمائه التي يسمونه بها في الدنيا ، فيشيعه من كل سماء مقروبها ، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة ، إلى العرش ، فإذا انتهى إلى العرش ، قال الله عز و جل : اكتبوا كتاب عبدي في عليين ، و أعيدوه إلى الأرض ، و في لفظ ـ إلى مضجعه ـ فإني وعدتهم ، أني منها خلقتهم ، و فيها أعيدهم ، و منها أخرجهم تارة أخرى ، فتعاد روحه إلى جسده ، فيأتيه منكر و نكير ، يثيران الأرض بأنيابهما ،  و يفحصان الأرض بأشفارهما ، فيجلسانه ثم يقال له : يا هذا ، من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، فيقولان : صدقت ، ثم يقال له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : صدقت ، ثم يقال : من نبيك ؟ فيقول : محمد رسول الله : فيقولان : صدقت ، ثم يفسح له في قبره مد بصره ، و يأتيه رجل حسن الوجه ، طيب الريح ، حسن الثياب ، فيقول : جزاك الله خيراً ، و في لفظ فيقول : أبشر بالذي يسرك ، هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول : من أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير ، فيقول : أنا عملك الصالح ، فيقول : رب أقم الساعة ، حتى أرجع إلى أهلي و مالي ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فينظر إلى مقعده و منزله منها ، حتى تقوم الساعة ، و إن العبد الكافر ، إذا كان في دبر من الدنيا و قبل من الآخرة ، و حضره الموت ، نزلت عليه من السماء ملائكة ، و معهم كفن من نار ، و في لفظ ملائكة سود الوجوه معهم المسوح ، قال : فيجلسون منه مد بصره ، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه ، فيقول : اخرجي أيتها النفس الخبيثة ، اخرجي إلى غضب الله و سخطه ، فتتفرق روحه في جسده كراهية أن تخرج ، لما ترى و تعاين ، فذكر خروجها كما تقدم ، و نتن ريحها ، و وضعها في تلك المسوح ، و لعن الملائكة لها ، و غلق أبواب السماء دونها ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا تفتح لهم أبواب السماء و لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " ، فيقول الله عز و جل : اكتبوا كتاب عبدي في سجين : في الأرض السفلى ، فتطرح روحه طرحاً ، ثم قرأ : " ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق " فيأتيه منكر و نكير ، يثيران الأرض بأنيابهما ، و يفحصان الأرض بأشفارهما ، أصواتهما كالرعد القاصف ، و أبصارهما كالبرد الخاطف ، فيجلسانه ، ثم يقولان : يا هذا ، من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، فينادى من جانب القبر : لا دريت ، فيضربانه بمزربة من حديد ، لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل ، و يضيق عليه قبره ، حتى تختلف أضلاعه ، فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك . . . " 

و ذكر تمام الحديث كما تقدم .

و رواه  أبو داود  أيضاً بطوله ، بنحو هذه الرواية ، و  أبو حاتم  ، و  ابن حبان  في  صحيحه  ، و روى  النسائي  ، و  ابن ماجة  أوله ، و رواه  أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني  في  صحيحه  ، و أما  ابن منده  ، فرواه في  كتاب الإيمان  بطوله ، و قال : هذا إسناد متصل مشهور ، ولم أذكر سنده للاختلاف فيه . قال  أبو عوانة  :  قال زاذان الكندي : سمعت  البراء  ، و قال غيره : لم يسمعه من  البراء  ، و الله أعلم .

و في  صحيح البخاري  و  مسلم  ، " عن مالك عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أحدكم ، إذا مات ، عرض عليه مقعده بالغداة و العشي ، إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، و إن كان من أهل النار ، فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة " . و رواه  الإمام أحمد  أيضاً في  مسنده  .

        

 

 فصل ـ في أن النار و الخضرة في القبر ليست كمثلها في الدنيا

و ليعلم أن النار و الخضرة التي ورد ذكرهما في القبر : كما تقدم ، ليست من نار الدنيا ، و لا الخضرة زرع الدنيا ، و إنما هي من نار الآخرة ، و من خضرها ، و هما أبلغ و أشد من نار الدنيا و خضرها ، فإن من قضى الله بعذابه ، فإنه يحمى عليه ذلك التراب ، و تلك الحجارة التي فوقه و تحته ، أو اللبن ، حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا ، و لو مسها أهل الدنيالم يحسوا بذلك ، ولم يروا إلا تراباً و حجارة و لبناً ، بل قد يدفن شخصان : أحدهما إلى جانب صاحبه ، هذا في حفرة من حفر النار ، و هذا في روضة من رياض الجنة ، لا حر هذا يصل إلى هذا ، و لا نعيم هذا يصل إلى هذا ، و قدرة الرب عز وجل أوسع و أبلغ و أعجب من ذلك ، و كل ذلك حتى يحصل للمؤمنين اجتهاد و خوف من الله تعالى ، و مراقبته في السر و العلانية ، فينتج من ذلك مضاعفة الأجر العظيم ، و الثواب الجزيل ، لأن ما ذكرناه هو من الإيمان بالغيب ، و يعلم المؤمن أن أمامه أهوال و عقبات ـ نسأل الله السلامة ـ و ما ذكرته ، و إن كان من المغيبات ، قد يطلع الله بعض خلقه على ما يشاء من عجائب قدرته ، كما في  الصحيح  " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لولا أن لا تدافنوا ، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع " . و في  الصحيح  أيضاً : " أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبرين و قال : إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير . . . " الحديث المشهور .

قال العلامة  ابن القيم  رحمه الله ـ في  كتاب الروح  ـ : حدثني صاحبنا  أبو عبد الله محمد بن الوزير الحراني  ، أنه خرج من داره بعد العصر بآمد من بستان ، قال : فلما كان قبل غروب الشمس ، توسطت القبور ، فإذا بقبر منها و هو جمرة من نار مثل كور الزجاج ، و الميت في وسطه فجعلت أمسح عيني و أقول : أنا نائم أم يقظان ؟ ! ثم التفت ، فإذا سور المدينة ، قلت : و الله ما أنا نائم ! ثم ذهبت إلى أهلي و أنا مدهوش فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل ، ثم دخلت البلد ، فسألت عن صاحب ذلك القبر ، فقالوا رجل مكاس توفي ، فإذا به توفي ذلك اليوم ، انتهى ما ذكره .

و قد ذكر  ابن أبي الدنيا  في  كتاب القبور  و  كتاب  المنامات  من هذا النوع شيئاً كثيراً عن النبي صلى الله عليه و سلم و الصحابة و التابعين ، في الخير و الشر ، فمن رام المطالعة فليطلب ذلك من موضعه .

ومما ذكر مرفوعاً ، " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه و سلم : مررت ببدر ، فرأيت رجلاً يخرج من الأرض ، فيضربه رجل بمقمع حتى يغيب في الأرض ، ثم يخرج ، فيفعل به ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة " .

 

 فصل ـ في البرزح و البحث في ماهيته

قال الله تعالى : " و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " فالبرزخ : اسم لما بين الدنيا و الآخرة ، و هذه الآية دالة عليه ، و هذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا و الآخرة ، و عذاب القبر و نعيمه : اسم لعذاب البرزخ و نعيمه ، فجعل الله سبحانه و تعالى الدور ثلاثة : دار الدنيا ، و دار البرزخ ، و دار القرار ، و جعل لكل دار أحكاماً تختص بها ، و ركب هذا الإنسان من بدن و نفس ، و جعل أحكام الدنيا على الأبدان ،  و الأرواح تبع لها ، و لهذا جعل الله تعالى الأحكام الشرعية على ما يظهر من حركات الإنسان و الجوارح ، و إن كان في النفس خلاف ما ظهر منها . و جعل أحكام البرزخ على الأرواح ، و الأبدان تبع لها ، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا في نعيمها و عذابها ، تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها و عذابها ، فالأرواح في البرزخ هي المباشرة للنعيم و العذاب ، ثم يسري إلى أبدانها ، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري على أرواحها ، فالأبدان في الدنيا ظاهرة ، و الأبدان خفية . و إذا أردت أن تعلم ذلك فخذ في نوم الشخص في الدنيا ، فإنه ينعم في حال نومه أو يعذب ، فهو يجري على روحه أصلاً ، و البدن تبع لها ، و قد يقوى التأثير في البدن حال النوم حتى يشاهد ، و هذا ـ و الله أعلم ـ غالب الناس يشاهد هذا في منامه .

و لقد أخبرني الشيخ  نصير المقدسي  ـ و كان من صلحاء أهل مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر ـ قال لي : ثلاث ليال ، أرى في النوم ، كأن أناساً يستعملونني بالفاعل ، و أخلف منهم خوفاً شديداً ، فأعمل ، ثم أصبح في هذه الأيام و أنا تعبان في غاية التعب ، ثم قال لي : انظر إلى يدي ، فنظرت ، و إذا بكفيه شلافيط كبار ، فكان ينزل الفجر يقرئ الناس ، فامتنع في النزول في تلك الأيام ، ثم أني أرشدته إلى ذكر يقوله عند النوم ، لعله أن يصرف عنه ما يجد ، و ربما قص علي منامات لبعض الناس ، يرى أنه يأكل أو يشرب ، فيستيقظ و هو يجد أثر الطعام و الشراب في فيه ، و أعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في حال نومه ، و يبطش و يضرب في الهواء ، أو يدافع عن نفسه ، و ربما صرخ بأعلى صوته ، كأنه يقظان ، و هو لا شعور له بشيء من ذلك ، لأن الروح استعانت بالبدن ، و لو دخلت فيه لاستيقظ ، و إنما مثلت لك ذلك حتى تعلم صحة ما ذكرته لك في أول هذا الفصل ، و الله أعلم .

 

 فصل : في عرض أعمال الأحياء على أقاربهم الأموات

و ينبغي للعبد ، إذا تفكر بعين بصيرته ، و علم ماله إلى هذه الحفرة ، و ما أعد له فيها ، في العبادة ، و يكثر من الأعمال الصالحة ، و يعلم أن عمله يعرض على أقاربه من الأموات ، كما ورد في الخبر ، " من حديث  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم و عشائركم من الأموات ، فإن كان خيراً استبشروا ، و إن كان غير ذلك ، قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا " . رواه  الإمام أحمد  في  مسنده  .

و روى  ابن أبي شيبة  بإسناده " عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم ، فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور " . فكان  أبو الدرداء  يقول : اللهم أعوذ بك أن أعمل عملاً أخزى به عند عبد الله بن رواحة ، فنعوذ بالله من الافتضاح بين الأقارب الصلحاء أهل طاعة الله تعالى ، ثم نعوذ بالله من الافتضاح غداً ، بين يدي أحكم الحاكمين ، على رؤوس الخلائق ، بل نسأل الله تعالى التوفيق لما يحبه و يرضاه .

قال  مجاهد  : إنه ليبشر المؤمن بصلاح ولده من بعده ، لتقر بذلك عينه .

 

 

 فصل ـ في تلقين الصغار و ما قيل في التلقين عموماً

و أما تلقين الصغار ، فقد قال  الإمام أبو عمر و بن الصلاح  : أما تلقين الطفل الرضيع ، فما له مستند يعتمد عليه ، و لا نراه ، و الله أعلم .

و قال  النووي  رحمه الله : الصواب أنه لا يلقن الصغير ، سواء كان رضيعاً أو أكبر منه ، ما لم يبلغ ، إذ يصير مكلفاً ، و الله أعلم .

و قال  العلامة موفق الدين  في  المغنى  : التلقين بعد الدفن لم أجد فيه عن  أحمد  شيئاً ، و لا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما رواه الأثرم ، قال : قلت  لأبي عبد الله  ، فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت ، يقف الرجل و يقول : يا فلان بن فلانة . . . الحديث المعروف . قال : ما رأيت أحداً يفعل هذا إلا أهل الشام ، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك ، ثم قال بعد كلام : و قال  القاضي أبو الحطاب  : يستحب ذلك . و رويا فيه ، " عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا مات أحدكم ، فسويتم عليه التراب ، فليقم أحدكم عند رأس قبره ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة ، فإنه يسمع و لا يجيب ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة الثانية ، فيستوي قاعداً ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة ، فإنه يقول : أرشدنا يرحمك الله ، و لكن لا تسمعون ، فيقول : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا ، شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً عبده و رسوله ، و أنك رضيت بالله رباً ، و بالإسلام ديناً ، و بمحمد نبياً ، و بالقرآن إماماً ، فإن منكراً و نكيراً ، يتأخر كل واحد منهما فيقول : انطلق فما يقعدنا عند هذا و قد لقن حجته ؟ و يكون الله حجيجه دونهما ، فقال رجل يا رسول الله ، فإن لم يعرف اسم أمه ؟ قال : فلينسب إلى حواء " رواه  ابن ماجة  أيضاً في كتاب  ذكر الموت  .

