كتاب تسلية أهل المصائب
محمد بن محمد المنيجي الحنبلي
15-30
الباب
الخامس عشر : في استحباب التعزية لأهل المصيبة والدعاء لميتهم
يقال : عزى
الرجل عزاء : إذا صبره على ما نابه ، و التعزية : التصبر ، و عزيته : أمرته بالصبر
، و العزاء ـ بالمد ـ اسم أقيم مقام التعزية ، ذكره النووي . و قال الأزهري : أصل
التعزية : التصبر لمن أصيب بمن يعزى عليه . و قال غيره : التعزية التسلية ، وهو أن
يقال له : تعزى بعزاء الله ، و عزاء الله قوله تعالى : " الذين إذا أصابتهم
مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون " . و معنى قوله : تعزى بعزاء الله ،
أي : تصبر بالتعزية التي عزاك الله تعالى بها ، كما في كتابه . أو يقال : لك أسوة
في فلان ، فقد مضى حميمه و أليفه ، فحسن صبره . و أصل العزاء : الصبر ، و الله
أعلم .
" عن
عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله
عليه و سلم ، قال : ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز و جل من حلل
الكرامة يوم القيامة " . رواه ابن
ماجة ، و صححه الشيخ ، و قال : رواته كلهم
ثقات .
" و
عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم
، قال : من عزى مصاباً فله مثل أجره " . و رواه ابن ماجة
، و الترمذي ، و قال : لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن
عاصم ، و ذكر أنه روي موقوفاً ، و علي بن عاصم ضعف .
"
وعن أبي برزة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله
عليه و سلم : من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة " . قال الترمذي
: إسناد هذا الحديث ليس بالقوي .
و المقصود
من التعزية : تسلية أهل المصيبة ، و قضاء
حقوقهم ، و التقرب إليهم بقضائها ، قبيل الدفن و بعده ، لشغلهم بمصابهم .
فصل ـ في استحباب تعزية أهل الميت و وقتها
و يستحب
تعزية أهل الميت ، و هي مسألة متفق عليها ، و لم أعلم أن أحداً خالف فيها إلا
سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ قال : لا تستحب التعزية بعد الدفن ، لأنها خاتمة أمره
، و المعروف المستقر عند أهل العلم استحباب التعزية ، قبل الدفن وبعده ، لما تقدم
من الأحاديث قريباً ، مثل " عموم قوله عليه السلام : من عزى مصاباً فله مثل
أجره ، من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة " . فكل هذه عمومات تدل على الاستحباب
مطلقاً .
فصل : فيمن يكره تعزيتهم من أهل الميت وخاصة من
النساء
و يستحب
تعزية جميع أهل المصيبة ، كبارهم و صغارهم ، و يخص خيارهم و المنظور إليه من بينهم
، ليستن به غيره ، و ذا الضعف منهم عن تحمل
المصيبة ، لحاجته إليها ، و لا يعزي الرجل الأجنبي شواب النساء ، مخافة
الفتنة ، و يجوز للمرأة البرزة و نحوها .
و ثبت أن
عائشة ـ رضي الله عنها ـ نهت على الضحك في المصيبة ، لأن فيه إشماتاً بالمسلم ، و كسراً لقلبه . و
لهذا رأى الإمام أحمد رجلاً يضحك في جنازة ، فهجره و قال : أي موعظة
اتعظ هذا ؟ ! أو نحوه . .
فصل : فيما يفعله بعض الناس من الجلوس عند القبر
يوم الدفن و بعده
و ما يفعله
غالب أهل زماننا من الجلوس عند القبر يوم الدفن للتعزية و كذلك في اليوم الثاني و
الثالث .
قال أبو الخطاب
: يكره الجلوس للتعزية . و قال : ابن عقيل : يكره الإجتماع بعد خروج الروح
، لأن فيها تهييجاً للحزن . و قال الإمام
أحمد : ـ رحمه الله ـ : يكره التعزية عند
القبر ، إلا لمن لم يعز ، فيعزي إذا دفن الميت ، أو قبل أن يدفن . و قال أحمد :
إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية ، و إن شئت لم تأخذ . و إذا رأى الرجل قد شق
ثوبه على المصيبة ، عزاه ، ولم يترك حقاً
لباطل ، و إن نهاه فحسن .
قلت : إن
كان الإجتماع ، فيه موعظة للمعزى بالصبر و الرضى ، و حصل له من الهيئة الإجتماعية
تسلية ، بتذاكرهم آيات الصبر و أحاديث الصبر و الرضى ، فلا بأس بالاجتماع على هذه
الصفة ، فإن التعزية سنة ، سنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لكن على غير
الصفة التي تفعل في زماننا ، من الجلوس على الهيئة المعروفة اليوم ، لقراءة القرآن
، تارةً عند القبر في الغالب ، و تارةً في بيت الميت ، و تارة في المجامع الكبار ،
فهذا بدعة محدثة ، كرهه السلف كما تقدم ، لكن فيه تسلية لهم ، وإشغال لهم عن الحزن
، و الله أعلم .
فصل : فيما يجوز أن يلبسه المصاب وزيه
و أما قول
أصحابنا ، و غيرهم من الفقهاء ، ففي غالب كتبهم يذكرون أنه لا بأس أن يجعل المصاب
على رأسه ثوباً يعرف به ، و بعض أصحابنا المقادسة يرخي عذبة من غير عادة . قالوا :
لأن التعزية سنة ، و في ذلك تيسير لمعرفته حال التعزية . و أنكر هذا الفعل شيخ
الإسلام ابن تيمية ، و قال : لا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون
شيء من ذلك ، و لا نقل في هذا عن أحد من الصحابة و التابعين . و ثم آثار صريحة ،
تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى ، تقوي هذا القول . و قد كره إسحاق بي راهوية أن
يترك لبس ما عادته لبسه ، و الله أعلم .
فصل : في أن التعزية قبل الدفن أو بعده
و قد ذكر
الشيخ ، موفق الدين و غيره من أصحابنا في غالب الكتب : أن التعزية
تجوز قبل الدفن و بعده ، و أنه يقول في تعزية المسلم بالمسلم : أعظم الله أجرك ، و
أحسن عزاءك ، و رحم ميتك ، و في تعزيته
بكافر : أعظم الله أجرك ، و أحسن عزاءك.
و
توقف أحمد ـ رحمه الله ـ عن تعزية أهل الذمة ، و هي تخرج
على عيادتهم في أمراضهم ، و فيها روايتان :
إحداهما ـ
يعودهم ، لأنه " روي أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه و سلم
، فأتاه النبي صلى الله عليه و سلم يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له : أسلم ، فنظر
إلى أبيه ، و هو عند رأسه ، فقال : أطع أبا القاسم ، فأسلم ، فقام النبي صلى الله
عليه و سلم و هو يقول : الحمد لله الذي أنقذه من النار " . رواه البخاري
، و لكن الحكمة في العيادة منتفية في التعزية و هو رجاء إسلامه ، و الله
تعالى أعلم .
و الرواية
الثانية ـ لا يجوز " لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لاتبدؤوهم بالسلام " . قال بجواز تعزيتهم عن مسلم ، يقال له : أحسن
الله عزاءك و غفر لميتك ، و عن كافر : أخلف الله عليك ، و لا نقص عددك ، و يقصد
زيارة عددهم لتكثر جزيتهم .
و قال أبو
عبد الله بن بطة : لا بأس أن يقول في تعزية الكافر : أعطاك الله على مصيبتك أفضل
ما أعطي أحد من أهل ملتك . و قد روى أبو
عبد الله المرزباني بإسناده ، عن الحسن
نحواً مما قال ابن بطة ، و لكن لفظه : أجزاك الله على مصيبتك بأعظم مما جازى به
أحد من أهل ملتك .
و روى أبو موسى المديني بإسناده ، " عن عبد الله بن عمر ـ رضي
الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا دعوتهم لأحد من
اليهود أو النصارى ، فقولوا : أكثر الله مالك و ولدك " .
فصل : في الألفاظ التي وردت في التعزية عن النبي
ولم يرد في
التعزية شيء محدود ، إلا أنه يروى " أن النبي صلى الله عليه و سلم عزى رجلاً
فقال : رحمك الله وآجرك " رواه
الإمام أحمد ، و عزى أحمد أبا طالب
، فتوقف على باب المسجد ، فقال : أعظم الله أجرك و أحسن عزاءك .
" و
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه و
سلم ، و جاءت التعزية سمعوا قائلاً يقول :
إن في الله عزاء من كل مصيبة ، و خلفاً من كل هالك ، و دركاً ، من كل ما فات ،
فبالله فثقوا ، و إياه فارجعوا ، فإن المصاب من حرم الثواب " . و رواه الشافعي
في مسنده .
و روى الحاكم
في مستدركه ، و قال : صحيح الإسناد ، " من حديث أنس بن مالك
ـ رضي الله عنه ـ قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم أحدق به
أصحابه ، فبكوا حوله فاجتمعوا ، فدخل رجل أشهب اللحية ، جسيم صبيح ، فتخطى رقابهم
فبكى ، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : إن في الله
عزاء من كل مصيبة ، و عوضاً من كل فائت ، و خلفاً من كل هالك ، فإلى الله فأنيبوا
، و إليه فارغبوا ، و نظره إليكم في البلاء فانظروا، فإنما المصاب من لم يجبر و
انصرف . فقال بعضهم لبعض : تعرفون الرجل ؟ قال : أبو بكر وعلي : نعم ، هذا
أخو رسول الله صلى الله عليه و سلم الخضر
عليه السلام " .
و روى الحاكم
، " من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ لما توفي رسول الله
صلى الله عليه و سلم ، جاءتهم الملائكة ، يسمعون الحس ، و لا يرون الشخص ، قالت :
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ، إن في الله عزاء من كل مصيبة ، و خلفاً من كل
فائت ، فبالله فثقوا . و إياه فارجوا ، فإن المحروم من حرم الثواب ، و السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته " ، وحسنه
الحاكم .
و سيأتي
كلام السلف ـ رحمهم الله ، في التعازي ، بألفاظ مختلفة ، فتارة مطولة ، و تارة وجيزة بليغة ، كما
سأذكره قريباً إن شاء الله .
فصل : فيما يقال عند العلم بوفاة أحد المؤمنين
و من بلغه
وفاة أحد من المؤمنين ، فليحسن الاسترجاع و التثبت ، فقد روى الطبراني
بإسناده " عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال :
قال النبي صلى الله عليه و سلم : إن للموت فزعاً ، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه ،
فليقل : إنا لله و إنا إليه راجعون ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، اللهم اكتبه في
المحسنين ، و اجعل كتابه في عليين ، و اخلف عقبه في الآخرين ، اللهم لا تحرمنا
أجره و لا تفتنا بعده " .
" و
في حديث أبي سلمة : لما مات شق بصره فأغمضه النبي صلى الله عليه و سلم ، ثم قال :
إن الروح إذا قبض تبعه البصر ، فصاح ناس من أهله ، فقال : لا تدعوا على أنفسكم إلا
بخير ، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون . ثم قال : اللهم اغفر لأبي سلمة ، و
ارفع درجته في المهديين ، و اخلفه في عقبه في الغابرين ، و اغفر لنا و له يا رب
العالمين ، و افسح له في قبره ، و نور له فيه " رواه مسلم .
و روي عن
علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لما بلغه و فاة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ قال :
رضينا من الله قضاه ، و سلمنا له أمره ، إنا لله و إنا إليه راجعون .
قال سعيد بن منصور
في سننه : " حدثنا يوسف بن عطية الصفار ، قال جلست إلى عطاء بن ميمونة
و هو يعزي رجلاً ، فقال : حدثنا أنس بن
مالك ، أن رجلاً كان يجيء بصبي له معه إلى
رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أن الغلام مات ، فاحتبس أبوه عن النبي صلى الله
عليه و سلم ، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالوا : مات صبيه الذي
رأيت معه ، فقال : أفلا أذنتموني ؟ ! فقوموا إلى أخينا نعزيه ، فلما دخل عليه ،
إذا الرجل حزين ، و به كآبة ، فعزاه ، فقال : يا رسول الله ، كنت أرجوه لكبر سني و
ضعفي ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أما يسرك أن يكون يوم القيامة بإزائك
؟ ، يقال له : ادخل الجنة ، فيقول رب ، و أبواي ؟ و لا يزال يشفع ، حتى يشفعه الله
عز و جل فيكم ، و يدخلكم جميعاً الجنة ؟ ! " .
فصل ـ فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف
و الخلف
فقد
روى الطبراني في كتاب الدعاءبإسناده ، " عن محمود بن
لبيد ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ـ أنه مات ابن له ، فكتب إليه رسول الله صلى
الله عليه و سلم يعزيه بابنه ، فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول
الله ، إلى معاذ بن جبل ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو ،
أمابعد ، فأعظم الله لك الأجر ، و ألهمك الصبر ، و رزقنا و إياك الشكر ، فإن أنفسنا
و أموالنا و أهلينا و أولادنا من مواهب الله الهنية ، و عواريه المستودعة ، متعك
الله به في غبطة و سرور ، و قبضه منك بأجر كثير ، الصلاة و الرحمة و الهدى ، إن
احتسبته بالصبر ، و لا يحبط جزعك أجرك ، فتندم على مافاتك من ثواب مصيبتك ، فإنك
لو اطلعت على ثواب مصيبتك ، لعرفت أن
المصيبة قد قصرت عن الثواب ـ و هذه
الزيادة في بعض طرقه ـ ثم قال : و ما هو نازل بك فكأن قد ، و السلام " . و
رواه الحاكم في
المستدرك و قال : غريب حسن . و
رواه الحافظ أبو بكر بن مردوية في كتاب
الأدعية " و عنده : فليذهب
أسفك ما هو نازل بك " . و " لفظ
الحاكم : فإن أنفسنا و أموالنا و
أهلينا و أولادنا من مواهب الله الهنية ، و عواريه المستودعة ، نتمتع به إلى أجل
معدود ، و يقبضها لوقت معلوم ، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى ، و الصبر إذا ابتلى
، . . " و باقي الحديث كما ساقه
الطبراني ، و الله أعلم .
و رأيت في
جزء لا أعرف مؤلفه و ليس له أول : قال زيد بن أسلم : مات ابن لداود عليه السلام ،
فجزع عليه ، فعزوه فيه ، فقيل له : ما كان يعدل عندك ؟ قال : كان أحب إلي من ملء
الأرض ذهباً ، فقيل له : فإن لك من الأجر على قدر ذلك .
و في
اسرائيليات : أن سليمان بن داود ـ عليهما السلام ـ مات له ولد ، فجزع عليه حتى عرف
ذلك في مصابه ، فتحاكم إليه ملكان في صورة رجلين فقال أحدهما : إن هذا بذر بذراً
في طريق الناس ، فمررت فأفسدته ، فقال سليمان للآخر : لم بذرت في الطريق ؟ أما
علمت أنه لا بد من ممر ؟ فقال : و لم تحزن أنت على ابنك و هذا طريق الناس إلى
الآخرة ؟ !
" و
عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ قال : أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه و سلم
إليه ، أن ابناً لي قد قبض فأتنا ، فأرسل يقرأ السلام و يقول : إن لله ما أخذ و له
ما أعطى ، و كل شيء عنده بأجل مسمى ، فلتصبر و لتحتسب " . رواه مسلم ،
و أبو داود ، و
النسائي ، و ابن ماجة
.
" و
قال وهب بن منبه : قرأت في بعض كتب الله تعالى يقول : لولا أني جعلت الميت ينتن
على أهله ، ما دفن ميت ، و لولا أني جعلت الطعام يفسد ، لاحتجبه الملوك ، و لولا
أني آتي بالعزاء بعد المصيبة ، ما عمرت الدنيا " .
و قال الحسن البصري
ـ رحمه الله ـ : ما من جزعتين أحب إلى الله ، من جزعة مصيبة موجعة محرقة ،
ردها صاحبها بحسن عزاء و صبر ، و جزعة غيظ ، ردها صاحبها بحلم .
و قد روي
عن شمر ، أنه كان إذا عزى مصاباً قال : اصبر لما حكم ربك .
و قال ابن أبي الدنيا : حدثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل التيمي ، أن رجلاً عزى رجلاً على ابنه ، فقال : إنما
يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه ، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة
الفجيعة بالأجر ، فإنها أعظم مصيبتين عليك ، و السلام .
و عزى ابن السماك رجلاً فقال : عليك بالصبر ، فيه يعمل من احتسب ،
و إليه يصير من جزع .
و قال
عمروبن دينار: قال عبيد بن عمير : ليس الجزع أن تدمع العين و يحزن القلب ، و لكن
الجزع : القول السيئ و الظن السيئ .
و قال خالد
بن أبي عثمان القرشي : كان سعيد بن جبير يعزيني على أبي ، فرآني أطوف بالبيت
متقنعاً ، فكشف القناع عن رأسي ، و قال : الاستتارمن الجزع .
و روى
البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي
ـ رحمه الله ـ : أن عبد الرحمن بن مهدي ، مات له ابن ، فجزع عليه جزعاً
شديداً ، فبعث إليه الشافعي يقول له : يا أخي ، عز نفسك بما تعزي به غيرك ،
و استقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك ، و اعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر
، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر ؟ فتناول حظك ـ يا أخي ـ إذا قرب منك قبل أن
تطلبه و قد تناءى عنك ، ألهمك الله عند المصائب صبراً ، و أحرز لنا بالصبر أجراً ،
ثم أنشده :
إني معزيك
لا أني على ثقة من الخلود ، و لكن سنة
الدين
فلا المعزى
بباق بعد ميته ولا المعزي، ولو عاشا إلى
حين
و مات
ابن للشافعي ـ رحمه الله ـ فجاؤوا يعزونه ، فأنشد :
وما الدهر إلا هكذا ، فاصطبر له
رزية مال ، أو فراق حبيب
دخل بعض
الأعراب على بعض ملوك بني العباس ، و قد توفي له ولد اسمه العباس ، فعزاه فيه فقال
:
اصبر نكن بك صابرين ، فإنما صبر الرعية عند صبر الراس
وخير من العباس أجرك بعده و الله خير منك للعباس
و ذكر أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا بإسباده ، أن شخصاً من الحكماء أنشده :
إذا دام ذا الدهر ، لم يحزن على أحد
ممن يموت ، و لم يفرح بمولود
و قال ابن أبي الدنيا : حدثنا الحسين ، حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد
بن مسلمة القاسمي ـ و كان قد قارب المائة ـ قال : وعظ عابد جباراً ، فأمر به ،
فقطعت يداه و رجلاه ، و حمل إلى متعبده ، فجاءه إخوانه يعزونه ، فقال : لا تعزوني
، و لكن هنئوني بما ساق الله إلي ، ثم قال : إلهي ، أصبحت في منزلة الرغائب ، أنظر
إلى العجائب ، إلهي ، أنت تتودد بنعمتك إلي من يؤذيك ، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى
فيك ؟!
و ذكر عن
سليمان بن حبيب ، قال : لما مات عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، دخل عليه هشام
فعزاه عنه ، فقال عمر : و أنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف
محبة الله عز و جل ، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي ، و إحسانه إلي . و في
رواية أخرى ، قال : لما مات ابنه عبد الملك ، و أخوه سهل ، و مزاحم مولى عمر بن
عبد العزيز ، في أيام متتابعة ، دخل عليه الربيع بن سبرة ، فقال : أعظم الله أجرك
يا أمير المؤمنين ، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة ، و الله
ما رأيت مثل ابنك ابناً ، و لا مثل أخيك أخاً ، و لا مثل مولاك مولى قط ، فطأطأ
رأسه ، فقال لي رجل معه على الوساد : لقد هيجت عليه ، قال : ثم رفع رأسه فقال :
كيف قلت ؟ ! فأعدت عليه ما قلت ، فقال : لا ، و الذي قضى عليهم بالموت ، ما أحب أن
شيئاً من ذلك لم يكن .
و عن بشر
بن عبد الله ، قال : قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك ، فقال : رحمك
الله يا بني ، فقد كنت ساراً مولوداً ، و باراً ناشئاً ، و ما أحب أني دعوتك
فأجبتني !
و لما
توفيت الياقوتة بنت المهدي ، جزع عليها جزعاً لم يسمع بمثله ، فجلس للناس يعزونه ،
و أمر أن لا يحجب عنه أحد ، فأكثر الناس في التعازي ، و اجتهدوا في البلاغة ،
فأجمعوا أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز و لا أبلغ من تعزية شبيب بن شبة ، فإنه قال :
أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً ، و أعقبك خيراً و لا أجهد بلاءك
بنقمة ، و لا نزع منك نعمة ، ثواب الله خير لك منها ، و رحمة الله خير لها منك ، و
أحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده . و في رواية قال : يا أمير المؤمنين ، الله
خير لك منها ، و أنا أسأل الله أن لا يحزنك و لا يفتنك .
و قد
روى مالك
في الموطأ ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ، قال : هلكت
امرأة لي ، فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها ، فقال : إنه كان في بني إسرائيل
رجل فقيه عالم عابد مجتهد ، و كانت له امرأة ، و كان بها معجباً ، و كان لها محباً
، فماتت، فوجد عليها وجداً شديداً ، و تأسف عليها تأسفاً شديداً ، حتى خلا في بيت
، و أغلق على نفسه و احتجب ، و إن امرأة سمعت به ، فجاءته ، فقالت : إن لي إليه حاجة
أستفتيه فيها ، ليس يجزيني إلا مشافهته ، فذهب الناس و لزمت بابه . و قالت : ما لي
منه بد ، فقال له قائل : إن ها هنا امراة أرادت أن تستفتيك . قال : ائذنوا لها ،
فدخلت ، فقالت : إني استعرت من جارة لي حلياً ، و كنت ألبسه و أعيره ، فلبث عندي
زماناً ، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه ، أفأرده إليهم ؟ قال : نعم ، و الإله ، قالت :
إنه مكث عندي زماناً ؟ ! قال : فذاك أحق لردك إياه إليهم ، قالت : أ فتتأسف على ما
أعارك الله ثم أخذه منك ، و هو أحق به منك ؟ فأبصر ما هو فيه ، و نفعه الله تعالى
بقولها .
و عزى عمرو
بن عبيد يونس بن عبيد ، على ولد له مات ، فقال : إن أباك كان أصلك ، و إن ابنك كان
فرعك ، و إن امرءاً ذهب أصله و فرعه لحري أن يقل بقاؤه .
و عزى صالح
المري رجلاً قد مات ولده ، فقال : إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك ،
فنعم المصيبة مصيبتك ، و إن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك ،
فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك .
و عزى رجل
رجلاً ، فقال : يا أخي ، العاقل يصنع في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد عام .
و عزى رجل
رجلاً فقال : عليك بتقوى الله ، و الصبر فيه ، فإنه يأخذ المحتسب و إليه يرجع
الجازع .
و عزى رجل
رجلاً فقال : إن من كان لك في الآخرة أجراً ، خير ممن كان لك في الدنيا سروراً .
وعن ابن
جريج ، قال : من لم يتعز عند مصيبته بالأجر و الاحتساب ، سلا كما تسلو البهائم .
قال بعض
السلف ، و قد عزى مصاباً : إن صبرت فهي مصيبة واحدة ، و إن لم تصبر فهما مصيبتان .
و ذكر ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن
ميمون بن مهران ، قال عزى رجل عمر
بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ على ابنه عبدالملك ، فقال عمر : الأمر الذي نزل
بعبد الملك أمر كنا نعرفه ، فلما وقع لم ننكره .
و روى ابن أبي الدنيا بإسناده ، قال : مات ابن رجل ، فحضره عمر بن
عبد العزيز ، فكان رجل حسن العزاء ، فقال رجل من القوم : هذا و الله الرضا ، فقال
عمر بن عبد العزيز : أو الصبر ، قال سليمان : الصبر دون الرضا ، الرضا : أن يكون
الرجل قبل نزول المصيبة راضياً بأي ذلك كان ، و الصبر : أن يكون بعد
نزول المصيبة فيصبر .
و ذكر الحافظ بن عساكر : قال إبراهيم بن خالد : كتب محمدبن إدريس الشافعي إلى رجل من إخوانه من قريش ، يعزيه بابن أصيب
به : اعلم يا أخي ، أن كل مصيبة لا يجبر صاحبها ثوابها فهي المصيبة
العظمى ، فكيف رضيت يا أخي بابنك فتنة ، ولم ترض به نعمة ؟ و كيف رضيت به
مفارقاً ، و لم ترضى به خالداً ؟ و كيف رضيته على التعريض من الفساد ، ولم ترضى به
على اليقين من الصلاح ؟ بل كيف لك بمقت منعم ولم تعرف له نعمة ؟ يريك ماتحب ، و
يرى منك ما يكره ؟ ارجع إلى الله عز و جل ، و تعز برسول الله صلى الله عليه و سلم
، و تمسك بدينك ، و السلام .
و ذكر
أيضاً بإسناده قال : كتب رجل إلى أخ له يعزيه بابنه : أما بعد ، فإن الله تعالى
وهب لك موهبة ، جعل عليك رزقه و مؤنته ، و أن تخشى فتنته ، فاشتد لذلك فرحك ، فلما
قبض موهبته و كفاك مؤنته ، اشتد لذلك حزنك ، أقسم بالله إن كنت تقياً لهنئت على ما
عزيت عليه ، و لعزيت على ما هنئت عليه ، فإذا أتاك كتابي هذا فاصبر نفسك عن الأمر
الذي لا صبر لك على عقباه ، و اصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه ، و
اعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها ، فذلك الحزن الدائم ، و السلام .
عن عبد الله بن صالح العجلي ، قال : كتب
ابن السماك إلى رجل يعزيه عن مولود له مات : أما بعد ، فإن
استطعت أن يكون شكرك حين قبضه الله عز و جل منك ، أكثر منه حين وهبه لك ، فافعل ،
فقد أحرز لك هبته حيث قبضه ، و لو بقي لم تسلم من فتنته ، أرأيت حزنك على فراقه ،
و تلهفك على ذهابه ! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك ، أما هو فقد خلص من الكدر و
بقيت أنت معلقاً بالخطر ، و المصيبة إن
جزعت ، فهي واحدة إن صبرت ، و مصيبتان إن لم تصبر ، فلا تجمع الأمرين على نفسك
، و السلام .
و كتب رجل
إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه : أما بعد ، فإن الولد على والده ما عاش حزن و فتنة ،
فإذا قدمه فصلاة و رحمة ، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه و فتنه ، و لا تضيع ما
عوضك الله من صلاته و رحمته .
و قال موسى
بن المهدي لإبراهيم بن مسلم ، و عزاه بابنه : أسرك و هو بلية و فتنة ؟ و أحزنك و
هو صلوات و رحمة ؟ !
و قد روي
عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه دفن ابناً له فضحك عند قبره ، فقيل له : أتضحك
عند قبر ؟ ! قال : أردت أن أرغم الشيطان .
و مات للحافظ بن عساكر ولد لم يحتلم ـ و كان ولداً حسناً ـ قال الحافظ
: فحمدت الله ، و لم أظهر لموته جزعاً و لا قلقاً ، و لم أحالف لذهابه
هلعاً و لا أرقاً ، ولم أترك لحزنه مجلس التحديث ، و لم أمتنع لأجله من الانبساط و
الحديث ، و ما كان ذلك إلا بتوفيق الله و إعانته ، و حسن عصمته من الجزع و صيانته
، فله الحمد إذ لم يحبط أجري فيه بجزعي ، ولم يذهب صبري عنه بهلعي ، لأن المحروم
من حرم عظيم الثواب ، و الملوم من جزع لأليم المصاب . و أعجب من تصبري : لما عزاني
بعض إخواني ، حضني على الصبر ، و قال لي : مررت بك يوم ثانية ، و أنت تحدث الجماعة
، فتعجبت من انشراح صدرك للتحديث تلك الساعة ، فقلت له : إن الجزع لا يرد فائتاً و
لا ذاهباً ، و الحزن لا يرجع هالكاً و لا عاطباً ، و البكاء لا يجدي صرفاً لمسلم و
لا نفعاً ، و القلق لا يفيد دركاً لخطب و لا دفعاً ، و الاحتيال لايوجب لهالك ضراً
و لا نفعاً و إذا كان الأمر بهذه الصفة ، و الحال هكذا عند أهل المعرفة ، فالصبر
أحرى بذوي الحجى ، و أليق بأولي الدين و النهى .
الباب السادس عشر : في
وجوب الصبر على المصيبة
قال الله
تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم
تفلحون " و قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة
إن الله مع الصابرين " و قال تعالى : " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين
منكم والصابرين ونبلو أخباركم " و الآيات التي فيها الأمر بالصبر كثيرة جداً
معروفة .
قال الإمام أحمد
: ذكر الله سبحانه و تعالى الصبر في القرآن في تسعين موضعاً .
اعلم أن
حقيقة الصبر ، عند أرباب التصوف : خلق فاضل من أخلاق النفس ، يمنع به من فعل مالا
يحسن و لا يجمل ، و هو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها ، و قوام أمرها .
قال سعيد بن جبير
: الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه ، و احتسابه عند الله ، و رجاء
ثوابه ، و قد يجزع الرجل ، و هو متجلد ، لا يرى منه إلا الصبر . و قد تقدم "
حديث أبي زيد ، أسامة بن زيد بن حارثة ، مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و
إرسال بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن
ابني قد احتضر فاشهد ، فأرسل يقرأ السلام ، ويقول : إن لله ما أخذ وله ما أعطى ،
وكل شيء عنده بأجل مسمى ، فلتصبر وتحتسب " الحديث . أمرها بالصبر .
" و عن أنس بن مالك
ـ رضي الله عنه ـ قال : مر النبي صلى الله عليه و سلم بامرأة تبكي عند قبر
، فقال : اتقي الله واصبري ، فقالت : إليك عني ، فإنك لم تصب بمصيبتي ـ ولم تعرفه
ـ فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه و سلم ، فأتت باب النبي صلى الله عليه و سلم
، فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك ، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى
" . رواه البخاري و
مسلم . و " في رواية : تبكي
على صبي لها . فقال : إنما الصبر عند أول صدمة " ، و هذا يشبه " قوله
عليه الصلاة والسلام : ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب
" فإن مفاجئة المصيبة بغته ، لها روعة تزعزع القلب ، و تزعجه بصدمها
، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها ، و ضعفت قوتها ، فهان عليه استدامه الصبر ،
كذلك الغضب .
" و
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : يقول الله
عز وجل : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا
قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة " . رواه البخاري
.
" وعن
عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الطاعون ،
فأخبرها : أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء ، فجعله الله رحمة
للمؤمنين ، فليس من عبد ، يقع الطاعون ، فيمكث في بلده صابراً محتسباً ، يعلم أنه
لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد " رواه البخاري
، و رواه الإمام أحمد من حديث عائشة أيضاً بلفظه .
قال شيخ
الإسلام ابن تميمة : الصبر على المصائب واجب باتفاق أئمة الدين ،
و إنما اختلفوا في وجوب الرضا. انتهى كلامه . فالصبر واجب من حيث الجملة ، و لكنه
يتأكد بحسب الأوقات فهو في زمن الطاعون آكد منه في غيره ، فإنه إذا صبر على
الإقامة في البلد الذي وقع فيه الطاعون ، و صبر عند موت أولاده أو أقاربه أو أصحابه
، و صبر أيضاً عند مصيبته بنفسه ، و علم يقيناً أن الآجال لا تقديم فيها و لا
تأخير ، و أن الله تعالى كتب الآجال في بطون الأمهات ، كما ثبت في الصحاح
: كتب رزقه و أجله ، و شقي هو أم سعيد ، فلا زيادة ولا نقص إلا في صلة
الأرحام ، ففيها خلاف معروف بين أهل العلم ، فإذا صبر واحتسب لم يكن له ثواب دون
الجنة ، و إذا جزع ولم يصبرأثم و أتعب نفسه ولم يرد من قضاء الله شيئاً . و لقد
ضمن الوافي الصادق الناطق في محكم كتابه حيث قال عن
الصابرين : أنهم يوفون أجرهم بغير حساب . و أخبر أنه معهم بهدايته و نصرة العزيز و
فتحه المبين ، فقال تعالى : " إن الله مع الصابرين " فذهب الصابرون بهذه
المعية التي هي خير الدنيا و الآخرة ، و شارك بعض الأنبياء في قوله : " إنني
معكما أسمع و أرى " و أخبر تعالى أن الصبر خير لأهله خبراً مؤكداً . فقال
تعالى : " و لئن صبرتم لهو خير للصابرين " و أخبر أن الصبر مع التقوى لا
يضر معه كيد الأعداء أبداً . فقال : " و إن تصبروا و تتقوا لا يضركم كيدهم
شيئاً إن الله بما يعملون محيط " .
الباب السابع عشر : فيما ورد بالصبر على المصيبة
قال الله
تعالى : " وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه
راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " . و قال
تعالى : " و لمن صبر و غفر إن ذلك لمن عزم الأمور " . و قال تعالى :
" ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " .
و هذا باب
متسع جداً في الآيات و الأحاديث ، و إنما نذكر منه ، ما يوقظ الساهي ، و ينبه
الغافل . و قد تقدم حديث أم سلمة من غير وجه ، من رواية الإمام أحمد
، و مسلم و غيرهما . " و عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله
عليه و سلم : الطهور شطر الإيمان ، و الحمد لله تملأ الميزان ، و سبحان الله و
الحمد لله تملآن ما بين السموات و الأرض ، و الصلاة نور ، و الصدقة برهان ، و
الصبر ضياء ، و القرآن حجة لك أو عليك " الحديث . رواه مسلم .
