الباب التاسع :- في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد

تلبيس ابليس

2

 

 ( الباب التاسع ) في ذكر تلبيسه على الزهاد .

( الباب العاشر ) في ذكر تلبيسه على الصوفية .

( الباب الحادي عشر ) في ذكر تلبيسه على المتدينين بما يشبه الكرامات .

( الباب الثاني عشر ) في ذكر تلبيسه على العوام .

( الباب الثالث عشر ) في ذكر تلبيسه على الكل بتطويل الأمل .

 

 

الباب التاسع :- في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد

قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أن النجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبس عليه إبليس : بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا فيخرج على وجهه إلى الجبال فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش ويخيل إليه أن هذا هو الزهد الحقيقي . كيف لا وقد سمع عن فلان أنه هام على وجهه وعن فلان أنه تعبد في جبل وربما كانت له عائلة فضاعت أو والدة فبكت لفراقه وربما لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي وربما كانت عليه مظالم لم يخرج منها ، وإنما يتمكن إبليس من التلبيس على هذا لقلة علمه ومن جهله رضاه عن نفسه بما يعلم ولو أنه وفق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرفه أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما من الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلي فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة . ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع ، وإن الخروج إلى الجبال المنفردة منهي عنه فإن النبي صضص نهى أن يبيت الرجل وحده وأن التعرض لتركه الجماعة والجمعة خسران لا ربح والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل . وفراق الوالد والوالدة في مثل هذا عقوق والعقوق من الكبائر ، وأما من سمع عنه أنه خرج إلى جبل فأحوالهم تحتمل أنهم لم يكن لهم عيال ولا والد ولا والدة فخرجوا إلى مكان يتعبدون فيه مجتمعين ، ومن لم يحتمل حالهم وجها صحيحا فهم على الخطأ من كانوا ، وقد قال بعض السلف : خرجنا إلى جبل نتعبد فجاءنا سفيان الثوري فردنا .

 

 تلبيسه على الزهاد

ومن تلبيسه على الزهاد : إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وبيان ذلك : أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه والعالم نفعه متعد . وكم قد رد إلى الصواب من متعبد .

 

 فصل

ومن تلبيسه عليهم : أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير ، ومنهم من لا يذوق الفاكهة ، ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه ويعذب نفسه بلبس الصوف ويمنعها الماء البارد وما هذه طريقة الرسول صضص ولا طريق أصحابه وأتباعهم . وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا شيئا فإذا وجدوا أكلوا . وقد كان رسول الله صضص يأكل اللحم ويحبه ويأكل الدجاج ويحب الحلوى ويستعذب له الماء البارد ، ويختار الماء البائت فإن الماء الجاري يؤذي المعدة ولا يروي . وقد كان رجل يقول : أنا لا آكل الخبيص لأني لا أقوم بشكره ، فقال الحسن البصري : هذا رجل أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد .

وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل في سفرته اللحم المشوي والفالوذج . وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته ولا بد من الرفق بها ليصل بها إلى المقصود فليأخذ ما يصلحها وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوات فإن ذلك يؤذي البدن والدين .

ثم إن الناس يختلفون في طباعهم فإن الأعراب إذا لبسوا الصوف واقتصروا على شرب اللبن لم نلمهم لأن مطايا أبدانهم تحمل ذلك . وأهل السواد إذا لبسوا الصوف وأكلوا الكوامخ لم نلمهم أيضا ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه لأن هذه عادة القوم . فأما إذا كان البدن مترفا قد نشأ على التنعم فإنا ننهي صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه . فإن تزهد وآثر ترك الشهوات إما لأن الحلال لا يحتمل السرف أو لأن الطعام اللذيذ يوجب كثرة التناول فيكثر النوم والكسل فهذا يحتاج أن يعلم ما يضر تركه وما لا يضر فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس .

وقد ظن قوم أن الخبز القفاز يكفي في قوام البدن ولو كفى إلا أن الاقتصار يؤدي من جهة أن أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض والحلو والحار والبارد والممسك والمسهل . وقد جعل أسباب مثل أن يقل عندها البلغم الذي لا بد في قوامها منه فتشتاق إلى اللبن ويكثر عندها الصفراء فتميل إلى الحموضة فمن كفها عن التصرف على مقتضى ما قد وضع في طبعها مما يصلحها فقد آذاها إلا أن يكفها عن الشبع والشره وما يخاف عاقبته فإن ذلك يفسدها . فأما الكف المطلق فخطأ فافهم هذا ولا يلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فإن اتباع الشارع وصحابته أولى . وكان ابن عقيل يقول : ما أعجب أموركم في المتدين إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة ، بين تجرير أذيال المرح في الصبا واللعب . وبين إهمال الحقوق وإطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد فهلا عبدوا على عقل وشرع .

 

 فصل

ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم والملبس فحسب . فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم ويكرمون الأغنياء دون الفقراء ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة ، وربما رد أحدهم المال لئلا يقال قد بدا له من الزهد وهم من ترغد الناس إليهم وتقبيل أي ديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا لأن غاية الدنيا الرياسة .

 

 تلبيسه على العباد

وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء . فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس مثل إظهار النحول وصفار الوجه وشعث الشعر ليستدل به على الزهد . وكذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة ومثل هذه الظواهر لا تخفى . وإنما نشير إلى خفي الرياء . وقد قال النبي صضص "إنما الأعمال بالنيات" ومتى لم يرد بالعمل وجه الله عز وجل لم يقبل . قال مالك بن دينار : قولوا لمن لم يكن صادقا لا تتعب .

واعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله سبحانه وتعالى ، وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلبس الأمر فنجانه منه صعبة . وفي الحديث مرفوعا عن يسار قال لي يوسف بن أسباط : تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمت في اثنتين وعشرين سنة .

وفي الحديث مرفوعا عن إبراهيم الحنظلي قال سمعت بقية بن الوليد يقول سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان ، دخلت عليه في صومعته فقلت له : يا سمعان ، منذ كم أنت في صومعتك هذه ؟ قال : منذ سبعين سنة . قلت : ما طعمك ؟ قال : يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت : أحببت أن أعلم . قال : في كل ليلة حمصة . قلت : فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة . قال : ترى الذين بحذائك ؟ قلت : نعم . قال : إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظمونني بذلك ، وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة ، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة ، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد . فوقر في قلبي المعرفة . فقال : أزيدك ؟ قلت : نعم . قال : انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى إلى ركوة فيها عشرون حمصة ، فقال لي : ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك . فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى فقالوا : يا حنيفي ، ما الذي أدلى إليك الشيخ ؟ قلت : من قوته . قالوا : وما تصنع به ؟ نحن أحق ، ساوم . قلت : عشرين دينارا . فأعطوني عشرين دينارا ، فرجعت إلى الشيخ فقال : أخطأت ، لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك ، هذا عز من لا يعبده ، فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي ، أقبل على ربك .

قلت : ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حدرا عليها وبهرجوها بضدها ، فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل ، وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول ، وكان ابن أدهم إذا مرض يرى عنده ما يأكله الأصحاء . وبالإسناد عن عبد الله بن المبارك عن بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول : كان رجل من أفضل أهل زمانه ، وكان يزار فيعظمهم ، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال : إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في هذه حالة من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم ، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له حاجته ، وإن اشترى بيعا أن يقارب لمكان دينه ، وإن لقي حيي ووقر لمكان دينه فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك فعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه فلما رآه الرجل قيل له : هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك . فقال : وما يصنع قال للكلام الذي وعظت به ، فسأل غلامه : هل عندك طعام ؟ فقال : شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به . فأمر به فأتى على مسح فوضع بين يديه ، فأخذ يأكل منه وكان يصوم النهار ولا يفطر ، فوقف عليه الملك فسلم عليه فأجابه بإجابة خفية وأقبل على طعامه يأكله ، فقال الملك : أين الرجل ؟ فقيل له : هو هذا . قال : هذا الذي يأكل ؟ قالوا : نعم . قال : فما عند هذا من خير . فأدبر ، فقال الرجل : الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به .

وفي رواية أخرى عن وهب ، أنه لما أقبل الملك قدم الرجل طعامه فجعل يجمع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت فيأكل أكلا عنيفا . فقال له الملك : كيف أنت يا فلان ؟ فقال : كالناس . فرد الملك عنان دابته وقال : ما في هذا من خير . فقال : الحمد لله الذي أذهبه عني وهو لائم لي .

وبإسناد عن عطاء قال : أراد أبو الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيفا وعرقا وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف فجعل يمشي في الأسواق ويأكل . فقيل للوليد : إن يزيد قد اختلط وأخبر بما فعل فتركه ومثل هذا كثير .

 

 فصل

ومن الزهاد من يستعمل الزهد ظاهرا وباطنا ، لكنه قد علم أنه لا بد أن يتحدث بتركه للدنيا أصحابه أو زوجته . فيهون عليه الصبر كما هان على الراهب الذي ذكرنا قصته مع إبراهيم بن أدهم . ولو أراد الإخلاص في زهده لأكل مع أهله قدر ما ينمحي به جاه النفس ويقطع الحديث عنه فقد كان داود بن أبي هند ، صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله . كان يأخذ غذاءه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق ، فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت ، وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق هكذا كان الناس .

 

 نقد مسالك الزهاد

ومن المتزهدين : من قوته الانقطاع في مسجد أو رباط أو جبل فلذته علم الناس بانفراده وربما احتج لانقطاعه بأني أخاف أن أرى في خروجي المنكرات . وله في ذلك مقاصد : منها الكبر واحتقار الناس ، ومنها أنه يخاف أن يقصروا في خدمته ، ومنها حفظ ناموسه ورياسته فإن مخالطة الناس تذهب ذلك وهو يريد أن يبقى إطراؤه وذكره . وربما كان مقصوده ستر عيوبه ومقابحه وجهله بالعلم فيرى هذا . ويحب أن يزار ولا يزور ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع العوام على بابه وتقبيلهم يده . فهو يترك عيادة المرضى وشهود الجنائز وبقول أصحابه : اعذروا الشيخ فهذه عادته - لا كانت عادة تخالف الشريعة . ولو احتاج هذا الشخص إلى القوت ولم يكن عنده من يشتريه له صبر على الجوع لئلا يخرج لشراء ذلك بنفسه فيضيع جاهه لمشيه بين العوام ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشهرة ولكن في باطنه حفظ الناموس . وقد كان رسول الله صضص يخرج إلى السوق ويشتري حاجته ويحملها بنفسه .