 

 

 فصل ـ في حياة الميت في قبره و الخلاف في ذلك

و من غرائب ما ذكره  أبو محمد بن حزم  في كتابه في  الملل و النحل  . قال : و أما من ظن أن الميت يحيا في قبره يوم القيامة فخطأ ، لأن الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك ، و كان قد ذكر قبل ذلك قوله تعالى : " قالوا ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين " و قوله تعالى : " كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتاً  فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ثم قال : و لو كان الميت يحيا في قبره ، لكان تعالى أماتنا ثلاثاً ، و هذا باطل و خلاف القرآن ، إلا من أحياه الله آية لنبي من الأنبياء ، فصح بنص القرآن أن أرواح سائر من ذكرنا لا ترجع إلى أجسادها إلا إلى أجل مسمى ـ و هو يوم القيامة ـ و أخبر يوم بدر ، إذ خاطب الموتى ، أنهم قد سمعوا قوله قبل أن يكون لهم قبور ، و لم ينكر على الصحابة قولهم قد جيفوا . و اعلم أنهم سامعون قوله مع ذلك ، فصح أن الخطاب و السماع لأرواحهم بلا شك ، و أما الجسد فلا حس له . و قد قال تعالى " و ما أنت بمسمع من في القبور " فنفى السمع عمن في القبور و هي أجساد ، و لم يات قط عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك خبر صحيح ، أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة ، و لو صح ذلك عنه لقلنا به ، و إنما هذه رواية شاذة عن المنهال بن عمرو وحده ، و ليس بالقوي ، تركه شعبة و غيره . و قال جماعة من الحفاظ : ما جازت للمنهال شهادة في الإسلام قط. انتهى كلامه .

فهذا مضمون ما ذكره . و من اطلع على ما قدمته من أحاديث ، و  آمن بها و صدقها ، فليحمد الله تعالى على التوفيق لذلك ، فإنه لو لم تكن هذه الأحاديث ، كان إجماع الناس من أمة محمد صلى الله عليه و سلم على إعادة الروح في الجسد لأجل المسألة ، فكيف و قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم ؟ ! بل قد كفانا الرسول صلى الله عليه و سلم أمر هذه المسالة و أغنانا عن أقوال الناس ، حيث صرح بإعادة الروح إليه ، و ما كان يليق  بأبي محمد بن حزم  أن يجازف هذه المجازفة ، و أن يقول القول بهذا الخطأ : فجوابه مردود بالنصوص الصريحة المتقدم ذكرها ، و هو " قوله صلى الله عليه و سلم : فتعاد روحه في جسده " ، بل لقد قيل : إن هذا إجماع الأمة على هذا ، و أنهم تلقوه بالقبول ، و أنهم مجمعون على : من رد ذلك و أنكره ، إنه مخطىء ، و أن تصديق ذلك من الإيمان بالبعث . و لكن إن أراد ابن حزم أن الميت لا يحيا في قبره الحياة المعهودة في الدنيا ، التي يقوم فيها الروح بالبدن و تدبره و تصرفه ، و يحتاج معها إلى الطعام و الشراب و اللباس ، فهذا صحيح ، يشهد العقل بصحة ذلك ، و إن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة ، بل تعاد الروح إليه غير الإعادة المألوفة في الدنيا ، لأجل المسألة و الامتحان ، كما وردت بذلك النصوص الصحيحة ، فهذا حق ، و نفيه خطأ بين ، بل نفيه باطل قادح فيمن نفاه ، بل قد ورد في  سنن أبي داود  مرفوعاً " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من رجل يمر بقبر أخيه ، كان يعرفه في الدنيا ، فسلم إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام " فهذه إعادة الروح إلى الجسد أيضاً غير الإعادة المألوفة في الدنيا لأجل رد السلام ، بل لو سلم على الميت في الليل و النهار مراراً عديدة ، عادت روحه لرد السلام و لا يلزم من ذلك أن يحيا الحياة المعروفة .

و قوله : الحديث لا يصح ، لتفرد المنهال بن عمرو به ، فهذه مجازفة ، فإن ما قيل فيه ، قال  أحمد  تركه شعبة . هذا مضمون ما ذكره  أبو الفرج بن الجوزي  في الكلام على الرجال ، ولم يذكر أن أحداً رد شهادته ، و الحديث صحيح لا شك فيه ، و قد رواه عن  البراء بن عازب  جماعة غير المنهال ، منهم عدي بن ثابت ، و محمد بن عقبة ، و  مجاهد  ، و غيرهم  .

قال  العلامة بن القيم  ـ رحمه الله ـ : الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق ، متغايرة الأحكام :

أحدهما : تعلقها به في بطن الأم .

الثاني : تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض .

الثالث : تعلقها به في حال النوم ، فلها به تعلق من وجه و مفارقة من وجه .

الرابع : تعلقها به في البرزخ ، فإنها و إن فارقته و تجردت عنه ، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه ، بل تعاد إليه وقت المسألة ، و ترد إليه أيضاً وقت سلام المسلم ، و هذا الرد إعادة خاصة لا يوجب إعادة البدن قبل القيامة .

الخامس : تعلقها به يوم بعث الأجساد . و هو أكمل تعلقها به ، و لا نسبة لما قبله من أنواع التعلق البتة ، إذ هو تعلق لا يقبل البدن موتاً و لا نوماً و لا فساداً ، و الله أعلم .انتهى كلامه .

فهذا  العلامة ابن القيم  ـ رحمه الله ـ قد كفانا مؤنة الرد بلا تكلف .

قال شيخ الإسلام  ابن تيمية  الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن وقت السؤال ، و سؤال البدن بلا روح قول طائفة من الناس ، و أنكره الجمهور ، و قابلهم آخرون فقالوا : السؤال للروح بلا بدن ، و هذا قاله ابن مسرة و ابن حزم ، و كلاهما غلط ، و الأحاديث الصحيحة ترده ، و الله أعلم . انتهى كلامه .  

 

 الباب السادس و العشرون ـ في اجتماع الأرواح و هيئاتها ، و أين محلها ، و الخلاف في ذلك

قال الله تعالى : " و يسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي " و قال الله تعالى : " و نفخت فيه من روحي " و قوله : " فنفخنا فيه من روحنا " و " قوله صلى الله عليه و سلم : ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح " .

و أما قوله تعالى : " فأرسلنا إليها روحنا " و "يقوم الروح و الملائكة صفا " فهل هو جبريل ، أو ملك آخر ؟ فيه خلاف للمفسرين .

و أما كلام العلماء  في هذا الباب ، فقد ألف الناس فيه شيئاً كثيراً ، لكن على غير هذا الترتيب ، فنذكر نبذة يسيرة ، جامعة لكلام غالب العلماء  ، في مستقر الأرواح بعد الموت إلى أن تقوم الساعة ، هل هي في السماء أم في الأرض ؟ و هل هي في الجنة أم في النار ؟ و هل تنعم في أجسادها و تعذب ، أم تودع في أجساد غير أجسادها ؟ أم تكون مجردة ، أو تعدم بالكلية ، فلا يبقى لها و جود أصلاً ؟

فقد نقلوا عن العلماء  في ذلك اختلافاً كثيراً متبايناً ، ذهب كل طائفة إلى قول نصرته و رجحته على غيره ، و هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، و هذه المسألة إنما تعرف من جهة الشرع بالسمع .

فمن العلماء  من ذهب إلى أن أرواح المؤمنين و الشهداء في الجنة ، بشرط أن لا يحسهم عنها ذنب عظيم ، كمظالم العباد و نحوها ، فإذا كانوا خالين من ذلك تلقاهم ربهم بالعفو و الرحمة . قال الله تعالى : " و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " ، و ممن ذهب إلى هذا القول : أبو هريرة ، و عبد الله بن عمر ، و جماعات من السلف .

قال  الإمام أحمد  في رواية ابنه عبد الله : إن أرواح المؤمنين في الجنة ، و أرواح الكفار في النار .

و ذهبت طائفة إلى أن أرواح المسلمين على أبواب الجنة ، يأتيهم من روحها و نعيمها و رزقها .

و قال  أبو عبد الله بن منده  : و قالت طائفة من العلماء  من الصحابة و التابعين : أرواح المؤمنين عند الله عز و جل ، و لم يزيدوا على ذلك . ثم قال : و قد روي عن جماعة من الصحابة و التابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية ، و أرواح الكفار في بئر برهوت ـ بئر حضرموت ـ .

و قال  أبو عمر بن عبد البر  : أرواح الشهداء في الجنة ، و أرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم .

و حكى  ابن المبارك  ، عن ابن جريج ، فيما قرئ عليه ، عن  مجاهد  قال : أرواح المؤمنين في الجنة ، يأكلون من ثمارها ، و يجدون ريحها .

و قال مالك : بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت .

و قال  صفوان بن عمر  : سألت عامر بن عبد الله ، هل لأنفس المؤمنين مجتمع ؟ قال : إن الأرض التي يقول الله : " و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " قال : هي الأرض التي تجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث . و قال هي الأرض التي يورثها الله المؤمنين في الدنيا .

و قال  كعب الأحبار  : أرواح المؤمنين في عليين ، في السماء السابعة و أرواح الكفار في سجين ، في الأرض السابعة .

و روي ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : أرواح الأبرار في عليين ، و أرواح الفجار في سجين ، و عن عبد الله بن عمر نحوه .

و ذهب طائفة من العلماء ، إلى أن أرواح المؤمنين في بئر زمزم . ولم أطلع على دليل يدل على هذا القول . ثم قال أرباب هذا القول : و أرواح الكفار في بئر برهوت .

و قال  سليمان الفارسي  : أرواح المؤمنين تذهب حيث شاءت ، كما قال مالك ـ و قد تقدم ـ و أرواح الكفار في سجين .

و قال  ابن قتيبة  : ذهب جماعة من العلماء ، إلى أن أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم . و منهم من ذهب من أهل السنة و الجماعة ، إلى أن أرواح المؤمنين و الكفار في القبور ، و أن الروح تنعم وتعذب في القبر إلى يوم القيامة ، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ، و أن القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، و لهذا نهى عن الجلوس على القبر ، و أمر بالسلام عليهم ، و قال : إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، و إن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال له : هذا مقعدك ، حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة .

و ذهب جماعة من العلماء إلى أن محل الأرواح و مستقرها في سماء الدنيا ، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء ، أنه رأى ليلة أسري به في السماء الدنيا آدم عليه السلام ، و عن يمينه أرواح أهل السعادة ، و عن شماله أرواح أهل الشقاوة .

و من هذا الباب ما ثبت في  صحيح البخاري  " من حديث  سمرة بن جندب  ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث الرؤيا ، إلى أن قال فيه ، فأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام ، و أما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة ، فقيل يا رسول الله : و أولاد المشركين ؟ قال : و أولاد المشركين " . " و في رواية له : و الشيخ في أصل الشجرة إبراهيم و الصبيان حوله أولاد الناس " ، فهذا الحديث ليس هو عام في جميع الأرواح ، و إنما هو خاص بأرواح الصغار ، و ما رأيت أحداً ذهب إلى التفرقة بين أرواح الصغار و الكبار لهذا الحديث ، و لا أعلم أحداً قال به ، و الله أعلم . 