و
رواه أبو داود ، من طريق أخرى ، بلفظ غريب : " أن أم
سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا أصابت أحدكم مصيبة ، فليقل :
إنا لله و إنا إليه راجعون ، اللهم عندك احتسبت مصيبتي ، فأجرني بها ، و أبدلني
خيراً منها ، فلما احتضر أبو سلمة قال : اللهم أخلفني في أهلي خيراً مني ، فلما
قبض ، قالت أم سلمة : إنا لله و إنا إليه راجعون ، عند الله احتسبت مصيبتي فأجرني
فيها " . فانظر رحمك الله إلى ما آلت إليه ، حين احتسبت و صبرت ، و رضيت و
ركنت ، و اتبعت السنة ، و قد تقدم نحو ذلك .
" و
عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن ناساً من الأنصار سألوا
رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى نفذ ما عنده ،
فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده : ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ، و من يستعف
يعفه الله ، و من يستغن يغنه الله ، و من يتصبر يصبره الله ، و ما أعطي أحد عطاء
خيراً و أوسع من الصبر " . رواه
البخاري و مسلم .
" و عن
صهيب بن سنان ـ رضي الله عنه ـ قال
: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : عجباً لأمر المؤمن ! إن أمره كله له خير ،
و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له ، و إن أصابته
ضراء ، صبر فكان خيراً له " . رواه
مسلم .
" و
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى
الله عليه و سلم يقول : إن الله عز و جل ، قال : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ، فصبر
، عوضته منهما الجنة " ـ يريد عينيه ـ رواه
البخاري .
" و
عن عطاء بن أبي رباح ، قال : قال لي ابن عباس
ـ رضي الله عنهما ـ ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ فقلت : بلى ، قال : هذه
المرأة السوداء ، أتت النبي صلى الله عليه و سلم ، فقالت : إني أصرع ، و إني أتكشف
، فادع الله تعالى لي فقال : إن شئت صبرت
و لك الجنة ، و إن شئت دعوت الله أن يعافيك . فقالت أصبر ، ثم قالت : إني أتكشف
فادع الله أن لا أتكشف ، فدعا لها "
. رواه البخاري و
مسلم .
" و
عن أبي سعيد و أبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى
الله عليه و سلم ، قال : ما يصيب المسلم من نصب ، و لا وصب ، و لا هم ، و لا حزن ،
و لا أذى ، و لا غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه " .
رواه البخاري و
مسلم . الهم : على المستقبل ، و
الحزن : على الماضي ، و النصب : التعب ، و الوصب : المرض .
" و
روي في حديث أبي موسى الأشعري ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : لا
يصيب العبد نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب ، و ما يعفو الله عنه أكثر قال : و
قرأ " و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير " " .
و روي " من حديث عمرو بن العاص ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال :
المسلم الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم ، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس و
لا يصبر على أذاهم " .
" و
عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من يرد
الله به خيراً يصب منه " رواه
البخاري . قوله يصب بفتح الصاد و
كسرها .
و في الصحيح
" أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قسم مالاً ، فقال بعض الناس : هذه
قسمة ما أريد بها وجه الله ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال :
رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " .
و قال عبد
الرزاق : حدثنا الثوري ، عن سفيان العصفري ، عن
سعيد بن جبير ، أنه قال : في قوله
تعالى " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة إن الله مع الصابرين
" . قال : لم يعط أحد غير هذه الأمة الصبر ، ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه
السلام : " يا أسفى على يوسف " .
و روى سعيد بن منصور
في سننه : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه
أن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ نعي إليه أخوه قثم ، و هو
في سفر ، فاسترجع ، ثم تنحى عن الطريق فأناخ ، ثم صلى ركعتين ، فأطال فيهما الجلوس
، ثم قام يمشي إلى راحلته و هو يقول : " و استعينوا بالصبر و الصلاة و إنها
لكبيرة إلا على الخاشعين " .
و قال هشيم :
حدثنا خالد بن صفوان ، قال : حدثني زيد بن علي ، أن ابن عباس
كان في مسير له ، فنعي إليه ابن له ، فنزل فصلى ركعتين ، ثم استرجع ، و قال
: فعلنا كما أمرنا الله : " و استعينوا بالصبر و الصلاة " .
و قال أبو الفرج بن الجوزي : روي عن أم كلثوم ـ و كانت من المهاجرات أنه
لما غشي على زوجها عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ خرجت إلى المسجد تستعين بما
أمرت به من الصبر و الصلاة .
و حكى سعيد بن منصور
، عن الحجاج ، عن ابن جريج " و استعينوا بالصبر و الصلاة " قال :
إنهما معونتان على رحمة الله .
" و
عن ـ ابن مسعود ـ رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم و هو
يوعك ، فقلت يا رسول الله ، إنك توعك وعكاً شديداً ، قال : أجل إني أوعك كما يوعك
الرجلان منكم ، قلت : ذلك أن لك أجرين ؟ قال : أجل ، ذلك كذلك ، مامن مسلم يصيبه
أذى ، شوكة فما فوقه ، إلا كفر الله بها سيئاته ، كما تحط الشجرة ورقها " .
رواه البخاري و
مسلم . و الوعك : مغث الحمى ، و
قيل : الحمى .
" و
عن خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
، وهو متوسد بردة له ، في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟
فقال : قد كان من قبلكم ، يؤخذ الرجل ، فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، ثم يؤتى
بالمنشار ، فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ، و يمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه و
عظمه ، ما يصده ذلك عن دينه ، و الله ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من
صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله ، و الذئب على غنمه ، و لكنكم تستعجلون
" . رواه البخاري .
"
وفي الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : إن
عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمنرضي فله الرضى ،
و من سخط فله السخط " قال
الترمذي : حديث حسن .
" و
عن أنس
ـ رضي الله عنه ـ قال : كان ابن
لأبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ يشتكي
، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة
قال : ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم ـ و هي أم الصبي ـ : هو أسكن ما كان ،
فقدمت له العشاء فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ منها قالت : واروا الصبي ، فلما
أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره ،
فقال : أعرستم الليلة ؟ قال : نعم ! قال : اللهم بارك لهما ، فولدت غلاماً ، فقال
لي أبو طلحة : احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه و سلم
و بعث معه تمرات ، فقال : أمعه شيء ؟ قال : نعم ، تمرات ، فأخذها النبي صلى الله
عليه و سلم ، فمضغها ثم أخذها من فيه ، فجعلها في في الصبي ، و حنكه ، و سماه عبد
الله " . رواه البخاري و مسلم . و في رواية
البخاري : قال ابن عيينة : فقال
رجل من الأنصار : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن ـ يعني من أولاد عبد الله ـ
.
" وفي رواية لمسلم
: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم ، فقالت لأهلها : لا تحدثوا أبا
طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه ، فجاء فقربت إليه عشاء ، فأكل و شرب ، ثم تصنعت له
أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك ، فوقع بها ، فلما رأت أنه قد شبع و أصاب منها ، قالت :
يا أبا طلحة ، أ رأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت ،
فطلبوا عاريتهم ، ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا فقالت احتسب ابنك ، فغضب ثم قال :
تركتيني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتيني ؟ ! فانطلق ، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه
و سلم ، فأخبره بما كان ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بارك الله في ليلتكما قال : فحملت . . " و
ذكر تمام الحديث و قد تقدم .
" و
عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : مايزال
البلاء بالمؤمن و المؤمنة ، في نفسه وولده و ماله ، حتى يلقى الله تعالى ، و ما
عليه خطيئة " . رواه الترمذي و قال : حديث حسن صحيح .
" و
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله
عليه و سلم : تنصب الموازين يوم القيامة ، فيؤتى بأهل الصلاة ، فيوفون أجورهم
بالموازين ، ويؤتى بأهل الصيام ، فيوفون أجورهم بالموازين ، و يؤتى بأهل الصدقة ،
فيوفون أجورهم بالموازين ، و يؤتى بأهل الحج ، فيوفون أجورهم بالموازين ، و يؤتى
بأهل البلاء ، فلا ينصب لهم ميزان ، و لا ينشر لهم ديوان ، و يصب عليهم الأجر صباً
بغير حساب ، ثم قرأ " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " . حتى يتمنى
أهل العافية في الدنيا ، أن أجسادهم تقرض بالمقاريض ، مما يذهب به أهل البلاء من
الفضل " . رواه ابن منجويه في تفسيره .
و روى
مالك بن أنس ، في الموطأ
، " من حديث عطاء بن يسار ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إذا
مرض العبد ، بعث الله إليه ملكين ، فقال : انظرا ماذا يقول لعواده ؟ فإن هو ، إذا
جاؤوه ، حمد الله ، و أثنى عليه ، رفعا ذلك إلى الله ـ و الله أعلم ـ فيقول :
لعبدي علي إن توفيته ، أن أدخله الجنة ، وإن أنا شفيته ، أن أبدله لحماً خيراً من
لحمه ، و دماً خيراً من دمه ، و أن أكفر عنه سيئاته " .
فصل ـ في كلام السلف في الصبر
قال علي بن
أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : الصبر ثلاثة : صبر على المصيبة
، و صبر على الطاعة ، و صبر عن المعصية ، فمن صبر على المصيبة
، حتى يردها بحسن عزائها ، كتب له ثلثمائة درجة ، و من صبر على الطاعة ،
كتب له ستمائة درجة ، و من صبر عن المعصية ، كتب له تسعمائة درجة .
و قال ميمون بن مهران : الصبر صبران : فالصبر على المصيبة
حسن ، و أفضل منه الصبر عن المعصية .
و قال الجنيد
، و قد سئل عن الصبر ، فقال : هو تجرع المرارة من غير تعبس .
و قال الفضيل بن عياض : في قوله تعالى : " سلام عليكم بما
صبرتم فنعم عقبى الدار " ثم قال :
صبروا على ما أمروا به ، و صبروا عما نهوا عنه . انتهى كلامه ، فكأنه ـ رحمه الله
ـ جعل الصبر عن المعصية داخلاً في قسم المأمور به .
قال الإمام أحمد
: حدثنا وكيع ، عن مالك بن مغول ، عن أبي السفر ، قال : مرض أبو بكر فعادوه
، فقالوا : ألا ندعو لك الطبيب ؟ فقال : قد رآني الطبيب ، قالوا : فأي شيء قال لك
؟ قال : إني فعال لما أريد .
قال أحمد :
حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن مجاهد ، قال : قال عمر بن الخطاب : وجدنا
خير عيشنا بالصبر . و في رواية : أفضل عيش أدركناه بالصبر ، و لو أن الصبر كان من
الرجال كان كريماً .
و قال علي
بن أبي طالب : ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا قطع الرأس
بار الجسد ، ثم رفع صوته فقال : ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له .
و قال
الحسن : الصبر كنز من كنوز الخير ، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده .
و قال عمر
بن عبد العزيز : ما أنعم الله على عبد نعمة ، فانتزعها منه ، فعاضها مكانها الصبر
، إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه منه .
و قال بعض
العارفين في رقعة ، يخرجها كل وقت ، فينظر فيها ، و فيها مكتوب " و اصبر لحكم
ربك فإنك بأعيننا " .
و قال
مجاهد في قوله تعالى : " فصبر جميل " : في غير جزع .
و قال
عمروبن قيس " فصبر جميل " قال : الرضا بالمصيبة و التسليم .
و قال حسان
: " فصبر جميل " : لا شكوى فيه . و قال همام عن قتادة في قول الله تعالى
: " و ابيضت عيناه من الحزن ، فهو كظيم " . قال : كظيم على الحزن ، فلم
يقل إلا خيراً . و قال الحسن : الكظيم : الصبور . و قال الضحاك : كظيم الحزن .
و قال عبد الله بن المبارك : أخبرنا عبد الله بن لهيعة ، عن عطاء ابن دينار ، أن سعيد بن جبير ، قال : الصبر اعتراف العبد
لله بما أصاب منهو احتسابه عند الله .
قال يونس بن زيد
: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن : ما منتهى الصبر ؟ قال : أن يكون يوم
تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه .
و قال قيس بن الحجاج
في قوله تعالى : " فاصبر صبراً جميلاً " . قال : أن يكون
صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو .
و ذكر أبو الفرج بن الجوزي في
عيون الحكايات : قال الأصمعي :
خرجت أنا و صديق لي إلى البادية ، فضللنا الطريق ، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق
، فقصدناها ، فسلمنا ، فإذا امرأة ترد علينا السلام ، قالت : ما أنتم ؟ قلنا : قوم
ضالون عن الطريق ، أتيناكم فأنسنا بكم ، فقالت : يا هؤلاء و لو وجوهكم عني . حتى
أقضي من حقكم ما أنتم له أهل ، ففعلنا ، فألقت لنا مسحاً ، فقالت : اجلسوا عليه
إلى أن يأتي ابني ، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة و تردها ، إلى أن رفعتها ، فقالت :
أسأل الله بركة المقبل ، أما البعير فبعير ابني ، و أما الراكب فليس بابني ، فوقف
الراكب عليها ، فقال : يا أم عقيل ، أعظم الله أجرك في عقيل ، قالت : ويحك ! مات
ابني ؟ قال : نعم ، قالت : و ما سبب موته ؟ قال : ازدحمت عليه الإبل ، فرمت به في
البئر ، فقالت : انزل فاقض ذمام القوم ، و دفعت إليه كبشاً ، فذبحه و أصلحه ، و
قرب إلينا الطعام ، فجعلنا نأكل و نتعجب من صبرها ، فلما فرغنا ، خرجت إلينا و قد
تكورت ، فقالت : يا هؤلاء ، هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئاً ؟ قلت : نعم ،
قالت : اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها ، قلت : يقول الله عز وجل في كتابه :
" وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون *
أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " قالت : آلله ، إنها
لفي كتاب الله هكذا ؟ قلت : آلله ، إنها لفي كتاب الله هكذا ! قالت : السلام عليكم
، ثم صفت قدميها ، وصلت ركعات ، ثم قالت : " إنا لله و إنا إليه راجعون
" عند الله أحتسب عقيلاً ، تقول ذلك ثلاثاً ، اللهم إني فعلت ما أمرتني به ،
فأنجز لي ما وعدتني .
الباب الثامن عشر : في
أن الشخص لا يستغني عن الصبر لا في المصيبة و لا في غيرها
اعلم ـ
رحمك الله ـ أن الشخص البالغ العاقل المسلم ، ما دام في دار التكليف ، و الأقلام
جارية عليه ، لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال ، فإنه بين أمر يجب عليه
امتثاله ، و الصبر لا بد منه قولاً و
فعلاً ، و بين نهي يجب عليه اجتنابه و تركه ،و بين قضاء و قدر يجب عليه الصبر
فيهما ، و بين نعمة يجب عليه شكر المنعم عليها و الصبر عليه ، و إذا كانت هذه
الأحوال لا تفارقه ، فالصبر لا زم له إلى الممات .
فإن قيل :
النعم يجب الصبر عليه ؟
قيل : نعم
، لأنها من الابتلاء ، كما قال تعالى : " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه
فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن " و قال تعالى : " ولنبلونكم حتى نعلم
المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " ، و في الآية الأخرى : " وأما
إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا " أي ليس الأمر كذلك ، و
إنما الله تعالى يبتلي عباده بالغنى و الفقر ، فينظر من هو المجاهد الشاكر الصابر
على ما ابتلاه به ، كما يبتلي عباده بالمصائب و الأسقام تطهيراً لهم من الذنوب و
الآثام .
فصل : في الحالات التي
يحتاج فيها العبد إلى الصبر
و يحتاج
العبد إلى الصبر في ثلاثة أحوال :
أحدهما :
قبل الشروع في العبادات ، بتصحيح النية و الإخلاص ، و عقد العزم على توفية المأمور
به و تجنب دواعي الرياء و السمعة .
و الحالة
الثانية : الصبر حال العمل ، فيلازم الصبر ، عند دواعي التقصير فيه و التفريط ، و
يلازم على استصحاب ذكر النية و حضور القلب بين يدي المعبود ، و هو محتاج إلى الصبر
توفية أركانها و شروطها و واجباتها و سننها .
و الحالة
الثالثة : الصبر بعد الفراغ من العمل ، فيحذر من الإتيان بما يبطله ، كما قال قال
تعالى : " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " ، فالصبر على محافظتها بعد
الفراغ أنفع ما للعبد . هذا معنى ما ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية
.
و قال
العلامة ابن اليقيم : و كل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين :
أحدهما ـ
موافق هواه و مراده .
و الثاني ـ
يخالفه ، و هو محتاج إلى الصبر في كل منهما .
أما النوع
الموافق لغرضه فكالصحة و السلامة و الجاه و المال وأنواع الملاذ المباحة . و هو
أحوج شيء إلى الصبر فيهامن وجوه :
أحدهما ـ
أن لا يركن إليها ، و لا يغتر بها ، و لا يحمله عليه البطر و الأشر و الفرح
المذموم الذي لا يحب الله أهله .
الثاني ـ
أن لا ينهمك في نيلها ، و لا يبالغ في استقصائها ، فإنها تنقلب إلى أضدادها ، فمن
يبالغ في الأكل و الشرب و الجماع ، انقلب
ذلك ضده ، و حرم الأكل و الشرب و الجماع .
الثالث ـأن
يصبر على أداء حق الله فيها ، و لا يضيعه ، فيسلبها .
الرابع ـ
أن يصبر عن صرفها في الحرام ، فلا يمكن نفسه من كل ما تريده منها ، فإنها توقعه في
الحرام ، فإذا احترز أوقعته في المكروه ، و لا يصبر على السراء إلا الصديقون .
قال بعض
السلف : البلاء يصبر عليه المؤمن و الكافر ،
و لا يصبر على العافية إلا صديق .
و أما
النوع الثاني : فأما الطاعة ، فالعبد يحتاج إلى الصبر عليها ، لأن النفس بطبعها
تنفر عن كثير من العبادات إلا من وفقه الله ، و تبين ذلك بالصلاة ، طبع النفس فيها
الكسل و إيثار الراحة ، و الزكاة فطبع النفس فيها الشح و البخل ، و أما الصوم فطبع
النفس بمحبة الفطر و عدم الجوع ، و على هذا فقس ، فهو محتاج إلى الصبر في جميع ذلك
، و الله أعلم .
و من هذا
الباب قول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : ابتلينا بالضراء فصبرنا ، وابتلينا
بالسراء فلم نصبر .
فصل : في مشقة الصبر على السراء أيضاً
و إنما كان
الصبر على السراء شديداً مشقاً على النفس ، لأنه مقرون بالقدرة على ما تشتهيه
النفس و تميل إليه ، لأن الجائع ، عند عدم الطعام ، أقدر منه على الصبر عند حضوره
، و كذلك الشبق ، عند غير المرأة ، أصبر منه عندحضورها و كذلك العطشان الشديد ،
العطش عند عدم الماء ، أصبر منه عند وجوده .
فصل ـ في التحذير من فتنة المال و الأزواج و
الأولاد
و قد حذر
الله سبحانه و تعالى ، عباده المؤمنين ، في كتابه العزيز ، من فتنة المال ، و من
فتنة الأزواج ، و من فتنة الأولاد ، فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا
تلهكم أموالكم و لا أولادكم عن ذكر الله " . و قال تعالى : " إنما
أموالكم و أولادكم فتنة " . و قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن من
أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " و ليس المراد من هذه العداوة ، ما
يفهمه كثير من الناس ، أنها عداوة البغضاء و المجادلة ، بل عداوة المحبة الصادة
للآباء ، عن الهجرة و الجهاد و تعليم العلم ، و غير ذلك من أعمال البر ، هذا معنى
ما ذكره العلامة ابن القيم .
فالمقصود :
أنه من صبر في السراء عن المعصية ، فقد أمن فتنة المال ، فإنه قادر على فعل
المعصية و بذل المال ، فلهذا كان له الثواب الجزيل ، و الفضل العظيم ، و كذلك من
صبر على تربية الأولاد ، و أذى بعض الزوجات ، كان له الدرجات العاليات ، فإنه ليس
كل زوجة و ولد منهم أذى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية
ـ رحمه الله ـ : قال تعالى :
" يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم و أولادكم عدواً لكم فاحذروهم "
فإن :من ، هنا للتبعيض باتفاق الناس ، و المعنى : إن من الأزواج و الأولاد عدواً ،
ليس المراد أن كل زوج و ولد عدو ، فإن هذا ليس هو مدلول اللفظ ، و هو باطل في نفسه
، فإنه سبحانه و تعالى قد قال عن عباد الرحمن : إنهم يقولون : " ربنا هب لنا
من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين " ، فسألوا الله أن يهب لهم من أزواجهم و
أولادهم قرة أعين ، فلو كان كل زوج و ولد عدواً ، لم يكن فيهم قرة أعين ، فإن
العدو لا يكون قرة عين ، بل سخنة عين . و أيضاً فإنه من المعلوم أن إسماعيل و
إسحاق ابني إبراهيم ، و يحيى بن زكريا و أمثالهم ليسوا أعداء .
و قول من
قال : إنها زائدة غلط لوجوه :
أحدهما ـ
أن مذهب سيبويه و جمهور أئمة النحاة : أنها لا تزاد في الإثبات ، و إنما تزاد في
النفي تحقيقاً لعموم النفي ، لقوله تعالى : " و ما من إله إلا الله " ،
" و ما من إله إلا إله واحد " ، " و ما من دابة في الأرض إلا على
الله رزقها " و نحو ذلك ، فإنه لولا : من ، لكان الكلام ظاهراً في العموم ،
فإنه يجوز أن يقول ، ما رأيت رجلاً بل رأيت رجلين : فإذا أدخلت من ، فقلت : ما
رأيت من رجل ، كان نعتاً في العموم ، فلا يجوز أن يقال : ما رأيت من رجل بل رجلين
، مع أن النكرة في سياق النفي العموم مطلقاً ، لكن قد يكون نصاً . و قد يكون
ظاهراً ، فإذا كانت ظاهراً ، احتملت نفي الواحد من الجنس ، بخلاف النص ، و هذا
الموضع إثبات لا نفي ، فلا تزاد فيه .
الثاني ـ
أن من جوز زيادتها في الإثبات ـ
كالأخفش ـ لا يجوزه إلا إذا كان في
الكلام ما يدل عليه ، و إلا فلو قال قائل : إن من هؤلاء القوم مسلمين ، و أراد أن
جميعهم مسلمون لم يجز ذلك بالاتفاق .
الثالث إذا
قيل بزيادتها كان المعنى باطلاً .
الرابع ـ
الزيادة على خلاف الأصل ، فلا يجوز ادعاؤها بغير دليل . انتهى كلامه .
و هذه
فائدة عارضة ، ذكرتها على سبيل التنبيه ، لوقوع ناس كثر فيها .
و المقصود
: أن العبد لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال ، و يكفي من فضل الصبر ، أن
الله تعالى وصف نفسه به ، كما في
"
حديث أبي موسى ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ليس أحد
ـ أو ليس شيء ـ أصبر على أذى سمعه ، من الله تعالى ، إنهم يدعون له ولداً ، و إنه
ليعافيهم و يرزقهم " . رواه
البخاري .
قال القرطبي
في تفسيره : وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم ،
و معنى وصفه تعالى بالحلم ، هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها ، و وصفه تعالى
بالصبر لم يرد في التنزيل ، و إنما ورد في الحديث ، و تأوله أهل السنة على تأويل
الحلم . قاله : ابن فورك . انتهى كلامه . و ذكر عند قوله تعالى : "
يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة " ، قلت : و قد جاء في أسمائه
الحسنى الصبور ، و جاء في أسمائه الحليم ، فلو كان الصبور بمعنى الحليم كان
الاسمان الشريفان مترادفين ، و الأصل في الأسماء التغابر ، و الله أعلم .
الباب التاسع عشر: في أن الصبر من أشق الأشياء
على النفوس
و هذا
الباب ينقسم فيه الصبر إلى قسمين :
أحدهما ـ
بحسب قوة الداعي إلى الفعل .
الثاني ـ
بسهولته على العبد .
فإذا اجتمع
في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق ، و إن فقدا ـ معاً ـ يعني قوة الداعي و
سهولته ـ سهل الصبر عنه ، و إن وجد أحدهما و فقد الآخر سهل الصبر من وجه دون آخر ،
فمن لا داعي له إلى قتل النفس و السرقة و شرب الخمر و أكل الحشيشة و أنواع الفواحش
، و لا هو سهل عليه ، فصبره عنه من أيسر
شيء و أسهله ، و من اشتد داعيه إلى ذلك ، و سهل عليه فعله ، فصبره عنه أشق
شيء عليه ، و لهذا كان صبر السلطان عن الظلم ، و صبر الشباب عن الفاحشة ، و صبر
الغني عن تناول اللذات و الشهوات ، منزلتهم عند الله منزلة عظيمة عالية منيعة ، لا
يصل إليها إلا من صبر مثل صبرهم ، و كذلك من صبر على موت أولاده و أبويه و أقاربه
و أصحابه و نحوهم ، و هو مع ذلك صابر محتسب ، يأمر أهله بالصبر ، و ينهاهم عن لطم
الخدود و شق الجيوب ، و عن كلام ما لا يجوز لهم شرعاً ، هذا له من الثواب الجزيل ،
و الأجر العظيم ، ما لا يعلمه إلا الله ، فالعبد ، إذا ذاق لذة المعصية ، ثم تاب و
صبر عنها ، كانت توبته توبة صادقة .
و لقد
بلغني عمن أعرفه ، أنه تاب عن الخمر ، و حلف بالطلاق لا يشربه ، ثم إنه خالع ، وشرب . ولقد رأيت
جماعة منهم ، ممن حلف بالطلاق الثلاث ، لا يلعب بالشنطرنج و تاب منه ، و مع ذلك
يعلم أن أكثر العلماء قالوا بتحريمه ، و إنه يصد عن ذكر الله و عن الصلاة ، و أنه
يحصل عليه من الحلف الكاذبه و الفحش ما هو معروف مشهور ، و مع ذلك منهم من خالع و
لعب ، و منهم من لعب و وقع عليه الطلاق الثلاث بعد التوبة و الحلف . فالصبر المستمر
مع القدرة من غير خوف على جاهه أو ماله أو عرضه ، صبر على المعاصي ، و مواظيته على
ما أمره الله تعالى به ، صبر على الطاعات ، فإذا فعل ذلك ، ابتغاء وجه الله تعالى
، ثوابه أن يوفى أجره بغير حساب .
"
ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال :
عجب ربك من شاب ليست له صبوة " .
وفي الصحيح
" من أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : سبعة يظلهم الله في
ظل عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، و شاب نشأ في عبادة الله ، و رجل قلبه
معلق بالمساجد ، و رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه و تفرقا عليه ، و رجل دعته
امرأة ذات منصب و جمال ، فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، و رجل تصدق بصدقة
فأخفاه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، و رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه
" .
و لذلك
استحق هؤلاء السبعة أن يظلهم في ظله ، لكمال صبرهم ، و مشقته على نفوسهم ، فصبر
الملك على العدل مع قدرته على الظلم و الانتقام من رعيته ، و صبر الشاب على عبادة
الله و مخالفة هواه ، و صبر الرجل على ملازمة المسجد ، و صبر المتصدق على إخفاء
الصدقة حتى عن شماله مع قدرته على الرياء ، و صبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال
الداعي ، و صبرالمتحابين في الله في اجتماعهما و انفرادهما ، و صبر الباكي من خشية
الله على كتمان ذلك عن الناس ، فهذه الأمور فيها مشقة على النفوس ، فالصبر عليها ،
بتوفيق الله و فضله و إحسانه إلى عبده ، صبر عظيم جميل .
فصل : في عقوبة من لم يصبر مع تمكنه من الصبر
و لما كان
الداعي ، في حق بعض الناس ، ضعيفاً ، ولم يصبروا مع تمكنهم من الصبر ، كان عقوبتهم
عند الله تعالى أشد من عقوبة غيرهم ، كالشيخ الزاني ، و الملك الكذاب ، و الفقير
المختال ، و إنما كانوا أشد عقوبة من غيرهم ، لسهولة التصبر عن هذه المحرمات عليهم
، و لضعف دواعيها في حقهم ، فكان تركهم الصبر عنها دليلاً على تمردهم على الله
تعالى ، و عتوهم عليه ، و لهذا كان الصبر على معاصي اللسان و الفرج ، من أشق أنواع
الصبر ، لشدة الداعي إليهما و سهولتهما ، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان ، لسرعة
حركته وسهولة إطلاقه .
و ثبت
" أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : و هل يكب الناس في النار على وجوههم ـ
أو على مناخرهم ـ إلا حصائد ألستنهم ؟ ! " .
فيجب لجامه
بلجام الشرع ، " لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم : من
كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت " .
فإن اللسان
رحب الميدان في الخير و الشر ، فمن أطلقه و لم يضبطه بالشرع ، سلك به الشيطان في
المهالك ، و كبه في النار عند مالك ، فالكمال إمساكه مطلقاً عن فضول الكلام ، إلا
في خير ، و ما لا بد منه ، فإن اللسان لا تؤمن غائلته ، و خطره عظيم . و لسهولة
حركته ، و سرعة إطلاقه ، قد بلي أكثر الناس في زماننا بآفاته ، التي هي فاكهة و
سرور مجالسهم : كالغيبة و النميمة و الكذب ، و المراء و الجدال و الخوض في الباطل
، و الخصومات و فضول الكلام ، و التحريف و الزيادة و النقصان ، و تزكية النفس
تفريحاً وتعرضاً ، وحكاية كلام الناس ، والطعن على ما يبغضه وتزكية من يحبه ، و
هتك المستورات ، و نحو ذلك . فيتفق قوة الداعي و سرعة حركة اللسان ، فيضعف الصبر ،
و " لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ : أمسك عليك لسانك " ، و
قد تقدم الحديث .
فإذا صارت
هذه الآفات التي ذكرناها للسان عادة و سجية ، فإنه يشق على العبد الصبر عنها إلا
من عصمه الله ، فآفات اللسان مهلكة و لها حلاوة في القلب ، و عليها بواعث من الطبع
، نسأل الله السلامة منها .
لهذا نجد
كثيراً من المتفقهة و غيرهم ، ممن ينتسب إلى الورع ، يتورع من استناده إلى مخدة من
الحرير ، أو من قعوده على بساط حرير ، أو من شربه من قدح زجاج مموه بالذهب ، أو
الجلوس لحظة واحدة في فرح و غيره ، مع ما فيه من الخلاف ، و لا يتورع من إطلاق
لسانه في الكبائر من الذنوب ، كالغيبة و النميمة ، و التفكه في أعراض الخلق .
و كذا إذا
وقع الكلام في تفسير كلام الله ، أو في مسند رسول الله ، أطلق لسانه فيهما بغير
علم ، مع علمه بقوله تعالى : " و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و
الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً " .
ثم أيضاً
ممن يتورع عن الحبة من الحرام ، بل عن الفلس المحرم ، و عن القطرة من الخمر ، و
يتحرز عن مثل رأس الإبرة من النجاسة ، و
لا يبالي بارتكاب الفرج المحرم ، سواء كان صبياً أو امرأة . كما يحكى : أن
رجلاً خلا بامرأة أجنبية ، فلما أراد جماعها ، قال : يا هذه غطي وجهك ، فإن النظر
إلى وجه الأجنبية حرام .
و المقصود
: أن الصبر على الأشياء الذي اعتادها الإنسان ، و ورد الشرع بذمها ، من أشق
الأشياء على النفوس ، إلا من وفقه الله لذلك .
فصل : في علامات الصبر
و رضا النفس عن قضاء الله تعالى
ومن علامات
الصبر ، عدم مشقته على النفس عند ورود المصائب ، وكف الكف عن تمزيق الثياب و لطم
الخدود ، و حبس اللسان عن الاعتراض على المقادير و التسخط ، و الامتناع من كل شيء
يوجب إظهاره ، حتى إن السلف كرهوا الأنين .
قال
الحكماء : العاقل يفعل أول يوم ، ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام .
و قد قال
عليه الصلاة والسلام للأشعث بن قيس : إنك إن صبرت إيماناً و احتساباً . و إلا سلوت
كما تسلو البهائم .
االباب العشرون : في الرضا بالمصيبة
اعلم ـ
رحمك الله ـ أن الرضا بالمصائب ، أشق على النفوس من الصبر ، و قد تقدم أن الصبر من
أشق الأشياء على النفوس ، و في جامع
الترمذي " أن النبي صلى الله عليه و
سلم قال : إذا أحب الله قوماً ابتلاهم ، فمن رضي ، فله الرضا، ومن سخط ، فله السخط
" .
و قد تنازع
العلماء و المشايخ ، من أصحاب الإمام
أحمد ، و غيرهم ، في الرضا بالقضاء ، هل
هو واجب ؟ أو مستحب ؟ على قولين ، فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين ، و على
الثاني يكون من أعمال المقربين ، ذكره شيخ
الإسلام ابن تيمية ، فالعبد قد يصبر على المصيبة و لا يرضى بها ،
فالرضا أعلى من مقام الصبر ، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه ، و الرضا اختلفوا على
وجوبه ، و الشكر أعلى من مقام الرضا ، فإنه يشهد
المصيبة نعمة ، فيشكر المبلي عليها
.
قال عمر بن
عبد العزيز : أما الرضا ، فمنزلة عزيزة أو منيعة ، و لكن قد جعل الله في الصبر
معولاً حسناً .
و قال محمد بن إدريس الشافعي : حدثنا زهير بن عباد ، عن السري ابن حيان ،
قال : قال عبد الواحد بن زيد : الرضا باب الله الأعظم ، و جنة الدنيا ، و سراج
العابدين .
و روى ابن أبي الدنيا بإسناده ، " عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه و سلم يقول : الصبر رضا " ، فهذا الحديث ، فيه بشارة عظيمة لأهل المصائب
، إذ سمى الصبر رضا .