وكان أبو بكر رضي الله عنه يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري . والحديث بإسناد عن محمد بن القاسم قال : روي عن عبد الله بن حنظلة قال : مر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب فقال له ناس : ما يحملك على هذا وقد أغناك الله ؟ قال : أردت أن أدفع به الكبر وذلك أني سمعت رسول الله صضص يقول : "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من الكبر" .

 

 فصل

قال المصنف : وهذا الذي ذكرته من الخروج لشراء الحاجة ونحوها من التبدل كان عادة السلف القدماء وقد تغيرت تلك العادة كما تغيرت الأحوال والملابس . فلا أرى للعالم أن يخرج اليوم لشراء حاجته لأن ذلك يكشف نور العلم عند الجهلة وتعظيمه عندهم مشروع . ومراعاة قلوبهم في مثل هذا يخرج إلى الرياء واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه . وليس كل ما كان في السلف مما لا يتغير به قلوب الناس يومئذ ينبغي أن يفعل اليوم .

قال الأوزاعي : كنا نضحك ونمزح فإذا صرنا يقتدى بنا فلا أرى ذلك يسعنا وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أن أصحابه كانوا يوما يتمازحون فدق رجل الباب فأمرهم بالسكوت والسكون . فقالوا له : تعلمنا الرياء ؟! فقال : إني أكره أن يعصى الله فيكم .

قال المصنف : وإنما خاف قول الجهلة : انظروا إلى هؤلاء الزهاد كيف يفعلون وذلك أن العوام لا يحتملون مثل هذا للمتعبدين .

 

 فصل

ومن هؤلاء قوم لو سئل أحدهم أن يلبس اللين من ثوبه ما فعل لئلا يتوكس جاهه في الزهد ولو خرج روحه لا يأكل والناس يرونه ويحفظ نفسه في التبسم فضلا عن الضحك . ويوهمه إبليس أن هذا لإصلاح الخلق وإنما هو رياء يحفظ به قانون الناموس فتراه مطأطئ الرأس عليه آثار الحزن فإذا خلا رأيته ليث شرى .

 

 فصل

وقد كان السلف يدفعون عنهم كل ما يوجب الإشارة إليهم ويهربون من المكان الذي يشار إليهم فيه والحديث بإسناد عن عبد الله بن خفيف قال : قال يوسف بن أسباط : خرجت من سبج راجلا حتى أتيت المصيصة وجرابي على عنقي ، فقام ذا حانوته يسلم علي وذا يسلم ، فطرحت جرابي ودخلت المسجد أصلي ركعتين أحد قوابي واضطلع رجل في وجهي فقلت في نفسي كم بقاء قلبي على هذا ، فأخذت جرابي ورجعت بعرفي وعنائي إلى سبج فما رجعت إلى قلبي سنتين .

 

 فصل

ومن الزهاد من يلبس الثوب المخرق ولا يخيطه ويترك إصلاح عمامته وتسريح لحيته ليرى أنه ما عنده من الدنيا خير . وهذا من أبواب الرياء ، فإن كان صادقا في إعراضه عن أغراضه كما قيل لداود الطائي : ألا تسرح لحيتك ! فقال : إني عنها لمشغول . فليعلم أنه سلك غير الجادة ، إذ ليست هذه طريقة رسول الله صضص ولا أصحابه ، فإنه كان يسرح شعره وينظر في المرآة ويدهن ويتطيب وهو أشغل الخلق بالآخرة . وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يخضبان بالحناء والكتم . وهما أخوف الصحابة وأزهدهم . فمن ادعى رتبة تزيد على السنة وأفعال الأكابر لم يلتفت إليه .

 

 فصل

ومن الزهاد من يلزم الصمت الدائم وينفرد عن مخالطة أهله فيؤذيهم بقبح أخلاقه وزيادة انقباضه وينسى قول النبي صضص : "إن لأهلك عليك حقا" . وقد كان رسول الله صضص يمزح فيلاعب الأطفال ويحدث أزواجه ، وسابق عائشة إلى غير ذلك من الأخلاق اللطيفة فهذا المتزهد الجاعل زوجته كالأيم وولده كاليتيم لانفراده عنهم وقبح أخلاقه لأنه يرى أن ذلك يشغله عن الآخرة ولا يدري لقلة علمه أن الانبساط إلى الأهل من العون على الآخرة . وفي الصحيحين أن النبي صضص قال لجابر : "هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك" . وربما غلب على هذا المتزهد التجفف فترك مباضعة الزوجة فيضيع فرضا بنافلة غير ممدوحة .

 

 فصل

ومن الزهاد من يرى عمله فيعجبه فلو قيل له : أنت من أوتاد الأرض رأى ذلك حقا . ومنهم من يترصد لظهور كرامته ويخيل إليه أنه لو قرب من الماء قدر أن يمشي عليه ، فإذا عرض له أمر فدعا فلم يجب تذمر في باطنه فكأنه أجير يطلب أجر عمله . ولو رزق الفهم لعلم أنه عبد مملوك والمملوك لا يمن بعمله ، ولو نظر إلى توفيقه للعمل لرأى وجوب الشكر فخاف من التقصير فيه . وقد كان ينبغي أن يشغله خوفه على العمل من التقصير فيه عن النظر إليه كما كانت رابعة تقول : أستغفر الله من قلة صدقي في قولي . وقيل لها : هل عملت عملا ترين أنه يقبل منك ؟ فقالت : إذا كان فمخافتي أن يرد علي .

 

 فصل

ومن تلبيس إبليس على قوم من الزهاد الذي دخل عليهم فيه من قلة العلم أنهم يعملون بواقعاتهم ولا يلتفتون إلى قول الفقيه ، قال ابن عقيل : كان أبو إسحاق الخراز صالحا ، وهو أول من لقنني كتاب الله وكان من عادته الإمساك عن الكلام في شهر رمضان ، فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض إليه من الحوائج فيقول : في أذنه "ادخلوا عليهم الباب" ، ويقول لابنه في عشية الصوم : "من بقلها وقثائها" آمرا أن يشترى البقل ، فقلت له : هذا الذي تعتقده عبادة هو معصية . فصعب عليه ، فقلت : إن هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام شرعية فلا يستعمل في أغراض دنيوية ، وما هذا إلا بمثابة صرك السدر والأشنان في ورق المصحف أو توسدك له . فهجرني ولم يصغ إلى الحجة .

قال المصنف قالت : وقد يسمع الزاهد القليل العلم أشياء من العوام فيفتي به . حدثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه أن رجلا استفتاء فقال : ما تقول في امرأة طلقت ثلاثا فولدت ذكرا هل تحل لزوجها ؟ قال : فقلت : لا . وكان عندي الشريف الدحالي وكان مشهورا بالزهد عظيم القدر بين العوام ، فقال لي : بل تحل . فقلت : ما قال بهذا أحد . فقال : والله لقد أفتيت بهذا من ههنا إلى البصرة .

قال المصنف : فانظر ما يصنع الجهل بأهله ويضاف إليه حفظ الجاه خوفا أن يرى الزاهد بعين الجهل . وقد كان السلف ينكرون على الزاهد مع معرفته بكثير من العلم أن يفتي لأنه لم يجمع شروط الفتوى فكيف لو رأوا تخبيط المتزهدين اليوم في الفتوى بالواقعات وبالإسناد عن إسماعيل بن شبة قال : دخلت على أحمد بن حنبل وقد قدم أحمد بن حرب من مكة فقال لي أحمد بن حنبل : من هذا الخراساني الذي قد قدم ؟ قلت : من زهده كذا وكذا ، ومن ورعه كذا وكذا . فقال : لا ينبغي لمن يدعي ما يدعيه أن يدخل نفسه في الفتيا .

 

 احتقار العلماء وذمهم

ومن تلبيسه على الزهاد احتقارهم العلماء وذمهم إياهم ، فهم يقولون المقصود العمل ولا يفهمون أن العلم نور القلب . ولو عرفوا مرتبة العلماء في حفظ الشريعة وأنها مرتبة الأنبياء لعدوا أنفسهم كالبكم عند الفصحاء والعمي عن البصراء ، والعلماء أدلة الطريق والخلق وراءهم ، وسليم هؤلاء يمشي وحده . وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي صضص قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : "والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" .

 