 

 

 

 فصل : فيما جاء في أرواح الشهداء و غيرهم و أمكنتها

و قد أشرنا إلى بعضه فيما تقدم ، و لو ذكرنا كل قول ، و حجج من نصره و ذهب إليه ، لطال الكتاب و خرج عن موضوعه ، و لكن نذكر ما يسره الله تعالى من الأحاديث ، فمنها ما ثبت في  الصحيح  من حديث  عبد الله بن مسعود  ـ كذا وقع في نسخ معتمد عليها ، و وقع في بعض النسخ عبد الله فقط ، فمن الحفاظ من يقول  عبد الله بن عمرو  ، و منهم من يقول  ابن مسعود  ، و الله أعلم بالصواب ـ " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال  في الشهداء : أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى تلك القناديل " .

" و في حديث قتادة لفظ غريب . قال : أرواح المؤمنين في صورة طير بيض " .

قال  القاضي عياض  : في هذا الحديث ذكر أرواح الشهداء ، و في حديث مالك : إنما نسمة المؤمن ، لم يذكر الشهداء ، و النسمة تطلق على ذات الإنسان جسماً و روحاً ، و تطلق على الروح مفردة ، و هو المراد بها في هذا الحديث ، و الله أعلم . و في الحديث دلالة على أن المراد بها الروح قطعاً ، فإنه قال : حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة ، و لكن تارةً في هذا الحديث ذكر نسمة المؤمن ، و في اللفظ الآخر أرواح الشهداء . و قد ورد في حديث ابن عمر ، أن غير الشهداء إنما يعرض عليه مقعده بالغداة و العشي ، كما رود في النظر ، في قوله تعالى في حق آل فرعون : " النار يعرضون عليها غدواً و عشياً " . قال  القاضي عياض  أيضاً ، في موضع آخر : و قيل : المراد جميع أرواح المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب ، فيدخلونها الآن بدليل عموم الحديث . كذا ذكره  النووي  في  شرح مسلم  . و قد " ورد بلفظ آخر في  صحيح مسلم  ، أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، و تأكل من ثمارها " . ليس فيه ذكر أجواف الطيور . و هذا إخبار منه صلى الله عليه و سلم عن الشهداء المؤمنين .

و ذكر  ابن منده  بإسناده ، " عن  اسماعيل بن طلحة بن عبد الله  ، عن أبيه ، قال : أردت مالي بالغابة ، فأدركني الليل ، فآويت إلى قبر  عبد بن عمرو بن حزم  ، فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرت ذلك له ، فقال : ذاك عبد الله ، ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم ، فجعلها في قناديل من زبرجد و ياقوت ، و علقها وسط الجنة ؟ فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم ، فلا تزال كذلك ، حتى إذا طلع الفجر ، ردت أرواحهم إلى مكانهم التي كانت " . و أخبر سبحانه و تعالى عن أرواح قوم فرعون ، أنها تعرض على النار غدواً و عشياً قبل يوم القيامة ، و ليس للعقول في هذا مجال ، فإنه سبحانه و تعالى يتصرف فيها كيف شاء ، و غير مستحيل أن يصور هذا الجزء طائراً ، أو يجعل في جوف طائر ، أو في حواصل طير ، أو في قناديل معلقة بالعرش .

قال  العلامة ابن القيم : و هذه حياة أرواح و رزقها ، و الأبدان قد تمزقت .

و قد فسر رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الحياة ، بأن أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع عليهم ربهم اطلاعه فقال : هل تشتهون شيئاً ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ، و نحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ يفعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا . قالوا : نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا ، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . و صح عنه صلى الله عليه و سلم الحديث من غير و جه ، و في بعض الألفاظ  تعلق من ثمر الجنة  و تعلق ـ بضم اللام ـ : تأكل العلقة .

" و عن  ابن عباس  ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، و تأكل من ثمارها ، و تأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مشربهم و مأكلهم و حسن مقيلهم ، قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، و لا ينكلوا عن الحرب ، فقال الله : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله على رسوله : " و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " " رواه  الإمام أحمد  .

و لا أعلم أحداً ذهب إلى أن هذا النعيم المذكور ، مختص بالذين قتلوا في أحد ، و الله أعلم .

    

 

 فصل ـ في بيان مستقر الأرواح و اختلاف مساكنها

و ذهب  ابن حزم  و جماعات ، إلى أن مستقر الأرواح ، حيث كانت قبل خلق أجسادها ، قال  ابن حزم  : و هذا الذي أخبر الله تعالى به و نبيه صلى الله عليه و سلم لا يتعداه ، و هو البرهان الواضح ، قال الله تعالى : " و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا : بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " و قال تعالى : " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " فصح أن الأرواح خلقها الله تعالى جملة ، و " كذلك أخبر صلى الله عليه و سلم أن : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف " ، و أخذ الله و شهادتها له بالربوبية ، و هي مخلوقة مصورة عاقلة ، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم ، و قبل أن يدخلها في الأجساد ، و الأجساد يومئذ تراب و ماء ، ثم أخرها حيث شاء و هو البرزخ ، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة ، فينفخها في الأجساد المتولدة من المني .

إلى أن قال  ابن حزم  : فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف و التناكر ، و أنها عارفة مميزة ، فإذا توفاها الله تعالى ، رجعت إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة أسري به ، عند سماء الدنيا ، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم ، و أرواح أهل الشقاوة عن يساره ، و ذلك عند منقطع العناصر ، و تعجل أرواح الأنبياء و الشهداء إلى الجنة . ثم قال : و قد ذكر  محمد بن نصر المروزي  ، عن  اسحاق بن راهوية  هذا الذي ذكرنا بعينه . ثم قال : على هذا أجمع أهل العلم ، انتهى كلامه .

و ذكر الأدلة على ذلك ، و لم يذكر خلافاً ، و قد تقدم ذكر الخلاف على ذلك ، و ما ذكره  أبو محمد بن حزم  ، فهو يبنى على الأصل ، و هو أن الأرواح هل خلقت قبل الأجساد ، أو الأجساد خلقت قبل الأرواح ؟.

فهذه المسالة للناس فيها قولان ، حكاهما شيخ الإسلام  ابن تيمية  و غيره :

أحدهما : ما حكاه و اختاره  ابن حزم  ، و  محمد بن نصر المروزي  ، و قد تقدم ، و ذكرنا ما استدل به .

و القول الثاني : و عليه عامة السلف و الخلف ، أن الأجساد خلقها متقدم على الأرواح ، و الأدلة متظاهرة من وجوه عديدة ، ليس هذا محل ذكرها ، فخلق أبي البشر الذي هو أصل الناس هكذا ، فإنه سبحانه و تعالى أرسل جبريل ، فقبض قبضة من الأرض ، ثم خمرها حتى صارت طيناً ، ثم صوره ، ثم نفخ فيه الروح بعد تصويره ، و هذه قصة مشورة ، قد وردت من عدة طرق ، تدل على أن الله سبحانه نفخ فيه من روحه بعد أن خلق جسده .

و في  الصحيح  : " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح " الحديث المشهور . فنفخ الملك فيه الروح هو سبب حدوث الروح فيه ، و لو كان للروح وجود قبل البدن ، و هي حية عالمة ناطقة ، لكانت ذاكرة في هذا العالم ، شاعرة به و لو بوجه ما ، و من الممتنع أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها ، و هي بين ملأ من الأرواح ، تنتقل إلى هذا البدن و لا تشعر بحالها الأول ، و إذا كانت بعد المفارقة ، تشعر بحالها و هي في البدن على التفصيل ، و تعلم ما كانت عليه ههنا ، مع أنها التبست بالبدن أموراً عاقها عن كثير من حالها ، فلأن تشعر بحالها الأول ، و هي غير معوقة هناك ، بطريق الأولى . و الله أعلم .

      

 

 فصل ـ  في قوله صلى الله عليه و سلم : الأرواح جنود مجندة  و كيفية ذلك

" في قوله صلى الله عليه و سلم : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف " . فمن العلماء   كابن حزم  ، و  ابن نصر المروزي  و غيرهما ، يقول الأرواح مجموعة أو مجتمعة ، و أنواع مختلفة ، فهي خلقت مجتمعة ، ثم فرقت في أجسادها ، فمن وافقه نسميه إلفه ، و من باعده نافره و خالفه ، و قال  الخطابي  و غيره : هو ما خلقها الله عليه من السعادة و الشقاوة في المبتدأ ، فالأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت و اختلفت ، بحسب ما خلقت عليه ، فيميل الأخيار إلى الأخيار ، و الأشرار إلى الأشرار. انتهى كلامه .

و من هذا الباب احتج آدم و موسى ، قال الحسن : معناه التقت أرواحهما في السماء ، فوقع الحجاج بينهما . قال  القاضي عياض  : و يحتمل أنه على ظاهره ، و أنهما اجتمعا بأشخاصهما . و قد ثبت في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه و سلم اجتمع بالأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين في السموات ، و في بيت المقدس ، و صلى بهم ، قال : فلا يبعد أن الله أحياهم . قال : و يحتمل أن قصة موسى جرت في حياة موسى و أنه سأل أن يريه آدم فحاجه ، و الله أعلم .

        

 

 فصل ـ هل الأرواح محدثة عند خلق البدان أم قديمة

و هل الأرواح مخلوقة محدثة ، كائنة بعد أن لم تكن ، أم قديمة ؟ و هي من أمر الله ، و لا يكون أمر الله مخلوقاً و لا محدثاً ، و قد أخبر أنه نفخ في آدم من روحه ، فهذه الإضافة إليه ، هل تدل على أنها قديمة أم لا ؟ و ما حقيقة هذه الإضافة ؟

قال  العلامة ابن القيم  : و هذه مسألة زل فيها عالم ، و ضل فيها طوائف من بني آدم ، و هدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين . فأجمعت الرسل صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين على أن الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة ، هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن العالم حادث ، و أن معاد الأبدان واقع ، و أن الله وحده الخالق و كل ما سواه مخلوق له ـ حتى نبعت نابعة ـ فمن قصر فهمه في الكتاب و السنة زعم أنها قديمة غير مخلوقة ، و احتج بأنها من أمر الله و أمره غير مخلوق ، و بأنها أضافها إليه كما أضاف إليه علمه و حياته و قدرته ، و توقف في ذلك آخرون فقالوا : لا نقول مخلوقة و لا غير مخلوقة . انتهى كلامه .

و قال  الحافظ بن مندة  ، لما سئل عن الأرواح ، هل هي مخلوقة أم لا ؟ فقال : أن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح و محلها من النفس ، فقال بعضهم : الأرواح كلها مخلوقة ، و هذا مذهب أهل الجماعة و الأثر ، و احتجت " بقوله صلى الله عليه و سلم :  الأرواح جنود مجندة فمن تعارف منها ائتلف " الحديث . و الجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة ، و قال بعضهم : الأرواح من أمر الله ، أخفى الله حقيقتها و علمها عن الخلق ، و احتجت بقوله : " قل الروح من أمر ربي " ، و قال بعضهم : الأرواح نور من نور الله تعالى ، و حياة من حياته . و احتجت " بقوله صلى الله عليه و سلم : إن الله خلق خلقه في ظلمة و ألقى عليهم من نور " . انتهى كلامه .

و قال  محمد بن نصر المروزي  : تأول صنف من الزنادقة و من الروافض في روح آدم ، ما تأولته النصارى في روح عيسى ، و ما تأوله قوم من أن الروح انفصل من ذات الله فصار في المؤمن ، فقال صنف من الزنادقة ، و صنف من الروافض : إن روح آدم غير مخلوق ، و تأولوا قوله تعالى : " و نفخت فيه من روحي " و قوله : " ثم سواه و نفخ فيه من روحه " ثم قال بعد كلام طويل : و لا خلاف بين المسلمين ، أن الأرواح التي في آدم و بنيه و عيسى و من سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله ، خلقها و أنشأها و كونها و اخترعها . انتهى كلامه .

و قال شيخ الإسلام  ابن تيمية  : روح الآدمي مخلوقة مبدعة ، باتفاق سلف الأمة و أئمتها و سائر أهل السنة . و قد حكى إجماع العلماء  على أنها مخلوقة ، غير واحد من أئمة المسلمين ، مثل  محمد بن نصر المروزي  ، و  أبو محمد بن قتيبة  و غيرهما ، و ذكر كلاماً طويلاً و بحثاً كثيراً يطول ذكره ، و الله أعلم .