و بإسناده
أيضاً إلى أبي مسلم ، قال أبو مسلم : دخلت على
أبي الدرداء في اليوم الذي قبض فيه
، و كان عندهم في العز كأنفسهم ، فجعل أبو مسلم يكبر ، فقال أبو الدرداء
: أجل ، فهكذا فقولوا ، فإن الله إذا قضى بقضاء ، أحب أن يرضى به .
و ذكر ابن أبي الدنيا ، في قوله تعالى : " و من يؤمن بالله يهد
قلبه " ، قال علقمة بن أبي وقاص : هي المصيبة ، تصيب الرجل ، فيعلم أنها من عند
الله ، و يسلم لها و يرضى .
و قال :
حدثنا الحسين ، حدثنا عبد الله ، حدثنا علي بن الحسن العامري ، حدثنا أبوه بدر ،
حدثنا عمر بن ذر ، قال : بلغنا أن أم الدرداء كانت تقول : إن الراضين بقضاء الله ،
الذين ما قضى الله لهم رضوا به ، لهم في الجنة منازل يغبطهم بها الشهداء يوم
القيامة .
و بهذا
الإسناد ، عن سليمان بن المغيرة ، قال : كان فيما أوحى الله تعالى إلى داود عليه
السلام ، إنك لن تلقاني بعمل ، هو أرضى لي عنك ، و لا أحط لوزرك ، من الرضا بقضائي
، و لن تلقاني بعمل ، هو أعظم لوزرك ، و لا أشد لسخطي عليك، من البطر ، فإياك يا
داود و البطر .
و قال الشافعي
: سمعت ابن أبي الحواري يقول : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : أرجو أن
أكون رزقت من الرضا طرفاً ، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً .
و قال ابن
زيد : نظر علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ إلى عدي بن حاتم كئيباً ، فقال : يا
عدي مالي أراك كئيباً حزيناً ؟ قال : و ما يمنعني ، و قد قتل أبنائي ، و فقئت عيني
؟! فقال يا عدي ، من رضي بقضاء الله كان له أجر ، و من لم يرض بقضاء الله حبط عمله
. ذكره ابن أبي الدنيا .
و قال أبو عبد الله البراثي : من وهب له الرضا فقد بلغ أقصى الدرجات .
فإن قيل :
غالب الناس يصبرون و لا يرضون ، فكيف يتصور الرضى بالمكروه ؟ يقال : إن نفور الطبع
عن المصائب ، لا ينافي رضا القلب بالمقدور
، فإنا نرضى القضاء ، و إن كرهنا المقتضى !
قيل لبعض
الصالحين : قتل و لدك في سبيل الله ! فبكى ، فقيل له : أتبكي و قد استشهد ؟ ! فقال : إنما أبكي ، كيف
كان رضاه عن الله عز و جل ، حين أخذته السيوف .
و ذكر أبو الفرج بن الجوزي ، بسنده ، عن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ
أنه قال : اللهم لو أعلم أنه أرضى لك ، أن أوقد ناراً عظيمة ، فأقع فيها ، لفعلت ،
و لو أعلم أنه أرضى لك عني ، أن ألقي نفسي في الماء ، فأغرق ، لفعلت .
و عن مصعب بن ماهان
، عن سفيان الثوري ، قال : في قوله تعالى : " و بشر المخبتين
" . قال : المطمئنين الراضين بقضائه المستسلمين له .
.
فصل : في أقوال السلف و الخلف في الرضا
و قد أطنب
الناس ـ من السلف و الخلف ـ في الرضا ، و بسطوا القول فيه ، و اعتنوا به و هذا يدل
على علو منزلته .
قال عمرو بن أسلم العابد : سمعت
أبا معاوية الأسود يقول : في قوله
تعالى : " فلنحيينه حياة طيبة " قال : الرضا و القناعة .
و ذكر ابن أبي الدنيا بإسناده ، " رفعه إلى النبي صلى الله عليه
و سلم ، قال : جلساء الرحمن ، تبارك وتعالى ، يوم القيامة : الخائفون الراضون ،
المتواضعون الشاكرون الذاكرون " .
وبإسناده ،
إلى محمد بن كعب ، رفعه ، أنه قال : أي رب ، أي خلقك أعظم ذنباً ؟ قال : الذي
يتهمني ، قال : رب و هل يتهمك أحد ؟ ! قال : نعم ، الذي يستجيرني ، و لا يرضى
بقضائي .
قال مالك بن أنس
: بلغني أن أبا الدراء ، دخل على رجل و هو يموت ، و هو يحمد الله
تعالى ، فقال أبو الدراء : أصبت ، إن الله تعالى إذا قضى أحب أن يرضى به
.
و روى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن ابن عون ، أنه قال : أرض بقضاء
الله على ما كان من عسر و يسر ، فإن ذلك أقل لغمك ، و أبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك
، و اعلم ، أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا ، حتى يكون رضاه عند الفقر و البلاء ،
كرضاه عند الغنى و الرخاء ، كيف تستقضي الله في أمرك ، ثم تسخط إن رأيت قضاءه
مخالفاً لهواك ؟ ! و لعل ما هويت من ذلك ، لو وفق لك ، لكان فيه هلكك ، و ترضى
قضاءه إذا وافق هواك ، و ذلك لقلة علمك بالغيب ، وكيف تستقضيه ؟ إن كنت كذلك ما
أنصفت من نفسك ، و لا أصبت باب الرضا ! !
و روى أبو بكر بن أبي الدنيا أيضاً ، قال : حدثنا الحسين ، ثنا عبد الله ،
حدثني المروزي ، قال : قال حفص بن حميد : كنت عند عبد الله بن المبارك بالكوفة حين ماتت امرأته ، فسألته ما الرضا ؟
قال : الرضا أن لا يتمنى خلاف حاله ، فجاء أبو بكر بن عياش فعزى ابن المبارك
ـ قال حفص : ولم أعرفه ـ فقال عبد الله : سله عما كنا فيه ، فسألته ، فقال
: من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض . قال حفص : و سألت الفضيل بن عياض ، فقال : ذاك
للخواص . ثم قال قادم الديلمي العابد . قال : قلت
للفضيل بن عياش : من الراضي عن
الله ؟ قال : الذي لا يحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها .
و قال أبو عبد الله البراثي : لم يرد الآخرة ، أرفع درجات من الراضين عن
الله عز وجل على كل حال .
و قال سيار
: دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه ، فقال : إن أحبه إلي ، أحبه إلى
الله عز وجل .
و قال عمرو بن أسلم العابد : سمعت
أبا معاوية الأسود يقول : في قوله
تعالى : " فلنحيينه حياة طيبة " . قال : الرضا و القناعة .
ذكرهن ابن أبي الدنيا في كتاب
الرضا ، ثم ذكر عن مصعب بن ماهان
، عن سفيان الثوري ، قال في قوله تعالى : " وبشر المخبتين
" قال : المطمئنين الراضين بقضائه المستسلمين له .
و عن وهب بن منبه
، قال : وجدت في زبور داود عليه السلام : يا داود ، هل تدري أي الفقراء
أفضل ؟ الذين يرضون بحلمي و بقسمي ، و يحمدوني على ما أنعمت عليهم ، هل تدري يا
داود أي المؤمنين أعظم عندي منزلة ؟ الذي هو بما أعطي أشد فرحاً بما حبس .
و روى الإمام أحمد
في كتاب الزهد ، عن زياد ابن أبي حسان ، أنه شهد عمر بن عبد
العزيز ـ رحمة الله عليه ـ حين دفن ابنه عبد الملك ، استوى قائماً ، و أحاط به
الناس ، فقال : و الله يا بني ، لقد كنت باراً بأبيك ، و الله ما زلت منذ وهبك
الله لي مسروراً بك ، و لا و الله ما كنت قط أشد سروراً ، و لا أرجى لحظي من الله
فيك ، منذ وضعك الله في المنزل الذي صيرك إليه ، فرحمك الله ، و غفر لك ذنبك ، و
جزاك بأحسن عملك ، و رحم كل شافع يشفع لك بخير شاهد و غائب ، رضينا بقضاء الله ، و
سلمنا لأمره ، و الحمد لله رب العالمين . ثم انصرف .
و قال سفيان الثوري
: قال عمر بن عبد العزيز لابنه : كيف تجدك ؟ قال : في الموت ، قال : لأن
تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك ، فقال و الله يا أبه ، لأن يكون ما
تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب .
و روى الإمام أحمد
في الزهد بإسناده ، عن الحسن ، قال : حدثني الأحوص ، قال
: دخلنا على ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ و عنده بنون له ثلاثة ، كأنهم
الدنانير حسناً ، فجعلنا نتعجب من حسنهم ، فقال لنا كأنكم يغبطونني بهم ؟ قلنا :
أي و الله ، لمثل هؤلاء يغبط المسلم ، فرفع رأسه إلى سقف بيت له صغير ، قد عشش فيه
خطاف و باض ، فقال : و الذي نفسي بيده ، لأن أكون نفضت يدي عن تراب قبورهم ، أحب
إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف و ينكسر بيضه .
و بإسناده
عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال يوم مات أبو بكر الصديق ـ رضي الله
عنه ـ : رضينا عن الله قضاءه ، و سلمنا له أمره ، إنا لله و إنا إليه راجعون
.
فصل ـ فيما سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم
لأهل المصيبة و ما نهى عنه
قد تقدم ما
سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم لأهل
المصيبة ، و ما نهى عنه ، و مما
سنه الخشوع ، و البكاء الذي لا صوت معه ، و حزن القلب ، " و كان يفعل ذلك و
يقول : تدمع العين و يحزن القلب و لا نقول إلا ما يرضي الرب " ، و كذلك الحمد
و الاسترجاع . و قد تقدم .
و من سنته
: الرضا عن الله في المصيبة و غيرها ، و لم يكن ذلك منافياً لدمع العين و
حزن القلب .
و أشد
الناس حرصاً على رضى مولاهم الأنبياء ، فقد روى
ابن أبي الدنيا بإسناده ، "
عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إنا معشر
الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفاً ، قال : فقلنا سبحان الله ! قال : أفعجبتم ؟
إن أشد الناس بلاءً الأنبياء و الصالحون ، الأمثل فالأمثل . قلنا سبحان الله ! قال
: أفعجبتم ؟ إن كان النبي من الأنبياء ، ليتدرع العباءة من الحاجة ، لا يجد غيرها
، قلنا : سبحان الله ! قال : أفعجبتم ؟ إن كانوا ليفرحون بالبلاء ، كما تفرحون
بالرخاء " . و لهذا كان أرضاهم ، و أرضى الخلق عن الله ، نبينا محمد صلى الله
عليه و سلم في قضائه و قدره ، و أعظمهم له حمداً ، و لم يمكنني حصر ما وقع له في
ذلك لكثرته و شهرته ، و مع ذلك بكى يوم مات ابنه إبراهيم ـ عليه السلام ـ رأفةً و
رحمةً منه للولد ، و رقةً عليه ، و قلبه صلى الله عليه و سلم ممتلئ بالرضا عن الله
تعالى و شكره له ، و اللسان مشتغل بحمده و ذكره .
و لما ضاق
هذا المشهد و الجمع بين الأمرين ـ يعني رحمة الولد و الرقة عليه و الرضا عن الله
تعالى ـ على أن بعض العارفين من السلف ، يوم مات ولده ، جعل يضحك ، فقيل له : تضحك
في مثل هذه الحال ؟ فقال : إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه .
فأشكل هذا
على جماعة من العلماء و أرباب الأحوال و
التصوف ، و قالوا : كيف يبكي رسول رب العالمين صلى الله عليه و سلم يوم مات ولده ،
و هو أرضى الخلق عن الله ، و يبلغ الرضا بهذا العارف إلى أن ضحك يوم مات ولده ؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هدي نبينا صلى الله عليه و سلم أكمل من هدي
هذا العارف ، فإنه أعطى صلى الله عليه و سلم العبودية حقها ، فاتسع قلبه للرضا عن
الله و رحمة الولد و الرقة عليه ، فحمد الله و رضي عنه في قضائه ، و بكى رحمةً و
رقةً ، فحملته الرحمة على البكاء ، و عبوديته لله و محبته له على الرضا و الحمد ،
و هذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين ، و لم يتسع باطنه لشهودهما و القيام
بهما ، فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة و الرقة ، و الله تعالى أعلم . انتهى
.
قلت و ما
يؤيد ما ذكره الشيخ ـ رحمه الله ـ قصة نبي الله يعقوب إسرائيل عليه السلام ، إذ
حكى الله تعالى عنه أنه ابيضت عيناه من الحزن ، و قال : " فصبر جميل " و
" إنما أشكو بثي و حزني إلى الله " فمشهده أوسع من مشهد هذا العارف ، بل
نبي الله يعقوب أبلغ من هذا العارف ، فإن يعقوب كان له عدة من الولد ، و مع هذا
فهذه الرقة و الرحمة التي عنده ، مع الرضا الكامل ، و استعمل الرضا و التفويض في
قوله : " إنما أشكو بثي و حزني إلى الله " و استعمل الرقة و الرحمة عند
" و ابيضت عيناه من الحزن " فطريقة يعقوب عليه السلام أفضل من طريقة هذا
العارف ، مع كثرة أولاد يعقوب ، و هذه رحمته و رقته ، و أما هذا العارف ـ على ما
قيل ـ لم يكن له ولد سواه .
و روى الإمام أحمد
في كتاب الزهد بإسناده ، عن ثابت البناني : أن صلة بن أشيم ،
كان في مغزى له ، و معه ابنه ، فقال له : أي بني ، تقدم فقاتل ، حتى أحتسبك ، فجاء
فقاتل حتى قتل ، ثم تقدم أبوه فقتل ، فاجتمعت النساء عند أمه معاذة العدوية ،
فقالت : مرحباً ، إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحباً بكن ، و إن كنتن جئتن لغير ذلك
فارجعن .
و ذكر أبو الفرج بن الجوزي : قال أبو جحيفة : إنا لمتوجهون إلى همذان ، و
معنا رجل من الأزد ، فجعل يبكي ، فقلت : أجزع هذا ؟ قال : لا ، ولكن تركت ابني في
الرحل ، فلوددت أنه كان معي ، فدخلنا الجنة جميعاً .
فصل ـ في تحقيق الرضا و أنه من عمل القلب
الرضا من
أعمال القلوب ، لكن و إن كان من أعمال القلوب ، فكماله هو الحمد ، حتى إن بعضهم
فسر الحمد بالرضا ، و لهذا جاء في الكتاب و السنة : حمد لله على كل حال ، و ذلك
يتضمن الرضا بقضائه .
" و
في الحديث : أول من يدعى إلى الجنة الحمادون ، الذين يحمدون الله في السراء و
الضراء " .
" و
في الحديث مرفوعاً ، أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أتاه أمر يسره ، قال :
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، و إذا أتاه أمر يسوؤه قال : الحمد لله على كل
حال " .
و قد تقدم
في مسند الإمام أحمد " من حديث أبي موسى الأشعري ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا قبض
الله ولد العبد ، يقول الله لملائكته : أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم ، فيقول :
ماذا قال ؟ فيقولون حمدك و استرجع ، فيقول الله عز و جل : ابنوا لعبدي بيتاً في
الجنة ، و سموه بيت الحمد " .
و محمد
نبينا صلى الله عليه و سلم هو صاحب لواء الحمد ، و أمته هم الحمادون ، الذين
يحمدون الله في السراء و الضراء ، و الرضا .
و الحمد
على الرضا له مشهدان :
أحدهما ـ
علم العبد ، بأن الله سبحانه مستوجب لذلك ، مستحق له لنفسه ، أحسن كل شيء خلقه ، و
أتقن كل شيء ، و هو العليم الحكيم .
الثاني ـ
أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه ، كما روى مسلم
في صحيحه ، " عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال
: و الذي نفسي بيده ، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً ، إلا كان خيراً ، و ليس ذلك إلا
للمؤمن : إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له ، و إن أصابته ضراء صبر ، فكان خيراً
له " ، فأخبر صلى الله عليه و سلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر
على البلاء و يشكر على الرخاء فهو خير له ، كما قال تعالى : " إن في ذلك
لآيات لكل صبار شكور " .
فمن لا
يصبر على البلاء ، و لا يشكر على الرخاء ، فلا يلزم أن يكون القضاء خيراً له ، و
لهذا أجيب من أورد على هذا ، بما يقضى على المؤمن من المعاصي ، بجوابين :
أحدهما :
أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما يفعله ، كما في قوله تعالى : " ما
أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك " و كقوله تعالى أيضاً :
" و بلوناهم بالحسنات و السيئات لعلهم يرجعون " أي السراء و الضراء .
الثاني ـ
أن هذا في حق المؤمن الصابر الشاكر ، و الذنوب تنقص الإيمان ، فإذا تاب العبد أحبه
الله ، و قد ترتفع درجته بالتوبة .
قال بعض
السلف : كان داود عليه السلام ، بعد التوبة ، خيراً منه قبل الخطيئة ، فمن قضي له
بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير : إن العبد ليعمل الحسنة ، فيدخل بها النار ، و
إن العبد ليعمل السيئة ، فيدخل بها الجنة ، و ذلك أنه يعمل الحسنة ، فتكون نصب
عينيه و يعجب بها ، و يعمل السيئة ، فتكون نصب عينيه ، فيستغفر الله و يتوب إليه
منها .
و ثبت
في الصحيح " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
الأعمال بالخواتيم " .
و المؤمن ،
إذا فعل سيئة ، فإن عقوبتها تندفع بعشرة أسباب :
أحدهما :
أن يتوب توبة نصوحاً ليتوب الله عليه ، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له .
الثاني :
أن يستغفر الله فيغفر الله تعالى له .
الثالث :
أن يعمل حسنات يمحوها لقوله : " إن الحسنات يذهبن السيئات " .
الرابع :أن
يدعو له إخوانه المؤمنون و يشفعون له حياً و ميتاً .
الخامس :
أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به .
السادس :
أن يشفع فيه نبينا محمد صلى الله عليه و سلم .
السابع :
أن يبتليه الله في الدنيا بمصائب ، في نفسه و ماله ، و أولاده و أقاربه ، و من يحب
، و نحو ذلك .
الثامن :
أن يبتليه في البرزخ بالفتنة و الضغطة ، و هي عصر القبر ، فيكفر بها عنه .
التاسع :
أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه .
العاشر :
أن يرحمه أرحم الراحمين .
فمن أخطأته
هذه العشرة ، فلا يلومن إلا نفسه ، " كما قال تعالى في الأحاديث الإلهيات :
إنما هي أعمالكم ، أحصيها لكم ـ ثم أوفيكم إياها ـ ، فمن وجد خيراً ، فليحمد الله
، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه " ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية . و المقصود أن المؤمن إذا كان يعلم أن القضاء
خير له ، فيرضى عن الله بما قسم له ، كان قد رضي بما هو خير له .
" و
في الحديث : عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : إن الله يقضي بالقضاء ،
فمن رضي فله الرضا ، و من سخط فله السخط " .
الباب الحادي و العشرون
: فيما يقدح في الصبر و الرضا و ينافيهما
قد تقدم أن
الصبر اعتراف العبد بالله بما أصابه منه ، و احتسابه عند الله ، و أنه حبس النفس
عما لا يحسن فعله و لا يجمل ، و حبس اللسان عما لا يحسن قوله ، فإذا كان معنى هذه
المقالة أن الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله ، و القلب عن التسخيط ، و
الجوارح عن لطم الخدود ، و خمش الوجوه ، و شق الثياب ، و نحو ذلك ، و أن العبد
يرضى عن الله فيما يفعله به مما يحب و قوعه ، و مما يكره و قوعه ، فإذا وقع من
العبد عكس ما ذكرته كان متلبساً بالنقائص و الرذائل ، فمن شكا ما به إلى مخلوق
مثله ، كان قد شكا ربه إلى بعض مخلوقاته ، فمثله كمثل من شكا من يرحمه و يلطف به و
يعافيه و بيده ضره و نفعه ، إلى من لا يرحمه و ليس بيده نفعاً ولا ضراً . فهذا من
عدم المعرفة و ضعف الإيمان شكاية الضار النافع الذي بيده أزمة الأمور ، إلى من لا
يضر و لا ينفع . قال شقيق البلخي : من شكا مصيبة نزلت به إلى غير الله ، لم يجد في
قلبه لطاعة الله حلاوة أبداً .
و أما
إخبار المخلوق بحاله لا على وجه الشكوى ، فإن كان للاستعانة بأن يرشده أو يعاونه
أو يوصله إلى زوال ضره بما ينفعه مما هو أخبر منه به ، كالحجام يحجبه و يقلع ضرسه
، أو رجل صالح يدعو له ، فهذه الأمور على هذا الوجه لم تقدح في صبره ، لأن هذا
كإخبار المريض الطبيب بحاله ، و إخبار المبتلي في جسده ببلائه لمن يرجو أن يكون
فرجه على يديه ، و كذلك إخبار المظلوم لمن ينتصر به ، و إخبار المبتلى في دينه لمن
هو مسترشد الهداية ، ليبين له طريق الهداية إن وفق لها .
" و
قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا دخل على المريض ، سأله عن حاله ،
ويقول : كيف تجدك ؟ " وهو استخبار منه و استعلام بحاله .
و أما
الأنين فهل يقدح في الصبر ؟ فيه روايتان عن
الإمام أحمد ، قال القاضي أبو الحسين : أصح الروايتين الكراهة ، لما روي عن طاووس ،
أنه كان يكره الأنين في المريض .
و قال مجاهد
:يكتب على ابن آدم مما سطر به ، حتى أنينه في مرضه . انتهى .
و قال جماعة
من العلماء : الأنين شكوى بلسان الحال ، فينافي الصبر .
و قال عبد
الله بن الإمام أحمد : قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه : أخرج إلي
كتاب عبد الله بن إدريس ، فأخرجت الكتاب ، فقال : أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم ، فأخرجت أحاديث ليث بن أبي سليم ، فقال : اقرأ علي أحاديث الليث ، قال : قلت
لطلحة : إن طاووساً كان يكره الأنين في المرض ، فما سمع له أنين حتى مات ، فما
سمعت أبي أن في مرضه ذلك إلى أن توفي . و الرواية الثانية أنه لا يكره و لا يقدح
في الصبر ، بل قد يقدح في الرضا .
قال بكر بن
محمد عن أبيه : " سئل الإمام
أحمد عن المريض ، يشكو ما يجد من الوجع !
فقال : يعرف فيه شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : نعم ، حديث عائشة
: وا رأساه ! وجعل يستحسنه " .
و قال المروزي
: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن
حنبل ، و هو مريض ، فسألته ، فتغرغرت
عينيه ، و جعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة .
قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ : اعلم أن الأنين على قسمين :
أنين شكوى ، فيكره ، و أنين استراحة و تفريج ، فلا يكره ، و الله أعلم .
فصل : في أن شق الثياب و لطم الخدود ينافي الصبر
و الرضا
و مما
ينافي الصبر و الرضا ، ما يفعله أكثر الناس في زماننا عند المصيبة ، من شق ثيابهم ، و لطم خدودهم ، و خمش
وجوههم ، و نتف شعورهم ، و التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى ، و رفع أصواتهم عند المصيبة .
و لقد حضرت
عند شخص ، حين فارق الدنيا ، و هو من الجند ، فحين خرجت روحه ، أتوا بجعبة نشاب ،
فكسروها بمجموعها ، واحدة بعد واحدة عليه ، و أتوا أيضاً بعدة الحرب فرموها عليه ،
و أنا مع ذلك أعظم و أقول لهم : هذا حرام ، نهى الله ورسوله عن ذلك ، و هذا فيه
إضاعة مال ، فقال بعضهم لي : لم يصبك ما أصابنا ، فخرجت عنهم ، ثم إنهم بعد ذلك ندموا
على ما فعلوا من إتلاف ما أتلفوه .
" و
لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم : إنما الصبر عند الصدمة الأولى " لأن في
تلك الحالة هيجان الحزن ، و استغراق الذهن ، و ذهول العقل بما دهمه ، و تمكن
الشيطان منه ، فإن الشيطان ـ لعنه الله دائماً ـ يتمكن من بني آدم عند ذهول عقلهم
: إما بسكر كما وقع في قصة هاروت و ماروت ، و هي مشهورة حين دعتهما المرأة إل ىقتل
الولد ، أو السجود للصنم، أو شرب القدح من الخمر مراراً ، و أنهما شربا القدح من
المسكر ، فلما شربا سكرا، فأتيا كل ما أمرتهما به . و كذلك ذهول العقل عند العشق ،
و عند الولاية ، و عند كثرة المال ، و عند
المصيبة ، فكل هذه الأمور العارضة للعبد في الغالب يحصل له بها ذهول العقل
، فيتمكن الشيطان بها منه .
نسأل الله
العافية ، و دوام العافية ، و الثبات في الأمر ، و العزيمة على الرشد ، " فإن
النبي صلى الله عليه و سلم كان يسأل الله في دعائه : اللهم إني أسألك الثبات في
الأمر " الدعاء المشهور . " وكان يقول : اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي
على دينك " . فالثبات في الأمور مطلوب شرعاً ، كما أن العبد نهي عن الأمور
المذمومة من اللجاج و الطيش ، و العجلة
والحدة ، و افتقاد الحزن ، و غير ذلك من الأمور المذمومة التي لا أحصيها عدداً .
ويحاً لمن يقدم على الله تعالى مع هذه الأمور المذمومة التي نهى الشرع عنها ، غير
تائب منها ، معتمداً على صومه و صلاته و حجه و عبادته ، و هومع ذلك فرح مستبشر ،
كأنه قد جاز الصراط ، و أعطي البراءة ، و جاءه البشير من الله تعالى بالفوز و
الخلاص ! ويحاً لمن بعتز بأعماله الظاهرة ، و باطنه مثل المزابل ! نسأل الله تعالى
حسن التوفيق .
فصل : في البكاء و الحزن الصامت لا ينافي الرضا
و الصبر
و أما
البكاء و الحزن من غير صوت و لا كلام محرم ، فهو لا ينافي الصبر و الرضا ، و قد
تقدم لنا قريباً من ذلك . قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام : " و ابيضت
عيناه من الحزن فهو كظيم " قال قتادة : كظيم على الحزن ، فلم يقل إلا خيراً .
مع قوله تعالى : " إنما أشكو بثي و حزني إلى الله " و قوله تعالى عنه في
أول السورة : " فصبر جميل " و قد " جاء في أثر مرفوع إلى النبي صلى
الله عليه و سلم : من بث لم يصبر " لكن يعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من
البكاء ، و لم يناف حزنه و بكاءه صبره ، فإنه عليه السلام ما شكا بثه و حزنه إلى
مخلوق ، و إنما شكاه إلى الله .
و روى حماد
بن سلمة ، " عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس
ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم . قال : ما كان من العين
و من القلب فمن الله و الرحمة ، و ما كان من اليد و اللسان فمن الشيطان " .
قال خالد
بن أبي عثمان : مات ابن لي ، فرآني سعيد
بن جبير مقنعاً ، فقال لي : إياك و التقنع
، فإنه من الاستكانة .
و قال بكر بن عبد الله المزني : كان يقال : من الاستكانة الجلوس في البيت
بعد المصيبة .
و قال عبيد بن عمير
: ليس الجزع أن تدمع العين و يحزن القلب ، و لكن الجزع القول السيئ ، و
الظن السيئ .
و مات ابن
لبعض قضاة البصرة ، فاجتمع إليه العلماء و
الفقهاء ، فتذاكروا ما تبين به جزع الرجل من صبره ، فأجمعوا أنه إذا ترك شيئاً مما
كان يصنعه فقد جزع .
و قال ابن
عبد العزيز : مات ابن لي نفيس ، فقلت لأمه : اتق الله و احتسبيه عند الله و اصبري
، فقالت مصيبتي به أعظم من أفسدها بالجزع .
و قال عبد الله بن مبارك ـ رحمه الله ـ : أتى رجل يزيد بن يزيد ، و هو
يصلي ، و ابنه في الموت ، فقال : ابنك يقضي و أنت تصلي ؟ فقال : إن الرجل ، إذا
كان له عمل يعمله ، فتركه يوماً واحداً ، كان ذلك خللاً في عمله .
و قال ثابت
: أصيب عبد الله بن مطرف بمصيبة ، فرأيته أحسن شيء شارة و أطيبه .
فصل ـ في أن من يبتلي بالمصائب هو أحكم الحاكمين
و أرحم الراحمين
و لا بد أن
يعلم المصاب ، أن الذي ابتلاه بمصيبته ، أحكم الحاكمين ، و أرحم الراحمين ، و أنه
سبحانه ، لم يرسل البلاء ليهلكه به ، و لا ليعذبه ، و لا ليجتاحه ، و إنما افتقده
به ، ليمتحن صبره و رضاه عنه و إيمانه ، و ليسمع تضرعه و ابتهاله و ليراه طريحاً
على بابه ، لائذاً بجنابه ، مكسور القلب بين يديه ، رافعاً قصص الشكوى إليه .
قال الشيخ
الإمام العالم العارف المكاشف عبد القادر
الكيلاني ـ رحمة الله عليه ـ لابنه ، يا
بني ، إن المصيبة ما جاءت لتهلكك ، و إنما جاءت لتمتحن صبرك و
إيمانك ، يا بني ، القدر سبع ، و السبع لا يأكل الميتة . انتهى كلامه .
و المقصود
: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك بها حاصله ، فإما أن يخرج ذهباً أحمر و إما أن
يخرج خبثاً كله ، كما قيل :
سبكناه ، و تحسبه لجيناً فأبدى الكير عن خبث الحديد
فإن لم
ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم ، فإذا علم العبد ، أن إدخاله
كير الدنيا و مسبكها ، خير له من ذلك الكير و المسبك ، و أنه لا بد من أحد الكيرين
، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل ، فالعبد ، إذا امتحنه الله بمصيبة ،
فصبر عند الصدمة الأولى ، كما ورد " في حديث
أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال
: مر النبي صلى الله عليه و سلم بامرأة عند قبر، و هي تبكي ، فقال لها : اتق الله
و اصبري ، فقالت : إليك عني ، فإنك لم تصب بمصيبتي ـ و لم تعرفه ـ فقيل لها : إنه
النبي صلى الله عليه و سلم ، فأتت باب النبي صلى الله عليه و سلم ، فلم تجد عنده
بوابين ، فقالت : لم أعرفك يا رسول الله ! قال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى
" رواه البخاري . و " لفظ مسلم :
أتى على امرأة تبكي على صبي لها ، فقال لها : اتق الله و اصبري ، فقالت : و ما
تبالي بمصيبتي ؟ فلما ذهب قيل لها : إنه رسول الله ! فأخذها مثل الموت ، فأتت بابه
، فلم تجد على بابه بوابين . . . " و ذكر تمام الحديث .
فصل ـ في أن الشكوى و التحدث بالمصيبة ينافي
الصبر و الرضا
و مما يقدح
في الصبر و الرضا ، و ينافيهما : إظهار
المصيبة و التحدث بها و إشاعتها ،
سواء كان كلام بها بين الأصحاب أو غيرهم ، اللهم إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه :
مات فلان ، يعني والده أو ولده ، و نحو ذلك ، و ما يريد به إظهار المصيبة ، و إنما يريد إعلامهم لأجل الصلاة
عليه و تشييعه و نحو ذلك ، مما هو من فروض الكفايات و يحصل لهم بذلك القراريط من
الأجر ، و قد تقدم أن الإعلام بالميت ، هل هو نعي أم لا ؟ و المقصود أن كتمان المصيبة
رأس الصبر .
قال الحسن بن الصباح في مسنده : " حدثنا خلف بن تميم ، حدثنا
زفر بن سليمان ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ـ رضي
الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من البر كتمان المصائب و
الأمراض و الصدقة " و ذكر أنه من بث لم يصبر .
و روي من
وجه آخر ، " من حديث أنس ـ رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه و
سلم ، قال : من كنوز البر كتمان المصائب ، و ما صبر من بث " .
و لما نزل
في إحدى عيني عطاء الماء ، مكث عشرين سنة ، لا يعلم به أهله ، حتى جاء ابنه يوماً
من قبل عينه التي أصيب فيها ، فلم يشعر به ، فعلم أن الشيخ قد أصيب .
و دخل رجل
على داود الطائي في فراشه ، فرآه يزحف ، فقال إنا لله و إنا إليه راجعون ، فقال :
مه، لا تعلم بهذا أحداً . و قد أقعد قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد .
و شكا
الأحنف إلى عمه وجع ضرسه ، فكرر ذلك عليه ، فقال : ما تكرر علي ؟ لقد ذهبت عيني
منذ أربعين سنة ، فما شكوتها إلى أحد !
و من
المنافاة للصبر و الرضا : الهلع عند ورود
المصيبة ، و هو الجزع ، قال الله
تعالى : " إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا
" قال الجوهري : الهلع : أفحش الجزع ، و قد هلع بالكسر فهو
هالع و هلوع .
" و
في الحديث : شر ما في العبد شح هالع و جبن خالع " .
قال
العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ : هنا في
هذا الحديث أمران : أمر لفظي و أمر معنوي .
فأما
اللفظي ، فإنه وصف الشح بكونه هالعاً ، و الهالع صاحبه ، و أكثر ما يسمى هلوعاً ،
و لا يقال : هالع له ، فإنه لا يتعدى ، و فيه وجهان :
أحدهما ـ
أنه على النسب ، كقولهم : ليل نائم ، و شر قائم ، و نهار صائم و يوم عاصف ، كله
عند سيبويه على النسب ، أي ذو كذا .
و الثاني ـ
أن اللفظة غيرت عن بابها للازدواج مع خالع ، و له نظائر .
و أما
المعنوي فإن الشح و الجبن أردى صفتين في العبد ، و لا سيما إذا كان شحه هالعاً ،
أي ملولة في الهلع ، و جبنه خالعاً ، أي قد خلع قلبه من مكانه ، فلا سماحة و لا
شجاعة ، كما يقال : لا يطرد و لا يثرد ، انتهى كلامه .