 تفسح العلماء في بعض المباحات

ومما يعيبون به العلماء تفسح العلماء في بعض المباحات التي يتقوون بها على دراسة العلم . وكذلك يعيبون جامع الأموال ، ولو فهموا معنى المباح لعلموا أنه لا يذم فاعله ، وغاية الأمر أن غيره أولى منه ، أفيحسن لمن صلى الليل أن يعيب على من أدى الفرض ونام ! ولقد روينا بإسناد عن محمد بن جعفر الخولاني قال : حدثني أبو عبد الله الخواص وكان من اصحاب حاتم الأصم قال : دخلنا مع حاتم البلخي إلى الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا من أصحابه يريد الحج ، وعليهم الصوف والزرمانقات ليس فيهم من معه جراب ولا طعام ، فنزلنا على رجل من التجار متنسك فضافنا تلك الليلة فلما كان من الغد قال حاتم : يا أبا عبد الرحمن لك حاجة فإني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل . فقال حاتم : إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل كبير ، والنظر إلى الفقيه عبادة ، وأنا أجيء معك . وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري ، فقال له : مر بنا يا أبا عبد الرحمن فجاؤوا إلى باب داره فإذا البواب فبقي حاتم متفكرا يقول : رب دار عالم على هذه الحال . ثم أذن لهم فدخلوا فإذا بدار قوراء وآلة حسنة وبزة وفرش وستور ، فبقي حاتم متفكرا ينظر حتى دخلوا إلى المجلس الذي فيه محمد بن مقاتل ، وإذا بفراش حسن وطيء وهو عليه راقد ، وعند رأسه مذبة وناس وقوف ، فقعد الرازي وبقي حاتم قائما فأومأ إليه محمد بن مقاتل بيده أن اجلس ، فقال حاتم : لا أجلس . فقال له ابن مقاتل : فلك حاجة ؟ قال : نعم . قال : وما هي ؟ قال : مسألة أسألك عنها . قال : فاسألني . قال حاتم : قم فاستو جالسا حتى أسألك عنها . فأمر غلمانه فأسندوه . فقال حاتم : علمك هذا من أين جئت به ؟ فقال : حدثني الثقات عن الثقات من الأئمة . قال : عمن أخذوه من التابعين ، قال : والتابعون ممن أخذوه ، قال : عن أصحاب رسول الله صضص ، قال : وأصحاب رسول الله صضص عمن أخذوه ؟ قال : عن رسول الله صضص ، قال : ورسول الله صضص من أين جاء به ؟ قال : عن جبريل عن الله عز وجل . فقال حاتم : ففيم أداه جبريل عن الله عز وجل إلى النبي صضص وأداه النبي صضص إلى الصحابة وأداه الصحابة إلى تابعيهم وأداه التابعون إلى الأئمة وأداه الأئمة إلى الثقات وأداه الثقات إليكم ، هل سمعت في هذا العلم من كانت داره في الدنيا أحسن وفراشه ألين وزينته أكثر كان له المنزلة عن الله عز وجل أكبر ؟ قال : لا ، قال : فكيف سمعت ؟ قال : سمعت من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كان عند الله عز وجل له منزلة أكثر وإليه أقرب ، قال حاتم : وأنت بمن اقتديت ؟ أبالنبي صضص وبأصحابه والتابعين من بعدهم والصالحين على أثرهم ، أو بفرعون ونمروذ فإنهما أول من بنى بالجص والآجر . يا علماء السوء ، إن الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها يقول : هذا العالم على هذه الحالة أو أكون أنا ! قال : فخرج من عنده وازداد محمد بن مقاتل مرضا وبلغ أهل الري ما جرى بين حاتم وبين ابن مقاتل ، فقالوا لحاتم أن محمد بن عبيد الطنافسي بقزوين أكثر شيئا من هذا فصار إليه فدخل عليه وعنده الخلق يحدثهم فقال له : رحمك الله ، أنا رجل أعجمي جئتك لتعلمني مبدأ ديني ومفتاح صلاتي ، كيف أتوضأ للصلاة ؟ فقال : نعم وكرامة ، يا غلام إناء فيه ماء فجاءه بإناء فيه ماء ، فقعد محمد بن عبيد فتوضأ ثلاثا ، ثم قال له : هكذا . فتوضأ . قال حاتم : مكانك رحمك الله حتى أتوضأ بين يديك ليكون أوكد لما أريد . فقام الطنافسي وقعد حاتم مكانه فتوضأ وغسل وجهه ثلاثة حتى إذا بلغ الذراع غسل أربعا ، فقال الطنافسي : أسرفت ! قال حاتم : فبماذا أسرفت ؟! قال : غسلت ذارعك أربعا . قال : يا سبحان الله ، أنا في كف ماء أسرفت ، وأنت في جميع هذا الذي أراه كله لم تسرف ! فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك ، فدخل البيت ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما . وخرج حاتم إلى الحجاز فلما صار إلى المدينة أحب أن يخصم علماء المدينة ، فلما دخل المدينة قال : يا قوم ، أي مدينة هذه ؟ قالوا : مدينة الرسول صضص . قال : فأين قصر رسول الله صضص حتى أذهب إليه فأصلي فيه ركعتين . قالوا ما كان لرسول الله صضص قصر إنما كان له بيت لاط ، قال : فأين قصور أهله وأصحابه وأزواجه ؟ قالوا : ما كان لهم قصور ، إنما كان لهم بيوت لاطئة . فقال حاتم : فهذه مدينة فرعون . قال : فسبوه وذهبوا به إلى الوالي ، وقالوا : هذا العجمي يقول : هذه مدينة فرعون . فقال الوالي : لم قلت ذلك ؟ قال حاتم : لا تعجل علي أيها الأمير ، أنا رجل غريب دخلت هذه المدينة ، فسألت أي مدينة هذه ، قالوا مدينة رسول الله صضص . وسألت عن قصر رسول الله صضص وقصور أصحابه قالوا : إنما كانت لهم بيوت لاطئة . وسمعت الله عز وجل يقول : "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" . فأنتم بمن تأسيتم ، برسول الله صضص أو بفرعون ؟ .

قال المصنف : قلت : الويل للعلماء من الزاهد الجاهل الذي يقتنع بعمله فيرى الفضل فرضا . فإن الذي أنكره مباح والمباح مأذون فيه والشرع لا يأذن في شيء ثم يعاتب عليه . فما أقبح الجهل ولو أنه قال لهم : لو قصر تم فيما أنتم فيه لتقتدي الناس بكم كان أقرب حالة ولو سمع هذا بأن عبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام ، وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم ، وفلانا وفلانا من الصحابة خلفوا مالا عظيما أتراه ماذا يقول وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل ففرض على الزاهد التعلم من العلماء فإذا لم يتعلم فليسكت والحديث بإسناد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال : إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز . وبإسناد عن حبيب الفارسي يقول : والله إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز .

قال المصنف : قلت المراد بالقراء الزهاد ، وهذا اسم قديم لهم معروف والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب .

 

 الباب العاشر : في ذكر تلبيسه على الصوفية : من جملة الزهاد

قال المصنف : الصوفية من جملة الزهاد وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزهاد إلا أن الصوفية انفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجنا إلى إفرادهم بالذكر ، والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد . ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب فلا بد من كشف تلبيس إبليس عليهم في طريقة القوم ولا ينكشف ذلك إلا بكشف أصل هذه الطريقة وفروعها وشرح أمورها والله الموفق للصواب .

( فصل )

قال المصنف : كانت النسبة في زمن رسول الله صضص إلى الإيمان والإسلام . فيقال مسلم ومؤمن . ثم حدث اسم زاهد وعابد . ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها . وأخلاقا تخلقوا بها ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله سبحانه وتعالى عند بيته الحرام رجل يقال له صوفة واسمه الغوث بن مر فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى فسموا بالصوفية .

أنبأنا محمد بن ناصر عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال . قال قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال : سألت وليد بن القاسم إلى أي شيء ينسب الصوفي ؟ فقال : كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة انقطعوا إلى الله عز وجل وقطنوا الكعبة ، فمن تشبه بهم فهم الصوفية . قال عبد الغني : فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر . وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال : كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة ثم كانت في ولده ، وكان يقال لهم صوفة . وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب : أجز صوفة . قال الزبير : قال أبو عبيدة : وصوفة يقال لكل من ولي البيت شيئا من غير أهله ، أو قام بشيء من أمر المناسك يقال لهم صوفة وصوفان . قال الزبير : حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال : إنما سمي الغوث بن مر (صوفة) لأنه ما كان يعيش لأنه ولد ، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة ، ففعلت ، فقيل له صوفة ولولده من بعده . قال الزبير : وحدثني إبراهيم بن المنذري عن عبد العزيز بن عمران قال : أخبرني عقال بن شبة قال : قالت أم تميم بن مر وقد ولدت نسوة فقالت : لله علي إن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت . فولدت الغوث بن مر ، فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد سقط واسترخى . فقالت : ما صار إبني إلا صوفة . فسمي صوفة . وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى ومن منى إلى مكة لصوفة .

فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتى أخذتها عدوان فلم تزل في عدوان حتى أخذتها قريش .

 

 نقد مسالك الصوفية

قال المصنف : وقد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة ، وإنما ذهبوا إلى هذا لأنهم رأوا أهل الصفة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الانقطاع إلى الله عز وجل وملازمة الفقر فإن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله صضص وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صضص وقيل أهل الصفة . والحديث بإسناد عن الحسن قال : بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون يوصلون إليها ما استطاعوا من خير ، وكان رسول الله صضص يأتيتهم فيقول : "السلام عليكم يا أهل الصفة . فيقولون : وعليك السلام يا رسول الله . فيقول : كيف أصبحتم ؟ فيقولون : بخير يا رسول الله" . وبإسناد عن نعيم بن المجمر عن أبيه عن أبي ذر قال : كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صضص فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤثرنا النبي صضص بعشائه فننتعش فإذا فرغنا قال رسول الله صضص : ناموا في المسجد .

قال المصنف : وهؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة . وإنما أكلو من الصدقة ضرورة . فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا . ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفي ، وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة وهي بقلة رعناء قصيرة ، فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء ، وهذا أيضا غلط لأنه لو نسبوا إليها لقيل صوفاني . وقال آخرون هو منسوب إلى صوفة القفا . وهي الشعرات النابتة في مؤخره ، كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرفه عن الخلق . وقال آخرون : بل هو منسوب إلى الصوف ، وهذا يحتمل . والصحيح الأول .

وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة ، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى . والحديث بإسناد عن الطوسي يقول : سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول : سألت الجنيد بن محمد عن التصوف ، فقال الخروج عن كل خلق رديء ، والدخول في كل خلق سني . وبإسناد عن عبد الواحد بن بكر قال : سمعت محمد بن خفيف يقول : قال رويم كل الخلق قعدوا على الرسوم ، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق ، وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق .

قال المصنف : وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم فكلما مضى قرن زاد طعمه في القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن .

وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل ، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات ، فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم ، وشبهوا المال بالعقارب ، ونسوا أنه خلق للمصالح ، وبالغوا في الحمل على النفوس حتى أنه كان فيهم من لا يضطجع وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة . وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري .

ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة . ثم مازال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بواقعاتهم . ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر . ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه ، فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به ، وهؤلاء بين الكفر والبدعة . ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ، ففسدت عقائدهم ، فمن هؤلاء من قال بالحلو ومنهم من قال بالاتحاد . ومازال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا . وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع لهم حقائق التفسير ، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم ، وإنما حملوه على مذاهبهم . والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن . وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب قال : قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري قال : كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة ، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا ، فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه ، وكان يضع للصوفية الأحاديث .

قال المصنف : وصنف لهن أبو نصر السراج كتابا سماه لمع الصوفية ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى . وصنف لهم أبو طالب المكي قوت القلوب فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه الاعتقاد الفاسد .