 

 

 فصل ـ في دليل إضافة الروح إلى الله و تفسير تلك الإضافة

من استدل بإضافة الروح إلى الله تعالى بقوله : " و نفخت فيه من روحي " ، فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه و تعالى نوعان :

أحدهما : صفات لا تقوم بأنفسها ، كالعلو و القدرة و الكلام و السمع و البصر ، فهذه إضافة صفة إلى موصوفها ، صفات له غير مخلوقة ، و كذلك وجهه و يده سبحانه و تعالى .

و الثاني : إضافة أعيان منفصلة عنه ، كبيت الله و ناقة الله ، و رسول الله ، و روح الله ، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ، و مصنوع إلى صانعه ، لكنها إضافة تقتضي تخصيصاً و تشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره ، كبيت الله ، و إن كانت البيوت كلها ملكاً لله ، و كذلك ناقة الله ، و النوق كلها ملكه و خلقه ، و لكن هذه إضافة إلى إلاهيته تقتضي محبته لها و تشريفه ، بخلاف الإضافة العامةإلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه و إيجاده ، هذا خلق الله ، فالعامة تقتضي الخلق و الإيجاد ، و الخاصة تقتضي الاختيار ، و الله يخلق ما يشاء و يختار ، و إضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة ، و لا من باب إضافة الصفات .

فتأمل هذا الموضع فإنه ينفعك من التخلص من البدع ، فقد ضل فيه خلق كثير ، نسأل الله العصمة .

 

 فصل ـ عن موت الأرواح و الأبدان

فقد اضطربت مقالات الناس في هذا الباب ، فقالت طائفة : تموت و تذوق الموت ، لأنها نفس ، و كل نفس ذائقة الموت .

قالوا : و قد دل القرآن عليه بقوله : " كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " و قوله تعالى : " كل شيء هالك إلا وجهه " و " كل نفس ذائقة الموت " .

قالوا : و إن كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت . و قال في حق أهل النار : " قالوا ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين " فالموتة الأولى هذه المشهودة ، فهي للبدن ، و الأخرى للروح . و قال آخرون ، لا تموت الأرواح ، فإنها خلقت للبقاء ، و إنما تموت الأبدان .

قالوا : و قد دل على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح و عذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها ، و لو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم و العذاب ، و قال تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين " الآية هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم و ذاقت الموت .

قال  العلامة ابن القيم  : و الصواب أن يقال : موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها ، و خروجها منها ، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت ، و إن أريد أنها تعدم و تضمحل و تصير عدماً محضاً ، فهي لا تموت ، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو عذاب ، كما صرح به في النصوص ، حتى يردها الله في أجسادها ، ثم ساق بعد ذلك النصوص الواردة في هذا المحل ، انتهى كلامه .

 

 فصل ـ في عذاب القبر على الروح و البدن

و هل عذاب القبر على الروح و البدن ؟ أو على الروح دون البدن ؟ أو على البدن دون الروح و هل يشارك البدن النفس في النعيم و العذاب ، أم لا ؟

قال شيخ الإسلام  ابن تيمية  ـ بعد أن سئل عن هذه المسألة فأجاب ـ : بل العذاب و النعيم على النفس و البدن جميعاً باتفاق أهل السنة و الجماعة ، تنعم النفس و تعذب منفردة ، و تنعم و تعذب متصلة بالبدن ، و البدن متصل بها ، فيكون النعيم و العذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين ، كما تكون الروح منفردة عن البدن ، منعمة أو معذبة . و هل يكون العذاب و النعيم للبدن بدون الروح ؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث و السنة و أهل الكلام ، و في المسالة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة و الحديث .

قول من يقول إن النعيم و العذاب لا يكون إلا على الروح ، و أن البدن لا ينعم و لا يعذب ، و هذا يقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان ، و هؤلاء كفار بإجماع المسلمين ، و يقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة و غيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان ، و لكن يقولون : لا يكون ذلك في البرزخ ، و إنما يكون عند القيام من القبور ، لكن هؤلاء ينكرون عذاب الأبدان في البرزخ فقط ، و يقولون إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ ، فإن كان يوم القيامة عذبت الروح و البدن معاً .

و هذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام و أهل الحديث و غيرهم ، و هو اختيار  ابن حزم  ، و  ابن مسرة  ، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة ، بل هو مضاف إلى قول من يقر بعذاب القبر ، و يقر بالقيامة ، و يثبت معاد الأبدان و الأرواح . لكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال :

أحدها: أنه على الروح فقط .

و الثاني : أنه عليها ، و على البدن بواسطتها .

الثالث : أنه على البدن فقط .

وقد يضم إلى ذلك قول من يثبت عذاب القبر ، و يجعل الروح هي الحياة ، و يجعل الفساد قول منكر عذاب الأبدان مطلقاً ، و قول من ينكر عذاب البرزخ مطلقاً ،  و الفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك ينكرون معاد الأبدان . فهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان ، لكن ينكرون معاد الأرواح و نعيمها و عذابها بدون الأبدان ، و كلا القولين خطأ و ضلال ، لكن قول الفلاسفة أبعد من أقوال أهل الإسلام ، و إن كان قد يوافقهم عليه من هو متمسك بدين الإسلام ، بل من يظن أنه من أهل المعرفة و التصوف .

و القول الثالث الشاذ : قول من يقول أن البرزخ ليس فيه نعيم و لا عذاب ، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى ، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة و نحوهم ، ممن ينكر عذاب القبر و نعيمه ، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ ، لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى ، و أما الأحاديث الدالة على نعيم القبر و عذابه فهي كثيرة جداً ، بل لو قيل أنها بلغت التواتر في المغالبة لم يبعد ذلك ، فمنها ما تقدو من أحاديث مسألة منكر و نكير ، و فيها كفاية ، و منها ما لم أحط به ولم أطلع عليه ، و منها ما اطلعت عليه و اختصرته للتطويل ، و منها ما أذكره للتنبيه ، فقد ثبت في  الصحيحين  " من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبرين ، فقال : إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، و أما الآخر فكان يمشي في النميمة ، ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين ، فقال : لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا " .  " رواه  أبو داود الطيالسي  ، لكن قال فيه : أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس " و باقيه كما ذكرته .

" و ثبت في  صحيح مسلم  في حديث طويل ، قال : إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا ، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ثم قال : تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر ، قال : تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر ، قال : تعوذوا بالله من الفتن ، ما ظهر منها و ما بطن " الحديث .

و في  صحيح مسلم  أيضاً ، و جميع السنن ، " عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير ، فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ، و من عذاب القبر ، و من فتنة المحيا و الممات ، ومن فتنة المسيح الدجال " .

و في  الصحيحين  : " عن أبي أيوب ، خرج النبي صلى الله عليه و سلم ، و قد وجبت الشمس ، فسمع صوتاً ، فقال : يهود تعذب في قبورها " .

و في  صحيح البخاري  و  مسلم  : " عن عائشة ، قالت : دخلت على عجوز من يهود المدينة ، فقالت : إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ، قالت فكذبتها و لم أنعم أن أصدقها ، فخرجت ، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقلت يا رسول الله إن عجوز من عجائز يهود أهل المدينة ، دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم ! فقال : صدقت ، إنهم يعذبون عذاباً يسمعه البهائم كلها قالت : فما رأيته بعد في صلاته إلا أن يتعوذ من عذاب القبر " .

قال بعض أهل العلم : ولهذا السبب ، يذهب الناس بالخيل إذا مغلت إلى قبور اليهود و النصارى ، فإذا سمعت الخيل عذاب القبر ، أحدث لها ذلك فزعاً و حرارة تذهب بالمغل .

والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب ، وقد تقدم في أحاديث المسألة ، ما هو أبلغ من ذلك ، " في قوله : فلا يزال معذباً ، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك " ، وهذا صريح في أن البدن يعذب في القبر .

و روى  النسائي  ، " من حديث  عبد الله بن عمر   ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : هذا الذي تحرك له العرش ، و فتحت له أبواب السماء ، و شهد له سبعون ألفاً من الملائكة ، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه " قال  النسائي  : ـ يعني  سعد بن معاذ  ـ .

" و في حديث عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : للقبر ضغطة ، لو نجا منها أحد لنجا منها  سعد بن معاذ  " . قال نافع : بلغني أنه شهد جنازته سبعون ألف ملك ، لم ينزلوا إلى الأرض قط . " و في لفظ : منديل من مناديل سعد ، خير من الدنيا و ما فيها " .

      

 

 فصل : في عذاب القبر حق

قال  المروزي  : قال  الإمام أحمد  : عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل .

وقال  حنبل  : قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر ! فقال : هذه أحاديث صحاح ، نؤمن بها ونقر بها ، كلما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم إسناد جيد أقررنا به ، إذا لم نقر بما جاء به الرسول و دفعناه و رددناه ، رددنا على الله أمره ، قال تعالى : " و ما آتاكم الرسول فخذوه " قلت له : و عذاب القبر حق ؟ ! قال : حق ، يعذبون في القبور ، قل : و سمعت أبا عبد الله يقول : نؤمن بعذاب القبر و بمنكر و نكير ، و أن العبد يسأل في قبره ، " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " في القبر .

وقال  أحمد بن القاسم  : قلت يا أبا عبد الله : نقر بمنكر و نكير ، و ربما يروى من عذاب القبر ؟ ! فقال : سبحان الله ! نعم ، نقر بذلك و نقول به .

قال  العلامة ابن القيم  : و مما ينبغي أن يعلم ، أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ ، فكل من مات و هو مستحق العذاب ، ناله نصيبه منه ، قبر أو لم يقبر ، فلو أكلته السباع ، أو أحرق حتى صار رماداً و نسف في الهواء ، أو صلب ، أو غرق في البحر ، وصل إلى روحه و بدنه من العذاب ما يصل إلى القبور . انتهىكلامه .

 

 فصل ـ في أن البلي يختص البدن

و مما ينبغي أن يعلم أن البلي يختص هذا البدن المشاهد المركب ، فإن هذا البدن ليس بشيء إنما هو آلة ، والنظر إلى ما يؤذي الروح و ينفعها .

و قد روى  أبو الفرج بن الجوزي  ـ رحمه الله ـ بإسناده ، قال : دخل  عبد الله بن عمر  ـ رضي الله عنهما ـ المسجد ، وقد قتل عبد الله بن الزبير ، فمال إلى أسماء أم ابن الزبير ، فقال لها : اصبري ، فإن هذه الجثث ليست بشيء ، و إنما الأرواح عند الله تعالى ، ثم قال : و روينا عن ابن الزبير ، أنه قال لأمه أسماء قبل قتله : يا أماه ، إن قتلت فإنما [ أنا ] لحم لا يضر ما صنع بي . 

 و روى  خالد بن معدان  ، قال : لما قتل هشام بن العاص يوم أجنادين ، وقع على ثلمة فسدها ، و لم يكن ثم طريق غيره ، فلما انتهى المسلمون إليه ، هابوا أن يوطئوه الخيل ، فقال عمرو بن العاص : أيها الناس ، إن الله قد استشهده ورفع روحه ، و إنما هو جثة ، فأوطئوه الخيل ، ثم أوطأه هو ، و تبعه الناس حتى قطعوه . و إذا ثبت هذا ، فإن الله تعالى إذا أتلف هذا البدن الترابي وأبلاه ، المعرض للآفات ، فإنه سيعيده بدناً لا يبلى ، في حياة لا تنفد أبداً ، وتبدل صعوبات التكليف بحسن الجزاء ، ويعطيهم أجوراً باقية عن أعمال منقطعة ، كما لا يبقى لمرارات الشعث والتكليف في أيام الإحرام ، طعم عند أيام التشريق ، و الله تعالى الموفق .

 

 الباب السابع والعشرون : في عد الشهداء و فضلهم و أنهم أرفع درجات من الصالحين

قال تعالى : " و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين " .

قال قتادة : قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم : كيف يكون الحال في الجنة ، و أنت في الدرجات العلى ، ونحن أسفل منك ؟ فكيف نراك ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية : " ومن يطع الله " في أداء الفرائض " والرسول " في السنن : " فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين " ، أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالسهم . فأعلى درجات بني آدم الأنبياء ، ثم الصديقون ، ثم الشهداء ، ثم الصالحون ، وهذا ترتيب لا شك فيه ، لأن الله تعالى رتبهم في الذكر ، قدم الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل في المراتب و المنازل .