و روى سعيد بن منصور
في سننه: " حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن سليمان بن سليم ، عن يحيى بن
جابر ، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : ما يحبط الأجر في المصيبة
؟ قال : تصفيق الرجل بيمينه على
شماله و الصبر عند الصدمة الأولى فمن رضي
فله الرضى ، و من سخط فله السخط " .
" و
ذكر بإسناده أيضاً ، رفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إن القوم ليصابون
بالمصيبة فيجزعون و يهلعون ، فما يكون لهم من أجرها شيء فيمر بهم الرجل من
المسلمين ، فيسترجع ، فيكتب الله عز و جل له أجر ما أعطاه من تلك المصيبة " .
و قال ابن أبي الدنيا : حدثني أحمد بن عبد الأعلى ، حدثني شيخ من آل
ميمون بن مهران ، أن الحجاج أصيب بابن له ، فاشتد جزعه عليه ، فدخل فغير ثيابه ، و
مس شيئاً من طيب ، و جلس ، و أذن للناس ، فلم يتكلموا، فقال : حسبي ثواب الله من
كل نكبة ، و حسبي بقاء الله من كل هالك ، تحدثوا .
فصل ـ في أن الله تبارك و تعالى يختبر عباده
بالمصائب
و الله
تبارك و تعالى يبتلي عبده ، ليسمع شكواه و تضرعه و دعاءه و صبره و رضاه بما قضاه
عليه ، فهو سبحانه و تعالى يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب و
غيرها ، و يعلم خائنة أعينهم و ما تخفي صدورهم ، فيثيب كل عبد على قصده و نيته ، و
قد ذم الله تعالى من لم يتضرع إليه و لم يستكن له وقت البلاء ، كما قال تعالى : "
و لقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون " .
و العبد
أضعف من أن يتجلد على ربه و لا يشكو إليه حاله ، فإنه إذا كان سادات الخلائق ، و
هم الأنبياء المعصومون صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين ، قد أثنى الله تعالى
عليهم حيث شكوا ما بهم إلى الله تعالى ، فقال تعالى عن بعضهم : " و ذا النون
إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك
إني كنت من الظالمين " و أثنى على أيوب بقوله : " أني مسني الضر وأنت
أرحم الراحمين " ، و على يعقوب : " إنما أشكو بثي و حزني إلى الله
" و على موسى بقوله : " إني لما أنزلت إلي من خير فقير " . " و قد شكا إليه خاتم أنبيائه و رسله
بقوله : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، و قلة حيلتي ، و هواني على الناس ، أنت
أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين " الحديث المشهور في دعاء الطائف ، و هو
دعاء عظيم ، فالشكوى إلى الله تعالى لا تنافي الصبر و لا الرضا ، بل إعراض العبد
بالشكوى إلى غيره من جهله بخالقه و عدم رضاه و صبره بما ابتلاه الله تعالى به ، و
الله تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه و يحب من يشكو ما به إليه .
قيل لبعضهم
: كيف تشتكي إلى من لا يخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء ؟ فقال :
قالوا : أتشكو إليه ما ليس يخفى عليه
فقلت : ربي يرضى ذل العبيد لديه
و ذكر ابن أبي الدنيا ، عن علي بن الحسن ، قال : قال رجل : لأمتحنن
أهل البلاء ، قال : فدخلت على رجل بطرسوس ، و قد أكلت الأكلة أطرافه ، فقلت له كيف
أصبحت ؟ قال : أصبحت و الله و كل عرق ، و كل عضو ، يألم على حدته من الوجع ، و إن
ذلك لبعين الله ، أحبه إلي أحبه إلى الله عز و جل ، و ددت أن ربي قطع مني الأعضاء
التي اكتسبت بها الإثم ، و أنه لم يبق مني إلا لساني تكون له ذاكراً ، قال : فقال
له رجل : متى بدأت هذه العلة ؟ قال : أما كفاك ؟ الخلق كلهم عبيد الله و عياله ،
فإذا نزلت بالعباد علة ، فالشاكي إلى الله ليس يشكي الله إلى العباد .
الباب الثاني و العشرون : هل المصائب مكفرات أم
مثيبات
و قد اختلف
العلماء في هذا الباب اختلافاً كثيراً ، و
تباينوا فيه تبايناً شديداً ، فذهب بعض العلماء
إلى أنه يثاب على كل مصيبة ، و ذهب طائفة أخرى من العلماء إلى أنه لا يثاب على المصائب مطلقاً ، و إنما
يثاب على الصبر عليها ، حتى قطع به ابن
عبد السلام في قواعده
، و ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية و جماعة من العلماء إلى أن إطلاق القول بالثواب ، كلاهما يرد عليه
ما يدفعه ، و أن ثم فرقاً مؤثراً نذكره فيما بعد ، إن شاء الله .
و قد احتجت
كل طائفة بظواهر مرجحة لما ذهبت إليه كما سنذكره بعد .
احتجت
طائفة من العلماء إلى أنه يثاب على كل
مصيبة بقوله تعالى : " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل
الله و لا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل
صالح . . " الآية .
و في الصحيحين
، " عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما يصيب المؤمن من وصب و لا
نصب ، و لا هم و لا حزن ، و لا غم و لا أذى ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله
بها من خطاياه " ، الوصب : الوجع اللازم ، و منه قوله تعالى : " و لهم
عذاب واصب " أي لازم ثابت ، و النصب : التعب .
و روى الحاكم
في المستدرك " أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال :
المصاب من حرم الثواب ".
و روى ابن ماجة
" من حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه
و سلم : ليس الزهادة في الدنيا ، بتحريم الحلال و لا بإضاعته ، و لكن الزهادة في
الدنيا ، أن تكون بما في يد الله ، أوثق منك بما في يدك ، و أن تكون في ثواب المصيبة
، إذا أصبت بها ، أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك " رواه الإمام أحمد
، موقوفاً عن أبي مسلم
الخولاني .
و في صحيح البخاري
" أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : مامن مسلم ، يموت له ثلاثة من
الولد ، لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة ، بفضل رحمته إياهم " . و
" رواه أحمد و النسائي : ما من مسلمين ، يموت لهما ثلاثة من الولد ، لم
يبلغوا الحنث ، إلا غفر لهما " . و غير ذلك من الأحاديث مما اختصرته .
قال النووي
ـ رحمه الله ـ في شرح مسلم عند قوله صلى الله عليه و سلم : "ما من
مسلم يشاك بشوكة ، فما فوقها ، إلا كتبت له بها درجة ، و محيت عنه بها خطيئة
" و في رواية : " إلا رفعه الله بها درجة ، أو حط عنه بها خطيئة "
. و في بعض النسخ " و حط عنه بها خطيئة " بغير ألف ، و في رواية "
إلا كتب له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة " . قال : وفي هذه الأحاديث بشارة
عظيمة للمسلمين ، فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور ، و فيه
تكفير الخطايا بالأمراض و الأسقام و مصائب الدنيا و همومها و إن قلت مشقتها ، و
فيه رفع الدرجات بهذه الأمور و زيادة الحسنات ، و هذا هو الصحيح الذي عليه جماهير
العلماء . و حكى القاضي عياض
عن بعض العلماء : أنها تكفر
الخطايا فقط . و لم يبلغهم هذه الأحاديث الصحيصة الصربحة برفع الدرجات ، و كتب
الحسنات ، انتهى كلامه .
" و
يؤيد ذلك قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ : ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول
الله صلى الله عليه و سلم . و قوله صلى الله عليه و سلم : إني لأوعك مثل رجلين
منكم، و إنك لتوعك وعكاً شديداً ، و قوله صلى الله عليه و سلم : أشد الناس بلاءً
الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل " . قال جماعة من العلماء : و الحكمة في كون الأنبياء أشد بلاءً ثم
الأمثل بالأمثل : أنهم مخصصون بكمال الصبر و صحة الاحتساب ، و الأنبياء معصومون من
الخطايا فتعين الثواب ، و الله أعلم .
و في حديث
المرأة التي كانت تصرع : دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب .
و في صحيح مسلم
" قالت امرأة يا رسول الله ، دفنت ثلاثة من الولد قال : احتظرت بحظار
من النار " .
قال بعض
السلف : فقد الثواب على المصيبة أعظم من
المصيبة ، فإنه قد " ثبت أن
النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : المصاب من حرم الثواب " و قد تقدم .
و تقدم في
أثناء الكتاب أحاديث تشهد لهذا القول ، و الله أعلم .
احتجت
الطائفة الأخرى من العلماء ممن أطلق القول
بأن المصائب لا يثاب عليها ، و إنما يثاب على الصبر عليها . بقوله تعالى : "
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " قال
ابن عبد السلام في قواعده
: الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل الله فيه ، قال تعالى :
" الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " .فما حصل لهم من صلاة الله عليهم و
رحمته لهم و هدايته إياهم بقولهم : " إنا لله و إنا إليه راجعون "
فالاسترجاع هو سبب في حصول ما ذكر ، و كذلك " حديث أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه و سلم : يقول الله عز و جل لملك الموت : يا ملك الموت ، قبضت ولد عبدي ؟
قبضت قرة عينيه و ثمرة فؤاده ؟ قال : نعم ، قال : فما قال ؟ قال : حمدك و استرجع ،
قال : ابنوا له بيتاً في الجنة و سموه بيت الحمد " فحمده و استرجاعه هو سبب
بناء البيت له في الجنة ، و تسمية البيت كافية .
قال القاضي عياض
: و قد روي عن عبد الله بن
مسعود ، أنه قال : الوجع لا يكتب به أجر
إنما يكفر الخطايا فقط .
فصل ـ في سياق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله
أما ما
يحدثه الله من مصائب ، فتارة بغير فعل الخلائق كالأمراض و نحوها ، و تارة بفعلهم .
و فصل الخطاب : أن المصائب إن تولدت عن عمل صالح ، كما تتولد عن الجهاد و الأمر
بالمعروف و النهي عن المنكر و نحوه ، فهذا يثاب عليه ، فإن الإنسان يثيبه الله على
عمله و على ما يتولد من عمله إذا أقدم على احتماله ، فإن المجاهد قد أقدم على
الجهاد و هو يعلم أنه يؤذى في الله عز وجل ، و قد يناله ضرر في جهاده فتموت فرسه ،
أو يأخذ ماله ، أو يضرب أو يشتم و نحو ذلك، كما قال تعالى : " ذلك بأنهم لا
يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا
ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " ، فأخبر تعالى ، أنه يكتب لهم
عمل صالح ، بما يصيبهم من التعب و الجوع و العطش ، و نحو ذلك الذي حصل لهم بسبب
الجهاد في سبيل الله عز و جل ، فهذه الأمور يغفر الله بها خطاياه ، و يؤجر على هذه
المصائب ، لأنها حصلت بسبب جهاده فهي مما تولد من عمله ، و ما تولد عن عمله الصالح
من المصائب يثاب عليها . و أما الجوع و العطش و التعب الذي يحصل من دون ذلك فلا
يثاب إلا على الصبر عليه ، فإنه ليس من عمله و لا متولداً من عمل صالح ، لكن هو من
المصائب التي يكفر الله بها خطاياه . و أما
المصيبة بالولد ، فالولد تولد عن جماعه الذي صان نفسه به عن الزنا ، و قصد
به النسل ، و تكثير الأمة ، و غض البصر عن المحارم ، فإذا حصل له ذلك ، ثم مات
الولد ، فقد أثيب عليه من جهة ، و كفر الله به خطاياه من جهة ، لأنه تولد عن عمله
. و أما الأمراض و الأسقام فهي تكفر الخطايا .
و قد روي
أن أبا عبيدة بن الجراح لما عادوه و قالوا : له أجر . فقال : ليس لي من الأجر مثل
هذه ، و لكن المرض حطة يحيط الله بها الخطايا .
فهذا الذي
ذكرته هو الفرق بين المصائب التي يثاب عليها ، و المصائب التي لا يثاب عليها ، فإن
بعض الناس يظن أنه يثاب على كل مصيبة ، و من العلماء من يطلق القول بأن المصائب لا
يثاب عليها ، و إنما يصاب على الصبر عليها .
ثم قال بعد
ذلك بكلام كثير : فمن فعل فعلاً صالحاً باختياره ، فأوذي ، و احتسب ذلك الأذى ،
كان ذلك الأذى من عمله الصالح الذي يثاب عليه ، كالصائم إذا احتسب جوعه و عطشه .
" و قد قال صلى الله عليه و سلم : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
المسك " والخلوف تولد عن صومه بغير اختياره ، و لكن تولد عن عمل صالح ، و
كذلك القائم بالليل ، إذا احتسب تعبه و سهره ، فإن الأذى الذي يحصل باختيارك في طاعة الله ، أنت
جلبته على نفسك باختيارك طاعة الله ، فليس هو كمن أوذي بغير اختياره ، فإن ذلك
أذاه مصيبة محضة ، لكن هي حق له على الظالم .
و قال الشيخ ـ رحمه الله ـ " في قول النبي
صلى الله عليه و سلم : لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له ، وليس ذلك لأحد
إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له ، و إن أصابته ضراء صبر ، فكان
خيراً له " . و هي نفسها تكفر خطاياه و يؤجر على الصبر عليها ، ففيها له
مغفرة من جهة ما يكفره من الخطايا . و له فيها رحمة من جهة ما يؤجر على الصبر
عليها ، لا سيما إذا اقترن بها توبة و إنابة إلى الله ، و توكل عليه و توحيد له و
إخلاص الدين له ، فإنها تكون من أعظم النعم ، و مصيبة تقبل بها على الله خير لك من
نعمة تنسيك ذكر الله .
و قال بعض
السلف : يا ابن آدم ، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها قرع باب سيدك .
" و
في الحديث إذا قالوا للمرض : اللهم ارحمه ، يقول الله عز و جل : كيف أرحمه من شيء
به أرحمه ؟ " .
و في الأثر
: يا ابن آدم ، البلاء يجمع بيني و بينك ،
و العافية تجمع بينك و بين نفسك. انتهى .
و المقصود
من كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ أن كل ما تولد عن عمله الصالح من المصائب أثيب عليه ،
بخلاف المصائب التي لم تتولد عن عمله ، فإنها مكفرات لا مثيبات .
ت
فصل ـ في قوله أيضاً رحمه الله في أن المصائب
نعمة من نعم الله تعالى
قال الشيخ
رحمه الله : و كثير من الناس لا يعرف النعمة إلا ما يلتذ به في دنياه ، كما قال
بعض السلف : من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه و مشربه ، فقد قل علمه ، و حضر
عذابه . فمن الناس من يرى النعمة في بدنه فقط ، بالأكل و الشرب و النكاح ، و منهم
من يرى النعمة بالرئاسة و الجاه و نفاذ الأمر و النهي و قهر الأعداء ، و منهم من
يرى النعمة في جميع الأموال و القناطير المقنطرة ، و هؤلاء من جنس الكفار ، يرون
هذه نعماً ، و أعلى من هؤلاء : من يرى النعمةفي الإيمان و العمل الصالح، لكن لا
يرى الأمر بذلك و الجهاد عليه نعمة ، بل يرى فيه من المضار ما يوجب تركه و الذين
يرون هذه النعمة : منهم من لا يراه نعمة إلا مع السلامة و الغنيمة ، فإن جرح أو
قتل بعض أولاده ، أو أخذ ماله ، عد ذلك مصيبة لا نعمة . و حجة هؤلاء كلهم أن
النعمة ما يتنعم به العبد ، و هذه الأمور تؤلم النفس ، فلا تكون من النعم ، بل من
المصائب ، و لا ريب أنها من المصائب ، باعتبار ما يحصل فيها من الألم ، و لهذا أمر
بالصبر عليها ، لكن لا منافاة بين كون الشيء مصيبة باعتبار ، و نعمة باعتبار ،
فباعتبار ما يحصل له من الأذى هو مصيبة ، و باعتبار ما حصل به من الرحمة نعمة ، و
هذا لأنه إذا قيل : هذا يكفر به الخطايا و يؤجر عليها ويؤجر على الصبر عليها كانت
نعمة ، و هذا بمنزلة شرب المريض الدواء الكريه ، هو مصيبة باعتبار مرارته ، و هو
نعمة باعتبار إزالته للمريض الذي هو أشد ضرراً فيه ،و أدنى الشرين إذا زال أعظمهما
كان نعمة ، و من استعمل نعمة الله في المعاصي ، كانت شراً في حقه ، لأنها جرته إلى
العذاب الذي هو أعظم من تلك اللذة كمن أكل عسلاً فيه سم ، فإن ضرر السم أعظم من
حلوة العسل ، و الله أعلم . انتهى كلامه .
الباب الثالث والعشرون
: في الصدقة عن المصاب به و أفعال البر عنه
و هذا
الباب مما يطيب قلوب أهل المصائب على مصابهم ، فإنهم إذا بدلوا بدل الحزن و البكاء
و لطم الخدود و شق الثياب و النياحة ، الصدقة و الدعاء و الاستغفار و قراءة القرآن
و الصلاة و الصيام ، و نحو ذلك من أفعال
القرب ، و علموا وصولهم إلى موتاهم ، و إنه يحصل لهم بذلك : إما تكفير سيئات ، أو
رفع درجات ، أو كلاهما ـ حصل لهم السرور بذلك و الفرح الزائد .
و هذا
الباب منعقد على إهداء القرب إلى الموتى و الأحياء ، فنذكر اختلاف العلماء في وصول
ثواب ذلك إليهم ، فمن أنواع القرب : قرب لم يختلف في وصول ثوابها إلى الموتى ، و
ثم قرب اختلف العلماء في وصول ثوابها
اختلافاً كثيراً ، فنذكر ما يسره الله تعالى في ذلك ، فإن ذكر الاختلاف و البسط ،
سبيل ذلك الكتب المطولة .
فصل : في ذكر اختلاف الناس في وصول ثواب إهداء
القرب إلى الموتى
أما الدعاء
و الاستغفار و الصدقة و قضاء الدين و أداء الواجبات ، فلا أعلم خلافاً في وصولها ،
حكاها غير واحد من العلماء ، و من العلماء من يشرط في الوصول إذا كانت الواجبات
مما يدخله النيابة . قال الله تعالى : " و الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا
اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا
" ، و قال تعالى : " و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات "
" و دعاء النبي صلى الله عليه و سلم لأبي سلمة حين مات أبو سلمة ، و دعاء
النبي صلى الله عليه و سلم للميت الذي صلى عليه ، و شرع الله ذلك له ، و شرعه لكل
من صلى على ميت بقوله : اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وكذلك : اللهم اغفر له و ارحمه
و عافه و اعف عنه " الدعاء المشهور المعروف .
و أما وصول
العبادات المالية المحضة ، كالعتق و الصدقة و نحوهما : فجمهور العلماء من أهل
السنة و الجماعة على وصول ثوابها إلى الموتى ، كما يصل إليهم الدعاء و الاستغفار ،
و أما وصول ثواب الأعمال البدنية كالصوم و الصلاة و القراءة و نحو ذلك ، فالصحيح
الوصول ، و هو مذهب الإمام أحمد و أبي حنيفة
و طائفة من أصحاب مالك و
الشافعي ، لما يأتي من الأحاديث بعد
إن شاء الله .
فصل : في الآيات و الأحاديث الواردة في هذا
الباب
قد تقدم
قوله تعالى : " و الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا
الذين سبقونا بالإيمان " . و قال تعالى : " و استغفر لذنبك و للمؤمنين و
المؤمنات " ، و قال تعالى : " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد
ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين
تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " فلو لم ينفعهم ذلك ، لم يخبر الله
تعالى به ترغيباً .
و أما
الأحاديث ، فمنها : ما روى الإمام
أحمد " من حديث الحسن بن سعد بن
عباده ، أن أمه ماتت ، فقال : يا رسول الله ، ماتت أمي ، أفأتصدق عنها ؟ قال : نعم
، قال : قلت : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : سقي الماء " ، قال الحسن : فتلك سقاية
آل سعد بالمدينة . و رواه النسائي أيضاً .
و منها :
" عن معقل بن يسار ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اقرؤوا يس
على موتاكم " . رواه أبو داود و ابن
ماجة ، و رواه الإمام أحمد
، و " لفظه : يس قلب القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد الله تبارك و تعالى
و الدار الآخرة إلا غفر الله له ، و اقرؤوها على موتاكم " .
و فيه دليل
على وصول القراءة إلى الميت فإنه صلى الله عليه و سلم أمرنا أن نقرأها على موتانا
، و أمره في هذا المكان أمر إرشاد لا يجوز أن يعرى عن فائدة ، و لا فائدة للعبد
بعد موته أعظم من الثواب ، فإنا نعلم يقيناً ، أن الميت من أحوج الناس الى ما
يقربه من رحمة الله ، و يباعده من عذاب الله ، و قد امتنع عليه ذلك بعد موته بفعل نفسه ، فما بقي يحصل له
ذلك إلا بفعل غيره ، و الحصول هو الثواب المترتب على القراءة ، و الله أعلم .
فإن قيل :
قد فسر جماعة من العلماء أن المراد بقراءة يس
عند الاحتضار للمسلم الذي سيموت . و قد ذهب الى هذا جماعة من العلماء حتى الشيخ مجد الدين ابن تيمية الحراني بوب عليه في كتابه المنتقى
.
قيل : هذا
خلاف الحقيقة ، فإنه إذا حمل على من سيموت يكون حمل اللفظ على مجازه ، و معلوم أن
حمل اللفظ على حقيقته أولى من حمله على مجازه ، فإن سلم أنه أريد به المحتضر ، فهو
حجة على المخالف المانع من وصول ثواب القراءة إلى الميت ، فإن قول المخالف في أن
الحي لا ينتفع بعمل الغير ، أشد من قوله في الميت .
فإن قيل :
إنما يحصل له به راحة و سرور كالتذاذة به في الدنيا .
قلنا : هذه
دعوى تفتقر إلى دليل ، و الأصل عدمه ، بل نقول : أي راحة و سرور أعظم من ثواب يحصل
للميت يرفع درجاته أو يحط عنه سيئاته ؟ و قد أفردت لهذا الكلام جزءاً و سميته الدر المنتخب في إهداء القرب فمن رام كشف ذلك فليطلبه من محله ، و ما نذكره
هنا على سبيل التنبيه . و منها ما روي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن
العاص بن وائل ، نذر أن ينحر في الجاهلية مائة بدنة ، و أن هشام بن العاص نحر حصته
خمسين ، " و أن عمراً سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك ، فقال : أما
أبوك ، فلو أقر بالتوحيد ، فصمت عنه و تصدقت عنه نفعه ذلك " رواه الإمام أحمد
، و هو دليل على وصول أفعال الخير إلى الميت .
و منها :
" عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن
رجلاً سأل النبي صلى الله عليه و سلم : إن أبي مات و لم يوص ، أفينفعه أن أتصدق
عنه ؟ قال : نعم " . رواه مسلم و
الإمام أحمد و النسائي
و ابن ماجة .
و منها :
" عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رجلاً ، قال للنبي صلى الله عليه و سلم : إن
أمي افتلتت نفسها ، و أراها لو تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال :
نعم " . رواه البخاري و
مسلم و الإمام أحمد
.
و "
عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه و
سلم ، قال : ما على أحدكم ، إذا أراد أن يتصدق بصدقة تطوعاً ، أن يجعلها عن والديه
، إذا كانا مسلمين ، فيكون لوالديه أجرها ، و له مثل أجورهما ، من غير أن ينقص من
أجورهما شيء " . رواه حرب في مسائله
بسنده .
و روى ابن المنذر
بإسناده ، عن عائشة ـ رضي الله
عنها ـ أنها أعتقت عن أخيها عبد الرحمن عبداً بعد موته .
و روى الدارقطني
، و غيره ، " عن عطاء بن أبي رباح ، مرسلاً ، أن رجلاً قال : يا رسول
الله ، إن أبي مات ، أفأعتق عنه ؟ قال : نعم " .
و روى الدار قطني
أيضاً ، عن الحسن و الحسين ـ رضي الله عنهما ـأنهما كانا يعتقان عن أبيهما
علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بعد موته .
" عن
ابن أسيد ، مالك بن ربيعة الساعدي ، قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه و
سلم إذ جاءه رجل من بني سلمة ، فقال : يا رسول الله ، هل بقي من بر أبوي شيء
أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : نعم ، الصلاة عليهما ، و الاستغفار لهما ، و افتقاد
عهدهما بعدهما ، و صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، و إكرام صديقيهما " .
رواه أبو داود ، و هذا لفظه ، و ابن ماجة
.
فصل ـ من الأدلة المستحسنة قوله صلى الله عليه و
سلم في الأضحية : بسم الله و الله أكبر
و من
الأدلة المستحسنة ، " قوله صلى الله عليه و سلم في الأضحية لما ضحى بكبشين ،
فلما ذبح أحدهما ، قال : بسم الله و الله أكبر ، اللهم هذا عن محمد و آل محمد ، و
لما ذبح الثاني ، قال : اللهم هذا عني و عمن لم يضح من أمتي " . و في
رواية ابن ماجة ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لما ضحى
بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موسومين ، فذبح أحدهما عن محمد و آل محمد ، و
ذبح الآخر عن أمته و عمن شهد له بالبلاغ ، ففيه دليل على أن النفع قد نال الأحياء
و الأموات من أمته بأضحيته صلى الله عليه و سلم ، و إلا لم يكن في ذلك فائدة ،
فإنه صلى الله عليه و سلم ما ينطق عن الهوى .
" و
قال للذي قضى الدين عن الميت : الآن بردت عليه جلدته " .
" و
حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبرين ،
فقال : إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير ، أما أحدهما ، فكان لا يستتر من البول
ـ و في قول لا يستنزه من البول ـ أما الآخر ، فكان يمشي بالنميمة ، ثم دعا بجريدة
رطبة ، فشقها نصفين ، ثم غرس على كل قبر واحدة . و قال : إنه ليخفف عنهما ما لم
ييبسا " .
قال الخطابي
: هذا عند أهل العلم ، محمول على أن الأشياء ، ما دامت على أصل خلقتها أو
خضرتها و طراوتها ، فإنها تسبح الله عز و جل ، حتى تجف رطوبتها ، أو تحول خضرتها ،
أو تقطع من أصلها ، فإذا خفف عن الميت بوضعه صلى الله عليه و سلم الجريدة على قبره
، لكونها تسبح الله ، فبطريق الأولى و الأحرى أن تخفف القرب على اختلاف أسبابها ،
و إن أعظم القرب كلام رب العالمين ، الذي نزل به الروح الأمين ، على قلب أشرف
المرسلين ، و قد أوصى بريدة ـ رضي الله عنه ـ أن يجعل جريدة على قبره ، ذكره البخاري
.
و قد استحب
ذلك جماعة من العلماء من أصحابنا و غيرهم
، و أنكره آخرون .
و قال
الشيخ محي الدين النووي في شرح
مسلم : ذكر أن العلماء استحبوا القراءة ، لخبر الجريدة ، لأنه إذا
أرجي التخفيف لتنسبيحها ، فالقراءة أولى . انتهى كلامه .
فصل ـ في قوله تعالى و أن ليس للإنسان إلا ما سعى
و أما
احتجاج بعض من خالف ، من أصحاب
الشافعي و مالك ، بهذه الآية على
أن الميت لا ينتفع بثواب من سعي غيره ، " لأن النبي صلى الله عليه و سلم ،
قال : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به من
بعده ، أو ولد صالح يدعو له " .
قالوا : و
لأن نفع العبادة لا يتعدى فاعلها .
فيقال لهم
: قد ثبت بالسنة المتواترة و إجماع الأمة ، أن الميت يصلى عليه و يدعى له و يستغفر
له ، و هذا من سعي غيره ، و كذلك ما وافقوا عليه و سلموه من أن ينتفع بالصدقة و
العتق و هو من سعي غيره ، فما كان جوابهم على مورد الإجماع ، فهو جواب الباقين عن
محل النزاع ، و للناس في ذلك أجوبة متعددة سبيلها الكتب المطولة ، و لكن تحقيق ذلك
أن يقال : إن الله تعالى لم يقل : إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه ، و إنما قال
: " و أن ليس للإنسان إلا ما سعى " و هو لا يملك إلا سعيه ، و لا يستحق
غير ذلك ، و إنما سعي غيره فهو له ، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ، و يملك
نفع نفسه بمال غيره . و قد روي عن ابن
عباس أن الآية منسوخة بقوله تعالى :
" و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم " ، فأدخل
الأبناء الجنة بصلاح الآباء ، و لا يصح هذا ، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر ، و الأخبار
لا تنسخ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : اللفظ المنقول عن ابن عباس
هو من تفسير علي بن طلحة
الوالبي عنه ، و قد قيل : إنه لم يسمعه
من ابن عباس ، و قال
عكرمة : هي خاصة بقوم إبراهيم و
موسى دون هذه الأمة ، و شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ، و أما هذه الأمة فلهم ما سعوا
و سعي لهم . قال الشيخ : و هذا ضعيف ، لأن الله إنما ذكر هذا ليخبر به هذه الأمة ،
و ليعلموا أن هذا حكم شامل ، و لو كان هذا مخصوصاً بأمة موسى و إبراهيم لم يقم به
حجة ، على أن من أرسل إليه النبي صلى الله عليه و سلم و جميع المسلمين بما في هذا
القوله : " و لا تزر وازرة وزر أخرى "
و أيضاً ،
فمن أين لهم أن تلك الأمة ، لم تكن تنفعهم الصدقة عنهم بعد الموت و الدعاء لهم ؟ و
قد بين النبي صلى الله عليه و سلم أنا إذا قلنا : السلام علينا و على عباد الله
الصالحين ، أصابت كل عبد لله في السماء و الأرض ، و نحن إذا ذكرنا الصالحين من
الأمم و ترحمنا عليهم ، وصل ذلك إليهم ، و ليس هو من سعيهم ، و إبراهيم قد دعا
لأولاده بنص القرآن ، و ليس ذلك من سعيهم .
و قال الربيع بن أنس
: المراد بالإنسان و الكافر ، و هذا ليس بشيء ، لأن سياق الآية يناقضه
بقوله : " ثم يجزاه الجزاء الأوفى " ، و هذا يتناول المؤمن قطعاً ، فلو
عكس كان أولى ، مع أن حكم العدل ، لا فرق فيه بين مؤمن و كافر .
قال الحسن بن الفضل : ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل ، فأما
من طريق الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء .
قال شيخ الإسلام ابن تميمة : و هذا القول أمثل من غيره ، و معناه صحيح ،
لكنه لم يفسر لفظه الآية ، فإن قوله : ليس للإنسان : نفي عام فليس له إلا ذلك ، و
هذا هو العدل ، ثم إن الله قد ينفعه و يرحمه بغير سعيه من جهة فضله و إحسانه
، و إن كان ذلك ليس له ، ثم قال الشيخ : و
قال ابن الزاغوني ، إنه ليس له إلا سعيه ، غير أن الأسباب مختلفة ، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء
نفسه ، و تارة يكون في تحصيل سببه ، مثل سعيه في تحصيل قرابة أو نكاح ليحصل له ولد
صالح يدعو له ، أو صديق صالح ، و تارة يسعى في خدمة أهل الدين و العبادة ، فيكتسب
محبتهم بسب سعيه في ذلك .
قال الشيخ
رحمه الله : و هذا أمثل من غيره ، و قد استحسنه و رجحه أبو البركات
و هو ضعيف ، فإنه قد ينتفع بعمل غيره من لم يحصل سبباً ، و بسط القول على
هذا و علله بأمور ، و ذكر ابن أبي
الزغواني قولاً آخر ، قال : و أن ليس
للإنسان ، بمعنى : و أن ليس عليه إلا ما سعى .
قال الشيخ
: و هذا من أرذل الأقول فإنه قلب لمعنى الآية ، فإنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، و
تمامها " وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى " أفترى السعي
الصالح لم يدخل في هذه ؟ ! و بسط القول على هذا و بين فساده ، و قد ذكرنا هذه
الأقوال و رتبناها مبسوطة في إهداء القرب .
فصل ـ في أن الدفن بجوار الصالحين يجلب نوال
بركتهم
و مما
يستأنس به في وصول الثواب ، أنه يستحب الدفن عند الصالحين ، ليناله بركتهم ، و
نص الإمام أحمد ، على أن الميت يتأذى بالمنكر عنده .
و قد روي
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال : جنبوا الميت جار
السوء .
و قالت
عائشة ـ رضي الله عنها ـ : الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته .
لكن : هذان
الأثران ، و إن كان فيهما ضعف ، ففيهما دلالة على المسألة ، فإن الميت إذا تأذى
بالمنكر انتفع بالخير بطريق الأولى .
و قد ثبت
في الصحيح : " أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال :
إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " فالله تعالى أحكم و أعدل من أن يوصل عقوبة
المعصية إليه و يحجب عنه المثوبة . و الله تعالى أعلم .
فصل : في استحباب القراءة عند القبر و ما ورد
فيها
تستحب
القراءة عند القبر ، لأنه قد صح ، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه أوصى إذا دفن
، أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة و خاتمتها .
و المشهور
عن الإمام أحمد ، أن القراءة في المقبرة و عند القبر لا تكره ،
اختاره أبو بكر عبد العزيز ، و القاضي ، و جماعة من أصحابنا ، ذكره بعض أصحابنا ،
و عليه عمل الناس في زمننا هذا .
قال
في المستوعب : و لا تكره القراءة على القبر . و كان أحمد
رحمه الله يكرهما ، ثم رجع رجوعاً أبان به عن نفسه ، و قال : يقرأ، بعد أن
نهى عن ذلك . و من أصحابنا من يتمسك بكراهته أولاً ، و يجعل المسألة على روايتين .