وردد فيه قول - قال بعض المكاشفين - وهذا كلام فارغ ، وذكر فيه عن بعض الصوفية إن الله عز وجل يتجلى في الدنيا لأوليائه . أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال : قال أبو طاهر محمد بن العلاف قال : دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال : ليس على المخلوق أضر من الخالق ، فبدعة الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك . قال الخطيب : وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه قوت القلوب على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات .

قال المصنف : وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية . وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وسادات الصحابة رضي الله عنهم . فذكر عنهم فيه العجب ، وذكر منهم شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفا الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد .

فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره ، وصنف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العهجائب من الكلام في الفناء والبقاء والقبض والبسط والوقت والحال والوجد والوجود والجمع والتفرقة والصحو والسكر والذوق والشرب والمحو والإثبات والتجلي والمحاضرة والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والشريعة والحقيقة إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره أعجب منه .

وجاء محمد بن ظاهر المقدسي فصنف لهم صفوة التصوف فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها ، سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى .

وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول : كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة . قال : وصنف كتابا في جواز النظر إلى المراد ، أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال : رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها ! فقيل له : تصلي عليها ؟! فقال : صلى الله عليها وعلى كل مليح . قال شيخنا ابن ناصر : وليس ابن طاهر بمن يحتج به . وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الأحياء على طريقة القوم ، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها ، وتكلم في علم المكاشفة ، وخرج عن قانون الفقه ، وقال : إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله عز وجل ولم يرد هذه المعروفات . وهذا من جنس كلام الباطنية . وقال في كتابه المفصح بالأحوال : إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق .

قال المصنف : وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة علمهم بالسنني والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القثوم . وإنما استحسنوها لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلاما أرق من كلامهم . وفي سير السلف نوع خشونة ثم أن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع والطباع تميل إليها . وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء .

( فصل )

وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودونوها وقد سموها بالعلم الباطن .

والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب إسحق بن حية قال سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات ، فقال : ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون .

قال المصنف : وقد روينا في أول كتبنا هذا عن ذي النون نحو هذا وروينا عن أحمد بن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي فقال لصاحب له : لا أرى لك أن تجالسهم . وعن سعيد بن عمرو البردعي قال : شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه ، فقال للسائل : إياك وهذه الكتب ، هذه الكتب كتب بدع وضلالات ، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب . قيل له : في هذه الكتب عبرة ، قال : من لم يكن له في كتاب الله عز وجل عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة . بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمة ، صنفوا هذه الكتب في  الخطرات والوساوس وهذه الأشياء هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق ، ثم قال : ما أسرع الناس إلى البدع .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري ، فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر ، وكان يذهب مذهب مالك وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة . قال السلمي : وأخرج أبو سليمان الدارني من دمشق : وقالوا أنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه ، وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة ، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى أنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول : لي معراج كما كان للنبي صضص معراج . فأخرجوه من بسطام ، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام . قال السلمي وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول : إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم ، فأنكر ذلك عليهم العوام حتى نسبوه إلى القبائح ، فخرج إلى البصرة فمات فيها .

قال السلمي : وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات فهجره أحمد بن حنبل فاختفى إلى أن مات .

قال المصنف : وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة  عن أحمد بن حنبل أنه قال : حذروا من الحارث أشد التحذير ، الحارث أصل البلية . يعني في حوادث كلام جهم ذاك جالسة فلان وفلان وأخرجهم إلى رأي جهم ما زال مأوى أصحاب الكلام حارث بمنزلة الأسد المرابط أنظر أي يوم يثب على الناس .

 

 أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة

قال المصنف : وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة وإنما لبس الشيطان عليهم لقلة علمهم . وبإسناد عن جعفر الخلدي يقول : سمعت الجنيد يقول : قال أبو سليمان الداراني قال : ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة وبإسناد عن طيفور البسطامي يقول : سمعت موسى بن عيسى يقول : قال لي أبي قال أبو يزيد : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود .

وبإسناد عن أبي موسى يقول : سمعت أب يزيد البسطامي قال : من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع . وبإسناد عن عبد الحميد الحبلي يقول : سمعت سريا يقول : من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط . وعن الجنيد أنه قال : مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة ، وقال أيضا : علمنا منوط بالكتاب والسنة ، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه ، لا يقتدى به . وقال أيضا : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله سبحانه وتعالى وأصله التفرق عن الدنيا كما قال حارثة : عرفت نفسي في الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري .

وعن أبي بكر الشفاف : من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن ، وقال الحسين النوري لبعض أصحابه : من رأيته يدعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه ، ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه .

وعن الجريري قال : أمرنا هذا كله مجموع على فضل واحد هو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما . وعن أبي جعفر قال : من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاظره فلا تعده في ديوان الرجال .

( فصل )

قال المصنف : وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم فإن كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محاباة في الحق وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر . فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاظهم كثيرة . ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدخل وما علينا من القائل والفاعل وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم ومازال العلماء يبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط ولا اعتبار بقول جاهل يقول : كيف يرد على فلان الزاهد المتبرك به . لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص ، وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زللـه .

واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة ، ولم ينظر إليه فادعي فيه الألوهية . ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه إلا ما يستحقه .

وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي بإسناد إلى يحيى بن سعيد قال : سألت شعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ أو يتهم في الحديث ، فقالوا جميعا : يبين أمره . وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرجل ويبالغ ثم يذكر غلطه في الشيء بعد الشيء وقال : نعم الرجل فلان ، لزلا أن خلة فيه . وقال عن سري السقطي الشيخ المعروف بطيب المطعم ، ثم حكى له عنه أنه قال إن الله عز وجل لما خلق الحروف سجدت الباء فقال : نفروا الناس عنه .

 سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد : ذكر تلبيس إبليس في السماع وغيره

عن أبي عبد الله الرملي قال : تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه ، فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع ، فزعق أبو حمزة وقال : لبيك لبيك . فنسبوه إلى الزندقة وقالوا حلولي زنديق . وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع (هذا فرس الزنديق) . وبإسناد إلى أبي بكر الفرغاني أنه قال : كان أبو حمزة إذا سمع شيئا يقول : لبيك لبيك ، فأطلقوا عليه أنه حلولي . ثم قال أبو علي وإنما جعله داعيا من الحق أيقظه للذكر . وعن أبي علي الروزباري قال : أطلق على أبي حمزة أنه حلولي وذلك أنه كان إذا سمع صوتا مثل هبوب الرياح وخرير الماء وصياح الطيور كان يصيح ويقول : لبيك لبيك فرموه بالحلول .

قال السراج : وبلغني عن أبي حمزة أنه دخل دار الحارث المحاسبي فصاحت الشاة (ماع) فشهق أبو حمزة شهقة وقال : لبيك سيدي . فغضب الحارث المحاسبي وعمد إلى سكين وقال : إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك ! قال أبو حمزة : إذا أنت لم تحسن تسمع هذا الذي أنا فيه فلم تأكل النخالة بالرماد .

وقال السراج : وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراط ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو كتاب السر ، ومنه قوله : « عبد طائع ما أذن له فلزم التعظيم لله فقدس الله نفسه » قال : وأبو العباس أحمد بن عطاء نسب إلى الكفر والزندقة قال : وكم من مرة قد أخذ الجنيد مع علمه وشهد عليه بالكفر والزندقة وكذلك أكثرهم . وقال السراج : ذكر عن أبي بكرة محمد بن موسى الفرغاني الواسطي أنه قال من ذكر افترى ومن صبر اجترى . وإياك أن تلاحظ حبيبا أو كليما أو خليلا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا . فقيل له : أولا أصلي عليهم ، فقال : صلى عليهم بلا وقار ولا تجعل لها في قلبك مقدار .

قال السراج : وبلغني أن جماعة من الحلوليين زعموا أن الحق عز وجل اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية ، وأزال عنها معاني البشرية ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات ومنهم من قال حال في المستحسنات . قال : وبلغني عن جماعة من أهل الشام أنهم يدعون الرؤية بالقلوب في الدنيا كالرؤية بالعيان في الآخرة . قال السراج : وبلغني أن أبا الحسين النوري شهد عليه غلام الخليل أنه سمعه يقول : أنا أعشق الله عز وجل وهو يعشقني ، فقال النوري : سمعت الله يقول : "يحبهم ويحبونه" وليس العشق بأكثر من المحبة . قال القاضي أبو يعلى : وقد ذهبت الحلولية إلى أن الله عز وجل يعشق .

قال المصنف : وهذا جهل من ثلاثة أوجه : أحدهما من حيث الاسم فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح ، والثاني أن صفات الله عز وجل منقولة فهو يحب ولا يقال يعشق كما يقال يعلم ولا يقال يعرف والثالث من أين له أن الله تعالى يحبه فهذه دعوى بلا دليل وقد قال النبي صضص من قال إني في الجنة فهو في النار .

وعن أبي عبد الرحمن السلمي حكي عن عمرو المكي أنه قال : كنت أماشي الحسين بن منصور في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي ، فقال : يمكنني أن أقول مثل هذا ففارقته . وعن محمد بن يحيى الرازي قال : سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول : لو قدرت عليه لقتلته بيدي ، فقلت بأي شيء وجد عليه الشيخ ؟ فقال : قرأت آية من كتاب الله عز وجل فقال يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به .

وبإسناد عن أبي القاسم الرازي يقول قال أبو بكر بن ممشاد قال : حضر  عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها لا بالليل ولا بالنهار ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه (من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان) ، فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه . فقال : هذا خطي وأنا كتبته . فقالوا : كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية ؟! فقال : ما أدعي الربوبية ولكن هذا عين الجمع عندنا ، هل الكاتب إلا الله تعالى واليد فيه آلة . فقيل له : هل معك أحد ؟ فقال : نعم ابن عطاء وأبو محمد الجريري وأبو بكر الشبلي . وأبو محمد الجريري يتستر والشبلي يتستر فإن كان فابن عطاء فأحضر الجريري وسئل فقال قائل : هذا كافر يقتل من يقول هذا . وسئل الشبلي فقال : من يقول هذا يمنع . وسئل ابن عطاء عن مقالة الحلاج فقال بمقالته وكان سبب قتله .