" وعن  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من نفس تموت ، لها عند الله خير ، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ، و لا أن لها الدنيا و ما فيها ، إلا الشهيد "  الحديث . هذا من صرائح الأدلة في عظم فضل الشهادة .

 " و  عن سهل بن حنيف  ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من سأل الله الشهادة بصدق ، بلغه الله منازل الشهداء ، و إن مات على فراشه " . رواه  مسلم  في  صحيحه  .

وفي  صحيح مسلم  أيضاً ، " من حديث  أنس  ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ، و لو لم تصبه " .

و رواه  الترمذي  و صححه ، " من حديث معاذ مرفوعاً ، ولفظه : من سأل القتل في سبيله صادقاً في قلبه ، أعطاه الله أجر الشهيد " . و رواه  الإمام أحمد  بهذا اللفظ .

" و عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما تعدون الشهيد فيكم ؟ قالوا : يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، قال : إن شهداء أمتي إذاً لقليل ! قالوا : فمن هم يا رسول الله ؟ قال : من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، و من مات في سبيل الله فهو شهيد ، و من مات في الطاعون فهو شهيد ، و من مات في البطن فهو شهيد ، و الغريق شهيد ـ و في رواية ـ وصاحب الهدم شهيد " .

" و عن  جابر بن عتيك  ـ رضي الله عنه ـ أن النبي قال : الشهداء سبع ، سوى القتل في سبيل الله عز و جل : المطعون شهيد ، و الغريق شهيد ، و المبطون شهيد ، و صاحب ذات الجنب شهيد ، و الذي يموت تحت الهدم شهيد ، و صاحب الحريق شهيد و المرأة تموت بجمع شهيد " . رواه  الإمام أحمد  ، و  أبو داود  ، و  النسائي  ، و روى  ابن ماجة  بعضه . قوله بجمع بضم الجيم و إسكان الميم ـ : و هي التي تموت حاملاً أو نفساء ، كذا ذكره غير واحد من أهل العلم ، و الله أعلم .

و روى  الإمام أحمد  ، و  النسائي  ، " من حديث صفوان ين أمية ، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : الطاعون شهادة ، و الغرق شهادة ، و البطن شهادة " .

 و روى  النسائي  أيضاً ، " من حديث عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : خمس ، من قبض على شيء منهن فهو شهيد : المقتول في سبيل الله شهيد ، و الغريق في سبيل الله شهيد ، و المطعون في سبيل الله شهيد و الفناء في سبيل الله شهيد " .

و روى  مالك  في  الموطأ  ، " عن  جابر بن عبد الله  ـ رضي الله عنهما ـ في قصة ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما تعدون الشهادة فيكم ؟ قالوا : القتل في سبيل الله ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله " . ثم ذكر نحو ما تقدم في السنن من حديث جابر بن عتيك .

و روى  البخاري  و  مسلم  " من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : الشهداء خمس : المطعون ، و المبطون ، و الغريق ، و صاحب الهدم ، و الشهيد في سبيل الله " . قال  العلامة اسماعيل التيمي الأصبهاني  ـ مفسراً الحديث ـ قال : المطعون : الذي أصابه الطاعون ، و المبطون الذي أصابه علة البطن . انتهى .

و قال غيره من العلماء : للناس في تفسير علة البطن ثلاثة أقوال : أحدهما : أنه الذي يموت بالاستسقاء .

و الثاني : الذي يموت بالمغص الشديد ـ وهو الذي يسمونه القولنج ـ وهو مرض معروف .

و الثالث : الذي يموت بالاسهال . انتهى كلامه .

قلت : والقول الثالث هو الراجح عند أكثر أهل العلم ، وبعضهم لم يحك غيره ، ويحتمل ـ و الله أعلم ـ أن الشهادة تعم الثلاثة أصناف المذكورة ، وهو أبلغ في الكرم وسعة الفضل ، و الله أعلم . و مما يؤيد هذا الاحتمال ما روى  ابن حبان  في  صحيحه  . " من حديث سليمان بن مراد وخالد بن عرفطة ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من قتله بطنه لم يعذب في قبره " .

" و عن  عبد الله بن عمرو  ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قتل دون ماله فهو شهيد " . رواه  البخاري 

و روى  أبو داود  ، و  الترمذي  ، و  النسائي  واللفظ له ، " من حديث سعيد ابن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قتل دون ماله فهو شهيد ، و من قتل دون دينه فهو شهيد ، و من قيل دون أهله فهو شهيد "  .

و روى  النسائي  مفرداً ، " من حديث سويد بن مقرن ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قتل دون مظلمته فهو شهيد " .

 و روى  الإمام أحمد  ، " من حديث  ابن لهيعة  ، عن خالد بن أبي زيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن إبراهيم بن عبد الله بن رفاعة ، أن أبا محمد أخبره ـ وكان من أصحاب  ابن  مسعود  ـ حدثه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أنه ذكر عنده الشهداء ، قال : إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته " .

" و روينا في خبر ابن عرفة مرفوعاً : أن الموت كفارة لكل مسلم " .

      

 

 فصل : في تسلية المصاب

ومما ينبغي أن يعلم أن العبد ، إذا نظر أو سمع ما تقدم في هذا الباب من تنوع الشهادة ، و ذكر تعدادها ، حصل له تسلية بموت محبوبه ، فإنه في الغالب لا بد أن يكون ناله نصيب منها ، مع أني لم أحط بكل ما " ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في تسمية الشهداء ، و قد روي مرفوعاً : موت الغريب شهادة " . و قد استقصينا في عد الشهداء في كتاب  أحكام الطاعون  .

و يكفي في البشارة ما تقدم قريباً ، " من رواية  الإمام أحمد  مرفوعاً : إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش " ، و تقدم ما أعد الله للشهداء من حين الموت ، و ما لهم عند الله ، و أن أرواحهم في حواصل طير خضر تأكل و تشرب في الجنة ، وتسرح حيث  شاءت ، و كل هذا في دار البرزخ ، فإذا دخلوا الجنة يوم القيامة بأجسادهم انتقلوا إلى نعيم أعلى من ذلك و أكثر منه .

قال أبو بكر القطيعي : " حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا ابن خليفة ، حدثنا عوف ، عن خنساء ، قالت : حدثتني عمتي ، قالت : قلت يا رسول الله ، من في الجنة ؟ قال : النبي في الجنة ، و الشهيد في الجنة ، و المولود في الجنة ، و الموؤودة في الجنة " و كذلك رواه  بندار  ، عن غندر ، عن عوف ، فذكر مثله .

فانتقال العبد إلى الله و ما عند الله ، هو خير لعباده من هذه الدنيا التي خلقهم فيها ، فينظر كيف يعملون ، و يبتليهم بالمحن و المصائب ، و الشهادات ، حتى يعلم الصابر منهم و الجازع ، ليجازي كل شخص بحسبه ، فمنهم من يجازيه بالحنان ، و منهم من يجازيه بالنيران ، و كل ذلك عدل منه سبحانه و تعالى ، لا يظلم مثقال ذرة ، بل إن أدخل العبد الجنة فبرحمته و فضله ، و إن أدخله النار ، فبعدله و سلطانه : " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " . فله الحمد دائماً على كل حال .

  

 

 فصل : في الشهادة المطلوبة : شهادة المعركة

و الشهادة المطلوبة ، شهادة المعركة على ما تقدم و كذلك شهادة الطاعون ، فإنه قد رود في أحاديث و آثار في تمني الطاعون ، ما وقع في قصة المغيرة ين شعبة أنه قال : اللهم ارفع عنا الرجز ـ يعني الطاعون ـ ، فقال  أبو موسى الأشعري  ـ رضي الله عنه ـ : أما أنا ، فلا أقول هذا ، و لكن أقول كما قال العبد الصالح أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ اللهم طعناً وطاعوناً في مرضاتك . و قام أبو عبيدة خطيباً فقال : يا أيها الناس ، إن هذا الوجع رحمة بكم : و دعوة نبيكم ، و موت الصالحين قبلكم ، و إن أبا عبيدة يسأل الله العظيم أن يقسم له من حظه . قال : فطعن ، فمات .

و ثبت في  مسند الإمام أحمد  ، " أن النبي صلى الله عليه و   سلم قال : اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن و الطاعون " . و غير ذلك من الأحاديث و الآثار ، التي لا تحضرني ، و قد قررت ذلك في كتابنا المعروف ب  أحكام الطاعون  . و لكنه لم يكن عندي حين ألفت هذا الكتاب ، فإن قيل : الشهادة المطلوبة شهادة المعركة ، و كذلك شهادة الطاعون ، كما تقدم .

و قد ورد في بعض الأحاديث ، " أن النبي صلى الله عليه و سلم استعاذ من بعض ما عده شهادة ، ففي  مسند الإمام أحمد  مرفوعاً : استعاذ من سبع موتات : من موت الفجأة ، و من لدغ الحية و من السبع ، و من الغرق ، و من الحرق ، و من أن يخر على شيء ، أو يخر عليه شيء ، و من الفرار من الزحف " .

 " و في  المسند  أيضاً مرفوعاً : اللهم إني أعوذ بك أن أموت هماً أو غماً ، و أن أموت غرقاً ، و أن يتخبطني الشيطان عند الموت " . و " رواه  النسائي  ، و لفظه : اللهم إني أعوذ بك من الهدم و التردي ، و الهم ، و الغم ، و الغرق ، و الحرق ، و أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، و أعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً ، و أعوذ بك أن أموت بك لديغاً " . وغير ذلك من الأحاديث .

يقال : لم يقل أحد من العلماء : إن كل شهادة مطلوبة ، بل من وقع له أو لمحبوبه أو لغيره شيء ، مما عده النبي صلى الله عليه و سلم شهادة ، ، والشهيد ثلاثة أقسام :

أحدها : شهيد في الدنيا و الآخرة ، وهو المنقول في المعركة مخلصاً .

و الثاني : شهيد في الدنيا و الآخرة فقط ، وهو المقتول في المعركة مرائياً .

و الثالث : الشهيد في الآخرة فقط ، وهو من أثبت له الشارع الشهادة ، ولم يجر عليها أحكامها في الدنيا ، كالغريق و الحريق و من به ذات الجنب ، ونحوه ، كما تقدم .

فإن قيل : لم سمي الشهيد شهيداً ؟

قيل : قد اختلف العلماء  في ذلك على أقوال :

أحدها : لأنه حي كما فصل تعالى : " و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " .

الثاني : لأن الله تعالى و ملائكته شهدوا له بالجنة .

الثالث : لأن الملائكة تشهده .

الرابع : لقيامه بشهادة الحق حتى قتل .

الخامس : لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل .

السادس : لأنه شهد لله بالوجود و الإلهية بالفعل لما شهد غيره بالقول .

السابع : لسقوطه بالأرض و هي الشاهد له .

الثامن : لأنه شهد له بوجوب الجنة .

التاسع : من أجل شاهده و هو دمه .

العاشر : لأنه شهد له بالإيمان و حسن الخاتمة .

فهذه عشر أقوال ، من أماكن متفرقة ، جمعت إليك رخيصة الأثمان ، فهذه الأقوال في المخلص الذي قصد بجهاده وجه الله تعالى ، و الدار الآخرة ، فإنه سبحانه و تعالى ، إذا علم قصد العبد و إخلاصه ، أعانه و أغاثه ، قال تعالى : " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً " و قد ذكر  أبو الفرج بن الجوزي  ، في جزء الثبات عند الممات ، في هذا المعنى ، عن علي بن الموفق ، قال : سمعت حاتم الأصم يقول : لقينا الترك و كان بيننا جولة ، فرماني تركي بسهم فقلبني عن فرسي ، فنزل عن دابته ، فقعدعلى صدري ، و أخذ بلحيتي ، و أخرج من خفه سكيناً ليذبحني ، فوحق سيدي ، ما كان قلبي عنده ، و لا عند سكينه ، و إنما كان قلبي عند سيدي ، أنظر ماذا ينزل القضاء منه ، فقلت : سيدي ، قضيت علي أن يذبحني هذا ؟ فعلى الرأس و العين ، إنما أنا لك و ملكك ، فبينما أنا كذلك ، و هو قاعد على صدري ، إذا رماه بعض المسلمين بسهم ، فما أخطأ حلقه ، فسقط عني ، فقمت إليه ، و أخذت السكين من يده ، فذبحته بها . فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند مليككم ، حتى تروا عجائب لطفه . ما لا ترون من الآباء و الأمهات .