ثم قال بعد ذلك : فإن أهدي إليه الثواب نفعه ، انتهى كلامه .
و هذا مذهب
الحنفية ، لكن اختلف أصحابهم هل تستحب القراءة أم تباح ؟ وجهان لهم .
و روي
عن الإمام أحمد أن القراءة لا تكره حال الدفن دون غيره .
و روي عنه
الكراهة مطلقاً ، اختارها الإمام عبد
الوراق و
أبو حفص العكبري .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الكراهة نقلها الجماعة عن الإمام أحمد
و هي قول جمهور السلف ، و عليها قدماء أصحابه كالمروزي
و غيره .
و قال ابن عقيل
و ابن المنجا ـ تعليلاً لرواية الكراهة ـ بأنها مدفن النجاسة
كالحش و نحوه . انتهى كلامهما .
و ذكر بعض
أصحابنا ، عن الخلال ، أنه قال : المذهب رواية واحدة ، أن القراءة عند القبر لا
تكره . انتهى .
لكن
القراءة على القبر ، ليست من فعل النبي صلى الله عليه و سلم و لا أصحابه ، و الله
أعلم .
فصل ـ فيما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل في
استحباب الدعاء للميت عقب دفنه
نص الإمام أحمد
، على أنه يستحب الدعاء للميت عقب دفنه . ثم قال أحمد :
قد فعله علي بن أبي طالب ، و الأحنف بن
قيس ، و يروى " عن عثمان بن عفان ، أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه و
سلم ، إذا فرغ من دفن الميت ، وقف عليه و قال : استغفروا لأخيكم ، و سلوا له
التثبيت ، فإنه الآن يسأل " . رواه
أبو داود .
و روى الطبراني
" من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رسول الله صلى الله
عليه و سلم يقف على القبر ، بعد ما يسوى عليه التراب ، فيقول : اللهم نزل بك
صاحبنا ، و خلف الدنيا خلف ظهره ، اللهم ثبت عندالمسألة منطقة . و لا تبتله في
قبره بما لا طاقة له به "
و يروى أن
علياً ـ رضي الله عنه ـ كان يقول ـ إذا سوي على الميت التراب ، عند شفير القبر ،
بعد ما يدفن ـ : اللهم عبدك و ولد عبدك ، نزل بك ، و أنت خير منزول به ، اللهم
أوسع له مدخله ، و اغفر له ذنبه ، فإنا لا نعلم إلا خيراً ، و أنت أعلم به .
رواه حرب الكرماني في
مسائله .
و كان أنس ـ
رضي الله عنه ـ إذا سوى على الميت قبره ، قام عليه ، فقال : اللهم ، عبدك نزل بك ،
فارأف به و ارحمه ، اللهم ، جاف الأرض عن جنبيه ، و افتح أبواب السماء لروحه ، و
تقبل منه بقبول حسن ، اللهم ، إن كان محسناً فضاعف له الحسنات ، أو قال : ـ فزد له
في إحسانه ـ و إن كان مسيئاً فتجاوز عنه . رواه
الإمام أحمد ، و الطبراني
، و غيرهما .
و ذهب الشافعي
أيضاً إلى استحباب الدعاء عقب الدفن .
و قال أكثر
المفسرين ، في قوله عز و جل ، في حق المنافقين : " و لا تقم على قبره "
: معناه بالدعاء و الاستغفار بعد الفراغ من دفنه ، و كذلك ذكر جماعة من المفسرين :
لما هم النبي صلى الله عليه و سلم بالاستغفار لعمه أبي طالب لما مات ، و هم بعض
الصحابة بالاستغفار لأبويه ، أنزل الله تعالى : " ما كان للنبي و الذين آمنوا
أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى " الآية ، فلولا أن ذلك نافع
للمؤمنين كما تقدم ، لم يكن لذلك معنى ، بل لما نهى عنه المشركين ، دل على وقوعه
للمؤمنين و نفعه لهم .
و قال محمد بن حبيب التمار : كنت مع
أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي ،
و قمنا ناحية ، فلما فرغ الناس من دفنه جئنا إلى القبر ، فجلس و وضع يده على القبر
و قال : اللهم ، إنك قلت في كتابك : " فأما إن كان من المقربين " فقرأ
إلى آخر السورة ، اللهم ، و إنا نشهد أن هذا فلان بن فلان ما كذب بك ، و لقد كان
يؤمن بك و برسولك ، اللهم ، فاقبل شهادتنا له ، و دعا له ، ثم انصرف .
فصل ـ هل يصح إهداء ثواب نوافل العبادات للمسلم
الحي ؟
و هذه
مسألة لا تكاد تظفر بها في كتاب مشهور ، لغرابتها ، فذكر ابن تميم
في كتابه ، فذكر وصول الثواب إلى الميت ، قال : و في الحي وجهان .
و ذكر لي
بعض فضلاء الحنفية ، أن وصول القرب إلى الحي مذهبهم ، و الدليل على الوصول قوله
تعالى : " فاعف عنهم و استغفر لهم " ، " و أيضاً فإن الرسول صلى
الله عليه و سلم و المسلمون ، مازال يدعو بعضهم لبعض عموماً و خصوصاً ، لأحيائهم و
أمواتهم ، من غير نكير ، و لأنه مشروع في دعاء الميت إلى يوم القيامة في قوله :
اللهم اغفر لحينا و ميتنا " .
قال القاضي أبو يعلى : و ليس يعرف عن الإمام أحمد
رواية في الفرق بين الحي و الميت ، بل ظاهر قوله يعمهما ، و قد دل عليه
الكتاب و السنة في الدعاء و الاستغفار للتساوي فلا فرق .
و قال
الشيخ شمس الدين بن عبد القوي في
مجمع البحرين : هذا ليس له نكير ،
فهو إجماع ، و لا شبهة لمن قال بعدم الجواز . انتهى كلامه .
و قال ابن عقيل
في المفردات : إن القراءة و نحوها لا تصل إلى الحي ، فإنه
يفتح مفسدة عظيمة ، فإن الأغنياء يتكلمون عن الأعمال ببذل الأموال التي تسهل لمن
ينوب عنهم ، فيفوتهم أسباب الثواب بالاتكال على الثواب ، و تخرج أعمال الطاعات عن
بابها إلى المعاوضات . انتهى كلامه .
فلو قال
قائل : نحن نلتزم ذلك ، لوروده في الكتاب و السنة ؟
و نقول :
ذلك فضل الله ، يؤتيه من يشاء ، و الله ذو الفضل العظيم .
الباب الرابع و العشرون
: في ذكر عمارة القبور
و قد اشتغل
بعض أهل زماننا ، ممن أصيب بموت أقاربه ، ببناء قبورهم و تبليطها و تجصيصها ، و
بناء التربة المحتوية على القبور و تحسينها و تزويقها و يزرعونها أنواع الرياحين ،
و يصعدون إليها في الغالب كل خميس بالأهل و الأقارب و ملاذ الأطعمة و أنواعها ، و
يظنون أن ذلك قربة و طاعة إلى الله عزو جل ، و ربما يقولون : في هذه الأمور تسلية
لنا عن الموتى . و ما علموا أن هذه الأمور من البدع المكروهة المنهي عنها ، و أن
من البدع تعظيم القبور و تبليطها و تجصيصها ، و بناء القباب عليها ، كل هذا من
البدع الذي كرهه السلف و العلماء ، و هو
مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و قد
روى أبو داود و
الترمذي " من حديث جابر : أن
النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يجصص القبر ، و أن يبنى عليه " زاد
الترمذي : و أن يكتب عليه و أن يوطأ . و حسنه و صححه . و لفظ أبو داود
و أن يقعد عليه .
و قد بعث النبي علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه
ـ أن لا يدع تمثالاً إلا طمسه ، و لا قبراً مشرفاً إلا سواه .
و عن الهياج الأسدي
، قال : قال لي علي : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه
و سلم ؟ اذهب ، فلا تدع تمثالاً إلا طمسته ، و لا قبراً مشرفاً إلا سويته .
رواه أبو داود و
الترمذي .
فالسنة
تسوية هذه القبور المشرفة المحجرة المطينة المجصصة .
و كذلك ، نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن
يكتب عليه ، و نهى عن اتخاذها مساجد ، و إيقاد السرج عليها ، و اشتد نهيه صلى الله
عليه و سلم حتى لعن فاعل ذلك ، و نهى عن الصلاة إلى القبور ، حتى نهى أمته أن
يتخذوا قبره مسجداً أو عيداً .
و كان رسول
الله صلى الله عليه و سلم يعظ الناس عند القبور ، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري
و مسلم " من حديث علي ـ رضي الله عنه ـ قال : كنا
في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فجلس و جلسنا
حوله ، و معه مخصرة ، فنكس ، و جعل ينكت بمخصرته ، و قال : ما منكم من أحد إلا قد
كتب مقعده من النار و مقعده من الجنة فقالوا : يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا
؟ فقال : اعملوا و سددوا و قاربوا ، و كل ميسر لما خلق له ، أما من كان من أهل
السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ، و أما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل
الشقاوة ثم قرأ الآية : " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره
لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى " " .
" و
في الصحيح أيضاً : أنه كان يقف عند الدفن و يقول :
استغفروا لأخيكم ، و اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " .
فصل ـ في أن العمارة ليست من الظاهر بل عمارة
الأحياء و الأموات في الباطن
و ليعلم ،
أن عمارة الأحياء و الأموات ليست من خارج ، " فإن النبي صلى الله عليه و سلم
قال : إن الله لا ينظر إلى صوركم ، و لا إلى أجسامكم ، و لكن ينظر إلى قلوبكم
" فعمارة القلب هي العمارة النافعة ، و الميت في قبره كذلك ، ليست بزخرفة
القبر و لا التربة و لا تزويقها ، و إنما العمارة بالصدقة عن ساكنها و أفعال القرب
عنه ، و قد تقدم هذا في الباب الذي قبله .
أما علم ،
أن القبر الذي يزخرف ظاهره ، فإن باطنه مظلم ضيق ، و قد طرح فيه ، من هو أحب
أقاربه إليه فريداً و حيداً ، مستوحشاً من غير و سادة و لا تمهيد ، و قد باشر
الثرى و واجه البلى ، و ترك دنياه بالورى ، و نبذ منها ما كان بيده بالعرا ، مع
حبيب تركه ، و قرين أسلمه ، فكل ما ذكرته لك يا أخي يفطم النفوس عن الشهوات ، و
تعلم أن عمارة البواطن أولى من عمارة الظواهر ، و هي العمارة النافعة في يوم
القارعة .
فإذا بحثت
عن الحقيقة ، و نظرت بعين البصيرة ، علمت أنك عن قريب صائر إلى ما صار إليه ، و
قادم على ما قدم عليه ، فإن العبد بينما هو يمرح في أمنيته ، غافلاً عن يوم مصرعه
، إذ هجمت عليه المنية ، فهتكت أستاره ، و كسفت أنواره ، و طمست أعلامه و آثاره ،
فأخرجته من قصر مشيد و بيت حميد ، مزخرف نضيد ، إلى حفرة من الأرض ، كحفرة أخيه أو
ولده أو غيرهما ، مظلمة ضيقة الجوانب ، مملوءة من الرعب و الفزع ، فإما هي روضة من
رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، أعاذنا الله منها .
قيل لبعض
الزهاد : ما أبلغ الموعظة ؟ قال : النظر في محلة الأموات .
فإذا كانت
القبور النظر إليها موعظة ، و هي أول منازل الآخرة ، و عبرة لأهل الدنيا ، فلا
ينبغي التزين و لا التزخرف ، و لا ما يفعله غالب الأغنياء من الأمراء و التجار ، و
غيرهم ، من ضرب الخام و الخيام و غيرهما في الترب ، و وضع البسط و الفرش تحت ذلك و
ينامون عليها ، و إخوانهم تحت ذلك ، على التراب في حفرة ضيقة مظلمة ، فأي موعظة
تعظ هؤلاء بموتاهم ؟ ! بل هذه غفلة ، نسأل الله تعالى السلامة منها .
فصل ـ في بكاء عثمان رضي الله عنه على القبور
" و
كان عثمان رضي الله عنه ـ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ، فقيل له : تذكر
الجنة و النار و لا تبكي ، و تبكي من هذا ؟ ! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه و
سلم ، قال : إن القبر أول منازل الآخرة ، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه ، و إن لم
ينج منه فما بعده أشد منه " .
" و
روى الترمذي في
جامعه أن النبي صلى الله عليه و
سلم ، قال : ما رأيت منظراً إلا و القبر أفظع منه "
و روى الترمذي
أيضاً ، " من حديث أبي سعيد
الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : دخل رسول
الله صلى الله عليه و سلم مصلاه ، فرأى ناساً كأنهم يكتشرون ، فقال : أما إنكم لو
أكثرتم ذكر هاذم اللذات ـ يعني الموت ـ لشغلكم عما أرى ، فأكثروا ذكر هاذم اللذات
: الموت ، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه ، فيقول : أنا بيت الغربة ، و
أنا بيت الوحدة ، و أنا بيت التراب ، و أنا بيت الدود ، فإذا دفن العبد المؤمن قال
له القبر : مرحباً و أهلاً ، أما إن كنت لأحب من مشى على ظهري إلي ، فإذا و ليتك
اليوم و صرت إلي ، فسترى صنيعي بك ، فيتسع له مد بصره ، و يفتح له باب إلى الجنة ،
و إذا دفن العبد الفاجر أو الكافر ، قال له القبر : لا مرحباً و لا أهلاً ، أما إن
كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي ، فإذا وليتك اليوم ، فسترى صنيعي بك ، فيلتئم
عليه حتى يلتقي عليه و تختلف أضلاعه ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بأصابعه
فأدخل بعضها في بعض ، قال : و يقيض له سبعون تنيناً ، لو أن واحداً منها نفخ في
الأرض ، ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا ، فينهشنه و يخدشنه ، حتى يفضى به إلى
الحساب " .
" قال
رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنما القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر
النار " .
و روى الحاكم
في كتاب الكنى ، و
القاسم بن أصبغ ، " من حديث
أبي الحجاج الثمالي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يقول القبر للميت
إذا وضع فيه : ويحك يا ابن آدم ! ما غرك بي ؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة ، و بيت الظلمة
، و بيت الوحدة ، و بيت الدود ؟ ما غرك بي يا ابن آدم ؟ ! فإن كان مصلحاً ، أجاب
عنه مجيب القبر : فيقول : أ رأيت إن كان يأمر بالمعروف ، و ينهى عن المنكر ؟ فيقول
القبر : إني أعود عليه خضراً و يعود جسمه نوراً ، و تصعد روحه إلى رب العالمين
" .
و قال مجاهد
: أول ما يكلم ابن آدم حفرته ، تقول أنا بيت الدود ، و بيت الوحدة ، و بيت
الوحشة ، و بيت الظلمة ، و بيت الغربة ! هذا ما أعددت لك يا ابن آدم فما أعددت لي
؟ !
و قال أبو الدرداء
ـ رضي الله عنه ـ : ألا أخبركم بيوم فقري ؟ يوم أدخل قبري !
و كان جعفر الصادق ـ رضي الله عنه ـ يأتي القبور ليلاً ، و يقول :
يا أهل القبور ، ما لي إذا دعوتكم لا تجيبون ؟ ثم يقول : حيل و الله بينهم و بين
الجواب ، و كأني أكون مثلهم ، و أدخل في جملتهم . ثم يستقبل القبلة حتى طلوع الفجر
.
و قال عمر
بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ لبعض جلسائه : يا فلان ، لقد أرقت البارحة
تفكيراً بالقبر و ساكنه ، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث ليال في قبره ، لاستوحشت منه
بعد طول الأنس به ، و لرأيت بيتاً تجول الهوام فيه ، و يجري فيه الصديد ، و تخرقه
الديدان ، مع تغير الريح و تقطع الأكفان ، و كان ذلك بعد حسن الهيئة و طيب الريح ،
و نقاء الثوب . ثم شهق شهقة خر مغشياً عليه .
و قال بعض
الحكماء : أربعة أبحر لأربع : الموت بحر الحياة ، و النفس بحر الشهوات ، و القبر
بحر الندامات ، و عفو الله بحر الخطيئات ، فنسأل الله العظيم أن يجعل الله القبر
خير بيت نعمره و نسكنه !
فصل ـ في عدم استطاعة
التمييز بين السعيد و الشقي في القبر
و اعلم ،
أنه لو دخل شخص إلى المقابر المزخرفة ، ليميز السعيد من الشقي ، ما علم هذا من هذا
، و ما يعلمه إلا علام الغيوب ، بل قد يكون قبراً من القبور قد درست أعلامه ، و قد
بقي ممشى للدولاب ، و صاحبه في أعلى الجنان ، و قد يكون قبراً مزخرفاً ، و قد عليت
عليه القباب و البشخانات الحرير ، و صاحبه في نار جهنم ، بل نقول : لو دخل الشيخ
المقابر ، لم يميز قبر الذكر من الأنثى ، و لا الشيخ من الشاب ، و لا الحر من
العبد ، فإذا كان هذا التمييز الذي يمكن الشخص العاقل أن يميز بين هؤلاء في الحياة
الدنيا ، قد أبهم علينا بعد الموت ، فكيف نميز السعيد من الشقي ؟ و يشبه هذا ما
روي ، أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها عدة ملوك ، و بادوا ، فقال الإسكندر : هل
بقي من نسل أولئك الملوك ، أحد ؟ فقيل : ما بقي منهم إلا رجل واحد يأوي المقابر ،
فدعا به ، فلما أحضره قال له : ما حملك على لزوم المقابر ؟ قال : أردت أن أميز
عظام الملوك من عظام عبيدهم ، فوجدت الكل سواء . قال له الإسكندر : هل لك أن
تتبعني ، فأجيز لك بشرف آبائك ، إن كانت لك همة عظيمة ؟ فقال : إن لي همة عظيمة
بشرط : إن كانت بغيتي عندك تبعتك . قال : و ما بغيتك ؟ قال : حياة لا موت فيها ، و
شباب ليس معه هرم ، و غنى ليس معه فقر ، و سرور ليس معه حزن . قال الإسكندر : ليس
ذلك عندي و لا بيدي ، فقال : أي خير أرجوه عندك ، إن لم يكن عندك هذه الأشياء ؟
فامض لشأنك ، و دعني أطلب ذلك ممن يملكه ، و هو عنده . ثم عاد إلى مكانه ، و لم
يلتف إلى الإسكندر .
كان عطاء السليمي
ـ رحمه الله ـ إذا جن الليل خرج إلى المقابر ، فيقول : يا أهل القبور ، متم
، فوا موتاه ، و عانيتم أعمالكم ، فوا عملاه ، ثم يقول : غداً يكون عطاء في القبور
، فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح .
و قال سفيان الثوري
: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ، و من غفل عن ذكره وجده
حفرة من حفر النار .
و مر علي
بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بالمقابر ، فوقف عليها قليلاً ، فقال : السلام عليكم
أهل الديار الموحشة ، و المحال المقفرة ، أنتم لنا سلف ، و نحن لكم تبع ، و بكم
عما قليل لاحقون ، اللهم اغفر لنا و لهم ،
و تجاوز عنا وعنهم ، طوبى لمن ذكر المعاد ، للحساب ، و قنع بالكفاف ، و رضي في
جميع أحواله عن الله تعالى . ثم قال : يا
أهل القبور ، أما الزوجات فقد نكحت ، و أما الديار فقد سكنت ، و أما الأموال فقد
قسمت ، هذا خبر ما عندك ، فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال : أما إنهم
لو تكلموا لقالوا : وجدنا خير الزاد التقوى .
و يروى ،
أن رجلاً دخل على عمر بن عبد العزيز ـ رحهم الله ـ فرآه قد تغير من كثرة العبادة ،
فجعل يتعجب من تغير لونه و استحالة صفته ، فقال : له عمر : يا ابن أخي ، و ما تعجبك مني ؟ ! فكيف لو رأيتني بعد دخول
قبري بثلاث ؟ و قد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين ، و تقطعت الشفتان ، و تقلصت
عن الأسنان ، و خرج الصديد و الدود من المنخرين و الفم ، و انتفخ البطن فعلا على
الصدر ، لو رأيت ذاك مني فهو أعجب مما رأيته الآن .
و اعلم ـ
رحمك الله ـ أنه من علم مصيره إلى هذه الحفرة المظلمة الموحشة ، لم يبالغ في تحسين
ظاهرها ، مع علمه بما يؤول صاحبها ، إليه ، مع ترافةجسمه و حسن منظره ، و لين بدنه
،فإنه عن قريب سيطرح في حفرة تتقطع فيها أوصاله ، و تتغير فيها أحواله ، ثم ينتن
بعد ذلك ، و يفر من رائحته من كان عنده من أحب الناس إليه إذا اطلع عليها .
فإذا نظر
العبد بعين بصره و بصيرته ، إلى قبور المترفين من أهل الدنيا ، رأى كأنهم لم
يشاركوا أهل الدنيا أبداً في لذاتهم و طيب عيشهم ، هم و الله صرعى ، قد حلت بهم المثلات
، و استحكم فيهم البلاء ، و أصابت الهوام ، في أجسادهم ، فأطيبهم و أنعهم من قد
أمن من عذاب الله عز و جل .
قال ثابت البناني
: دخلت المقابر ، فلما أردت الخروج منها ، إذا أنا بصوت يقول : يا ثابت ،
لا يغرنك صموت أهلها ، فكم من نفس معذبة فيها ! !
الباب الخامس و العشرون : في أن الله يثبت الذين
آمنوا عند المسألة
قال الله
تعالى : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة
" . قال أكثر المفسرين : هي كلمة التوحيد ، و هي قول : لا إله إلا الله في
الحياة الدنيا ـ يعني قبل الموت ـ و في الآخرة يعني في القبر ـ . و ذهب بعض
المفسرين إلى أن قال : في الحياة الدنيا في القبر عند السؤال ، و في الآخرة : عند
البعث ، و الأول أصح .
" عن
البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ
أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : المسلم إذا سأل في قبره ، فشهد أن لا إله
إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، فذلك قوله تعالى : " يثبت الله الذين
آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة " و في لفظ : نزلت في عذاب
القبر . يقال له : من ربك ؟ فيقول ربي الله و نبيي محمد ، و ذلك قول الله : "
يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت
" الآية " . رواه البخاري و
مسلم ، و رواه أحمد
مطولاً ، و أهل السنن والمسانيد .
و راه
الإمام أبو داود في سننه
بأتم من هذا ، " من حديث
البراء أيضاً ، و لفظه : قال :
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى
القبر ولم يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم و جلسنا حوله ، كأنما على
رؤوسنا الطير ، و في يده عود ينكت به الأرض ، فرفع رأسه و قال : استعيذوا بالله
القبر ، مرتين أو ثلاثاً . و ذكر صفة قبض الروح و عروجها إلى السماء ، ثم عودها
إليه ، إلى أن قال : و إنه ليسمع خفق نعالهم ـ إذا ولو مدبرين ـ حين يقال له : يا
هذا ، من ربك ؟ و ما دينك ؟ و من نبيك ؟ و
في لفظ فيأتيه ملكان ، فيجلسانه و يقولان
له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟
قال : فيقول : هو رسول الله ، فيقولان : و ما يدريك ؟ فيقول : قرأت كتاب صلى الله
عليه و سلم و آمنت به و صدقت ؟ فذلك قوله : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول
الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة " قال : فينادي مناد من السماء : أن صدق
عبدي ، فأفرشوه من الجنة ، و ألبسوه من الجنة ، و افتحوا له باباً إلى الجنة . قال
: فيأتيه من روحها و طيبها . قال : و يفسح له مد بصره . قال : و إن الكافر ، فذكر
موته ، قال : و تعاد روحه إلى جسده ، فيأتيه ملكان ، فيجلسانه و يقولان له : من
ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري ! فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري !
فينادي مناد من السماء : أن كذب عبدي ، فأفرشوه من النار ، و ألبسوه من النار ، و
افتحوا له باباً إلى النار ، فيأتيه من حرها و سمومها . قال : و يضيق عليه قبره ،
حتى تختلف عليه أضلاعه ، قال : ثم يقيض له أعمى أبكم ، معه مرزبة من حديد ، لو ضرب
بها جبل لصار تراباً ، قال : فيضربه بها ضربة يسمعها بين المشرق و المغرب إلا
الثقلين ، فيصير تراباً ، ثم تعاد فيه الروح " . ورواه الطبراني
بأتم من هذا .
فقد اشتمل هذا الحديث على فوائد ، منها :
التثبيت لأهل الإسلام و الإيمان الذين آمنوا بالله ، و ما جاء من عند الله ، و
صدقوا به ، و آمنوا برسوله و اتبعوه ، و منها الإيمان بعذاب القبر ، و إعادة الروح
إلى الجسد ، و غير ذلك من الأمور التي لا تحضرني كما سأذكره مفصلاً بعد إن شاء
الله .
" وعن
أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال
: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن العبد إذا وضع في قبره ، و تولى عند
أصحابه ، إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا ، قال : يأتيه ملكان فيقعدانه ،
فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله و
رسوله ، قال : فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من
الجنة . قال : نبي الله صلى الله عليه و سلم : فيراهما جميعاً ، و ذكر لنا ، أنه
يفسح له في قبره سبعون ذراعاً ، يملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون . و أما المنافق
أو الكافر ، فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما تقول الناس فيه ! فقال : لا دريت و لا
تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه ، فيصيح صيحة ، يسمعها من يليه إلا
الثقلين " . رواه البخاري و
مسلم .
و قد روي
من حديث البراء و حديث
أنس ، في قبض الروح و المسألة ، و
نعيم صاحب القبر و عذابه ، عن أبي هريرة ،
و حذيفة ابن اليمان ، و غيرهما .
فرواه الإمام أحمد
في مسنده ، و
ابن حبان في صحيحه
" من حديث أبي هريرة ، و لفظه : أن لنبي صلى الله عليه و سلم ، قال :
إن الميت إذا وضع في قبره ، إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه ، فإن كان مؤمناً
، كانت الصلاة عند رأسه ، و كان الصيام عن يمينه ، و كانت الزكاة عن شماله ، و كان
فعل الخيرات و الصدقة و الصلة و المعروف و الإحسان عند رجليه ، فيأتيان من قبل
رأسه ، فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام : ما قبلي
مدخل ، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى من قبل شماله ،
فتقول الزكاة : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتى من قبل رجليه ، فيقول فعل الخيرات من
الصدقة و الصلة و المعروف و الإحسان : ما قبلي مدخل ، فيقال اجلس ، فيجلس ، قد مثلت له الشمس قد أضاءت الغروب ،
فيقال له : هذا الرجل الذي كان فيكم ، ما تقول فيه ؟ و ماذا تشهد به عليه ؟ فيقول
دعوني حتى أصلي : فيقال : إنك ستصلي ، أخبرنا عما نسألك عنه ، أرايت هذا الرجل
الذي كان فيكم ، ما تقول فيه ؟ و ما تشهد به عليه ؟ قال : فيقول : محمد ، أشهد أنه
رسول الله ، جاء بالحق من عند الله ، فيقال له : على ذلك حييت ، و على ذلك تموت ،
و على ذلك تبعث إن شاء الله ، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة ، فيقال له هذا مقعدك
و ما أعد الله لك فيها ، فيزداد غبطة و سرور اً ، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً
، و ينور له فيه ، و يعاد الجسد لما بدأ منه ، فيجعل نسمة في النسيم الطيب ، و هو
طير يعلق من شجر الجنة ، قال : فذلك قوله تعالى : " يثبت الله الذين آمنوا
بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة " . و ذكر في الكافر ضد ذلك ،
إلى أن قال : يضيق عليه قبره ، إلى أن تختلف أضلاعه ، فتلك المعيشة الضنك التي قال
الله تعالى : " فإن له معيشة ضنكاً و نحشره يوم القيامة أعمى " " و
هذا مختصر من الحديث .
و
رواه مسلم في
صحيحه ، " من حديث أبي هريرة
أيضاً ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : إذا خرجت روح المؤمن ، تلقاها
ملكان يصعدانها ـ فذكر من ريح طيبها ، و ذكر المسك ـ قال : فيقول أهل السماء : روح
طيبة جاءت من قبل الأرض ، صلى الله عليك و على جسد كنت تعمرينه ، فينطلق به إلى
ربه ، ثم يقول : انطلقوا به إلى آخر الأجل ، قال : و إن الكافر ، إذا خرجت روحه ،
و ذكر من نتنها و ذكر اللعن ، فيقول أهل السماء : روح جاءت من قبل الأرض ، فيقال
انطلقوا به إلى آخر الأجل ، قال أبو هريرة : فرد رسول الله صلى الله عليه و سلم
ريطة كانت عليه على أنفه هكذا " . و " في رواية أخرى : فيقول عبدك فلان
ـ يعني المؤمن ـ فيقول أرجعوه ، فإني منها خلقتهم ، و فيها أعيدهم ، و منها أخرجهم
تارة أخرى . قال : فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه ، فيأتيه آت ، و في لفظ
فيأتيه ملكان أسودان أزرقان ، يقال لأحدهما المنكر ، و للآخر : النكير ، ففي الترمذي
: فيقولان ، و في غيره : فيقول من ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ فيقول : ربي
الله . و ديني الإسلام ، و نبيي محمد صلى الله عليه و سلم ، فينتهره ، فيقول : من
ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ و هي آخر فتنة تعرض على المؤمن ، فذلك حين يقول :
" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " الآية ، فيقول كما قال ، فيقول
له : صدقت ، ثم يأتيه آت حسن الوجه ، طيب الريح ، حسن الثياب ، فيقول : أبشر
بكرامة من الله و نعيم مقيم ، فيقول : و أنت فبشرك الله بخير ، من أنت ؟ فيقول أنا
عملك الصالح ، كنت و الله سريعاً في طاعة الله ، بطيئاً عن معصية الله ، فجزاك
الله خيراً ، ثم يفتح له باب من الجنة و باب من النار ، فيقول : هذا منزلك ، لو
عصيت الله ، أبدلك به هذا ، فإذا رأى ما في الجنة قال : رب عجل قيام الساعة كيما
أرجع إلى أهلي و مالي ، فيقول له : اسكن ، و في لفظ : فيقال له : نم كنومة العروس
الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، حتى يبعثه الله من مضجعه . و إن الكافر ، إذا
كان في انقطاع من الدنيا ، و إقبال من الآخرة ، نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد ،
فانتزعوا روحه ، كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل ، و ينزع نفسه مع
العروق ، فيلعنه كل ملك بين السماء و الأرض ، و كل ملك في السماء ، و تغلق أبواب
السماء ، ليس من أهل باب إلا و هم يدعون الله أن لا يعرج بروحه من قبلهم ، فإذا
عرج بروحه قالوا : رب ، فلان عبدك ، قال : أرجعوه ، فإني عهدت إليهم ، أني منها
خلقتهم ، و فيها أعيدهم ، و منها أخرجهم تارة أخرى ، فإنه ليسمع خق نعال أصحابه ،
إذا ولوا عنه ، قال : فيأتيه آت ، فيقول : ما دينك ؟ فيقول : لا أدري ! فيقال : لا
دريت و لا تليت ، فيأتيه آت قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح ، فيقول : أبشر
بهوان من الله و عذاب مقيم ، فيقول : و أنت بشرك الله بالشر ، من أنت ؟ فيقول :
أنا عملك الخبيث ، كنت بطيئاً عن طاعة الله ، سريعاً في معصية الله ، فجزاك الله
شراً ، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم ، في يده مرزبة ، لو ضرب بها جبل كان تراباً ،
فيضربه ضربة فيصير تراباً ، ثم يعيده الله كما كان ، فيضربه ضربة أخرى ، فيصيح
صيحة ، يسمعه كل شيء إلا الثقلين ، قال
البراء : ثم يفتح له باب من النار
، ويمهد له له من فرش النار " . و رواه
الإمام أحمد .