وبإسناد عن ابن باكويه قال : أسمعت عيسى بن بردل القزويني وقد سئل أبو عبد الله بن خفيف عن معنى هذه الأبيات :

سبحان من أظهر ناسوتهسر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهرافي صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقهكلحظة الحاجب بالحاجب

فقال الشيخ : على قائله لعنة الله . قال عيسى بن فورك هذا شعر الحسين بن منصور قال : إن كان هذا اعتقاده فهو كافر إلا أنه ربما يكون متقولا عليه . وبإسناد عن علي بن المحسن القاضي عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن زنجي عن أبيه أن ابنة السمري أدخلت على حامد الوزير . فسألها عن الحلاج فقالت : حملني أبي إليه فقال : قد زوجتك من ابني سليمان وهو مقيم بنيسابور فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك واصعدي في آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش واستقبليني بوجهك واذكري لي ما أنكرتيه منه فإني أسمع وأرى . قالت : وكنت ليلة نائمة في السطح فأحسست به قد غشيني فانتبهت مذعورة لما كان منه . فقال إنما جئتك لأوقظك للصلاة . فلما نزلنا قالت ابنته : اسجدي له . فقلت : أو يسجد أحد لغير الله . فسمع كلامي . فقال : نعم إله في السماء وإله في الأرض .

قال المصنف : اتفق علماء العصر على إباحة دم الحلاج ، فأول من قال إنه حلال الدم أبو عمرو القاضي ووافقه العلماء . وإنما سكت عنه أبو العباس سريج قال : وقال لا أدري ما يقول . والإجماع دليل معصوم من الخطأ وبإسناد عن أبي هريرة . قال : "قال رسول الله صضص : إن الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلكم" . وبإسناد عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال : سمعت والدي يقول : سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول : إن كان ما أنزل الله عز وجل على نبيه صضص حقا فما يقول الحلاج باطل وكان شديدا عليه .

قال المصنف : وقد تعصب للحلاج جماعة من الصوفية جهلا منهم وقلة مبالاة بإجماع الفقهاء . وبإسناده عن محمد بن الحسين النيسابوري قال : سمعت إبراهيم بن محمد النصر ابادي كان يقول : إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج ، قلت : وعلى هذا أكثر قصاص زماننا وصوفية وقتنا جهلا من الكل بالشرع وبعدا عن معرفة النقل . وقد جمعت في أخبار الحلاج كتابا بينت فيه حيله ومخاريفه وما قال العلماء فيه والله المعين على قمع الجهال .

وبإسناد عن أبي نعيم الحافظ قال سمعت عمر البنا البغدادي بمكة يحكي أنه لما كانت محنة غلام الخليل ونسبه الصوفية إلى الزندقة . أمر الخليفة بالقبض عليهم فأخذ النوري في جماعة فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم فتقدم النوري مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه . فقال له السياف : ما دعاك إلى البدار . قال آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللحظة فتوقف السياف ، فرفع الأمر إلى الخليفة فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق فأمر بتخليتهم . وبإسناد إلى أبي العباس أحمد بن عطاء قال : كان يسعى بالصوفية ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة فقال : ههنا قوم زنادقة . فأخذ أبو الحسين النوري ، وأبو حمزة الصوفية ، وأبو بكر الدقاق ، وجماعة من أقران هؤلاء ، واستتر الجنيد بن محمد بالفقه على مذهب أبي ثور . فأحلوا إلى الخليفة ، فأمر بضرب أعناقهم ، فأول من بدر أبو الحسين النوري ، فقال السياف : لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم ترع ؟ قال : أحببت أن أؤثر أصحابي بالحياة مقدار هذه الساعة . فرد الخليفة أمرهم إلى القاضي فأطلقوا .

قال المصنف : ومن أسباب هذه القصة قول النوري : أنا أعشق الله والله يعشقني . فشهد عليه بهذا ، ثم تقدم النوري إلى السياف ليقتل إعانة على نفسه فهو خطأ أيضا . وبإسناد عن ابن باكويه قال : سمعت أبا عمرو تلميذ الرقي قال : سمعت الرقي يقول : كان لنا بيت ضيافة فجاءنا فقير عليه خرقتان يكنى بأبي سليمان فقال : الضيافة . فقلت لابني امض به إلى البيت ، فأقام عندنا تسعة أيام فأكل في كل ثلاثة أيام أكلة ، فسمته المقام فقال : الضيافة ثلاثة أيام ، فقلت له : لا تقطع عنا أخبارك . فغاب عنا اثنتي عشرة سنة ثم قدم فقلت من أين ؟ فقال : رأيت شيخا يقال له أبو شعيب المقفع مبتلي فأقمت عنده أخدمه سنة ، فوقع في نفسي أن أسأله أي شيء كان أصل بلائه ، فلما دنوت منه ابتدأني قبل أن أسأله فقال : وما سؤالك عما لا يعنيك ؟ فصبرت حتى تم لي ثلاث سنين ، فقال في الثالثة : لا بد لك ، فقلت له إن رأيت ، فقال : إنما أنا أصلي بالليل إذ لا ح لي من المحراب نور فقلت إخسأ يا ملعون فإن ربي عز وجل غني عن أن يبرز للخلق ثلاث مرات ، قال ثم سمعت نداء من المحراب يا أبا شعيب ، فقلت لبيك فقال تحب أن أقبضك في وقتك أو نجازيك على ما مضى لك أو نبتليك ببلاء نرفعك به عليين ، فاخترت البلاء فسقطت عيناي ويداي ورجلاي ، قال فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة ، فقال يوما من الأيام : ادن مني ، فدنوت منه ، فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضا : ابرز . حتى برزت أعضاؤه كلها بين يديه وهو يسبح ويقدس ثم مات .

قال المصنف : وهذه الحكاية توهم أن الرجل رأى الله عز وجل فلما أنكر عوقب . وقد ذكرنا أن قوما يقولون أن الله عز وجل يرى في الدنيا . وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي في كتاب المقالات قال : قد حكى قوم من المشبهة أنهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا وأنهم لا ينكرون أن يكون بعض من تلقاهم في السكك ، وإن قوما يجيزون مع ذلك مصافحته وملازمته وملامسته ويدعون أنهم يزورونه ويزورهم وهم يسمون بالعراق أصحاب الباطن وأصحاب الوساوس وأصحاب الخطرات . قال المصنف : وهذا فوق القبيح نعوذ بالله من الخذلان .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة

قال المصنف : قد ذكرنا تلبيسه على العباد في الطهارة إلا أنه قد زاد في حق الصوفية على الحد فقوى وساوسهم في استعمال الماء الكثير حتى بلغني أن ابن عقيل دخل رباطا فتوضأ فضحكوا لقلقة استعماله الماء وما علموا أن من أشبع الوضوء برطل كفاه . وبلغنا عن أبي حامد الشيرازي أنه قال لفقير : من أين تتوضأ ؟ فقال : من النهر ، بي وسوسة في الطهارة ، قال : كان عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان ، والآن يسخر بهم الشيطان ، ومنهم من يمشي بالمداس على البواري ، وهذا لا بأس به إلا أنه ربما نظر المبتدئ إلى من يقتدي به فيظن ذلك شريعة وما كان خيار السلف على هذا ، والعجب ممن يبالغ في الاحتراز إلى هذا الحد متصفا بتنظيف ظاهره وباطنه محشو بالوسخ والكدر والله الموفق .

 ذكر تلبيس إبليس عليهم في الصلاة

قال المصنف :وقد ذكرنا تلبيسه على العباد في الصلاة وهو بذلك يلبس على الصوفية ويزيد ، وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن من سنتهم التي ينفردون بها وينتسبون إليها صلاة ركعتين بعد لبس المرقعة والتوبة واحتج عليه بحديث تمامة بن أثال أن النبي صضص أمره حين أسلم أن يغتسل .

قال المصنف : وما أقبح بالجاهل إذا تعاطى ما ليس من شغله فإن ثمامة كان كافرا فأسلم وإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل في مذهب جماعة من الفقهاء منهم أحمد بن حنبل ، وأما صلاة ركعتين فما أمر بها أحد من العلماء لمن أسلم وليس من حديث ثمامة ذكر صلاة فيقاس عليه . وهل هذا إلا ابتداع في الواقع سموه سنة . ثم من أقبح الأشياء قوله أن الصوفية ينفردون بسنن ، لأنها إن كانت منسوبة إلى الشرع فالمسلمون كلهم فيها سواء والفقهاء أعرف بها فما وجه انفراد الصوفية بها وإن كانت بآرائهم فإنما انفردوا بها لأنهم اخترعوها .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن

قال المصنف : أما بناء الأربطة فإن قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد ، وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه ، أحدها أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد .

والثاني أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها .

والثالث أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطا إلى المساجد .

والرابع أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم بالأديرة .

والخامس أنهم تعذبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح .

والسادس أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم . وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد . وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس . وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ووقفوا عليها الأموال الخبيثة . وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فأسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع .

فمهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء المبرد . فأين جوع بشر ، وأين ورع سرى ، وأين جد الجنيد . وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السوداء فيقول حدثني قلبي عن ربي . ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه وأن قوما قرأوا الحديث في رباط فقالوا لهم ليس هذا موضعه والله الموفق .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها

كان إبليس يلبس على أوائل الصوفية لصدقهم في الزهد فيريهم عيب المال ويخوفهم من شره فيتجردون من الأموال ويجلسون على بساط الفقر وكانت مقاصدهم صالحة وأفعالهم في ذلك خطأ لقلة العلم . فأما الآن فقد كفى إبليس هذه المؤنة فإن أحدهم إذا كان له مال أنفقه تبذيرا وضياعا والحديث بإسناد عن محمد بن الحسين السليمي قال سمعت أبا نصر الطوسي قال : سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون ورث أبو عبد الله المقري من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن ذلك كله وأنفقه على الفقراء .