     

 

 

 الباب الثامن و العشرون : في ذكر الصراط و درجات الناس في المرورعليه

أما الصراط فهو جسر منصوب على متن جهنم ، و هو أحد من السيف ، و أدق من الشعرة ، ثبتنا الله و إياكم على المرور عليه .

و قد روى  مسلم  في  صحيحه  ، " من حديث أبي هريرة و حذيفة ـ رضي الله عنهما ـ قالا : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يجمع الله تبارك و تعالى الناس ، فيقوم المؤمنون ، تزلف لهم الجنة ، فيأتون آدم ، فيقولون : يا أبانا ، استفتح لنا الجنة ، فيقول : و هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم ؟ لست بصاحب ذلك : اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله ، قال : فيأتون إبراهيم ، فيقول إبراهيم عليه السلام : لست بصاحب ذلك ، إنما كنت خليلا من وراء وراء ، اعمدوا إلى موسى ، كلمه الله تكليماً ، فيأتون موسى ، فيقول : لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى عيسى ، كلمة الله و روحه ، فيقول عيسى : لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى محمد ، قال : فيأتون محمداً صلى الله عليه و سلم و يؤذن له ، و يرسل الأمانة و الرحم ، فيقومان جنبي الصراط ، يميناً و شمالاً ، فيمر أولكم كالبرق ، يمر و يرجع في طرفة عين ، ثم كمر الريح ، ثم كمر الطير و شد الرحال ، تجري بهم أعمالهم ، و نبيكم صلى الله عليه و سلم قائم على الصراط ، يقول : رب سلم ، رب سلم : حتى تعجز أعمال العباد ، و حتى يجيء الرجال فلا يستطع السير إلا زحفاً ، قال : و في حافة الصراط كلاليب معلقة ، مأمورة ، تأخذ من أمرت به ، فمخدوش ناج ، و مكدوس في النار ، و الذي نفس أبي هريرة بيده ، إن قعر جهنم لسبعون خريفاً " .

" و عن  أبي سعيد الخدري  ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم ، و ذكر الصراط و مرور الناس عليه ، قال : فيمر المؤمنين ، كطرف العين ، و كالبرق ، و كالريح ، و كالطير ، و كأجاويد الخيل و الركاب ، فناج مسلم ، و مخدوش مرسل ، و مكدوس في نار جهنم " . رواه  مسلم  .

 " و عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ذكر حديث الشفاعة : و يضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أنا و أمتي أول من يجيز ، و لا يتكلم يومئذ إلا الرسل ، و دعاء الرسل يومئذ : اللهم سلم ، اللهم سلم ، و في جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان ـ هل رأيتم شوك السعدان ؟ ـ ثم قال : و إنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى ، تخطف الناس بأعمالهم " الحديث .

 

 فصل ـ في المرور على الصراط

قد سمعت ـ رحمك الله ـ فانظر إلى هذه الطريق الحرج ، و المسلك الشاق ، و القنطرة المضطربة ، و العقبة الكؤود ، التي لا تثبت عليها الأقدام ، و لا تجوزها الأوهام ، و لا يثبت عليه إلا من ثبته الله بالقول الثابت ، و ثبت قدماه يوم تزل الأقدام ، و لعل من عنده تساهل و عدم توفيق ، يسمع بالصراط ، فيظن أن طريقه يشبه طريق الدنيا التي هي صعبة المسلك ، وعرة ذات صعود و نزول ، هيهات و ما علم ، و الله إنه أحد من السيف ، و أدق من الشعرة ، و على يمينه و شماله كلاليب و خطاطيف ، فإذا كلفت المرور عليه و هو بهذه المثابة ـ و أعظم من ذلك أن جهنم تحتك ، و قد أرعب قلبك من هول منظرها ، و ملأت أذنيك زفيرها ـ فهل تستطيع المرورأو النهوص أو الزحف ؟ ! فإنه إذا اضطرب بك الصراط ، و التهب السعير من تحتك التهاباً ، و لم تجد إلى النجاة سبيلاً ، و لا إلى الخلاص مقيلاً ، فلا ينفعك في تلك الحال إلا سعي صالح مشكور ، أو توبة نصوح من ذنب مغفور ، فتخير الآن أي الأعمال أنجى لك ؟ و أي الطرق معينة لك على سعيك لما ينفعك ؟

و قالد روى  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، عن  وهب بن منبه  ، قال : وجدت في زبور داود ـ عليه السلام ـ : يا داود ، هل تدري من أسرع الناس ممرا على الصراط ؟ الذين يرضون بحكمي ، و ألسنتهم رطبة من ذكري . 

 

 الباب التاسع و العشرون : في ذكر سعة رحمة الله و من مات على التوحيد

قال الله تعالى : " و رحمتي وسعت كل شيء " و في  الصحيح  " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يجيءيوم القيامة ناس من المسلمين ، بذنوب أمثال الجبال ، فيغفرها الله لهم ، و يضعها على اليهود و النصارى " .

و قد تقدم " في حديث أبي هريرة : لكل أحد منزل في الجنة و منزل في النار ، فالمؤمن إذا دخل الجنة ، خلفه الكافر في النار ، لاستحقاقه ذلك بكفره " ، كما " ورد في  الصحيح  : هذا فكاكك من النار " . و هذه بشارة عظيمة للمسلمين أجمعين ، حتى قال  الشافعي  و عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنهما ـ هذا الحديث أرجى حديث المسلمين ، لما فيه من التصريح بفداء كل مسلم .

و في  الصحيحين  " من حديث  أبي سعيد  مرفوعاً ، إلى أن قال فيه : فيقال أخرجوا من عرفتم . يعني من النار ـ فتحرم صورهم عن النار ، فيخرجون خلقاً كثيراً ، و قد أخذت النار إلى نصف ساقيه و إلى ركبتيه ، فيقولون : ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ، فيقول : ارجعوا ، فمن و جدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقاً كثيراً إلى أن قال : ثم يقال ارجعوا فمن و جدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقاً كثيراً " و كان  أبو سعيد الخدري  يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث ، فاقرؤوا إن شئتم : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، و إن تك حسنة يضاعفها " الآية . " فيقول الله : شفعت الملائكة ، و شفع النبيون ، و شفع المؤمنون ، و لم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة من النار ، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط ، قد عادوا حمماً ، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة ، يقال له نهر الحياة ، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ، قال : فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم ، يعرفهم أهل الجنة ، هؤلاء عتقاء الله ؟ الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ، و لا خير قدموه ، ثم يقال : ادخلوا الجنة ، فما رأيتموه فهو لكم ، فيقولون : ربنا ، أعطيتنا ما لم تعط لأحد من العالمين ، فيقول : لكم عندي أفضل من هذا ، فيقولون : ربنا ، و أي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول رضائي ، فلا أسخط عليكم بعده أبداً " .

" و في حديث  أنس بن مالك  و ذكر فيه الشفاعة ، مرة بعد مرة ، و أنه صلى الله عليه و سلم قال : في الآخرة ، فأقول : رب ، أي رب ، أئذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله ، فيقول : الله : و عزتي و جلالي ، و عظمتي و كبريائي ، لأخرجن منها من قال : لا إله إلا الله " . و " في رواية  مسلم  : ليس ذلك لك أو إليك " الحديث .

     

 

 فصل ـ في رحمته وسعت كل شيء

" و قد أخبر الله تعالى : أن رحمته و سعت كل شيء ، و أنه كتب على نفسه الرحمة ، و قال : سبقت رحمتي غضبي ، و غلبت رحمتي غضبي " ، فالجنة دار رحمته ، و النار دار غضبه ، فثبت أن الجنة ينشأ لها خلقاً في الآخرة ، و يدخلها أيضاً من دخل النار أولاً ، و يدخلها الأولاد بعمل الآباء ، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيراً قط ، و ثبت أن النار لا يعذب أحد فيها بغير ذنب ، فرحمته واسعة .

حتى إن جماعة من المفسرين ، ذكروا قصة فرعون : قال جبريل : يا محمد ، لو رأيتني ، و أنا أدس الطين في في فرعون ، مخافة أن يقول فرعون كلمة يرحمه الله بها ، فهذا جبريل من أعظم رسل الملائكة ، قد علم سعة رحمة الله ، ففعل ذلك مخافة إدراك الرحمة له ، مع أنه قال : " أنا ربكم الأعلى " .

 

 

 فصل ـ في أن من مات موحداً داخل الجنة

و مما ينبغي أن يعلم ، أن مذهب أهل السنة و الجماعة من السلف و الخلف ، أن من مات موحداً أدخل الجنة قطعاً على كل حال ، فإن كان سالماً من المعاصي ، كالصغير ، و المجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ ، و التائب توبة نصوحاً صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته ، و من نشأ في عبادة الله و لم يقارف معصية أصلاً ، كل هؤلاء يدخلون الجنة و لا يدخلون النار لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود . و الصحيح إن شاء الله تعالى على ما ذكره جماعة من العلماء  ، أن المراد بالورود ، المرور على الصراط و هو منصوب على ظهر جهنم ، أجارنا الله من حرها و بردها .

و أما من مات من أهل المعاصي ، أو له معصية كبيرة و لم يتب منها ، فهو داخل تحت مشيئة الله ، إن شاء عذبه بمقدار ذنبه ، أو القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة ، و إن شاء عفا عنه مطلقاً ، فلا يخلد أحد في النار مات على التوحيد ، و لو عمل من المعاصي ما عمل ، و هذا من أحسن ما يتسلى به من مات له قريب أو صاحب من أهل المعاصي ، و مات و ما يعلم هل تاب من المعاصي أم لا ؟

قال  أبو ذكريا النووي  ـ رحمه الله ـ : و قد تظاهرت الأدلة من الكتاب و السنة ، و إجماع من يعتد به ، على هذه القاعدة ، و تواترت بهذه نصوص تحصل العلم القطعي بذلك . انتهى كلامه .

و يؤكد ذلك ما ثبت في  الصحيح  ، " من حديث عثمان ـ  رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من مات و هو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " .

قال  القاضي عياض  : اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين ، فقالت المرجئة : لا تضره المعصية مع الإيمان . و قالت الخوارج : تضره و يكفر بها . و قالت المعتزلة : يخلد في النار إذا كانت كبيرة ، و لا يوصف بأنه مؤمن و لا كافر ، لكنه فاسق .و قالت جماعة من العلماء  : بل هو مؤمن ، و إن لم يغفر له ، و إن عذب ، فلا بد من إخراجه من النار ، و إدخاله الجنة . قال : و هذا الحديث حجة على الخوارج و المعتزلة ، و أما المرجئة ، فإن احتجت بظاهره ، قلنا : نحمله على أنه غفر له و خرج من النار بالشفاعة ، ثم أدخل الجنة و يكون معنى قوله عليه السلام : دخل الجنة : أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب . و هذا لا بد من تأويله ، لما جاء في ظواهر كثيرة ، من عذاب بعض العصاة . انتهى كلامه .

و من هذا الباب ، ما ثبت في  الصحيح  ، أن  أبا الأسود الديلي  ، " حدثه أبو ذر ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هو نائم على قميص أبيض ، ثم أتيته فإذا هو نائم ، ثم أتيته و قد استيقظ ، فجلست إليه ، فقال : ما من عبد قال : لا إله إلا الله ، ثم مات على ذلك ، إلا دخل الجنة .قلت : و إن زنى و إن سرق ؟ قال : و إن زنى و إن سرق . ثلاث مرات . ثم قال في الرابعة : على رغم أنف أبي ذر . قال : فخرج أبو ذر ، و هو يقول : و إن رغم أنف أبي ذر " . و فيه رد على الخوارج . و على المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار .

" و في رواية ل  البخاري  : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أتاني جبريل ، فقال : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة . قلت : و إن زنى و إن سرق قال : و إن زنى و إن سرق " . و هو حديث أبي ذر .

و في  الصحيح  " من حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ، و من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار " و " في لفظ: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة " . و "في رواية : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " و " في لفظ : من شهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله دخل الجنة " .