و روى أحمد ،
و الحافظ ابن منده ، بإسناد حسن ، " من حديث البراء
أيضاً ، بأتم ما تقدم من حديث أبي هريرة و
البراء ، قال : خرجنا مع رسول الله
صلى الله عليه و سلم في جنازة ، فانتهينا إلى القبر ، فجلس فجلسنا ، كأن على
أكتافنا فلق الصخر ، و على رؤوسنا الطير ، فأرم قليلاً ـ و الإرمام السكوت ـ فلما
رفع رأسه قال : إن المؤمن ، إذا كان في قبل من الآخرة ، و دبر من الدنيا ، و حضره
ملك الموت ، فجلس عند رأسه ، و نزلت عليه ملائكة معهم كفن من الجنة ، و حنوط من
الجنة ، فجلسوا منه مد الصبر ، ثم يقول ـ يعني ملك الموت ـ : اخرجي أيتها النفس
الطيبة ـ و في رواية أيتها النفس المطمئنة ـ إلى مغفرة من الله و رضوان ، قال :
فتخرج نفسه ، كما تسيل القطرة من في السقاء ، فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين
السماء و الأرض إلا الثقلين ، فيأخذها و في رواية ، فإذا أخذها ـ يعني ملك الموت ـ
لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن و ذلك الحنوط ، و يخرج منها
كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ، قال : فيصعدون بها إلى السماء ، فيفتح له
السماء ، و يشيعه مقربوها إلى السماء الثانية ، و في لفظ : فلا يمرون منها على ملأ
من الملائكة ، إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون: فلان بن فلان ، بأحسن
أسمائه التي يسمونه بها في الدنيا ، فيشيعه من كل سماء مقروبها ، حتى ينتهي به إلى
السماء السابعة ، إلى العرش ، فإذا انتهى إلى العرش ، قال الله عز و جل : اكتبوا
كتاب عبدي في عليين ، و أعيدوه إلى الأرض ، و في لفظ ـ إلى مضجعه ـ فإني وعدتهم ،
أني منها خلقتهم ، و فيها أعيدهم ، و منها أخرجهم تارة أخرى ، فتعاد روحه إلى جسده
، فيأتيه منكر و نكير ، يثيران الأرض بأنيابهما ،
و يفحصان الأرض بأشفارهما ، فيجلسانه ثم يقال له : يا هذا ، من ربك ؟ فيقول
: ربي الله ، فيقولان : صدقت ، ثم يقال له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ،
فيقولان : صدقت ، ثم يقال : من نبيك ؟ فيقول : محمد رسول الله : فيقولان : صدقت ،
ثم يفسح له في قبره مد بصره ، و يأتيه رجل حسن الوجه ، طيب الريح ، حسن الثياب ،
فيقول : جزاك الله خيراً ، و في لفظ فيقول : أبشر بالذي يسرك ، هذا يومك الذي كنت
توعد ، فيقول : من أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير ، فيقول : أنا عملك الصالح
، فيقول : رب أقم الساعة ، حتى أرجع إلى أهلي و مالي ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ،
فينظر إلى مقعده و منزله منها ، حتى تقوم الساعة ، و إن العبد الكافر ، إذا كان في
دبر من الدنيا و قبل من الآخرة ، و حضره الموت ، نزلت عليه من السماء ملائكة ، و
معهم كفن من نار ، و في لفظ ملائكة سود الوجوه معهم المسوح ، قال : فيجلسون منه مد
بصره ، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه ، فيقول : اخرجي أيتها النفس الخبيثة ، اخرجي
إلى غضب الله و سخطه ، فتتفرق روحه في جسده كراهية أن تخرج ، لما ترى و تعاين ،
فذكر خروجها كما تقدم ، و نتن ريحها ، و وضعها في تلك المسوح ، و لعن الملائكة لها
، و غلق أبواب السماء دونها ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا
تفتح لهم أبواب السماء و لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " ،
فيقول الله عز و جل : اكتبوا كتاب عبدي في سجين : في الأرض السفلى ، فتطرح روحه
طرحاً ، ثم قرأ : " ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي
به الريح في مكان سحيق " فيأتيه منكر و نكير ، يثيران الأرض بأنيابهما ، و
يفحصان الأرض بأشفارهما ، أصواتهما كالرعد القاصف ، و أبصارهما كالبرد الخاطف ،
فيجلسانه ، ثم يقولان : يا هذا ، من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، فينادى من جانب القبر
: لا دريت ، فيضربانه بمزربة من حديد ، لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل ، و
يضيق عليه قبره ، حتى تختلف أضلاعه ، فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك
. . . "
و ذكر تمام
الحديث كما تقدم .
و
رواه أبو داود أيضاً بطوله ، بنحو هذه الرواية ، و أبو حاتم
، و ابن حبان في
صحيحه ، و روى النسائي
، و ابن ماجة أوله ، و رواه
أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني
في صحيحه ، و أما
ابن منده ، فرواه في كتاب الإيمان
بطوله ، و قال : هذا إسناد متصل مشهور ، ولم أذكر سنده للاختلاف فيه .
قال أبو عوانة : قال
زاذان الكندي : سمعت البراء ، و قال غيره : لم يسمعه من البراء
، و الله أعلم .
و في صحيح البخاري
و مسلم ، " عن مالك عن نافع عن ابن عمر ـ رضي
الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أحدكم ، إذا مات ، عرض
عليه مقعده بالغداة و العشي ، إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، و إن كان من
أهل النار ، فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة "
. و رواه الإمام أحمد أيضاً في
مسنده .
فصل ـ في أن النار و الخضرة في القبر ليست
كمثلها في الدنيا
و ليعلم أن
النار و الخضرة التي ورد ذكرهما في القبر : كما تقدم ، ليست من نار الدنيا ، و لا
الخضرة زرع الدنيا ، و إنما هي من نار الآخرة ، و من خضرها ، و هما أبلغ و أشد من
نار الدنيا و خضرها ، فإن من قضى الله بعذابه ، فإنه يحمى عليه ذلك التراب ، و تلك
الحجارة التي فوقه و تحته ، أو اللبن ، حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا ، و لو
مسها أهل الدنيالم يحسوا بذلك ، ولم يروا إلا تراباً و حجارة و لبناً ، بل قد يدفن
شخصان : أحدهما إلى جانب صاحبه ، هذا في حفرة من حفر النار ، و هذا في روضة من
رياض الجنة ، لا حر هذا يصل إلى هذا ، و لا نعيم هذا يصل إلى هذا ، و قدرة الرب عز
وجل أوسع و أبلغ و أعجب من ذلك ، و كل ذلك حتى يحصل للمؤمنين اجتهاد و خوف من الله
تعالى ، و مراقبته في السر و العلانية ، فينتج من ذلك مضاعفة الأجر العظيم ، و
الثواب الجزيل ، لأن ما ذكرناه هو من الإيمان بالغيب ، و يعلم المؤمن أن أمامه
أهوال و عقبات ـ نسأل الله السلامة ـ و ما ذكرته ، و إن كان من المغيبات ، قد يطلع
الله بعض خلقه على ما يشاء من عجائب قدرته ، كما في الصحيح
" أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لولا أن لا تدافنوا ، لدعوت
الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع " . و في الصحيح
أيضاً : " أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبرين و قال : إنهما
ليعذبان و ما يعذبان في كبير . . . " الحديث المشهور .
قال
العلامة ابن القيم رحمه الله ـ في كتاب الروح
ـ : حدثني صاحبنا أبو عبد الله
محمد بن الوزير الحراني ، أنه خرج من داره
بعد العصر بآمد من بستان ، قال : فلما كان قبل غروب الشمس ، توسطت القبور ، فإذا
بقبر منها و هو جمرة من نار مثل كور الزجاج ، و الميت في وسطه فجعلت أمسح عيني و
أقول : أنا نائم أم يقظان ؟ ! ثم التفت ، فإذا سور المدينة ، قلت : و الله ما أنا
نائم ! ثم ذهبت إلى أهلي و أنا مدهوش فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل ، ثم دخلت
البلد ، فسألت عن صاحب ذلك القبر ، فقالوا رجل مكاس توفي ، فإذا به توفي ذلك اليوم
، انتهى ما ذكره .
و قد ذكر ابن أبي الدنيا في
كتاب القبور و كتاب
المنامات من هذا النوع شيئاً
كثيراً عن النبي صلى الله عليه و سلم و الصحابة و التابعين ، في الخير و الشر ،
فمن رام المطالعة فليطلب ذلك من موضعه .
ومما ذكر
مرفوعاً ، " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه و سلم : مررت ببدر ، فرأيت
رجلاً يخرج من الأرض ، فيضربه رجل بمقمع حتى يغيب في الأرض ، ثم يخرج ، فيفعل به
ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم
القيامة " .
فصل ـ في البرزح و البحث في ماهيته
قال الله
تعالى : " و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " فالبرزخ : اسم لما بين
الدنيا و الآخرة ، و هذه الآية دالة عليه ، و هذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا
و الآخرة ، و عذاب القبر و نعيمه : اسم لعذاب البرزخ و نعيمه ، فجعل الله سبحانه و
تعالى الدور ثلاثة : دار الدنيا ، و دار البرزخ ، و دار القرار ، و جعل لكل دار
أحكاماً تختص بها ، و ركب هذا الإنسان من بدن و نفس ، و جعل أحكام الدنيا على
الأبدان ، و الأرواح تبع لها ، و لهذا جعل
الله تعالى الأحكام الشرعية على ما يظهر من حركات الإنسان و الجوارح ، و إن كان في
النفس خلاف ما ظهر منها . و جعل أحكام البرزخ على الأرواح ، و الأبدان تبع لها ،
فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا في نعيمها و عذابها ، تبعت الأبدان
الأرواح في نعيمها و عذابها ، فالأرواح في البرزخ هي المباشرة للنعيم و العذاب ،
ثم يسري إلى أبدانها ، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري على أرواحها ،
فالأبدان في الدنيا ظاهرة ، و الأبدان خفية . و إذا أردت أن تعلم ذلك فخذ في نوم
الشخص في الدنيا ، فإنه ينعم في حال نومه أو يعذب ، فهو يجري على روحه أصلاً ، و
البدن تبع لها ، و قد يقوى التأثير في البدن حال النوم حتى يشاهد ، و هذا ـ و الله
أعلم ـ غالب الناس يشاهد هذا في منامه .
و لقد
أخبرني الشيخ نصير المقدسي ـ و كان من صلحاء أهل مدرسة شيخ الإسلام أبي
عمر ـ قال لي : ثلاث ليال ، أرى في النوم ، كأن أناساً يستعملونني بالفاعل ، و
أخلف منهم خوفاً شديداً ، فأعمل ، ثم أصبح في هذه الأيام و أنا تعبان في غاية
التعب ، ثم قال لي : انظر إلى يدي ، فنظرت ، و إذا بكفيه شلافيط كبار ، فكان ينزل
الفجر يقرئ الناس ، فامتنع في النزول في تلك الأيام ، ثم أني أرشدته إلى ذكر يقوله
عند النوم ، لعله أن يصرف عنه ما يجد ، و ربما قص علي منامات لبعض الناس ، يرى أنه
يأكل أو يشرب ، فيستيقظ و هو يجد أثر الطعام و الشراب في فيه ، و أعجب من ذلك أنك
ترى النائم يقوم في حال نومه ، و يبطش و يضرب في الهواء ، أو يدافع عن نفسه ، و
ربما صرخ بأعلى صوته ، كأنه يقظان ، و هو لا شعور له بشيء من ذلك ، لأن الروح
استعانت بالبدن ، و لو دخلت فيه لاستيقظ ، و إنما مثلت لك ذلك حتى تعلم صحة ما
ذكرته لك في أول هذا الفصل ، و الله أعلم .
فصل : في عرض أعمال الأحياء على أقاربهم الأموات
و ينبغي
للعبد ، إذا تفكر بعين بصيرته ، و علم ماله إلى هذه الحفرة ، و ما أعد له فيها ،
في العبادة ، و يكثر من الأعمال الصالحة ، و يعلم أن عمله يعرض على أقاربه من
الأموات ، كما ورد في الخبر ، " من حديث
أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال
: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم و عشائركم من
الأموات ، فإن كان خيراً استبشروا ، و إن كان غير ذلك ، قالوا : اللهم لا تمتهم
حتى تهديهم كما هديتنا " . رواه
الإمام أحمد في مسنده
.
و روى ابن أبي شيبة
بإسناده " عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى
الله عليه و سلم : لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم ، فإنها تعرض على أوليائكم من
أهل القبور " . فكان أبو الدرداء يقول : اللهم أعوذ بك أن أعمل عملاً أخزى به
عند عبد الله بن رواحة ، فنعوذ بالله من الافتضاح بين الأقارب الصلحاء أهل طاعة
الله تعالى ، ثم نعوذ بالله من الافتضاح غداً ، بين يدي أحكم الحاكمين ، على رؤوس
الخلائق ، بل نسأل الله تعالى التوفيق لما يحبه و يرضاه .
قال مجاهد
: إنه ليبشر المؤمن بصلاح ولده من بعده ، لتقر بذلك عينه .
فصل ـ في تلقين الصغار و ما قيل في التلقين
عموماً
و أما
تلقين الصغار ، فقد قال الإمام أبو عمر و
بن الصلاح : أما تلقين الطفل الرضيع ، فما
له مستند يعتمد عليه ، و لا نراه ، و الله أعلم .
و قال النووي
رحمه الله : الصواب أنه لا يلقن الصغير ، سواء كان رضيعاً أو أكبر منه ، ما
لم يبلغ ، إذ يصير مكلفاً ، و الله أعلم .
و قال العلامة موفق الدين في
المغنى : التلقين بعد الدفن لم أجد
فيه عن أحمد شيئاً ، و لا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما
رواه الأثرم ، قال : قلت لأبي عبد
الله ، فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت ،
يقف الرجل و يقول : يا فلان بن فلانة . . . الحديث المعروف . قال : ما رأيت أحداً
يفعل هذا إلا أهل الشام ، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك ، ثم قال بعد
كلام : و قال القاضي أبو الحطاب : يستحب ذلك . و رويا فيه ، " عن أبي
أمامة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا مات أحدكم ، فسويتم عليه التراب ،
فليقم أحدكم عند رأس قبره ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة ، فإنه يسمع و لا يجيب ،
ثم ليقل : يا فلان بن فلانة الثانية ، فيستوي قاعداً ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة
، فإنه يقول : أرشدنا يرحمك الله ، و لكن لا تسمعون ، فيقول : اذكر ما خرجت عليه
من الدنيا ، شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً عبده و رسوله ، و أنك رضيت
بالله رباً ، و بالإسلام ديناً ، و بمحمد نبياً ، و بالقرآن إماماً ، فإن منكراً و
نكيراً ، يتأخر كل واحد منهما فيقول : انطلق فما يقعدنا عند هذا و قد لقن حجته ؟ و
يكون الله حجيجه دونهما ، فقال رجل يا رسول الله ، فإن لم يعرف اسم أمه ؟ قال :
فلينسب إلى حواء " رواه ابن ماجة أيضاً في كتاب
ذكر الموت .
فصل ـ في حياة الميت في قبره و الخلاف في ذلك
و من غرائب
ما ذكره أبو محمد بن حزم في كتابه في
الملل و النحل . قال : و أما من ظن
أن الميت يحيا في قبره يوم القيامة فخطأ ، لأن الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك ،
و كان قد ذكر قبل ذلك قوله تعالى : " قالوا ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين
" و قوله تعالى : " كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ثم قال : و
لو كان الميت يحيا في قبره ، لكان تعالى أماتنا ثلاثاً ، و هذا باطل و خلاف القرآن
، إلا من أحياه الله آية لنبي من الأنبياء ، فصح بنص القرآن أن أرواح سائر من ذكرنا
لا ترجع إلى أجسادها إلا إلى أجل مسمى ـ و هو يوم القيامة ـ و أخبر يوم بدر ، إذ
خاطب الموتى ، أنهم قد سمعوا قوله قبل أن يكون لهم قبور ، و لم ينكر على الصحابة
قولهم قد جيفوا . و اعلم أنهم سامعون قوله مع ذلك ، فصح أن الخطاب و السماع
لأرواحهم بلا شك ، و أما الجسد فلا حس له . و قد قال تعالى " و ما أنت بمسمع
من في القبور " فنفى السمع عمن في القبور و هي أجساد ، و لم يات قط عن رسول
الله صلى الله عليه و سلم في ذلك خبر صحيح ، أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند
المسألة ، و لو صح ذلك عنه لقلنا به ، و إنما هذه رواية شاذة عن المنهال بن عمرو
وحده ، و ليس بالقوي ، تركه شعبة و غيره . و قال جماعة من الحفاظ : ما جازت
للمنهال شهادة في الإسلام قط. انتهى كلامه .
فهذا مضمون
ما ذكره . و من اطلع على ما قدمته من أحاديث ، و
آمن بها و صدقها ، فليحمد الله تعالى على التوفيق لذلك ، فإنه لو لم تكن
هذه الأحاديث ، كان إجماع الناس من أمة محمد صلى الله عليه و سلم على إعادة الروح
في الجسد لأجل المسألة ، فكيف و قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم ؟ ! بل قد
كفانا الرسول صلى الله عليه و سلم أمر هذه المسالة و أغنانا عن أقوال الناس ، حيث
صرح بإعادة الروح إليه ، و ما كان يليق
بأبي محمد بن حزم أن يجازف هذه
المجازفة ، و أن يقول القول بهذا الخطأ : فجوابه مردود بالنصوص الصريحة المتقدم
ذكرها ، و هو " قوله صلى الله عليه و سلم : فتعاد روحه في جسده " ، بل
لقد قيل : إن هذا إجماع الأمة على هذا ، و أنهم تلقوه بالقبول ، و أنهم مجمعون على
: من رد ذلك و أنكره ، إنه مخطىء ، و أن تصديق ذلك من الإيمان بالبعث . و لكن إن
أراد ابن حزم أن الميت لا يحيا في قبره الحياة المعهودة في الدنيا ، التي يقوم
فيها الروح بالبدن و تدبره و تصرفه ، و يحتاج معها إلى الطعام و الشراب و اللباس ،
فهذا صحيح ، يشهد العقل بصحة ذلك ، و إن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة ، بل
تعاد الروح إليه غير الإعادة المألوفة في الدنيا ، لأجل المسألة و الامتحان ، كما
وردت بذلك النصوص الصحيحة ، فهذا حق ، و نفيه خطأ بين ، بل نفيه باطل قادح فيمن
نفاه ، بل قد ورد في سنن أبي داود مرفوعاً " أن النبي صلى الله عليه و سلم
قال : ما من رجل يمر بقبر أخيه ، كان يعرفه في الدنيا ، فسلم إلا رد الله عليه
روحه حتى يرد عليه السلام " فهذه إعادة الروح إلى الجسد أيضاً غير الإعادة
المألوفة في الدنيا لأجل رد السلام ، بل لو سلم على الميت في الليل و النهار
مراراً عديدة ، عادت روحه لرد السلام و لا يلزم من ذلك أن يحيا الحياة المعروفة .
و قوله :
الحديث لا يصح ، لتفرد المنهال بن عمرو به ، فهذه مجازفة ، فإن ما قيل فيه ،
قال أحمد
تركه شعبة . هذا مضمون ما ذكره أبو
الفرج بن الجوزي في الكلام على الرجال ،
ولم يذكر أن أحداً رد شهادته ، و الحديث صحيح لا شك فيه ، و قد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير المنهال ، منهم عدي بن ثابت ، و محمد
بن عقبة ، و مجاهد ، و غيرهم
.
قال العلامة بن القيم ـ رحمه الله ـ : الروح لها بالبدن خمسة أنواع
من التعلق ، متغايرة الأحكام :
أحدهما :
تعلقها به في بطن الأم .
الثاني :
تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض .
الثالث :
تعلقها به في حال النوم ، فلها به تعلق من وجه و مفارقة من وجه .
الرابع :
تعلقها به في البرزخ ، فإنها و إن فارقته و تجردت عنه ، فإنها لم تفارقه فراقاً
كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه ، بل تعاد إليه وقت المسألة ، و ترد إليه
أيضاً وقت سلام المسلم ، و هذا الرد إعادة خاصة لا يوجب إعادة البدن قبل القيامة .
الخامس :
تعلقها به يوم بعث الأجساد . و هو أكمل تعلقها به ، و لا نسبة لما قبله من أنواع
التعلق البتة ، إذ هو تعلق لا يقبل البدن موتاً و لا نوماً و لا فساداً ، و الله
أعلم .انتهى كلامه .
فهذا العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ قد كفانا مؤنة الرد بلا تكلف .
قال شيخ
الإسلام ابن تيمية الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح
إلى البدن وقت السؤال ، و سؤال البدن بلا روح قول طائفة من الناس ، و أنكره
الجمهور ، و قابلهم آخرون فقالوا : السؤال للروح بلا بدن ، و هذا قاله ابن مسرة و
ابن حزم ، و كلاهما غلط ، و الأحاديث الصحيحة ترده ، و الله أعلم . انتهى كلامه
.
الباب السادس و العشرون ـ في اجتماع الأرواح و
هيئاتها ، و أين محلها ، و الخلاف في ذلك
قال الله
تعالى : " و يسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي " و قال الله تعالى
: " و نفخت فيه من روحي " و قوله : " فنفخنا فيه من روحنا " و
" قوله صلى الله عليه و سلم : ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح " .
و أما قوله
تعالى : " فأرسلنا إليها روحنا " و "يقوم الروح و الملائكة صفا
" فهل هو جبريل ، أو ملك آخر ؟ فيه خلاف للمفسرين .
و أما كلام
العلماء في هذا الباب ، فقد ألف الناس فيه
شيئاً كثيراً ، لكن على غير هذا الترتيب ، فنذكر نبذة يسيرة ، جامعة لكلام غالب
العلماء ، في مستقر الأرواح بعد الموت إلى
أن تقوم الساعة ، هل هي في السماء أم في الأرض ؟ و هل هي في الجنة أم في النار ؟ و
هل تنعم في أجسادها و تعذب ، أم تودع في أجساد غير أجسادها ؟ أم تكون مجردة ، أو
تعدم بالكلية ، فلا يبقى لها و جود أصلاً ؟
فقد نقلوا
عن العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً
متبايناً ، ذهب كل طائفة إلى قول نصرته و رجحته على غيره ، و هدى الله الذين آمنوا
لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، و هذه المسألة إنما تعرف من جهة الشرع بالسمع .
فمن
العلماء من ذهب إلى أن أرواح المؤمنين و
الشهداء في الجنة ، بشرط أن لا يحسهم عنها ذنب عظيم ، كمظالم العباد و نحوها ،
فإذا كانوا خالين من ذلك تلقاهم ربهم بالعفو و الرحمة . قال الله تعالى : " و
لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " ، و
ممن ذهب إلى هذا القول : أبو هريرة ، و عبد الله بن عمر ، و جماعات من السلف .
قال الإمام أحمد
في رواية ابنه عبد الله : إن أرواح المؤمنين في الجنة ، و أرواح الكفار في
النار .
و ذهبت
طائفة إلى أن أرواح المسلمين على أبواب الجنة ، يأتيهم من روحها و نعيمها و رزقها
.
و قال أبو عبد الله بن منده : و قالت طائفة من العلماء من الصحابة و التابعين : أرواح المؤمنين عند
الله عز و جل ، و لم يزيدوا على ذلك . ثم قال : و قد روي عن جماعة من الصحابة و
التابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية ، و أرواح الكفار في بئر برهوت ـ بئر حضرموت
ـ .
و قال أبو عمر بن عبد البر : أرواح الشهداء في الجنة ، و أرواح عامة
المؤمنين على أفنية قبورهم .
و حكى ابن المبارك
، عن ابن جريج ، فيما قرئ عليه ، عن
مجاهد قال : أرواح المؤمنين في
الجنة ، يأكلون من ثمارها ، و يجدون ريحها .
و قال مالك
: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت .
و قال صفوان بن عمر
: سألت عامر بن عبد الله ، هل لأنفس المؤمنين مجتمع ؟ قال : إن الأرض التي
يقول الله : " و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي
الصالحون " قال : هي الأرض التي تجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث .
و قال هي الأرض التي يورثها الله المؤمنين في الدنيا .
و قال كعب الأحبار
: أرواح المؤمنين في عليين ، في السماء السابعة و أرواح الكفار في سجين ،
في الأرض السابعة .
و روي ، عن
أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : أرواح الأبرار في عليين ، و أرواح الفجار في
سجين ، و عن عبد الله بن عمر نحوه .
و ذهب
طائفة من العلماء ، إلى أن أرواح المؤمنين في بئر زمزم . ولم أطلع على دليل يدل
على هذا القول . ثم قال أرباب هذا القول : و أرواح الكفار في بئر برهوت .
و قال سليمان الفارسي : أرواح المؤمنين تذهب حيث شاءت ، كما قال مالك
ـ و قد تقدم ـ و أرواح الكفار في سجين .
و قال ابن قتيبة
: ذهب جماعة من العلماء ، إلى أن أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم . و منهم
من ذهب من أهل السنة و الجماعة ، إلى أن أرواح المؤمنين و الكفار في القبور ، و أن
الروح تنعم وتعذب في القبر إلى يوم القيامة ، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ، و أن
القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، و لهذا نهى عن الجلوس على
القبر ، و أمر بالسلام عليهم ، و قال : إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة
والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، و إن كان من أهل النار فمن أهل
النار ، يقال له : هذا مقعدك ، حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة .
و ذهب
جماعة من العلماء إلى أن محل الأرواح و مستقرها في سماء الدنيا ، كما أخبر بذلك
الرسول صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء ، أنه رأى ليلة أسري به في السماء الدنيا
آدم عليه السلام ، و عن يمينه أرواح أهل السعادة ، و عن شماله أرواح أهل الشقاوة .
و من هذا
الباب ما ثبت في صحيح البخاري " من حديث سمرة بن جندب
ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث الرؤيا ، إلى
أن قال فيه ، فأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام ، و أما
الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة ، فقيل يا رسول الله : و أولاد المشركين ؟
قال : و أولاد المشركين " . " و في رواية له : و الشيخ في أصل الشجرة
إبراهيم و الصبيان حوله أولاد الناس " ، فهذا الحديث ليس هو عام في جميع
الأرواح ، و إنما هو خاص بأرواح الصغار ، و ما رأيت أحداً ذهب إلى التفرقة بين أرواح
الصغار و الكبار لهذا الحديث ، و لا أعلم أحداً قال به ، و الله أعلم .
فصل : فيما جاء في أرواح الشهداء و غيرهم و
أمكنتها
و قد أشرنا
إلى بعضه فيما تقدم ، و لو ذكرنا كل قول ، و حجج من نصره و ذهب إليه ، لطال الكتاب
و خرج عن موضوعه ، و لكن نذكر ما يسره الله تعالى من الأحاديث ، فمنها ما ثبت
في الصحيح من حديث
عبد الله بن مسعود ـ كذا وقع في
نسخ معتمد عليها ، و وقع في بعض النسخ عبد الله فقط ، فمن الحفاظ من يقول عبد الله بن عمرو ، و منهم من يقول ابن مسعود
، و الله أعلم بالصواب ـ " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في الشهداء : أرواحهم في جوف طير خضر ، لها
قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى تلك القناديل "
.
" و
في حديث قتادة لفظ غريب . قال : أرواح المؤمنين في صورة طير بيض " .
قال القاضي عياض
: في هذا الحديث ذكر أرواح الشهداء ، و في حديث مالك : إنما نسمة المؤمن ،
لم يذكر الشهداء ، و النسمة تطلق على ذات الإنسان جسماً و روحاً ، و تطلق على
الروح مفردة ، و هو المراد بها في هذا الحديث ، و الله أعلم . و في الحديث دلالة
على أن المراد بها الروح قطعاً ، فإنه قال : حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة
، و لكن تارةً في هذا الحديث ذكر نسمة المؤمن ، و في اللفظ الآخر أرواح الشهداء .
و قد ورد في حديث ابن عمر ، أن غير الشهداء إنما يعرض عليه مقعده بالغداة و العشي
، كما رود في النظر ، في قوله تعالى في حق آل فرعون : " النار يعرضون عليها
غدواً و عشياً " . قال القاضي
عياض أيضاً ، في موضع آخر : و قيل :
المراد جميع أرواح المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب ، فيدخلونها الآن بدليل
عموم الحديث . كذا ذكره النووي في شرح
مسلم . و قد " ورد بلفظ آخر في صحيح مسلم
، أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، و تأكل من ثمارها
" . ليس فيه ذكر أجواف الطيور . و هذا إخبار منه صلى الله عليه و سلم عن
الشهداء المؤمنين .
و ذكر ابن منده
بإسناده ، " عن اسماعيل بن
طلحة بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : أردت
مالي بالغابة ، فأدركني الليل ، فآويت إلى قبر
عبد بن عمرو بن حزم ، فسمعت قراءة
من القبر ما سمعت أحسن منها ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرت ذلك
له ، فقال : ذاك عبد الله ، ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم ، فجعلها في قناديل من
زبرجد و ياقوت ، و علقها وسط الجنة ؟ فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم ، فلا تزال
كذلك ، حتى إذا طلع الفجر ، ردت أرواحهم إلى مكانهم التي كانت " . و أخبر
سبحانه و تعالى عن أرواح قوم فرعون ، أنها تعرض على النار غدواً و عشياً قبل يوم
القيامة ، و ليس للعقول في هذا مجال ، فإنه سبحانه و تعالى يتصرف فيها كيف شاء ، و
غير مستحيل أن يصور هذا الجزء طائراً ، أو يجعل في جوف طائر ، أو في حواصل طير ،
أو في قناديل معلقة بالعرش .
قال العلامة ابن القيم : و هذه حياة أرواح و رزقها
، و الأبدان قد تمزقت .
و قد فسر
رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الحياة ، بأن أرواحهم في جوف طير خضر ، لها
قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع
عليهم ربهم اطلاعه فقال : هل تشتهون شيئاً ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ، و نحن نسرح من
الجنة حيث شئنا ؟ يفعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا
. قالوا : نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا ، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . و صح
عنه صلى الله عليه و سلم الحديث من غير و جه ، و في بعض الألفاظ تعلق من ثمر الجنة و تعلق ـ بضم اللام ـ : تأكل العلقة .
" و
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى
الله عليه و سلم : لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ،
ترد أنهار الجنة ، و تأكل من ثمارها ، و تأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ،
فلما وجدوا طيب مشربهم و مأكلهم و حسن مقيلهم ، قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما
صنع الله لنا ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، و لا ينكلوا عن الحرب ، فقال الله : أنا
أبلغهم عنكم ، فأنزل الله على رسوله : " و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " " رواه الإمام أحمد
.
و لا أعلم
أحداً ذهب إلى أن هذا النعيم المذكور ، مختص بالذين قتلوا في أحد ، و الله أعلم .
فصل ـ في بيان مستقر الأرواح و اختلاف مساكنها
و ذهب ابن حزم
و جماعات ، إلى أن مستقر الأرواح ، حيث كانت قبل خلق أجسادها ، قال ابن حزم
: و هذا الذي أخبر الله تعالى به و نبيه صلى الله عليه و سلم لا يتعداه ، و
هو البرهان الواضح ، قال الله تعالى : " و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم
ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا : بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة
إنا كنا عن هذا غافلين " و قال تعالى : " ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم
قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " فصح أن الأرواح خلقها الله تعالى جملة ، و
" كذلك أخبر صلى الله عليه و سلم أن : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها
ائتلف و ما تناكر منها اختلف " ، و أخذ الله و شهادتها له بالربوبية ، و هي
مخلوقة مصورة عاقلة ، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم ، و قبل أن يدخلها في
الأجساد ، و الأجساد يومئذ تراب و ماء ، ثم أخرها حيث شاء و هو البرزخ ، ثم لا
يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة ، فينفخها في الأجساد المتولدة من المني .
إلى أن
قال ابن حزم : فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من
التعارف و التناكر ، و أنها عارفة مميزة ، فإذا توفاها الله تعالى ، رجعت إلى
البرزخ الذي رآها فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة أسري به ، عند سماء
الدنيا ، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم ، و أرواح أهل الشقاوة عن يساره ، و ذلك
عند منقطع العناصر ، و تعجل أرواح الأنبياء و الشهداء إلى الجنة . ثم قال : و قد
ذكر محمد بن نصر المروزي ، عن
اسحاق بن راهوية هذا الذي ذكرنا
بعينه . ثم قال : على هذا أجمع أهل العلم ، انتهى كلامه .
و ذكر
الأدلة على ذلك ، و لم يذكر خلافاً ، و قد تقدم ذكر الخلاف على ذلك ، و ما
ذكره أبو محمد بن حزم ، فهو يبنى على الأصل ، و هو أن الأرواح هل
خلقت قبل الأجساد ، أو الأجساد خلقت قبل الأرواح ؟.
فهذه
المسالة للناس فيها قولان ، حكاهما شيخ الإسلام
ابن تيمية و غيره :
أحدهما :
ما حكاه و اختاره ابن حزم ، و
محمد بن نصر المروزي ، و قد تقدم ،
و ذكرنا ما استدل به .
و القول
الثاني : و عليه عامة السلف و الخلف ، أن الأجساد خلقها متقدم على الأرواح ، و
الأدلة متظاهرة من وجوه عديدة ، ليس هذا محل ذكرها ، فخلق أبي البشر الذي هو أصل
الناس هكذا ، فإنه سبحانه و تعالى أرسل جبريل ، فقبض قبضة من الأرض ، ثم خمرها حتى
صارت طيناً ، ثم صوره ، ثم نفخ فيه الروح بعد تصويره ، و هذه قصة مشورة ، قد وردت
من عدة طرق ، تدل على أن الله سبحانه نفخ فيه من روحه بعد أن خلق جسده .
و في الصحيح
: " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن
أمه أربعين يوماً ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه
الملك ، فينفخ فيه الروح " الحديث المشهور . فنفخ الملك فيه الروح هو سبب
حدوث الروح فيه ، و لو كان للروح وجود قبل البدن ، و هي حية عالمة ناطقة ، لكانت
ذاكرة في هذا العالم ، شاعرة به و لو بوجه ما ، و من الممتنع أن تكون حية عالمة
ناطقة عارفة بربها ، و هي بين ملأ من الأرواح ، تنتقل إلى هذا البدن و لا تشعر
بحالها الأول ، و إذا كانت بعد المفارقة ، تشعر بحالها و هي في البدن على التفصيل
، و تعلم ما كانت عليه ههنا ، مع أنها التبست بالبدن أموراً عاقها عن كثير من
حالها ، فلأن تشعر بحالها الأول ، و هي غير معوقة هناك ، بطريق الأولى . و الله
أعلم .
فصل ـ
في قوله صلى الله عليه و سلم : الأرواح جنود مجندة و كيفية ذلك
" في
قوله صلى الله عليه و سلم : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر
منها اختلف " . فمن العلماء كابن
حزم ، و
ابن نصر المروزي و غيرهما ، يقول
الأرواح مجموعة أو مجتمعة ، و أنواع مختلفة ، فهي خلقت مجتمعة ، ثم فرقت في
أجسادها ، فمن وافقه نسميه إلفه ، و من باعده نافره و خالفه ، و قال الخطابي
و غيره : هو ما خلقها الله عليه من السعادة و الشقاوة في المبتدأ ،
فالأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت و اختلفت ، بحسب ما
خلقت عليه ، فيميل الأخيار إلى الأخيار ، و الأشرار إلى الأشرار. انتهى كلامه .