وقد روى مثل هذا عن جماعة كثيرة وهذا الفعل لا ألوم صاحبه إذا كان يرجع إلى كفاية قد ادخرها لنفسه أو إن كانت له صناعة يستغني بها عن الناس أو كان المال عن شبهة فتصدق به أما أخرج المال الحلال كله ثم احتاج إلى ما في أيدي الناس وأفقر عياله فهو إما أن يتعرض لمنن الأخوان أو لصدقاتهم أو أن يأخذ من أرباب الظلم والشبهات فهذا هو الفعل المذموم المنهي عنه . ولست أتعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم وإنما العجب من أقوام لهم عقل وعلم كيف حثوا على هذا وأمروا به مع مصادمته للعقل والشرع وقد ذكر الحارث المحاسبي في هذا كلاما طويلا وشيده أبو حامد الغزالي ونصره ، والحارث عندي أعذر من أبي حامد لأن أبا حامد كان أفقه غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه .

فمن كلام الحارث المحاسبي في هذا أنه قال : أيها المفتون متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه ، فقد أزريت بمحمد صضص والمرسلين ، وزعمت أن محمدا صضص لم ينصح الأمة إن نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم ، وزعمت أن الله لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعه خير لهم وما ينفعك الاحتجاج بمال الصحابة . وابن عوف في القيامة أن لو لم يؤت من الدنيا إلا قوتا . قال ولقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف قال ناس من أصحاب رسول الله صضص : إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك ، قال كعب : سبحان الله ، وما تخافون على عبد الرحمن ، كسب طيبا وأنفق طيبا . فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا فمر بلحى بعير فأخذه بيده ثم انطلق يطلب كعبا فقيل لكعب إن أبا ذر طلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به ، وأخبره الخبر ، فأقبل أبو ذر يقتص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر ، فقال له أبو ذر : هيه يا ابن اليهودية ، تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف ، لقد خرج رسول الله صضص يوما فقال الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة ، إلا من قال هكذا وهكذا ثم قال : يا أبا ذر وأنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل فرسول الله صضص يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف . كذبت وكذب من قال بقولك ، فلم يرد عليه حرفا حتى خرج .

قال الحارث : فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال التعفف ولصنائع المعروف فيمنع من السعي إلى الجنة مع فقراء المهاجرين وصار يحبو في آثارهم حبوا . وقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكن عندهم شيء فرحوا وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله وقلة اليقين بضمانه وكفى به دائما ، وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها ولذاتها وقد بلغنا أن رسول الله صضص قال : "من أسف على دنيا فاتته قرب من النار مسيرة سنة" . وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله عز وجل . ويحك هل تجد في دهرك من الحلال كما وجدت الصحابة وأين الحلال فتجمعه . ويحك إني لك ناصح أرى لك أنك تقنع بالبلغة ولا تجمع المال لأعمال البر ، فقد سئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر فقال تركه أبر منه . وبلغنا أن بعض خيار التابعين سئل عن رجلين أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه والآخر جانبها ولم يطلبها ولم يبذلها فأيهما أفضل ؟ فقال : بعيد والله ما بينهما ، الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها .

قال المصنف : فهذا كلام كله كلام الحارث المحاسبي ذكره أبو حامد شيده وقواه بحديث ثعلبة ، فإنه أعطى المال فمنع الزكاة . قال أبو حامد : فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات ، إذ أقل ما فيه اشتغالهم بإصلاحه عن ذكر الله عز وجل فينبغي للمريد أن يخرج من ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله عز وجل . قال المصنف : وهذا كله بخلاف الشرع والعقل وسوء فهم للمراد بالمال .

 نقد مسالك الصوفية في تجردهم

في رد هذا الكلام أما شرف المال فإنه الله عز وجل عظم قدره وأمر بحفظه إذ جعله قواما للآدمي الشريف فهو شريف ، فقال تعالى : "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" ونهى الله عز وجل أن يسلم المال إلى غير رشيد ، فقال : "فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم" وقد صح عن رسول الله صضص أنه نهى عن إضاعة المال وقال لسعد : "لأن تترك وثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس" .

وقال : "ما نفعني مال كمال أبي بكر" . والحديث بإسناد مرفوع عن عمرو بن العاص . قال : "بعث إلي رسول الله صضص فقال : « خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني » ، فأتيته فقال : « إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك ، وأرغب لك من المال رغبة صالحة » ، فقلت يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام ، فقال : « يا عمرو نعم المال الصالح للرجل الصالح »" . والحديث بإسناد عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صضص دعا له بكل خير ، وكان آخر دعائه أن قال : اللهم أكثر ماله وولده وبارك له . وبإسناد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديث توبته ، قال : فقلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله عز وجل وإلى رسوله صضص فقال : "أمسك بعض مالك فهو خير لك" .

قال المصنف : فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة وأن حبسه ينافي التوكل . ولا  ينكر أنه يخاف من فتنته وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك وأن جمعه من وجهة يعز وسلامة القلب من الافتتان به يبعد واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ولهذا خيف فتنة .

فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه . وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظرنا في مقصوده ، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود ، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته وادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الأخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده ، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات . وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم لجمعه فحرصوا عليه وسألوا زيادته . وبإسناد عن ابن عمر أن رسول الله صضص أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها ثرثر . فأجرى فرسه حتى قام ، ثم رمى سوطه فقال : "أعطوه حيث بلغ السوط" . وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول : اللهم وسع علي .

قال المصنف : وأبلغ من هذا أن يعقوب عليه الصلاة والسلام لما قال له بنوه "ونزداد كيل بعير" مال إلى هذا وأرسل ابنه بنيامين معهم . وأن شعيبا طمع في زيادة ما يناله فقال : "فإن أتممت عشرا فمن عندك" . وأن أيوب عليه السلام لما عوفي نثر عليه رجل جراد من ذهب فأخذ يحثو في ثوبه يستكثر منه فقيل له : أما شبعت ؟ قال : يا رب من يشبع من فضلك ! . وهذا أمر مركوز في الطباع فإذا قصد به الخير كان خيرا محضا .

وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم وقوله : إن الله عز وجل نهى عباده عن جمع المال . وأن رسول الله صضص نهى أمته عن جمع المال . فهذا محال إنما النهي عن سوء القصد بالجمع أو عن جمعه من غير حله .

وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال من وضع الجهال ، وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم . وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت . وبإسناد عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصاه ، فقال عثمان : يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى فيه ؟ فقال : إن كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس ، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال : سمعت رسول الله صضص يقول : "ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني ، أذر خلفي ست أواقي" ، أنشدك بالله يا عثمان أسمعت هذا ؟ ثلاث مرات قال نعم .

قال المصنف : وهذا الحديث لا يثبت وابن لهيعة مطعون فيه . قال يحيى : لا يحتج بحديثه . والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين ، وعبد الرحمن توفي سنة اثنتي وثلاثين ، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين . ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع ، ثم كيف تقول الصحابة رضي الله عنهم ، إنا نخاف على عبد الرحمن ، أو ليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حله فما وجه الخوف مع الإباحة ، أو يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه ، هذا قلة فهم وفقه . ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسير سير الصحابة ، فإنه خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير ، والبهار الحمل ، وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف ، وخلف ابن مسعود رضي الله عنه تسعين ألفا ، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد .

وأما قوله : إن عبد الرحمن يحبو حبوا يوم القيامة ، فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث ، أو كان هذا مناما وليس هو في اليقظة أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة ، أفترى ، من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة . ومن أهل بدر المغفور لهم ومن أصحاب الشورى . ثم الحديث يرويه عمارة بن ذاذان ، وقال البخاري : ربما اضطرب حديثه .

وقال أحمد : يروى عن أنس أحاديث مناكير ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به ، وقال الدارقطني : ضعيف ، أخبرنا ابن الحصين مرفوعا إلى عمارة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال : بينما عائشة رضي الله عنها في بيتها سمعت صوت في المدينة فقالت : ما هذا ؟ فقالوا : عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام ، تحمل كل شيء ، قال وكانت سبعمائة بعير ، فارتجت المدينة من الصوت . فقالت عائشة رضي الله عنها : سمعت رسول الله صضص يقول : "قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا" ، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال : إن استطعت لأدخلنها قائما . فجعلها بأقتابها وحمالها في سبيل الله .

وقوله : ترك المال الحلال أفضل من جمعه . ليس كذلك بل متى صح القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء . والحديث الذي ذكره عن رسول الله صضص من أسف على دنيا فاتته إلخ محال : ما قاله رسول الله صضص قط . وقوله : هل تجد في دهرك حلالا ، فيقال له : وما الذي أصاب الحلال والنبي صضص يقول : الحلال بين والحرام بين . أترى يريد الحلال وجود حبة مذ خرجت من المعدن ما تقلبت في شبهة ، هذا يبعد وما طولبنا به .

بل لو باع المسلم يهوديا كان الثمن حلالا بلا شك . هذا مذهب الفقهاء وأعجب لسكوت أبي حامد بل لنصرته ما حكى وكيف يقول أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات . ولو ادعى الإجماع على خلاف هذا لصح ، ولكن تصوفه غير فتواه . وعن المروزي قال : سمعت رجلا يقول لأبي عبيد الله : إني في كفاية ، فقال : الزم السوق تصل به الرحم وتعود المرضى .

وقوله ينبغي للمريد أن يخرج من ماله ، قد بينا أنه إن كان حراما أو فيه شبهة أو إن يقنع هو باليسير أو بالكسب جاز له أن يخرج منه . وإلا فلا وجه لذلك ، وأما ثعلبة فما ضره المال إنما ضره البخل بالواجب .

وأما الأنبياء فقد كان لإبراهيم عليه الصلاة والسلام زرع ومال ، ولشعيب ولغيره . وكان سعيد بن المسيب رضي الله عنه يقول : لاخير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه ويصل به رحمه ، فإن مات تركه ميراثا لمن بعده . وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار وقد ذكرنا ما خلفت الصحابة . وقد خلف سفيان الثوري رضي الله عنه مائتين وكان يقول : المال في هذا الزمان سلاح . وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء . وإنما تجافاه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات وجمع الهمم فقنعوا باليسير ولو قال هذا القائل أن التقلل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم .

 الصبر على الفقر والمرض

واعلم أن الفقر مرض فمن ابتلي به فضبر أثيب على صبره ، ولهذا يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لمكان صبرهم على البلاء . والمال نعمة ، والنعمة تحتاج إلى شكر . والغني وإن تعب وخاطر كالمفتي والمجاهد والفقير كالمعتزل في زاوية . وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب سنن الصوفية باب كراهية أن يخلف الفقير شيئا . فذكر حديث الذي مات من أهل الصفة وخلف دينارين . فقال رسول الله صضص : "كيتان" .