" و في حديث  معاذ بن جبل  ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " .

" و عنه أيضاً مرفوعاً : من لقي الله ، لا يشرك به شيئاً دخل الجنة " .و " في رواية : ما من عبد ، يشهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، إلا حرمه الله على النار " . و زاد في  صحيح البخاري و مسلم  ، " من حديث  عبادة بن الصامت  : على ما كان من عمل " .

و في  صحيح البخاري و مسلم  ، " من حديث  أنس  ، أن نبي الله صلى الله عليه و سلم ، و  معاذ بن جبل  رديفه على الرحل ، قال : يا معاذ ، قال : لبيك و سعديك يا رسول الله ، قال : يا معاذ قال : لبيك و سعديك يا رسول الله ، قال : يا معاذ قال : لبيك و سعديك يا رسول الله ، قال : ما من عبد ، يشهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً عبده و رسوله ، إلا حرمه الله على النار . قال : أو لا أخبر بها الناس فيستبشروا ؟ قال : إذاً يتكلوا " ، فأخبر بها عند موته تأثماً ـ يعني مخافة الإثم ـ .

و في لفظ  مسلم  " من حديث عبادة ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من شهد أن لا إله إلا الله ، و ان محمداً رسول الله ، حرم الله عليه النار " .

" و عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قلت : يا رسول الله ، من أسعد الناس بشفاعتك ؟ فذكره ، قال : أسعد الناس بشفاعتي ، من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه " . رواه  البخاري  .

" و عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته ، و إني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة ، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " . رواه  مسلم  . " و في لفظ له : حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله " .

و قد ورد في ذلك عدة أحاديث ، و غالب هذه الأحاديث سردها  مسلم  في  صحيحه  في باب واحد ، في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت . لكن قال  سعيد بن المسيب  ، عند سماعه هذه الأحاديث : إن هذا قبل نزول الفرائض و الأمر و النهي . و هذا القول عن  سعيد بن المسيب  ـ رحمه الله ـ ليس بشيء . و قال بعض العلماء  : هو خطأ ، لأن راوي أحد هذه الألفاظ أبو هريرة ، و هو متأخر الإسلام ، اسلم عام خيبر ، سنة سبع بالاتفاق ، و كانت أحكام الشريعة مستقرة ، كالصلاة و الزكاة و الصيام و نحوها ، فعلم ضعف هذا القول ، و الله تعالى أعلم . و قال بعض العلماء  : هي مجملة تحتاج إلى شرح ، و معناه : من قال الكلمة و أدى حقها و فريضتها . و هذا قول  الحسن البصري  . و قيل : إن ذلك لمن قالها عند الندم و التوبة و مات على ذلك ، و هذا قول  البخاري  . و قد تقدم في أول الباب حملها على ظاهرها ، و أن مذهب السلف و الخلف من الفقهاء و أهل الحديث ، على أن من مات موحداً دخل الجنة ، و إن كان من أهل المعاصي ، و أنه داخل تحت المشيئة . و الله تعالى أعلم .

و عن  أبي جعفر  ، قال : لما حضر أبا زرعة الموت ، و عنده أبو حاتم ، و محمد بن  مسلم  ، و المنذر بن شاذان ، و جماعة من العلماء  ، هابوا أن يلقنوه الشهادة ، فقال بعضهم لبعض : تعالوا نذكر الحديث ، فقال محمد بن  مسلم  : حدثنا  الضحاك  ، عن  عبد الحميد بن جعفر  ، عن صالح ، و لم يجاوز ، و قال أبو حاتم : حدثنا  بندار  ، عن أبي عاصم ، عن  عبد الحميد بن جعفر  ، عن صالح ، و لم يجاوز . و الباقون سكوت ، فقال أبو زرعة : " ثنا  بندار  ، عن أبي عاصم ، عن  عبد الحميد بن جعفر  عن صالح بن أبي عريب ، عن  كثير بن مرة الحضرمي  ، عن  معاذ بن جبل  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " . ثم توفي في ساعته رحمة الله عليه .

و عن  عبيد بن عياش  ، قال : لما مات النوار امراة الفرزدق ، شهدها  الحسن البصري  ، فلما سوي عليها التراب : وثب الفرزدق لينصرف ، فقال للحسن : يا أبا سعيد ، أما تسمع ما يقول الناس ؟ قال : و ما يقول الناس ؟ قال : يقولون : اجتمع في هذه الجنازة خير الناس و شر الناس ، يعنونك و يعنونني ، فقال الحسن : ما أنا بخيرهم ، و ما أنت بشرهم ، و لكن ما أعددت لهذا اليوم ؟ فقال : يا أبا سعيد ، شهادة أن لا إله إلا الله ، فبكى الحسن ، ثم التزم الفرزدق فقال : لقد كنت من أبغض الناس إلي ، و إنك اليوم من أحب الناس إلي .

   

 

 

 الباب الثلاثون : في فضل الزهد في الدنيا و التسلية عنها و الرغبة في الآخرة

قال الله تعالى : " قل متاع الدنيا قليل و الآخرة خير لمن اتقى و لا تظلمون فتيلاً " فالاستمتاع بالدنيا قليل ، و متعتك بها قليل من قليل ، و ثواب الآخرة خير و أفضل لمن اتقى المعاصي و أقبل على الطاعات .

و مما ينبغي أن يعلم : أن هذا الباب من أنفع الأبواب لمن تدبره ، فإن الدنيا دار قلعة و زوال ، و منزل نقلةو ارتحال ، و محل نائبه و امتحان ، و متاع غرور و افتتان ، فلا ييأس على ما فات منها ، و لا يفرح على ما وجد منها ، و لا يجزع على ولد أو نفس تموت ، و لا يحزن على أمر يفوت .

" عن  عبد الله بن عمر  ـ رضي الله عنهما ـ قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بمنكبي ، فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " . و كان ابن عمر يقول : إذا أمسيت ، فلا تنتظر الصباح ، و إذا أصبحت ، فلا تنظر السماء ، و خذ من صحتك لمرضك، و من حياتك لموتك . رواه  البخاري  .

قال جماعة من العلماء في تفسير هذا الحديث : لا تركن إلى الدنيا ، و لا تتخذها وطناً ، و لا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ، و لا بالاعتناء بها ، و لا تغتر بها ، فإنها غرارة خداعة ، و لا تتعلق إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه ، و لا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله ، و بالله فاستعن .

 " و عن  سهل بن سعد الساعدي  ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله ، دلني على عمل ، إذا عملته أحبني الله ، و أحبني الناس ، فقال : ازهد في الدنيا ، يحبك الله ، و ازهد فيما عند الناس ، يحبك الناس " . رواه  ابن ماجة  و غيره بإسناد جيد . و لوائح الصحة ظاهرة عليه .

" وعنه أيضاً ، رفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ما سقى كافر منها شربة ماء " . رواه  الترمذي  ، و قال حديث صحيح .

" و عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ألا إن الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله و ما والاه ، و عالماً و متعلماً " . رواه  الترمذي  و قال : حديث حسن .

وروى  الترمذي  أيضاً ، " عن كعب بن عياض ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لكل أمة فتنة ، و فتنة أمتي المال " . قال  الترمذي  : حديث حسن صحيح .

وروى  الترمذي  ، و حسنه و صححه ، " عن عثمان ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يواري عورته ، و جلف الخبز و الماء " ـ قال ابن فارس في مجمله : وعاء الشيء جلفه ـ قال  الترمذي  : سمعت  أبا داود  يقول : سمعت  النضر بن شميل  يقول : الجلفة : الخبز ليس معه إدام . و قال غيره : هو غليظ الخبز ، و قال  الهروي  : و المراد به هنا وعاء الخبز ، كالجوالق و الخرج و نحوه ، و الله أعلم .

و في  صحيح مسلم  ، " عن  عبد الله بن الشخير  ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يقرأ : " ألهاكم التكاثر " قال : يقول ابن آدم : : مالي مالي ، و هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأ فنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ؟ " .

و في  صحيح البخاري و مسلم  ، من حديث  أبي سعيد  ، قال : جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر ، و جلسنا حوله ، فقال : " إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا و زينتها " .

و في  صحيح مسلم  ، " عنه أيضاً ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن الدنيا حلوة خضرة ، و إن الله مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعلمون ؟ فاتقوا الدنيا و اتقوا النساء " .

و في  مسلم  أيضاً ، " عن  أنس بن مالك  ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة ، فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال : يا ابن آدم ، هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب ، و يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ، فيصبغ في الجنة صبغة ، فيقال له : يا ابن آدم ، هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول : لا و الله ، ما مر بي بؤس قط ، و لا رأيت شدة قط " .

و في  مسلم  أيضاً ، " من حديث  جابر بن عبد الله  ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بالسوق ، و الناس كنفتية ، فمر بجدي أسك ميت ، فتناوله ، فأخذ بأذنه ، فقال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، و ما نصنع به ؟ قال : تحبون أنه لكم ؟ قالوا : و الله ، لو كان حياً كان عيباً أنه أسك ، فكيف و هو ميت ؟ فقال : و الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " . قوله : كنفتيه أي من جانبيه . و الأسك الصغير الأذن .

" و عن  شهر بن حوشب  ، عن  عبادة بن الصامت  ، قال : أراه رفعه النبي صلى الله عليه و سلم قال : يجاء بالدنيا يوم القيامة ، فيقال : ميزوا ما كان منها لله عز و جل ، و ألقوا سائرها في النار " . رواه  ابن أبي الدنيا  .

وروي أيضاً ، " عن  عبادة بن العوام  ، عن هشام أو عوف ، عن الحسن مرسلاً ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : حب الدنيا رأس كل خطيئة " .

و اعلم ، أنه من أحب دنياه ، أضر بآخرته ، و من أحب آخرته ، أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى .

" و عن الحسن مرسلاً ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قالوا له : يا رسول الله ، من خيرنا ؟ قال : أزهدكم في الدنيا ، و أرغبكم في الآخرة " و " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من زهد في الدنيا ، أسكن الله الحكمة قلبه ، و أطلق بها لسانه ، و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها ، و أخرجه منها سالماً مسلماً إلى دار السلام " . رواه  ابن أبي الدنيا  .

 

 

 

 فصل ـ في العجب ممن يسعى لدار الغرور

و من العجب كل العجب ، يصدق بدار الخلود ، و هو يسعى لدار الغرور ، فمن أحبه الله حماه عن الدنيا ، كما يحمي أحدكم مريضه عن الماء . " و قد ورد في الحديث مرفوعاً : إن الله لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا ، و إنه منذ خلقها ، لم ينظر إليها " .

و روى  ابن أبي الدنيا  في  ذم الدنيا  : قال مالك بن دينار : قالوا لعلي ـ رضي الله عنه ـ : يا أبا الحسن ، صف لنا الدنيا ؟ قال : أطيل أم اقصر ؟ قالوا : بل أقصر ، قال : حلالها حساب ، و حرامها النار . و عنه أيضاً : قالوا : يا أمير المؤمنين ، صف لنا الدنيا ؟ قال : و ما أصف لكم من دار ؟ من صح فيها أمن ، و من سقم فيها ندم ، و من افتقر فيها حزن ، و من استغنى فيها فتن ، في حلالها الحساب ، و في حرامها النار .

و روي عن يونس بن عبيد ، قال : ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم ، فرأى في منامه ما يكره و ما يحب ، فبينما هو كذلك إذ انتبه .

و قال الحسن بن علي : الدنيا ظل زائل .

و قال  أبو سليمان الداراني  : إذا كانت الآخرة في القلب : جاءت الدنيا تزحمها ، و إذا كانت الدنيا في القلب ، لم تزحمها الآخرة ، لأن الآخرة كريمة ، و الدنيا لئيمة .

و قال  الأوزاعي  : سمعت بلالاً بن سعيد يقول : و الله لكفى به ذنباً ، أن الله عز و جل يزهد في الدنيا و نحن نرغب فيها ، فزاهدكم راغب ، و مجتهدكم مقصر ، و عالمكم جاهل .

      

 

 فصل ـ في أن شرور الدنيا كأحلام نوم

و اعلم أن شرور الدنيا كأحلام نوم ، أو كظل زائل ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً ، و إن سررت يوماً أو أياماً ساءت أشهراً و أعواماً، و إن متعت قليلاً منعت طويلاً ، و ما حصلت للعبد فيها سروراً إلا خبأت له أضعاف ذلك شروراً .