و من هذا
الباب احتج آدم و موسى ، قال الحسن : معناه التقت أرواحهما في السماء ، فوقع
الحجاج بينهما . قال القاضي عياض : و يحتمل أنه على ظاهره ، و أنهما اجتمعا بأشخاصهما
. و قد ثبت في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه و سلم اجتمع بالأنبياء صلوات
الله و سلامه عليهم أجمعين في السموات ، و في بيت المقدس ، و صلى بهم ، قال : فلا
يبعد أن الله أحياهم . قال : و يحتمل أن قصة موسى جرت في حياة موسى و أنه سأل أن
يريه آدم فحاجه ، و الله أعلم .
فصل ـ هل الأرواح محدثة عند خلق البدان أم قديمة
و هل
الأرواح مخلوقة محدثة ، كائنة بعد أن لم تكن ، أم قديمة ؟ و هي من أمر الله ، و لا
يكون أمر الله مخلوقاً و لا محدثاً ، و قد أخبر أنه نفخ في آدم من روحه ، فهذه
الإضافة إليه ، هل تدل على أنها قديمة أم لا ؟ و ما حقيقة هذه الإضافة ؟
قال العلامة ابن القيم : و هذه مسألة زل فيها عالم ، و ضل فيها طوائف
من بني آدم ، و هدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين . فأجمعت الرسل صلوات الله
و سلامه عليهم أجمعين على أن الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة ، هذا معلوم
بالاضطرار من دين الإسلام أن العالم حادث ، و أن معاد الأبدان واقع ، و أن الله
وحده الخالق و كل ما سواه مخلوق له ـ حتى نبعت نابعة ـ فمن قصر فهمه في الكتاب و
السنة زعم أنها قديمة غير مخلوقة ، و احتج بأنها من أمر الله و أمره غير مخلوق ، و
بأنها أضافها إليه كما أضاف إليه علمه و حياته و قدرته ، و توقف في ذلك آخرون
فقالوا : لا نقول مخلوقة و لا غير مخلوقة . انتهى كلامه .
و قال الحافظ بن مندة ، لما سئل عن الأرواح ، هل هي مخلوقة أم لا ؟
فقال : أن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح و محلها من النفس ، فقال بعضهم :
الأرواح كلها مخلوقة ، و هذا مذهب أهل الجماعة و الأثر ، و احتجت " بقوله صلى
الله عليه و سلم : الأرواح جنود مجندة فمن
تعارف منها ائتلف " الحديث . و الجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة ، و قال بعضهم
: الأرواح من أمر الله ، أخفى الله حقيقتها و علمها عن الخلق ، و احتجت بقوله :
" قل الروح من أمر ربي " ، و قال بعضهم : الأرواح نور من نور الله تعالى
، و حياة من حياته . و احتجت " بقوله صلى الله عليه و سلم : إن الله خلق خلقه
في ظلمة و ألقى عليهم من نور " . انتهى كلامه .
و قال محمد بن نصر المروزي : تأول صنف من الزنادقة و من الروافض في روح
آدم ، ما تأولته النصارى في روح عيسى ، و ما تأوله قوم من أن الروح انفصل من ذات
الله فصار في المؤمن ، فقال صنف من الزنادقة ، و صنف من الروافض : إن روح آدم غير
مخلوق ، و تأولوا قوله تعالى : " و نفخت فيه من روحي " و قوله : "
ثم سواه و نفخ فيه من روحه " ثم قال بعد كلام طويل : و لا خلاف بين المسلمين
، أن الأرواح التي في آدم و بنيه و عيسى و من سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله ،
خلقها و أنشأها و كونها و اخترعها . انتهى كلامه .
و قال شيخ
الإسلام ابن تيمية : روح الآدمي مخلوقة مبدعة ، باتفاق سلف الأمة
و أئمتها و سائر أهل السنة . و قد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة ، غير واحد من أئمة المسلمين ،
مثل محمد بن نصر المروزي ، و
أبو محمد بن قتيبة و غيرهما ، و
ذكر كلاماً طويلاً و بحثاً كثيراً يطول ذكره ، و الله أعلم .
فصل ـ في دليل إضافة الروح إلى الله و تفسير تلك
الإضافة
من استدل
بإضافة الروح إلى الله تعالى بقوله : " و نفخت فيه من روحي " ، فينبغي
أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه و تعالى نوعان :
أحدهما :
صفات لا تقوم بأنفسها ، كالعلو و القدرة و الكلام و السمع و البصر ، فهذه إضافة
صفة إلى موصوفها ، صفات له غير مخلوقة ، و كذلك وجهه و يده سبحانه و تعالى .
و الثاني :
إضافة أعيان منفصلة عنه ، كبيت الله و ناقة الله ، و رسول الله ، و روح الله ،
فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ، و مصنوع إلى صانعه ، لكنها إضافة تقتضي تخصيصاً و
تشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره ، كبيت الله ، و إن كانت البيوت كلها ملكاً
لله ، و كذلك ناقة الله ، و النوق كلها ملكه و خلقه ، و لكن هذه إضافة إلى إلاهيته
تقتضي محبته لها و تشريفه ، بخلاف الإضافة العامةإلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه و
إيجاده ، هذا خلق الله ، فالعامة تقتضي الخلق و الإيجاد ، و الخاصة تقتضي الاختيار
، و الله يخلق ما يشاء و يختار ، و إضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من
العامة ، و لا من باب إضافة الصفات .
فتأمل هذا
الموضع فإنه ينفعك من التخلص من البدع ، فقد ضل فيه خلق كثير ، نسأل الله العصمة .
فصل ـ عن موت الأرواح و الأبدان
فقد اضطربت
مقالات الناس في هذا الباب ، فقالت طائفة : تموت و تذوق الموت ، لأنها نفس ، و كل
نفس ذائقة الموت .
قالوا : و
قد دل القرآن عليه بقوله : " كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال
والإكرام " و قوله تعالى : " كل شيء هالك إلا وجهه " و " كل
نفس ذائقة الموت " .
قالوا : و
إن كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت . و قال في حق أهل النار :
" قالوا ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين " فالموتة الأولى هذه
المشهودة ، فهي للبدن ، و الأخرى للروح . و قال آخرون ، لا تموت الأرواح ، فإنها
خلقت للبقاء ، و إنما تموت الأبدان .
قالوا : و
قد دل على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح و عذابها بعد المفارقة إلى أن
يرجعها الله في أجسادها ، و لو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم و العذاب ، و قال
تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم
يرزقون * فرحين " الآية هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم و ذاقت
الموت .
قال العلامة ابن القيم : و الصواب أن يقال : موت النفوس هو مفارقتها
لأجسادها ، و خروجها منها ، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت ، و إن
أريد أنها تعدم و تضمحل و تصير عدماً محضاً ، فهي لا تموت ، بل هي باقية بعد خلقها
في نعيم أو عذاب ، كما صرح به في النصوص ، حتى يردها الله في أجسادها ، ثم ساق بعد
ذلك النصوص الواردة في هذا المحل ، انتهى كلامه .
فصل ـ في عذاب القبر على الروح و البدن
و هل عذاب
القبر على الروح و البدن ؟ أو على الروح دون البدن ؟ أو على البدن دون الروح و هل
يشارك البدن النفس في النعيم و العذاب ، أم لا ؟
قال شيخ
الإسلام ابن تيمية ـ بعد أن سئل عن هذه المسألة فأجاب ـ : بل
العذاب و النعيم على النفس و البدن جميعاً باتفاق أهل السنة و الجماعة ، تنعم
النفس و تعذب منفردة ، و تنعم و تعذب متصلة بالبدن ، و البدن متصل بها ، فيكون
النعيم و العذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين ، كما تكون الروح منفردة عن البدن ،
منعمة أو معذبة . و هل يكون العذاب و النعيم للبدن بدون الروح ؟ هذا فيه قولان
مشهوران لأهل الحديث و السنة و أهل الكلام ، و في المسالة أقوال شاذة ليست من
أقوال أهل السنة و الحديث .
قول من
يقول إن النعيم و العذاب لا يكون إلا على الروح ، و أن البدن لا ينعم و لا يعذب ،
و هذا يقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان ، و هؤلاء كفار بإجماع المسلمين ، و
يقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة و غيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان ، و لكن
يقولون : لا يكون ذلك في البرزخ ، و إنما يكون عند القيام من القبور ، لكن هؤلاء
ينكرون عذاب الأبدان في البرزخ فقط ، و يقولون إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة
في البرزخ ، فإن كان يوم القيامة عذبت الروح و البدن معاً .
و هذا
القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام و أهل الحديث و غيرهم ، و هو
اختيار ابن حزم ، و
ابن مسرة ، فهذا القول ليس من
الأقوال الثلاثة الشاذة ، بل هو مضاف إلى قول من يقر بعذاب القبر ، و يقر بالقيامة
، و يثبت معاد الأبدان و الأرواح . لكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال :
أحدها: أنه
على الروح فقط .
و الثاني :
أنه عليها ، و على البدن بواسطتها .
الثالث :
أنه على البدن فقط .
وقد يضم
إلى ذلك قول من يثبت عذاب القبر ، و يجعل الروح هي الحياة ، و يجعل الفساد قول
منكر عذاب الأبدان مطلقاً ، و قول من ينكر عذاب البرزخ مطلقاً ، و الفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك ينكرون معاد
الأبدان . فهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان ، لكن ينكرون معاد الأرواح و نعيمها و
عذابها بدون الأبدان ، و كلا القولين خطأ و ضلال ، لكن قول الفلاسفة أبعد من أقوال
أهل الإسلام ، و إن كان قد يوافقهم عليه من هو متمسك بدين الإسلام ، بل من يظن أنه
من أهل المعرفة و التصوف .
و القول
الثالث الشاذ : قول من يقول أن البرزخ ليس فيه نعيم و لا عذاب ، بل لا يكون ذلك
حتى تقوم الساعة الكبرى ، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة و نحوهم ، ممن ينكر
عذاب القبر و نعيمه ، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ ، لكنهم خير من
الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى ، و أما الأحاديث الدالة على نعيم القبر و
عذابه فهي كثيرة جداً ، بل لو قيل أنها بلغت التواتر في المغالبة لم يبعد ذلك ،
فمنها ما تقدو من أحاديث مسألة منكر و نكير ، و فيها كفاية ، و منها ما لم أحط به
ولم أطلع عليه ، و منها ما اطلعت عليه و اختصرته للتطويل ، و منها ما أذكره
للتنبيه ، فقد ثبت في الصحيحين " من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن
النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبرين ، فقال : إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير
، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، و أما الآخر فكان يمشي في النميمة ، ثم دعا
بجريدة رطبة فشقها نصفين ، فقال : لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا " . " رواه
أبو داود الطيالسي ، لكن قال فيه :
أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس " و باقيه كما ذكرته .
" و
ثبت في صحيح مسلم في حديث طويل ، قال : إن هذه الأمة تبتلى في
قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا ، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه
ثم قال : تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر ، قال :
تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر ، قال : تعوذوا بالله
من الفتن ، ما ظهر منها و ما بطن " الحديث .
و في صحيح مسلم
أيضاً ، و جميع السنن ، " عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه و
سلم قال : إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير ، فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم
، و من عذاب القبر ، و من فتنة المحيا و الممات ، ومن فتنة المسيح الدجال " .
و في الصحيحين
: " عن أبي أيوب ، خرج النبي صلى الله عليه و سلم ، و قد وجبت الشمس ،
فسمع صوتاً ، فقال : يهود تعذب في قبورها " .
و في صحيح البخاري
و مسلم : " عن عائشة ، قالت : دخلت على عجوز من
يهود المدينة ، فقالت : إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ، قالت فكذبتها و لم أنعم
أن أصدقها ، فخرجت ، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقلت يا رسول الله
إن عجوز من عجائز يهود أهل المدينة ، دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم !
فقال : صدقت ، إنهم يعذبون عذاباً يسمعه البهائم كلها قالت : فما رأيته بعد في
صلاته إلا أن يتعوذ من عذاب القبر " .
قال بعض
أهل العلم : ولهذا السبب ، يذهب الناس بالخيل إذا مغلت إلى قبور اليهود و النصارى
، فإذا سمعت الخيل عذاب القبر ، أحدث لها ذلك فزعاً و حرارة تذهب بالمغل .
والأحاديث
كثيرة جداً في هذا الباب ، وقد تقدم في أحاديث المسألة ، ما هو أبلغ من ذلك ،
" في قوله : فلا يزال معذباً ، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك " ، وهذا
صريح في أن البدن يعذب في القبر .
و روى النسائي
، " من حديث عبد الله بن
عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى
الله عليه و سلم قال : هذا الذي تحرك له العرش ، و فتحت له أبواب السماء ، و شهد
له سبعون ألفاً من الملائكة ، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه " قال النسائي
: ـ يعني سعد بن معاذ ـ .
" و
في حديث عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : للقبر ضغطة ، لو نجا
منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ " . قال نافع : بلغني أنه شهد جنازته
سبعون ألف ملك ، لم ينزلوا إلى الأرض قط . " و في لفظ : منديل من مناديل سعد
، خير من الدنيا و ما فيها " .
فصل : في عذاب القبر حق
قال المروزي
: قال الإمام أحمد : عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل .
وقال حنبل :
قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر ! فقال : هذه أحاديث صحاح ، نؤمن بها ونقر بها ،
كلما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم إسناد جيد أقررنا به ، إذا لم نقر بما جاء
به الرسول و دفعناه و رددناه ، رددنا على الله أمره ، قال تعالى : " و ما
آتاكم الرسول فخذوه " قلت له : و عذاب القبر حق ؟ ! قال : حق ، يعذبون في
القبور ، قل : و سمعت أبا عبد الله يقول : نؤمن بعذاب القبر و بمنكر و نكير ، و أن
العبد يسأل في قبره ، " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الآخرة " في القبر .
وقال أحمد بن القاسم : قلت يا أبا عبد الله : نقر بمنكر و نكير ، و
ربما يروى من عذاب القبر ؟ ! فقال : سبحان الله ! نعم ، نقر بذلك و نقول به .
قال العلامة ابن القيم : و مما ينبغي أن يعلم ، أن عذاب القبر هو عذاب
البرزخ ، فكل من مات و هو مستحق العذاب ، ناله نصيبه منه ، قبر أو لم يقبر ، فلو
أكلته السباع ، أو أحرق حتى صار رماداً و نسف في الهواء ، أو صلب ، أو غرق في
البحر ، وصل إلى روحه و بدنه من العذاب ما يصل إلى القبور . انتهىكلامه .
فصل ـ في أن البلي يختص البدن
و مما
ينبغي أن يعلم أن البلي يختص هذا البدن المشاهد المركب ، فإن هذا البدن ليس بشيء
إنما هو آلة ، والنظر إلى ما يؤذي الروح و ينفعها .
و قد
روى أبو الفرج بن الجوزي ـ رحمه الله ـ بإسناده ، قال : دخل عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ المسجد ، وقد قتل عبد الله
بن الزبير ، فمال إلى أسماء أم ابن الزبير ، فقال لها : اصبري ، فإن هذه الجثث
ليست بشيء ، و إنما الأرواح عند الله تعالى ، ثم قال : و روينا عن ابن الزبير ،
أنه قال لأمه أسماء قبل قتله : يا أماه ، إن قتلت فإنما [ أنا ] لحم لا يضر ما صنع
بي .
و روى
خالد بن معدان ، قال : لما قتل
هشام بن العاص يوم أجنادين ، وقع على ثلمة فسدها ، و لم يكن ثم طريق غيره ، فلما
انتهى المسلمون إليه ، هابوا أن يوطئوه الخيل ، فقال عمرو بن العاص : أيها الناس ،
إن الله قد استشهده ورفع روحه ، و إنما هو جثة ، فأوطئوه الخيل ، ثم أوطأه هو ، و
تبعه الناس حتى قطعوه . و إذا ثبت هذا ، فإن الله تعالى إذا أتلف هذا البدن
الترابي وأبلاه ، المعرض للآفات ، فإنه سيعيده بدناً لا يبلى ، في حياة لا تنفد
أبداً ، وتبدل صعوبات التكليف بحسن الجزاء ، ويعطيهم أجوراً باقية عن أعمال منقطعة
، كما لا يبقى لمرارات الشعث والتكليف في أيام الإحرام ، طعم عند أيام التشريق ، و
الله تعالى الموفق .
الباب السابع والعشرون
: في عد الشهداء و فضلهم و أنهم أرفع درجات من الصالحين
قال تعالى
: " و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و
الصديقين و الشهداء و الصالحين " .
قال قتادة
: قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم : كيف يكون الحال في الجنة ، و أنت
في الدرجات العلى ، ونحن أسفل منك ؟ فكيف نراك ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية :
" ومن يطع الله " في أداء الفرائض " والرسول " في السنن :
" فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين " ، أي لا تفوتهم رؤية
الأنبياء ومجالسهم . فأعلى درجات بني آدم الأنبياء ، ثم الصديقون ، ثم الشهداء ،
ثم الصالحون ، وهذا ترتيب لا شك فيه ، لأن الله تعالى رتبهم في الذكر ، قدم
الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل في المراتب و المنازل .
"
وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ ، أن النبي صلى الله عليه و
سلم قال : ما من نفس تموت ، لها عند الله خير ، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ، و لا
أن لها الدنيا و ما فيها ، إلا الشهيد "
الحديث . هذا من صرائح الأدلة في عظم فضل الشهادة .
" و
عن سهل بن حنيف ـ رضي الله عنه ـ
أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من سأل الله الشهادة بصدق ، بلغه الله منازل
الشهداء ، و إن مات على فراشه " . رواه
مسلم في صحيحه
.
وفي صحيح مسلم
أيضاً ، " من حديث أنس ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من طلب
الشهادة صادقاً أعطيها ، و لو لم تصبه " .
و
رواه الترمذي و صححه ، " من حديث معاذ مرفوعاً ، ولفظه
: من سأل القتل في سبيله صادقاً في قلبه ، أعطاه الله أجر الشهيد " . و
رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ .
" و
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما
تعدون الشهيد فيكم ؟ قالوا : يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، قال :
إن شهداء أمتي إذاً لقليل ! قالوا : فمن هم يا رسول الله ؟ قال : من قتل في سبيل
الله فهو شهيد ، و من مات في سبيل الله فهو شهيد ، و من مات في الطاعون فهو شهيد ،
و من مات في البطن فهو شهيد ، و الغريق شهيد ـ و في رواية ـ وصاحب الهدم شهيد
" .
" و
عن جابر بن عتيك ـ رضي الله عنه ـ أن النبي قال : الشهداء سبع ،
سوى القتل في سبيل الله عز و جل : المطعون شهيد ، و الغريق شهيد ، و المبطون شهيد
، و صاحب ذات الجنب شهيد ، و الذي يموت تحت الهدم شهيد ، و صاحب الحريق شهيد و
المرأة تموت بجمع شهيد " . رواه
الإمام أحمد ، و أبو داود
، و النسائي ، و روى
ابن ماجة بعضه . قوله بجمع بضم
الجيم و إسكان الميم ـ : و هي التي تموت حاملاً أو نفساء ، كذا ذكره غير واحد من
أهل العلم ، و الله أعلم .
و روى الإمام أحمد
، و النسائي ، " من حديث صفوان ين أمية ، عن النبي صلى
الله عليه و سلم ، قال : الطاعون شهادة ، و الغرق شهادة ، و البطن شهادة " .
و روى
النسائي أيضاً ، " من حديث
عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : خمس ، من
قبض على شيء منهن فهو شهيد : المقتول في سبيل الله شهيد ، و الغريق في سبيل الله
شهيد ، و المطعون في سبيل الله شهيد و الفناء في سبيل الله شهيد " .
و روى مالك
في الموطأ ، " عن
جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما
ـ في قصة ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما تعدون الشهادة فيكم ؟ قالوا :
القتل في سبيل الله ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الشهادة سبع سوى القتل
في سبيل الله " . ثم ذكر نحو ما تقدم في السنن من حديث جابر بن عتيك .
و روى البخاري
و مسلم " من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن
النبي صلى الله عليه و سلم قال : الشهداء خمس : المطعون ، و المبطون ، و الغريق ،
و صاحب الهدم ، و الشهيد في سبيل الله " . قال العلامة اسماعيل التيمي الأصبهاني ـ مفسراً الحديث ـ قال : المطعون : الذي أصابه
الطاعون ، و المبطون الذي أصابه علة البطن . انتهى .
و قال غيره
من العلماء : للناس في تفسير علة البطن ثلاثة أقوال : أحدهما : أنه الذي يموت
بالاستسقاء .
و الثاني :
الذي يموت بالمغص الشديد ـ وهو الذي يسمونه القولنج ـ وهو مرض معروف .
و الثالث :
الذي يموت بالاسهال . انتهى كلامه .
قلت :
والقول الثالث هو الراجح عند أكثر أهل العلم ، وبعضهم لم يحك غيره ، ويحتمل ـ و
الله أعلم ـ أن الشهادة تعم الثلاثة أصناف المذكورة ، وهو أبلغ في الكرم وسعة
الفضل ، و الله أعلم . و مما يؤيد هذا الاحتمال ما روى ابن حبان
في صحيحه . " من حديث سليمان بن مراد وخالد بن
عرفطة ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من قتله بطنه لم يعذب في قبره
" .
" و
عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
من قتل دون ماله فهو شهيد " . رواه
البخاري
و روى أبو داود
، و الترمذي ، و
النسائي واللفظ له ، " من
حديث سعيد ابن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من
قتل دون ماله فهو شهيد ، و من قتل دون دينه فهو شهيد ، و من قيل دون أهله فهو شهيد
" .
و روى النسائي
مفرداً ، " من حديث سويد بن مقرن ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول
الله صلى الله عليه و سلم : من قتل دون مظلمته فهو شهيد " .
و روى
الإمام أحمد ، " من حديث ابن لهيعة
، عن خالد بن أبي زيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن إبراهيم بن عبد الله بن
رفاعة ، أن أبا محمد أخبره ـ وكان من أصحاب
ابن مسعود ـ حدثه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أنه
ذكر عنده الشهداء ، قال : إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين
الله أعلم بنيته " .
" و
روينا في خبر ابن عرفة مرفوعاً : أن الموت كفارة لكل مسلم " .
فصل : في تسلية المصاب
ومما ينبغي
أن يعلم أن العبد ، إذا نظر أو سمع ما تقدم في هذا الباب من تنوع الشهادة ، و ذكر
تعدادها ، حصل له تسلية بموت محبوبه ، فإنه في الغالب لا بد أن يكون ناله نصيب
منها ، مع أني لم أحط بكل ما " ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في تسمية
الشهداء ، و قد روي مرفوعاً : موت الغريب شهادة " . و قد استقصينا في عد
الشهداء في كتاب أحكام الطاعون .
و يكفي في
البشارة ما تقدم قريباً ، " من رواية
الإمام أحمد مرفوعاً : إن أكثر
شهداء أمتي أصحاب الفرش " ، و تقدم ما أعد الله للشهداء من حين الموت ، و ما
لهم عند الله ، و أن أرواحهم في حواصل طير خضر تأكل و تشرب في الجنة ، وتسرح حيث شاءت ، و كل هذا في دار البرزخ ، فإذا دخلوا
الجنة يوم القيامة بأجسادهم انتقلوا إلى نعيم أعلى من ذلك و أكثر منه .
قال أبو
بكر القطيعي : " حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا ابن خليفة ، حدثنا عوف ، عن خنساء
، قالت : حدثتني عمتي ، قالت : قلت يا رسول الله ، من في الجنة ؟ قال : النبي في
الجنة ، و الشهيد في الجنة ، و المولود في الجنة ، و الموؤودة في الجنة " و
كذلك رواه بندار ، عن غندر ، عن عوف ، فذكر مثله .
فانتقال
العبد إلى الله و ما عند الله ، هو خير لعباده من هذه الدنيا التي خلقهم فيها ،
فينظر كيف يعملون ، و يبتليهم بالمحن و المصائب ، و الشهادات ، حتى يعلم الصابر
منهم و الجازع ، ليجازي كل شخص بحسبه ، فمنهم من يجازيه بالحنان ، و منهم من
يجازيه بالنيران ، و كل ذلك عدل منه سبحانه و تعالى ، لا يظلم مثقال ذرة ، بل إن
أدخل العبد الجنة فبرحمته و فضله ، و إن أدخله النار ، فبعدله و سلطانه : "
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " . فله الحمد دائماً على كل حال .
فصل : في الشهادة المطلوبة : شهادة المعركة
و الشهادة
المطلوبة ، شهادة المعركة على ما تقدم و كذلك شهادة الطاعون ، فإنه قد رود في
أحاديث و آثار في تمني الطاعون ، ما وقع في قصة المغيرة ين شعبة أنه قال : اللهم
ارفع عنا الرجز ـ يعني الطاعون ـ ، فقال
أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ
: أما أنا ، فلا أقول هذا ، و لكن أقول كما قال العبد الصالح أبو بكر الصديق ـ رضي
الله عنه ـ اللهم طعناً وطاعوناً في مرضاتك . و قام أبو عبيدة خطيباً فقال : يا
أيها الناس ، إن هذا الوجع رحمة بكم : و دعوة نبيكم ، و موت الصالحين قبلكم ، و إن
أبا عبيدة يسأل الله العظيم أن يقسم له من حظه . قال : فطعن ، فمات .
و ثبت
في مسند الإمام أحمد ، " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن و
الطاعون " . و غير ذلك من الأحاديث و الآثار ، التي لا تحضرني ، و قد قررت
ذلك في كتابنا المعروف ب أحكام
الطاعون . و لكنه لم يكن عندي حين ألفت
هذا الكتاب ، فإن قيل : الشهادة المطلوبة شهادة المعركة ، و كذلك شهادة الطاعون ،
كما تقدم .
و قد ورد
في بعض الأحاديث ، " أن النبي صلى الله عليه و سلم استعاذ من بعض ما عده
شهادة ، ففي مسند الإمام أحمد مرفوعاً : استعاذ من سبع موتات : من موت الفجأة
، و من لدغ الحية و من السبع ، و من الغرق ، و من الحرق ، و من أن يخر على شيء ،
أو يخر عليه شيء ، و من الفرار من الزحف " .
" و في
المسند أيضاً مرفوعاً : اللهم إني
أعوذ بك أن أموت هماً أو غماً ، و أن أموت غرقاً ، و أن يتخبطني الشيطان عند الموت
" . و " رواه النسائي ، و لفظه : اللهم إني أعوذ بك من الهدم و
التردي ، و الهم ، و الغم ، و الغرق ، و الحرق ، و أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند
الموت ، و أعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً ، و أعوذ بك أن أموت بك لديغاً "
. وغير ذلك من الأحاديث .
يقال : لم
يقل أحد من العلماء : إن كل شهادة مطلوبة ، بل من وقع له أو لمحبوبه أو لغيره شيء
، مما عده النبي صلى الله عليه و سلم شهادة ، ، والشهيد ثلاثة أقسام :
أحدها :
شهيد في الدنيا و الآخرة ، وهو المنقول في المعركة مخلصاً .
و الثاني :
شهيد في الدنيا و الآخرة فقط ، وهو المقتول في المعركة مرائياً .
و الثالث :
الشهيد في الآخرة فقط ، وهو من أثبت له الشارع الشهادة ، ولم يجر عليها أحكامها في
الدنيا ، كالغريق و الحريق و من به ذات الجنب ، ونحوه ، كما تقدم .
فإن قيل :
لم سمي الشهيد شهيداً ؟
قيل : قد
اختلف العلماء في ذلك على أقوال :
أحدها :
لأنه حي كما فصل تعالى : " و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل
أحياء عند ربهم يرزقون " .
الثاني :
لأن الله تعالى و ملائكته شهدوا له بالجنة .
الثالث :
لأن الملائكة تشهده .
الرابع :
لقيامه بشهادة الحق حتى قتل .
الخامس :
لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل .
السادس :
لأنه شهد لله بالوجود و الإلهية بالفعل لما شهد غيره بالقول .
السابع :
لسقوطه بالأرض و هي الشاهد له .
الثامن :
لأنه شهد له بوجوب الجنة .
التاسع :
من أجل شاهده و هو دمه .
العاشر :
لأنه شهد له بالإيمان و حسن الخاتمة .
فهذه عشر
أقوال ، من أماكن متفرقة ، جمعت إليك رخيصة الأثمان ، فهذه الأقوال في المخلص الذي
قصد بجهاده وجه الله تعالى ، و الدار الآخرة ، فإنه سبحانه و تعالى ، إذا علم قصد
العبد و إخلاصه ، أعانه و أغاثه ، قال تعالى : " إنا لا نضيع أجر من أحسن
عملاً " و قد ذكر أبو الفرج بن
الجوزي ، في جزء الثبات عند الممات ، في
هذا المعنى ، عن علي بن الموفق ، قال : سمعت حاتم الأصم يقول : لقينا الترك و كان
بيننا جولة ، فرماني تركي بسهم فقلبني عن فرسي ، فنزل عن دابته ، فقعدعلى صدري ، و
أخذ بلحيتي ، و أخرج من خفه سكيناً ليذبحني ، فوحق سيدي ، ما كان قلبي عنده ، و لا
عند سكينه ، و إنما كان قلبي عند سيدي ، أنظر ماذا ينزل القضاء منه ، فقلت : سيدي
، قضيت علي أن يذبحني هذا ؟ فعلى الرأس و العين ، إنما أنا لك و ملكك ، فبينما أنا
كذلك ، و هو قاعد على صدري ، إذا رماه بعض المسلمين بسهم ، فما أخطأ حلقه ، فسقط
عني ، فقمت إليه ، و أخذت السكين من يده ، فذبحته بها . فما هو إلا أن تكون قلوبكم
عند مليككم ، حتى تروا عجائب لطفه . ما لا ترون من الآباء و الأمهات .
الباب الثامن و العشرون : في ذكر الصراط و درجات
الناس في المرورعليه
أما الصراط
فهو جسر منصوب على متن جهنم ، و هو أحد من السيف ، و أدق من الشعرة ، ثبتنا الله و
إياكم على المرور عليه .
و قد
روى مسلم
في صحيحه ، " من حديث أبي هريرة و حذيفة ـ رضي الله
عنهما ـ قالا : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يجمع الله تبارك و تعالى
الناس ، فيقوم المؤمنون ، تزلف لهم الجنة ، فيأتون آدم ، فيقولون : يا أبانا ،
استفتح لنا الجنة ، فيقول : و هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم ؟ لست بصاحب
ذلك : اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله ، قال : فيأتون إبراهيم ، فيقول إبراهيم
عليه السلام : لست بصاحب ذلك ، إنما كنت خليلا من وراء وراء ، اعمدوا إلى موسى ،
كلمه الله تكليماً ، فيأتون موسى ، فيقول : لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى عيسى ، كلمة
الله و روحه ، فيقول عيسى : لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى محمد ، قال : فيأتون
محمداً صلى الله عليه و سلم و يؤذن له ، و يرسل الأمانة و الرحم ، فيقومان جنبي
الصراط ، يميناً و شمالاً ، فيمر أولكم كالبرق ، يمر و يرجع في طرفة عين ، ثم كمر
الريح ، ثم كمر الطير و شد الرحال ، تجري بهم أعمالهم ، و نبيكم صلى الله عليه و
سلم قائم على الصراط ، يقول : رب سلم ، رب سلم : حتى تعجز أعمال العباد ، و حتى
يجيء الرجال فلا يستطع السير إلا زحفاً ، قال : و في حافة الصراط كلاليب معلقة ،
مأمورة ، تأخذ من أمرت به ، فمخدوش ناج ، و مكدوس في النار ، و الذي نفس أبي هريرة
بيده ، إن قعر جهنم لسبعون خريفاً " .
" و
عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه و سلم
، و ذكر الصراط و مرور الناس عليه ، قال : فيمر المؤمنين ، كطرف العين ، و كالبرق
، و كالريح ، و كالطير ، و كأجاويد الخيل و الركاب ، فناج مسلم ، و مخدوش مرسل ، و
مكدوس في نار جهنم " . رواه
مسلم .
" و عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول
الله صلى الله عليه و سلم ، و ذكر حديث الشفاعة : و يضرب الصراط بين ظهراني جهنم ،
فأكون أنا و أمتي أول من يجيز ، و لا يتكلم يومئذ إلا الرسل ، و دعاء الرسل يومئذ
: اللهم سلم ، اللهم سلم ، و في جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان ـ هل رأيتم شوك
السعدان ؟ ـ ثم قال : و إنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا
الله تعالى ، تخطف الناس بأعمالهم " الحديث .
فصل ـ في المرور على الصراط
قد سمعت ـ
رحمك الله ـ فانظر إلى هذه الطريق الحرج ، و المسلك الشاق ، و القنطرة المضطربة ،
و العقبة الكؤود ، التي لا تثبت عليها الأقدام ، و لا تجوزها الأوهام ، و لا يثبت
عليه إلا من ثبته الله بالقول الثابت ، و ثبت قدماه يوم تزل الأقدام ، و لعل من
عنده تساهل و عدم توفيق ، يسمع بالصراط ، فيظن أن طريقه يشبه طريق الدنيا التي هي
صعبة المسلك ، وعرة ذات صعود و نزول ، هيهات و ما علم ، و الله إنه أحد من السيف ،
و أدق من الشعرة ، و على يمينه و شماله كلاليب و خطاطيف ، فإذا كلفت المرور عليه و
هو بهذه المثابة ـ و أعظم من ذلك أن جهنم تحتك ، و قد أرعب قلبك من هول منظرها ، و
ملأت أذنيك زفيرها ـ فهل تستطيع المرورأو النهوص أو الزحف ؟ ! فإنه إذا اضطرب بك
الصراط ، و التهب السعير من تحتك التهاباً ، و لم تجد إلى النجاة سبيلاً ، و لا
إلى الخلاص مقيلاً ، فلا ينفعك في تلك الحال إلا سعي صالح مشكور ، أو توبة نصوح من
ذنب مغفور ، فتخير الآن أي الأعمال أنجى لك ؟ و أي الطرق معينة لك على سعيك لما
ينفعك ؟
و قالد
روى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن
وهب بن منبه ، قال : وجدت في زبور
داود ـ عليه السلام ـ : يا داود ، هل تدري من أسرع الناس ممرا على الصراط ؟ الذين
يرضون بحكمي ، و ألسنتهم رطبة من ذكري .