قال المصنف : وهذا احتجاج من لا يفهم الحال ، فإن ذلك الفقير كان يزاحم الفقراء في أخذ الصدقة وحبس ما معه فلذلك قال : كيتان ، ولو كان المكروه نفس ترك المال لما قال رسول الله صضص لسعد : "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" . ولما كان أحد الصحابة يخلف شيئا . وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : حث رسول الله صضص على الصدقة فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله صضص : "وما أبقيت لأهلك" فقلت : مثله . فلم ينكر عليه رسول الله صضص . قال ابن جرير الطبري وفي هذا الحديث دليل على بطلان ما يقوله جهلة المتصوفة أن ليس للإنسان ادخار شيء في يومه لغده ، وإن فاعل ذلك قد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله . قال ابن جرير : وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : "اتخذوا الغنم فإنها بركة" . فيه دلالة على فساد قول من زعم من المتصوفة أنه لا يصح لعبد التوكل على ربه إلا بأن يصبح ولا شيء عنده من عين ولا عرض ويمسي كذلك . ألا ترى كيف ادخر رسول الله صضص لأزواجه قوت سنة .

( فصل )

وقد خرج أقوام من أموالهم الطيبة ثم عادوا يتعرضون للأوساخ ويطلبون وهذا لأن حاجة الإنسان لا تنقطع ، والعاقل يعد للمستقبل وهؤلاء مثلهم في إخراج المال عند بداية تزهدهم مثل من روي في طريق مكة فبدد الماء الذي معه . والحديث بإسناد عن جابر بن عبد الله قال : قدم أبو الحصين السلمي بذهب من معدنهم فقضى دينا كان عليه وفضل معه مثل بيضة الحمامة ، فأتى بها رسول الله صضص فقال : يا رسول الله ضع هذه حيث أراك الله أو حيث رأيت ، قال فجاءه عن يمينه فأعرض عنه ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه ثم جاءه من بين يديه فنكس رسول الله صضص رأسه . فلما أكثر عليه أخذها من يديه فحذفه بها لو أصابته لعقرته ، ثم أقبل عليه رسول الله صضص ، فقال : "يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به ثم يقعد فيتكفف الناس ، وإنما الصدقة عن ظهر غني وأبدأ بمن تعول" . وقد رواه أبو داود في سننه من حديث محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند رسول الله صضص إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال : يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها . فأعرض عنه رسول الله صضص . ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر فأعرض عنه رسول الله صضص . ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صضص فحذفه بها فلو أصابته لأقصعته أو لعقرته . فقال رسول الله صضص : "يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس ، خير الصدقة ما كان عن ظهر غني" . وفي رواية أخرى : "خذ عنا مالك لا حاجة لنا به" .

وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : دخل رجل المسجد فأمر رسول الله صضص أن يطرحوا ثيابا فطرحوا . فأمر له منها بثوبين ثم حث على الصدقة . فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به : خذ ثوبك .

قال المصنف : ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال : قال ابن شاذان : دخل جماعة من الصوفية على الشبلي ، فأنفذ إلى بعض المياسير يسأله مالا ينفقه عليهم ، فرد الرسول وقال : يا أبا بكر ، أنت تعرف الحق فهلا طلبت منه ، فقال للرسول : ارجع إليه وقل له الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك وأطلب الحق من الحق . فبعث إليه بمائة دينار . قال ابن عقيل : إن كان أنفذ إليه المائة دينار للافتداء من هذا الكلام القبيح وأمثاله . فقد أكف الشبلي الخبيث من الرزق وأطعم أضيافه منه .

( فصل )

وقد كان لبعضهم بضاعة فأنفقها وقال : ما أريد أن تكون ثقتي إلا بالله . وهذا قلة فهم لأنهم يظنون أن التوكل قطع الأسباب وإخراج الأموال .

أخبرنا القزاز قال : أخبرنا الخطيب قال أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال أنبأنا جعفر الخلدي في كتابه قال : سمعت الجنيد يقول دققت على أبي يعقوب الزيات بابه في جماعة من أصحابنا فقال : ما كان لكم شغل في الله عز وجل يشغلكم عن المجيء إلي ، فقلت له : إذا كان مجيئا إليك من شغلنا به فلم ننقطع عنه . فسألته عن مسألة في التوكل فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني . فأعطى التوكل حقه ثم قال : استحييت من الله أن أجيبك وعندي شيء .

قال المصنف : لو فهم هؤلاء معنى التوكل وأنه ثقة القلب بالله عز وجل لا إخراج صور المال . وما قال هؤلاء هذا الكلام . ولكن قل فهمهم وقد كان سادات الصحابة والتابعين يتجرون ويجمعون الأموال وما قال مثل هذا أحد منهم . وقد روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه . قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة ، فمن أين أطعم عيالي .

وهذا القول منكر عند الصوفية يخرجون قائلة من التوكل وكذلك ينكرون على من قال هذا الطعام يضرني . وقد رووا في ذلك حكاية عن أبي طالب الرازي قال : حضرت مع أصحابنا في موضع فقدموا اللبن وقال لي : كل . فقلت لا آكله فإنه يضرني . فلما كان بعد أربعين سنة صليت يوما خلف المقام ودعوت الله عز وجل وقلت : اللهم إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين . فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول - ولا يوم اللبن .

قال المصنف : وهذه الحكاية الله أعلم بصحتها - واعلم أن من يقول هذا يضرني ، لا يريد أن يفعل ذلك الضرر بنفسه وإنما يريد أنه سبب الضرر كما قال الخليل صلوات الله وسلامه عليه : « رب إنهن أضللن كثيرا من الناس » . وقد صح عن رسول الله صضص أنه قال : "ما نفعني مال كمال أبي بكر" . وقوله :  ( ما نفعني ) مقابل لقول القائل ( ما ضرني ) . ويصح عنه أنه قال : "ما زلت آكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري" .

وقد ثبت أنه لا رتبة أولى من رتبة النبوة وقد نسب النفع إلى المال والضرر إلى الطعام فالتحاشي عن سلوك طريقه صضص تعاط على الشريعة فلا يلتفت إلى هذيان من هذى في مثل هذا .

 

 زهد الصوفية في المال

قال المصنف : وقد بينا أنه كان أوائل الصوفية يخرجون من أموالهم زهدا فيها . وذكرنا أنهم قصدوا بذلك الخير إلا أنهم غلطوا في هذا الفعل . كما ذكرناه في مخالفتهم بذلك الشرع والعقل . فأما متأخروهم فقد مالوا إلى الدنيا وجمع المال من أي وجه كان إيثارا للراحة وحبا للشهوات . فمنهم من يقدر على الكسب ولا يعمل ويجلس في الرباط أو المسجد ويعتمد على صدقات الناس وقلبه معلق بطرق الباب . ومعلوم أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى ولا يبالون من بعث إليهم فربما بعث الظالم والماكس فلم يردوه . وقد وضعوا في ذلك بينهم كلمات منها تسمية ذلك بالفتوح ومنها أن رزقنا لا بد أن يصل إلينا . ومنها أنه من الله فلا يرد عليه ولا نشكر سواه . وهذا كله خلاف الشريعة وجهل بها وعكس ما كان السلف الصالح عليه . فإن النبي صضص قال : "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" . وقد قال قاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أكل الشبهة .

وكان الصالحون لا يقبلون عطاء ظالم ولا ممن في ماله شبهة . وكثير من السلف لم يقبل صلة الإخوان عفافا وتنزها . وعن أبي بكر المروزي قال : ذكرن لأبي عبد الله رجلا من المحدثين فقال : رحمه الله أي رجل كان لولا خلة واحدة . ثم سكت ثم قال : ليس كل الخلال يكملها الرجل . فقلت له : أليس كان صاحب سنة ؟ فقال : لعمري لقد كتبت عنه ، وله خلة واحدة ، كان لا يبالي ممن أخذ .

قال المصنف : ولقد بلغنا أن بعض الصوفية دخل على بعض الأمراء الظلمة فوعظه فأعطاه شيئا فقبله ، فقال الأمير : كلنا صيادون ، وإنما الشباك تختلف . ثم أين هؤلاء من الأنفة من الميل للدنيا فإن النبي صضص قال : "اليد العليا خير من اليد السفلى" . واليد العليا هي اليد المعطية ، هكذا فسره العلماء وهو الحقيقة وقد تأوله بعض القوم فقال : العليا هي الآخذة . قال ابن قتيبة : ولا أرى هذا إلا تأويل قوم استطابوا السؤال .

( فصل )

قال المصنف : ولقد كان أوائل الصوفية ينظرون في حصول الأموال من أي وجه ويفتشون عن مطاعمهم وسئل أحمد بن خنبل عن السري السقطي فقال : الشيخ المعروف بطيب المطعم . وقال السري : صحبت جماعة إلى الغزو فاكترينا دارا فنصبت فيها تنورا فتورعوا أن يأكلوا من خبز ذلك التنور فأما من يرى ما قد تجدد من صوفية زماننا من كونهم لا يبالون من أين أخذوا فإنه يعجب . ولقد دخلت بعض الأربطة فسألت عن شيخه فقيل لي قد مضى إلى الأمير فلان يهنئه بخلعة قد خلعت عليه وكان ذلك الأمير من كبار الظلمة فقلت ويحكم ما كفاكم أن فتحتم الدكن حتى تطوفون على رؤوسكم بالسلع يقعد أحدكم عن الكسب مع قدرته عليه معولا على الصدقات والصلات ثم لا يكفيه حتى يأخذ ممن كان ثم لا يكفيه حتى يدور على الظلمة فيستعطي منهم ويهنئهم بملبوس لا يحل وولاية لا عدل فيها والله إنكم أضر على الإسلام من كل مضر .

( فصل )

قال المصنف وقد صار جماعة من أشياخهم يجمعون المال من الشبهات ثم ينقسمون فمنهم من يدعي الزهد مع كثرة المال وحرصه على الجمع وهذه الدعوى مضادة للحال ومنهم من يظهر الفقر مع جمعه المال وأكثر هؤلاء يضيقون على الفقراء بأخذهم الزكاة ولا يجوز لهم ذلك وقد كان أبو الحسن البسطامي شيخ رباط بن المجيان يلبس الصوف صيفا وشتاء وتقصده الناس يتبركون به فمات فخلف أربعة آلاف دينار .