قال  ابن مسعود  : لكل فرحة ترحة و ما ملىء بيت فر حاً إلا ملىء ترحاً .

قال  ابن سيرين  : ما من ضحك إلا يكون بعده بكاء .

و قالت هند بنت النعمان : لقد رأيتنا ، و نحن من أعز الناس ، و أشدهم ملكاً ، ثم لم تغب الشمس ، حتى رأيتنا و نحن أذل الناس ، و إنه حق على الله عز و جل ، أن لا يملأ داراً حبرة ، إلا ملأه عبرة . و سألها رجل أن تحدثه عن أمرها ، فقالت أصبحنا ذات صباح ، و ما في العرب أحد إلا يرجونا ، ثم أمسينا ، و ما في العرب أحد إلا يرحمنا . و بكت أختها حرقة بنت النعمان يوماً و هي في عزها ، فقيل لها : ما يبكيك ؟ فذكر أنها قالت : رأيت كثرة أهلي و سرورهم ، و قلما املأت دار سروراً إلا املأت حزناً . قال إسحاق بن طلحة : دخلت عليها يوماً فقلت لها : كيف رأيت عبرات الملوك ؟ فقالت : ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس ، إنا نجد في الكتب : أنه ليس من أهل بيت يعيشون في حبرة إلا سيعقبون بعدها عبرة ، و إن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه ، ثم قالت :

 فبينا نسوس الناس ، و المر أمرنا

        إذ نحن فيهم سوقة نتنصف

 فأف لدنيا ، لا يدوم نعيمها    تقلب تارات بنا أو تصرف 

" و في الحديث مرفوعاً : ما مثلي و مثل الدنيا ، إلا كراكب سار في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح و تركها " . رواه  ابن أبي الدنيا 

و روى أيضاً : قال عيسى عليه السلام : ويل لصاحب الدنيا ، كيف يموت و يتركها ؟ يأمنها وتغره ، ويثق بها وتخذله ، ويل للمغترين ، كيف أرقهم ما يكرهون ، وفارقهم ما يحبون ، وجاءهم ما يوعدون ، ويل لمن الدنيا همته ، و الخطايه عمله ، كيف يفتضح غدا بذنبه ؟ !

وروى  ابن أبي الدنيا  بإسناده ، عن  وهب بن منبه  ، قال عيسى عليه السلام : بحق أقول لكم ، كما ينظر المريض إلى طيب الطعام ولا يلتذ من شدة الوجع ، كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ، ولا يجد حلاوتها ، مع ما يجد من حب الدنيا ، إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها ، كذلك القلوب ، إذا لم ترق بذكر الموت ، و دأب العبادة ، تقسو وتغلظ .

 

 

 فصل ـ في اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً

" و ثبت في  الصحيح  مرفوعاً : اللهم اجعل رزق آ ل محمد قوتاً " .

قال أهل اللغة : القوت : ما يسد الرمق ، وفيه دلالة  على فضيلة التقليل من الدنيا ، و الاقتصار على القوت منها ، و الدعاء بذلك ، و الله أعلم ، فإن الدخول في الدنيا ، و الميل إليها على خطر عظيم ، " كما تقدم في  الصحيح  مرفوعاً : إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا " قال العلماء :  في التحذير من الاغترار بالدنيا ، و النظر إليها ، و المفاخرة بها ، فالدنيا ، و إن أقبلت على الشخص من وجه حل ، يخاف عليه الفتنة ، و الاشتغال بها عن كمال الإقبال على الآخرة ، فإن وفق لإعطاء المسكين و اليتيم و ابن السبيل ، و صرفه في وجوه البر ،كان من الفائزين ، و إلا كان من الهالكين .

وقد ثبت في  صحيح مسلم  " عن  المستورد بن شداد الفهري  ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما الدنيا في الآخرة ، إلا مثل مايجعل أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر بما ترجع إليه " .

" و قال  معاوية  : سمعت ـ على هذا المنبر ـ رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إنما بقي من الدنيا بلاء و فتنة ، و إنما مثل عمل أحدكم ، كمثل الوعاء ، إذا طاب أعلاه طاب أسفله ، و إذا خبث أعلاه خبث أسفله " .

و قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : من زهد في الدنيا ، هانت عليه المصائب ، و من ارتقب الموت ، سارع في الخيرات .

و قال  الحسن البصري  : و الذي نفسي بيده ، لقد أدركت أقواماً ، كانت الدنيا عليهم أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه .

ثم علامة الشقاء قسوة القلب ، و جمود العين ، و طول الأمل ، و الحرص على الدنيا .

و قال  الفضيل بن عياش  : علامة السعادة اليقين في القلب ، و الورع في الدنيا ، و الزهد في الدنيا ، و الحياء و العلم .

و قال  الفضيل  أيضاً : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالاً لا أحاسب بها في الآخرة ، لكنت أتجنبها كما يتجنب أحدكم الجيفة ـ إذا مر بها ـ أن تصيب ثوبه .

و قال  أبو الهاشم الزاهد  : خلق الله الداء و الدواء ، فالداء الدنيا ، و الدواء تركها .

      

 

 فصل ـ في أن الدنيا دار ممر

حضر بعض الرؤساء صلاة الجمعة ، و به مرض لا يحتمل معه تطويل الخطبة ، فصعد الخطيب المنبر ، فقال : الحمد لله رب العالمين ، و صلواته على أشرف النبياء و المرسلين ، أما بعد : فإن الدنيا دار ممر و الآخرة دار مقر ، فخذوا لمقركم من ممركم ، و لا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم ، و أخرجوا الدنيا من قلوبكم ، قبل أن تخرج منها أبدانكم ، أقول قولي هذا ، و أستغفر الله لي و لكم .

فما أبلغ هذه الخطبة و أفصحها ، و أوجزها ! فعمر الدنيا و الله قصير ، و أغنى غني فيها فقير ، و كأني بك في عرصة الموت و قد استنشقت ريح الغربة قبل الرحيل ، و رأيت أثر اليتم في الولد قبل الفراق ، فتيقظ إذن من رقدة الغفلة ، و انتبه من السكرة ، و اقلع حب الدنيا من قلبك ، فإن العبد إذا أغمض عينه و تولى ، تمنى الإقالة فقيل كلا .

قال  أبو عمران الجوني  : مر سليمان بن داود عليهما السلام في موكبه ، و الطير تظله ، و الجن و الإنس عن يمينه و شماله ، قال : فمر عابد من عباد بني إسرائيل ، فقال : و الله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكاً عظيماً ! ! قال : فسمع سليمان كلمته فقال : تسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود ، و ما أعطي ابن داود يذهب ، و التسبيحة تبقى .

 

 فصل ـ في أن هذه الدار رحلة

من بذل وسعه في التفكير التام ، علم أن هذه الدار رحلة ، فجمع للسفر رحلة و يعلم أن مبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطن الأمهات ، ثم إلى الدنيا ، ثم إلى القبر ، ثم إلى الحشر ، ثم إلى دار الإقامة الأبدية ، فدار الإقامة هي دار السلام من جميع الآفات ، و هي دار الخلود ، و العدو سبانا إلى دار الدنيا ، فنجتهد في فكاك أسرنا ، ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى ، وفي مثل هذا قيل :

 فحي على جنات عدن فإنها

        منازلك الأولى و فيها المخيم

 و لكننا سبي العدو فهل ترى     نعود إلى أوطاننا و نسلم

و ليعلم أن مقدار السير في الدنيا يسير و يقطع بالأنفاس ، و يسير بالإنسان سير السفينة لا يحس بسيرها و هو جالس فيها ، كما قيل :

 إنما هذه الحياة متاع        فالغوي الشقي من يصطفيها 

 مامضى فات و المؤمل غيب   و لك الساعة التي أنت فيها

و لا بد له في سفره من زاد ، و لا زاد إلى الآخرة إلا التقوى ، فلا بد من تعب الشخص و التصبر على مرارة التقوى ، لئلا يقول وقت السير : ارجعون ، فيقال : كلا . فليتنبه الغافل من كسل مسيره ، فإن الله تعالى يريه في قطع مسافة سفره آيات يرسلها تخويفاً لعباده ، لئلا يميلوا عن طريقهم المستقيم ، و نهجهم القويم ، فمن مالت به راحلته عن طريق الاستقامة ، فرأى ما يخاف منه ،  فليرغب إلى الله بالرجوع إليه عما ارتكبه من السبل فيتوب من معصيته ، و يبكي من قسوته ، فإذا انتبه من رقدة كسله ، علم أن الدنيا دار غرور طبعت على كدر . كما روى  ابن أبي الدنيا  قال : أنشدني  الحسن بن السكن  :

 حياتك بالهم مقرونة        فما تقطع العيش إلا بهم  

 لذاذات دنياك مسمومة       فما تأكل الشهد إلا بسم 

 إذا تم أمر بدا نقصه       توقع زلولاً إذا قيل تم 

و كما قيل في المعنى :

 حكم المنية في البرية جار         ما هذه الدنيا بدار قرار

 بينا يرى الإنسان فيها مخبراً     حتى يرى خبراً من الأخبار

 طبعت على كدر و أنت تريدها

        صفواً من الأقذاء و الأكدار

و قال بعض السلف : احذروا دار الدنيا فإنها أسحر من هاروت و ماروت ، فإنهما يفرقان بين المرء و زوجه ، و الدنيا تفرق بين العبد و ربه .

و ذكر  ابن أبي الدنيا  هذا الأثر مرفوعاً ، قال  جعفر بن سليمان  : سمعت مالكاً يقول : اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء  ـ يعني الدنيا ـ .

و ذكر  ابن أبي الدنيا  بإسناده إلى  الحسن البصري  أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة ، و إنما أنزل إليها آدم عقوبة ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، فإن الزاد منها تركها ، و الغنى منها فقرها ، لها في كل حين قتيل ، تذل من أعزها ، و تفقر من جمعها ، هي كالسم يأكله من لا يعرفه و هو حتفه فكن كالمداوي جراحته ، يحتمي قليلاً ،  مخافة ما يكره طويلاً ، و يصبر على شدة الدواء ، مخافة طول البلاء ، فاحذر هذه الدار الغرارة الحيالة الخداعة ، التي ازينت بخدعها و فتنت بغرورها ، و ختلت بآمالها ، و تشرفت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلية ، فالعيون إليها ناظرة ، و القلوب عليها والهة ، و النفوس لها عاشقة ، و هي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر ، و لا الآخر على الأول مزدجر ، و لا العارف بالله عز و جل حين أخبر عنها مدكر ، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر و طغى و نسي المعاد ، فشغل فيها لبه حتى زالت عنها قدمه ، فعظمت ندامته ، و كثرت حسرته ، فخرج بغير زاد ، و قدم على غير مهاد ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، و كن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها ، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور ، أشخصه إلى مكروه ، قد وصل الرخاء منها بالبلاء ، و جعل البقاء فيها إلى فناء ، فسرورها مشوب بالحزن ، لا يرجع منها ما ولى فأدبر ، و لا يدرى ما هو آت فينتظر أما نيها كاذبة ، و آمالها باطلة ، و صفوها كدر ، و عيشها نكد ، و ابن آدم فيها على خطر ، و لقد عرضت على نبيك محمد صلى الله عليه و سلم بمفاتيحها و خزائنها ، فأبى أن يقبلها ، كره أن يحب ما أبغض خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه ، فزواها عن الصالحين اختياراً ، و بسطها لأعدائه اغتراراً . جاءت الرواية أنه تبارك و تعالى قال لموسى عليه السلام : إذا رأيت الغني مقبلاً فقل : ذنب عجلت عقوبته ، و إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل : مرحباً بشعار الصالحين .

و الحمد لله رب العالمين ، و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً .

و في آخر المخطوط التي تمت الطباعة وفقاً له ما يأتي بخط المؤلف :

علقها مؤلفاً  محمد بن محمد بن محمد المنبجي الحنبلي  كان الله له و سامحه بمنه وكرمه من نسخة أصله في رجب الفرد سنة سبع و سبعين و سبعمائة أحسن الله عا قبتها .

        [تم ]