الباب التاسع و العشرون : في ذكر سعة رحمة الله
و من مات على التوحيد
قال الله
تعالى : " و رحمتي وسعت كل شيء " و في
الصحيح " أن النبي صلى الله
عليه و سلم قال : يجيءيوم القيامة ناس من المسلمين ، بذنوب أمثال الجبال ، فيغفرها
الله لهم ، و يضعها على اليهود و النصارى " .
و قد تقدم
" في حديث أبي هريرة : لكل أحد منزل في الجنة و منزل في النار ، فالمؤمن إذا
دخل الجنة ، خلفه الكافر في النار ، لاستحقاقه ذلك بكفره " ، كما " ورد
في الصحيح : هذا فكاكك من النار " . و هذه بشارة
عظيمة للمسلمين أجمعين ، حتى قال
الشافعي و عمر بن عبد العزيز ـ رضي
الله عنهما ـ هذا الحديث أرجى حديث المسلمين ، لما فيه من التصريح بفداء كل مسلم .
و في الصحيحين
" من حديث أبي سعيد مرفوعاً ، إلى أن قال فيه : فيقال أخرجوا من
عرفتم . يعني من النار ـ فتحرم صورهم عن النار ، فيخرجون خلقاً كثيراً ، و قد أخذت
النار إلى نصف ساقيه و إلى ركبتيه ، فيقولون : ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به
، فيقول : ارجعوا ، فمن و جدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقاً
كثيراً إلى أن قال : ثم يقال ارجعوا فمن و جدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه
، فيخرجون خلقاً كثيراً " و كان أبو
سعيد الخدري يقول : إن لم تصدقوني بهذا
الحديث ، فاقرؤوا إن شئتم : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة ، و إن تك حسنة
يضاعفها " الآية . " فيقول الله : شفعت الملائكة ، و شفع النبيون ، و شفع
المؤمنون ، و لم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة من النار ، فيخرج منها قوماً
لم يعملوا خيراً قط ، قد عادوا حمماً ، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة ، يقال له
نهر الحياة ، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ، قال : فيخرجون كاللؤلؤ في
رقابهم الخواتم ، يعرفهم أهل الجنة ، هؤلاء عتقاء الله ؟ الذين أدخلهم الجنة بغير
عمل عملوه ، و لا خير قدموه ، ثم يقال : ادخلوا الجنة ، فما رأيتموه فهو لكم ،
فيقولون : ربنا ، أعطيتنا ما لم تعط لأحد من العالمين ، فيقول : لكم عندي أفضل من
هذا ، فيقولون : ربنا ، و أي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول رضائي ، فلا أسخط عليكم بعده
أبداً " .
" و
في حديث أنس بن مالك و ذكر فيه الشفاعة ، مرة بعد مرة ، و أنه صلى
الله عليه و سلم قال : في الآخرة ، فأقول : رب ، أي رب ، أئذن لي فيمن قال : لا
إله إلا الله ، فيقول : الله : و عزتي و جلالي ، و عظمتي و كبريائي ، لأخرجن منها
من قال : لا إله إلا الله " . و " في رواية مسلم :
ليس ذلك لك أو إليك " الحديث .
فصل ـ في رحمته وسعت كل شيء
" و
قد أخبر الله تعالى : أن رحمته و سعت كل شيء ، و أنه كتب على نفسه الرحمة ، و قال
: سبقت رحمتي غضبي ، و غلبت رحمتي غضبي " ، فالجنة دار رحمته ، و النار دار
غضبه ، فثبت أن الجنة ينشأ لها خلقاً في الآخرة ، و يدخلها أيضاً من دخل النار
أولاً ، و يدخلها الأولاد بعمل الآباء ، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيراً قط
، و ثبت أن النار لا يعذب أحد فيها بغير ذنب ، فرحمته واسعة .
حتى إن
جماعة من المفسرين ، ذكروا قصة فرعون : قال جبريل : يا محمد ، لو رأيتني ، و أنا
أدس الطين في في فرعون ، مخافة أن يقول فرعون كلمة يرحمه الله بها ، فهذا جبريل من
أعظم رسل الملائكة ، قد علم سعة رحمة الله ، ففعل ذلك مخافة إدراك الرحمة له ، مع
أنه قال : " أنا ربكم الأعلى " .
فصل ـ في أن من مات موحداً داخل الجنة
و مما
ينبغي أن يعلم ، أن مذهب أهل السنة و الجماعة من السلف و الخلف ، أن من مات موحداً
أدخل الجنة قطعاً على كل حال ، فإن كان سالماً من المعاصي ، كالصغير ، و المجنون
الذي اتصل جنونه بالبلوغ ، و التائب توبة نصوحاً صحيحة من الشرك أو غيره من
المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته ، و من نشأ في عبادة الله و لم يقارف معصية
أصلاً ، كل هؤلاء يدخلون الجنة و لا يدخلون النار لكنهم يردونها على الخلاف
المعروف في الورود . و الصحيح إن شاء الله تعالى على ما ذكره جماعة من
العلماء ، أن المراد بالورود ، المرور على
الصراط و هو منصوب على ظهر جهنم ، أجارنا الله من حرها و بردها .
و أما من
مات من أهل المعاصي ، أو له معصية كبيرة و لم يتب منها ، فهو داخل تحت مشيئة الله
، إن شاء عذبه بمقدار ذنبه ، أو القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة ، و إن شاء عفا
عنه مطلقاً ، فلا يخلد أحد في النار مات على التوحيد ، و لو عمل من المعاصي ما عمل
، و هذا من أحسن ما يتسلى به من مات له قريب أو صاحب من أهل المعاصي ، و مات و ما
يعلم هل تاب من المعاصي أم لا ؟
قال أبو ذكريا النووي ـ رحمه الله ـ : و قد تظاهرت الأدلة من الكتاب
و السنة ، و إجماع من يعتد به ، على هذه القاعدة ، و تواترت بهذه نصوص تحصل العلم
القطعي بذلك . انتهى كلامه .
و يؤكد ذلك
ما ثبت في الصحيح ، " من حديث عثمان ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله
عليه و سلم : من مات و هو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " .
قال القاضي عياض
: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين ، فقالت المرجئة : لا
تضره المعصية مع الإيمان . و قالت الخوارج : تضره و يكفر بها . و قالت المعتزلة :
يخلد في النار إذا كانت كبيرة ، و لا يوصف بأنه مؤمن و لا كافر ، لكنه فاسق .و
قالت جماعة من العلماء : بل هو مؤمن ، و
إن لم يغفر له ، و إن عذب ، فلا بد من إخراجه من النار ، و إدخاله الجنة . قال : و
هذا الحديث حجة على الخوارج و المعتزلة ، و أما المرجئة ، فإن احتجت بظاهره ، قلنا
: نحمله على أنه غفر له و خرج من النار بالشفاعة ، ثم أدخل الجنة و يكون معنى قوله
عليه السلام : دخل الجنة : أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب . و هذا لا بد من تأويله
، لما جاء في ظواهر كثيرة ، من عذاب بعض العصاة . انتهى كلامه .
و من هذا
الباب ، ما ثبت في الصحيح ، أن
أبا الأسود الديلي ، " حدثه
أبو ذر ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هو نائم على قميص أبيض ،
ثم أتيته فإذا هو نائم ، ثم أتيته و قد استيقظ ، فجلست إليه ، فقال : ما من عبد
قال : لا إله إلا الله ، ثم مات على ذلك ، إلا دخل الجنة .قلت : و إن زنى و إن سرق
؟ قال : و إن زنى و إن سرق . ثلاث مرات . ثم قال في الرابعة : على رغم أنف أبي ذر
. قال : فخرج أبو ذر ، و هو يقول : و إن رغم أنف أبي ذر " . و فيه رد على
الخوارج . و على المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار .
" و
في رواية ل البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
أتاني جبريل ، فقال : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة . قلت : و إن
زنى و إن سرق قال : و إن زنى و إن سرق " . و هو حديث أبي ذر .
و في الصحيح
" من حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من مات لا يشرك
بالله شيئاً دخل الجنة ، و من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار " و " في
لفظ: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة " . و "في رواية : من قال
لا إله إلا الله دخل الجنة " و " في لفظ : من شهد أن لا إله إلا الله و
أني رسول الله دخل الجنة " .
" و
في حديث معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه و
سلم أنه قال : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " .
" و
عنه أيضاً مرفوعاً : من لقي الله ، لا يشرك به شيئاً دخل الجنة " .و "
في رواية : ما من عبد ، يشهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، إلا
حرمه الله على النار " . و زاد في
صحيح البخاري و مسلم ، " من
حديث عبادة بن الصامت : على ما كان من عمل " .
و في صحيح البخاري و مسلم ، " من حديث أنس ،
أن نبي الله صلى الله عليه و سلم ، و معاذ
بن جبل رديفه على الرحل ، قال : يا معاذ ،
قال : لبيك و سعديك يا رسول الله ، قال : يا معاذ قال : لبيك و سعديك يا رسول الله
، قال : يا معاذ قال : لبيك و سعديك يا رسول الله ، قال : ما من عبد ، يشهد أن لا
إله إلا الله ، و أن محمداً عبده و رسوله ، إلا حرمه الله على النار . قال : أو لا
أخبر بها الناس فيستبشروا ؟ قال : إذاً يتكلوا " ، فأخبر بها عند موته تأثماً
ـ يعني مخافة الإثم ـ .
و في
لفظ مسلم
" من حديث عبادة ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من
شهد أن لا إله إلا الله ، و ان محمداً رسول الله ، حرم الله عليه النار " .
" و
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قلت : يا رسول الله ، من أسعد الناس بشفاعتك
؟ فذكره ، قال : أسعد الناس بشفاعتي ، من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قبل
نفسه " . رواه البخاري .
" و
عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لكل نبي دعوة مستجابة ،
فتعجل كل نبي دعوته ، و إني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة ، فهي نائلة إن
شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " . رواه مسلم .
" و في لفظ له : حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله " .
و قد ورد
في ذلك عدة أحاديث ، و غالب هذه الأحاديث سردها
مسلم في صحيحه
في باب واحد ، في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت . لكن قال سعيد بن المسيب ، عند سماعه هذه الأحاديث : إن هذا قبل نزول
الفرائض و الأمر و النهي . و هذا القول عن
سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ ليس
بشيء . و قال بعض العلماء : هو خطأ ، لأن
راوي أحد هذه الألفاظ أبو هريرة ، و هو متأخر الإسلام ، اسلم عام خيبر ، سنة سبع
بالاتفاق ، و كانت أحكام الشريعة مستقرة ، كالصلاة و الزكاة و الصيام و نحوها ،
فعلم ضعف هذا القول ، و الله تعالى أعلم . و قال بعض العلماء : هي مجملة تحتاج إلى شرح ، و معناه : من قال
الكلمة و أدى حقها و فريضتها . و هذا قول
الحسن البصري . و قيل : إن ذلك لمن
قالها عند الندم و التوبة و مات على ذلك ، و هذا قول البخاري
. و قد تقدم في أول الباب حملها على ظاهرها ، و أن مذهب السلف و الخلف من
الفقهاء و أهل الحديث ، على أن من مات موحداً دخل الجنة ، و إن كان من أهل المعاصي
، و أنه داخل تحت المشيئة . و الله تعالى أعلم .
و عن أبي جعفر
، قال : لما حضر أبا زرعة الموت ، و عنده أبو حاتم ، و محمد بن مسلم ،
و المنذر بن شاذان ، و جماعة من العلماء ،
هابوا أن يلقنوه الشهادة ، فقال بعضهم لبعض : تعالوا نذكر الحديث ، فقال محمد
بن مسلم
: حدثنا الضحاك ، عن
عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح ، و
لم يجاوز ، و قال أبو حاتم : حدثنا
بندار ، عن أبي عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح ، و لم يجاوز . و الباقون سكوت ،
فقال أبو زرعة : " ثنا بندار ، عن أبي عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب ، عن كثير بن مرة الحضرمي ، عن
معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال
: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل
الجنة " . ثم توفي في ساعته رحمة الله عليه .
و عن عبيد بن عياش
، قال : لما مات النوار امراة الفرزدق ، شهدها الحسن البصري
، فلما سوي عليها التراب : وثب الفرزدق لينصرف ، فقال للحسن : يا أبا سعيد
، أما تسمع ما يقول الناس ؟ قال : و ما يقول الناس ؟ قال : يقولون : اجتمع في هذه
الجنازة خير الناس و شر الناس ، يعنونك و يعنونني ، فقال الحسن : ما أنا بخيرهم ،
و ما أنت بشرهم ، و لكن ما أعددت لهذا اليوم ؟ فقال : يا أبا سعيد ، شهادة أن لا
إله إلا الله ، فبكى الحسن ، ثم التزم الفرزدق فقال : لقد كنت من أبغض الناس إلي ،
و إنك اليوم من أحب الناس إلي .
الباب الثلاثون : في فضل الزهد في الدنيا و
التسلية عنها و الرغبة في الآخرة
قال الله
تعالى : " قل متاع الدنيا قليل و الآخرة خير لمن اتقى و لا تظلمون فتيلاً
" فالاستمتاع بالدنيا قليل ، و متعتك بها قليل من قليل ، و ثواب الآخرة خير و
أفضل لمن اتقى المعاصي و أقبل على الطاعات .
و مما
ينبغي أن يعلم : أن هذا الباب من أنفع الأبواب لمن تدبره ، فإن الدنيا دار قلعة و
زوال ، و منزل نقلةو ارتحال ، و محل نائبه و امتحان ، و متاع غرور و افتتان ، فلا
ييأس على ما فات منها ، و لا يفرح على ما وجد منها ، و لا يجزع على ولد أو نفس
تموت ، و لا يحزن على أمر يفوت .
"
عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : أخذ رسول الله صلى
الله عليه و سلم بمنكبي ، فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " . و
كان ابن عمر يقول : إذا أمسيت ، فلا تنتظر الصباح ، و إذا أصبحت ، فلا تنظر السماء
، و خذ من صحتك لمرضك، و من حياتك لموتك . رواه
البخاري .
قال جماعة
من العلماء في تفسير هذا الحديث : لا تركن إلى الدنيا ، و لا تتخذها وطناً ، و لا
تحدث نفسك بطول البقاء فيها ، و لا بالاعتناء بها ، و لا تغتر بها ، فإنها غرارة
خداعة ، و لا تتعلق إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه ، و لا تشتغل فيها إلا
بما يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله ، و بالله فاستعن .
" و عن
سهل بن سعد الساعدي ، قال : جاء
رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله ، دلني على عمل ، إذا
عملته أحبني الله ، و أحبني الناس ، فقال : ازهد في الدنيا ، يحبك الله ، و ازهد
فيما عند الناس ، يحبك الناس " . رواه
ابن ماجة و غيره بإسناد جيد . و
لوائح الصحة ظاهرة عليه .
"
وعنه أيضاً ، رفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : لو أن الدنيا تعدل عند
الله جناح بعوضة ، ما سقى كافر منها شربة ماء " . رواه الترمذي
، و قال حديث صحيح .
" و
عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ألا إن الدنيا
ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله و ما والاه ، و عالماً و متعلماً " .
رواه الترمذي و قال : حديث حسن .
وروى الترمذي
أيضاً ، " عن كعب بن عياض ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم
يقول : لكل أمة فتنة ، و فتنة أمتي المال " . قال الترمذي
: حديث حسن صحيح .
وروى الترمذي
، و حسنه و صححه ، " عن عثمان ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال
: ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يواري عورته ، و جلف
الخبز و الماء " ـ قال ابن فارس في مجمله : وعاء الشيء جلفه ـ قال الترمذي
: سمعت أبا داود يقول : سمعت
النضر بن شميل يقول : الجلفة :
الخبز ليس معه إدام . و قال غيره : هو غليظ الخبز ، و قال الهروي
: و المراد به هنا وعاء الخبز ، كالجوالق و الخرج و نحوه ، و الله أعلم .
و في صحيح مسلم
، " عن عبد الله بن
الشخير ، قال : أتيت رسول الله صلى الله
عليه و سلم و هو يقرأ : " ألهاكم التكاثر " قال : يقول ابن آدم : : مالي
مالي ، و هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأ فنيت ، أو لبست فأبليت ، أو
تصدقت فأمضيت ؟ " .
و في صحيح البخاري و مسلم ، من حديث
أبي سعيد ، قال : جلس رسول الله
صلى الله عليه و سلم على المنبر ، و جلسنا حوله ، فقال : " إن مما أخاف عليكم
بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا و زينتها " .
و في صحيح مسلم
، " عنه أيضاً ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن الدنيا
حلوة خضرة ، و إن الله مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعلمون ؟ فاتقوا الدنيا و اتقوا
النساء " .
و في مسلم
أيضاً ، " عن أنس بن
مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول
الله صلى الله عليه و سلم : يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة ،
فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال : يا ابن آدم ، هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم
قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب ، و يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ،
فيصبغ في الجنة صبغة ، فيقال له : يا ابن آدم ، هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مر بك شدة
قط ؟ فيقول : لا و الله ، ما مر بي بؤس قط ، و لا رأيت شدة قط " .
و في مسلم
أيضاً ، " من حديث جابر بن
عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه و
سلم مر بالسوق ، و الناس كنفتية ، فمر بجدي أسك ميت ، فتناوله ، فأخذ بأذنه ، فقال
: أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، و ما نصنع به ؟ قال
: تحبون أنه لكم ؟ قالوا : و الله ، لو كان حياً كان عيباً أنه أسك ، فكيف و هو
ميت ؟ فقال : و الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " . قوله : كنفتيه أي
من جانبيه . و الأسك الصغير الأذن .
" و
عن شهر بن حوشب ، عن
عبادة بن الصامت ، قال : أراه رفعه
النبي صلى الله عليه و سلم قال : يجاء بالدنيا يوم القيامة ، فيقال : ميزوا ما كان
منها لله عز و جل ، و ألقوا سائرها في النار " . رواه ابن أبي الدنيا .
وروي أيضاً
، " عن عبادة بن العوام ، عن هشام أو عوف ، عن الحسن مرسلاً ، أن النبي
صلى الله عليه و سلم قال : حب الدنيا رأس كل خطيئة " .
و اعلم ،
أنه من أحب دنياه ، أضر بآخرته ، و من أحب آخرته ، أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى
على ما يفنى .
" و
عن الحسن مرسلاً ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قالوا له : يا رسول الله ، من
خيرنا ؟ قال : أزهدكم في الدنيا ، و أرغبكم في الآخرة " و " قال رسول
الله صلى الله عليه و سلم : من زهد في الدنيا ، أسكن الله الحكمة قلبه ، و أطلق
بها لسانه ، و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها ، و أخرجه منها سالماً مسلماً إلى
دار السلام " . رواه ابن أبي
الدنيا .
فصل ـ في العجب ممن يسعى لدار الغرور
و من العجب
كل العجب ، يصدق بدار الخلود ، و هو يسعى لدار الغرور ، فمن أحبه الله حماه عن
الدنيا ، كما يحمي أحدكم مريضه عن الماء . " و قد ورد في الحديث مرفوعاً : إن
الله لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا ، و إنه منذ خلقها ، لم ينظر إليها "
.
و روى ابن أبي الدنيا في ذم
الدنيا : قال مالك بن دينار : قالوا لعلي
ـ رضي الله عنه ـ : يا أبا الحسن ، صف لنا الدنيا ؟ قال : أطيل أم اقصر ؟ قالوا :
بل أقصر ، قال : حلالها حساب ، و حرامها النار . و عنه أيضاً : قالوا : يا أمير
المؤمنين ، صف لنا الدنيا ؟ قال : و ما أصف لكم من دار ؟ من صح فيها أمن ، و من
سقم فيها ندم ، و من افتقر فيها حزن ، و من استغنى فيها فتن ، في حلالها الحساب ،
و في حرامها النار .
و روي عن
يونس بن عبيد ، قال : ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم ، فرأى في منامه ما يكره و ما
يحب ، فبينما هو كذلك إذ انتبه .
و قال
الحسن بن علي : الدنيا ظل زائل .
و قال أبو سليمان الداراني : إذا كانت الآخرة في القلب : جاءت الدنيا
تزحمها ، و إذا كانت الدنيا في القلب ، لم تزحمها الآخرة ، لأن الآخرة كريمة ، و
الدنيا لئيمة .
و قال الأوزاعي
: سمعت بلالاً بن سعيد يقول : و الله لكفى به ذنباً ، أن الله عز و جل يزهد
في الدنيا و نحن نرغب فيها ، فزاهدكم راغب ، و مجتهدكم مقصر ، و عالمكم جاهل .
فصل ـ في أن شرور الدنيا كأحلام نوم
و اعلم أن
شرور الدنيا كأحلام نوم ، أو كظل زائل ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً ، و إن سررت
يوماً أو أياماً ساءت أشهراً و أعواماً، و إن متعت قليلاً منعت طويلاً ، و ما حصلت
للعبد فيها سروراً إلا خبأت له أضعاف ذلك شروراً .
قال ابن مسعود
: لكل فرحة ترحة و ما ملىء بيت فر حاً إلا ملىء ترحاً .
قال ابن سيرين
: ما من ضحك إلا يكون بعده بكاء .
و قالت هند
بنت النعمان : لقد رأيتنا ، و نحن من أعز الناس ، و أشدهم ملكاً ، ثم لم تغب الشمس
، حتى رأيتنا و نحن أذل الناس ، و إنه حق على الله عز و جل ، أن لا يملأ داراً
حبرة ، إلا ملأه عبرة . و سألها رجل أن تحدثه عن أمرها ، فقالت أصبحنا ذات صباح ،
و ما في العرب أحد إلا يرجونا ، ثم أمسينا ، و ما في العرب أحد إلا يرحمنا . و بكت
أختها حرقة بنت النعمان يوماً و هي في عزها ، فقيل لها : ما يبكيك ؟ فذكر أنها
قالت : رأيت كثرة أهلي و سرورهم ، و قلما املأت دار سروراً إلا املأت حزناً . قال
إسحاق بن طلحة : دخلت عليها يوماً فقلت لها : كيف رأيت عبرات الملوك ؟ فقالت : ما
نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس ، إنا نجد في الكتب : أنه ليس من أهل بيت
يعيشون في حبرة إلا سيعقبون بعدها عبرة ، و إن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا
بطن لهم بيوم يكرهونه ، ثم قالت :
فبينا نسوس الناس ، و المر أمرنا
إذ نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا ، لا يدوم نعيمها تقلب تارات بنا أو تصرف
" و
في الحديث مرفوعاً : ما مثلي و مثل الدنيا ، إلا كراكب سار في يوم صائف ، فاستظل
تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح و تركها " . رواه ابن أبي الدنيا
و روى
أيضاً : قال عيسى عليه السلام : ويل لصاحب الدنيا ، كيف يموت و يتركها ؟ يأمنها
وتغره ، ويثق بها وتخذله ، ويل للمغترين ، كيف أرقهم ما يكرهون ، وفارقهم ما يحبون
، وجاءهم ما يوعدون ، ويل لمن الدنيا همته ، و الخطايه عمله ، كيف يفتضح غدا بذنبه
؟ !
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن
وهب بن منبه ، قال عيسى عليه
السلام : بحق أقول لكم ، كما ينظر المريض إلى طيب الطعام ولا يلتذ من شدة الوجع ،
كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ، ولا يجد حلاوتها ، مع ما يجد من حب الدنيا ،
إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها ، كذلك القلوب ، إذا لم ترق بذكر
الموت ، و دأب العبادة ، تقسو وتغلظ .
فصل ـ في اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً
" و
ثبت في الصحيح مرفوعاً : اللهم اجعل رزق آ ل محمد قوتاً
" .
قال أهل
اللغة : القوت : ما يسد الرمق ، وفيه دلالة
على فضيلة التقليل من الدنيا ، و الاقتصار على القوت منها ، و الدعاء بذلك
، و الله أعلم ، فإن الدخول في الدنيا ، و الميل إليها على خطر عظيم ، " كما
تقدم في الصحيح مرفوعاً : إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح
عليكم من زهرة الدنيا " قال العلماء :
في التحذير من الاغترار بالدنيا ، و النظر إليها ، و المفاخرة بها ،
فالدنيا ، و إن أقبلت على الشخص من وجه حل ، يخاف عليه الفتنة ، و الاشتغال بها عن
كمال الإقبال على الآخرة ، فإن وفق لإعطاء المسكين و اليتيم و ابن السبيل ، و صرفه
في وجوه البر ،كان من الفائزين ، و إلا كان من الهالكين .
وقد ثبت
في صحيح مسلم " عن
المستورد بن شداد الفهري ، أنه سمع
رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما الدنيا في الآخرة ، إلا مثل مايجعل أحدكم
إصبعه في اليم ، فلينظر بما ترجع إليه " .
" و
قال معاوية : سمعت ـ على هذا المنبر ـ رسول الله صلى الله
عليه و سلم يقول : إنما بقي من الدنيا بلاء و فتنة ، و إنما مثل عمل أحدكم ، كمثل
الوعاء ، إذا طاب أعلاه طاب أسفله ، و إذا خبث أعلاه خبث أسفله " .
و قال علي
بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : من زهد في الدنيا ، هانت عليه المصائب ، و من
ارتقب الموت ، سارع في الخيرات .
و قال الحسن البصري
: و الذي نفسي بيده ، لقد أدركت أقواماً ، كانت الدنيا عليهم أهون عليهم من
التراب الذي تمشون عليه .
ثم علامة
الشقاء قسوة القلب ، و جمود العين ، و طول الأمل ، و الحرص على الدنيا .
و قال الفضيل بن عياش : علامة السعادة اليقين في القلب ، و الورع في
الدنيا ، و الزهد في الدنيا ، و الحياء و العلم .
و قال الفضيل
أيضاً : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالاً لا أحاسب بها في الآخرة ،
لكنت أتجنبها كما يتجنب أحدكم الجيفة ـ إذا مر بها ـ أن تصيب ثوبه .
و قال أبو الهاشم الزاهد : خلق الله الداء و الدواء ، فالداء الدنيا ، و
الدواء تركها .
فصل ـ في أن الدنيا دار ممر
حضر بعض
الرؤساء صلاة الجمعة ، و به مرض لا يحتمل معه تطويل الخطبة ، فصعد الخطيب المنبر ،
فقال : الحمد لله رب العالمين ، و صلواته على أشرف النبياء و المرسلين ، أما بعد :
فإن الدنيا دار ممر و الآخرة دار مقر ، فخذوا لمقركم من ممركم ، و لا تهتكوا
أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم ، و أخرجوا الدنيا من قلوبكم ، قبل أن تخرج
منها أبدانكم ، أقول قولي هذا ، و أستغفر الله لي و لكم .
فما أبلغ
هذه الخطبة و أفصحها ، و أوجزها ! فعمر الدنيا و الله قصير ، و أغنى غني فيها فقير
، و كأني بك في عرصة الموت و قد استنشقت ريح الغربة قبل الرحيل ، و رأيت أثر اليتم
في الولد قبل الفراق ، فتيقظ إذن من رقدة الغفلة ، و انتبه من السكرة ، و اقلع حب
الدنيا من قلبك ، فإن العبد إذا أغمض عينه و تولى ، تمنى الإقالة فقيل كلا .
قال أبو عمران الجوني : مر سليمان بن داود عليهما السلام في موكبه ،
و الطير تظله ، و الجن و الإنس عن يمينه و شماله ، قال : فمر عابد من عباد بني
إسرائيل ، فقال : و الله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكاً عظيماً ! ! قال : فسمع
سليمان كلمته فقال : تسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود ، و ما أعطي ابن
داود يذهب ، و التسبيحة تبقى .
فصل ـ في أن هذه الدار
رحلة
من بذل
وسعه في التفكير التام ، علم أن هذه الدار رحلة ، فجمع للسفر رحلة و يعلم أن مبدأ
السفر من ظهور الآباء إلى بطن الأمهات ، ثم إلى الدنيا ، ثم إلى القبر ، ثم إلى
الحشر ، ثم إلى دار الإقامة الأبدية ، فدار الإقامة هي دار السلام من جميع الآفات
، و هي دار الخلود ، و العدو سبانا إلى دار الدنيا ، فنجتهد في فكاك أسرنا ، ثم في
حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى ، وفي مثل هذا قيل :
فحي على جنات عدن فإنها
منازلك الأولى و فيها المخيم
و لكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا و نسلم
و ليعلم أن
مقدار السير في الدنيا يسير و يقطع بالأنفاس ، و يسير بالإنسان سير السفينة لا يحس
بسيرها و هو جالس فيها ، كما قيل :
إنما هذه الحياة متاع فالغوي الشقي من يصطفيها
مامضى فات و المؤمل غيب و لك الساعة التي أنت فيها
و لا بد له
في سفره من زاد ، و لا زاد إلى الآخرة إلا التقوى ، فلا بد من تعب الشخص و التصبر
على مرارة التقوى ، لئلا يقول وقت السير : ارجعون ، فيقال : كلا . فليتنبه الغافل
من كسل مسيره ، فإن الله تعالى يريه في قطع مسافة سفره آيات يرسلها تخويفاً لعباده
، لئلا يميلوا عن طريقهم المستقيم ، و نهجهم القويم ، فمن مالت به راحلته عن طريق
الاستقامة ، فرأى ما يخاف منه ، فليرغب
إلى الله بالرجوع إليه عما ارتكبه من السبل فيتوب من معصيته ، و يبكي من قسوته ،
فإذا انتبه من رقدة كسله ، علم أن الدنيا دار غرور طبعت على كدر . كما روى ابن أبي الدنيا قال : أنشدني
الحسن بن السكن :
حياتك بالهم مقرونة فما تقطع العيش إلا بهم
لذاذات دنياك مسمومة فما تأكل الشهد إلا بسم
إذا تم أمر بدا نقصه توقع زلولاً إذا قيل تم
و كما قيل
في المعنى :
حكم المنية في البرية جار ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
طبعت على كدر و أنت تريدها
صفواً من الأقذاء و الأكدار
و قال بعض
السلف : احذروا دار الدنيا فإنها أسحر من هاروت و ماروت ، فإنهما يفرقان بين المرء
و زوجه ، و الدنيا تفرق بين العبد و ربه .
و ذكر ابن أبي الدنيا هذا الأثر مرفوعاً ، قال جعفر بن سليمان : سمعت مالكاً يقول : اتقوا السحارة فإنها تسحر
قلوب العلماء ـ يعني الدنيا ـ .
و ذكر ابن أبي الدنيا بإسناده إلى
الحسن البصري أنه كتب إلى عمر بن
عبد العزيز : أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة ، و إنما أنزل إليها آدم
عقوبة ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، فإن الزاد منها تركها ، و الغنى منها فقرها ،
لها في كل حين قتيل ، تذل من أعزها ، و تفقر من جمعها ، هي كالسم يأكله من لا
يعرفه و هو حتفه فكن كالمداوي جراحته ، يحتمي قليلاً ، مخافة ما يكره طويلاً ، و يصبر على شدة الدواء
، مخافة طول البلاء ، فاحذر هذه الدار الغرارة الحيالة الخداعة ، التي ازينت
بخدعها و فتنت بغرورها ، و ختلت بآمالها ، و تشرفت لخطابها ، فأصبحت كالعروس
المجلية ، فالعيون إليها ناظرة ، و القلوب عليها والهة ، و النفوس لها عاشقة ، و
هي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر ، و لا الآخر على الأول مزدجر ،
و لا العارف بالله عز و جل حين أخبر عنها مدكر ، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته
فاغتر و طغى و نسي المعاد ، فشغل فيها لبه حتى زالت عنها قدمه ، فعظمت ندامته ، و
كثرت حسرته ، فخرج بغير زاد ، و قدم على غير مهاد ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، و
كن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها ، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور
، أشخصه إلى مكروه ، قد وصل الرخاء منها بالبلاء ، و جعل البقاء فيها إلى فناء ،
فسرورها مشوب بالحزن ، لا يرجع منها ما ولى فأدبر ، و لا يدرى ما هو آت فينتظر أما
نيها كاذبة ، و آمالها باطلة ، و صفوها كدر ، و عيشها نكد ، و ابن آدم فيها على
خطر ، و لقد عرضت على نبيك محمد صلى الله عليه و سلم بمفاتيحها و خزائنها ، فأبى
أن يقبلها ، كره أن يحب ما أبغض خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه ، فزواها عن
الصالحين اختياراً ، و بسطها لأعدائه اغتراراً . جاءت الرواية أنه تبارك و تعالى
قال لموسى عليه السلام : إذا رأيت الغني مقبلاً فقل : ذنب عجلت عقوبته ، و إذا
رأيت الفقر مقبلاً فقل : مرحباً بشعار الصالحين .
و الحمد
لله رب العالمين ، و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً .
و في آخر
المخطوط التي تمت الطباعة وفقاً له ما يأتي بخط المؤلف :
علقها
مؤلفاً محمد بن محمد بن محمد المنبجي
الحنبلي كان الله له و سامحه بمنه وكرمه
من نسخة أصله في رجب الفرد سنة سبع و سبعين و سبعمائة أحسن الله عا قبتها .
[تم ]