قال المصنف : وهذا فوق القبيح وقد صح عن النبي صضص أن رجلا من أهل الصفة مات فخلف دينارين فقال صضص : كيتان .

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم

قال المصنف : لما سمع أوائل القوم أن النبي صضص كان يرقع ثوبه وأنه قال لعائشة رضي الله عنها : "لا تخلعي ثوبا حتى ترقعيه" . وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في ثوبه رقاع . وأن أويسا القرني كان يلتقط الرقاع من المزابل فيغسلها في الفرات ثم يخيطها فيلبسها . اختاروا المرقعات وقد أبعدوا في القياس ، فإن رسول الله صضص وأصحابه كانوا يؤثرون البذاذة ويعرضون عن الدنيا زهذا وكان أكثرهم يفعل هذا لأجل الفقر كما روينا عن مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن العزيز وعليه قميص وسخ فقال لامرأته فاطمة : اغسلي قميص أمير المؤمنين ، فقالت : والله ماله قميص غيره . فأما إذا لم يكن هذا لفقر وقصد البذاذة فما له من معنى .

 الزهد في اللباس

قال المصنف : فأما الصوفية زماننا فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها على لون فيجعلوها خرقا ويلفقونها فيجمع ذلك الثوب وصفين الشهرة والشهوة فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد ، أفتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف كذا قد ظنوا . وإن إبليس قد لبس عليهم وقال أنتم صوفية لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة ، وهؤلاء قد فاتهم التشبيه في الصورة والمعنى أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة ولا يقصدون التحسن بالمرقع ولا يأخذون أثوابا جددا مختلفة الألوان فيقطعون من كل ثوب قطعة ويلفقونها على أحسن التوقيع ويخيطونها ويسمونها مرقعة وأما عمر رضي الله عنه لما قدم بيت المقدس حين سأل القسيسون والرهبان عن أمير المسلمين فعرضوا عليهم أمراء العساكر مثل أبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهما ، فقالوا : ليس هذا المصور عندنا ، ألكم أمير أو لا ؟ فقالوا : لنا أمير غير هؤلاء فقالوا هو أمير هؤلاء ، قالوا ، نعم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقالوا أرسلوا إليه ننظره فإن كان هو سلمنا إليكم من غير قتال وإن لم يكن هو فلا ، فلو حاصرتمونا ما تقدرون علينا . فأرسل المسلمين إلى عمر رضي الله عنه وأعلموه بذلك فقدم عليهم وعليه ثوب مرقع سبع عشرة رقعة بينها رقعة من أديم فلما رآه الروحانية والقسوس على هذه الصفة سلموا بيت المقدس إليه من غير قتال ، فأين هذا مما يفعله جهال الصوفية في زماننا فنسأل الله العفو والعافية ، وأما المعنى فإن أولئك كانوا أصحاب رياضة وزهد .

( فصل )

قال المصنف : ومن هؤلاء المذمومين من يلبس الصوف تحت الثياب ويلوح بكمه حتى يرى لباسه ، وهذا لص ليلي ، ومنهم من يلبس الثياب اللينة على جسده ثم يلبس الصوف فوقها وهذا لص نهاري مكشوف ، وجاء آخرون فأرادوا التشبه بالصوفية وصعب عليهم البذاذة وأحبوا التنعم ولم يروا الخروج من صورة التصوف لئلا يتعطل المعاش فلبسوا الفوط الرفيعة واعتموا بالرومي الرفيع إلا أنه بغير طراز فالقميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير .

وقد لبس إبليس عليهم أنكم من صوفية بنفيس النفس . وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف وتنعم أهل الدنيا . ومن علاماتهم مصادفة الأمراء ومفارقة الفقراء كبرا وتعظيما . وقد كان عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليه يقول : يا بني إسرائيل ، ما لكم تأتونني وعليكم ثياب الرهبان ، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري ، البسوا لباس الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية .

وأخبرنا محمد بن أبي القاسم قال أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن جعفر بن معبد ثنا يحيى بن مطرف ثنا أبو ظفر ثنا جعفر بن سليمان عن مالك دينار قال : إن من الناس ناسا إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم ، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم ، فكونوا من قراء الرحمن بارك الله فيكم .

أخبرنا محمد نا حمد نا أبو نعيم ثنا الحسين بن محمد بن العباس الفقيه ثنا أحمد بن محمد اللالي ثنا أبو حاتم ثنا هدبة ثنا حزم قال سمعت مالك بن دينار يقول : إنكم في زمان أشهب لا يبصر زمانكم إلا البصير . إنكم في زمان كثير تفاحشهم ، قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم فطلبوا الدنيا بعمل الآخرة فاحذروهم على أنفسكم لا يوقعكم في شباكهم .

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا أخبرنا حمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني مهنى الشامي ثنا ضمرة عن سعيد بن شبل قال : نظر مالك بن دينار إلى شاب ملازم للمجسد فجلس إليه . فقال له : هل لك أن أكلم بعض العشارين يجزون عليك شيئا وتكون معهم ، قال : ما شئت يا أبا يحيى : قال فأخذ كفا من تراب فجعله على رأسه .

أخبرنا المحمدان قالا نا حمد نا أحمد ثنا قارون بن عبد الكبير الخطابي ثنا هشام بن علي السيرافي ثنا قطن بن حماد بن واقد ثنا أبي ثنا مالك بن دينار قال : كان فتى يتفرى فكان يأتيني ، فابتلي ، فولى الجسر فبينما هو يصلي إذ مرت سفينة فيها بط ، فنادى بعض أعوانه : قرب لنأخذ لعامل بطة ، فأشار بيده سبحان الله أي بطتين قال فكان أبي إذا حدث بهذا الحديث بكى وأضحك الجلساء .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه قال : سمعت محمد بن خفيف يقول : قلت لرويم أوصني فقال هو بذل الروح وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية .

أخبرنا بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر أحمد بن محمد الأردستاني ثنا عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبي يقول بلغني أن رجلا قال للشبلي : قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط فأنشأ يقول :

أما الحيام فإنها كخيامهموأرى نساء الحي غير نسائها

قال المصنف رحمه الله : قلت واعلم أن هذه البهرجة في تشبيه هؤلاء بأولئك لا تخفى إلا على كل غبي في الغاية . فأما أهل الفطنة فيعلمون أنه تنميس بارد والأمر في ذلك على نحو قول الشاعر :

تشبهت حور الظباء بهمإن سكنت فيك ولا مثل سكن

أصامت بناطق ونافربآنس وذو خلا بذي شجن

مشتبه أعرفه وإنمامغالطا قلت لصحبي دار من

 لبس الفوط المرقعات

قال المصنف : وإنما إكراه لبس الفوط المرقعات لأربعة أوجه أحدها أنه ليس من لباس السلف وإنما كان السلف يرقعون ضرورة . والثاني أنه يتضمن ادعاء الفقر وقد أمر الإنسان أن يظهر نعمة الله عليه . والثالث إنه إظهار للزهد وقد أمرنا بسترة . والرابع أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة ومن تشبه بقوم فهو منهم .

وقد أخبرنا ابن الحسين نا بن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو النصر ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الحرسي عن ابن عمر . قال قال رسول الله صضص : "من تشبه بقوم فهو منهم" . وقد أنبأنا أبو زرعة طاهر قال أخبرني أبي قال : لما دخلت بغداد في رحلتي الثانية قصدت الشيخ أبا محمد عبد الله بن أحمد السكري لأقرأ عليه أحاديث - وكان من المنكرين على هذه الطائفة - فأخذت في القراءة فقال : أيها الشيخ إنك لو كنت من هؤلاء الجهال الصوفية لعذرتك ، أنت رجل من أهل العلم تشتغل بحديث رسول الله صضص وتسعى في طلبه فقلت : أيها الشيخ وأي شيء أنكرت علي حتى أنظر فإن كان له أصل في الشريعة لزمته ، وإن لم يكن له أصل في الشريعة تركته . فقال : ما هذه الشوازك التي في مرقعتك ؟ فقلت : أيها الشيخ هذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تخبر أن رسول الله صضص كان له جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج وإنما وقع الإنكار لأن هذه الشوازك ليست من جنس الثوب والديباج ليس من الجبة فاستدللنا بذلك على أن لهذا أصلا في الشرع يجوز مثله .

قال المصنف : قلت لقد أصاب السكري في إنكاره وقل فقه ابن طاهر في الرد عليه فإن الجبة المكفوفة الجيب والكمين قد جرت العادة بلبسها كذلك فلا شهرة في لبسها . فأما الشوازك فتجمع شهرة الصورة ، وشهرة دعوى الزهد . وقد أخبرتك أنهم يقطعون الثياب الصحاح ليجعلوها اشوازك لا عن ضرورة يقصدون الشهرة لحسن ذلك والشهرة بالزهد ولهذا وقعت الكراهية . وقد كرهها جماعة من مشايخهم كما بينا .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا أبو عبد الله بن باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الحسين بن هند يقول سمعت جعفر الحذاء يقول : لما فقد القوم الفوائد من القلوب اشتغلوا بالظواهر وتزيينها يعني بذلك - أصحاب المصبغات والفوط .

أخبرنا ابن حبيب نا ابن صادق ثنا بن باكويه أخبرنا أبو يعقوب الخراط قال سمعت الثوري يقول : كانت المرقعات غطاء على الدر فصارت جيفا على مزابل قال ابن باكويه : وأخبرني أبو الحسن الحنظلي قال نظر محمد بن محمد بن علي الكتاني إلى أصحاب المرقعات فقال : إخواني إن كان لباسكم موافقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها ، وإن كانت مخالفة لسرائركم فقد هلكتم ورب الكعبة . أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أبو بكر بن خلف ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت نصر بن أبي نصر يقول : قال أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق الدينوري لبعض أصحابه : لا يعجبنك ما ترى من هذه اللبسة الظاهرة عليهم ، فما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن . وقال ابن عقيل : دخلت يوما الحمام فرأيت على بعض أوتاد السلخ جبة مشوزكة مرقعة بفوط . فقلت للحمامي : أرى سلخ الحية ، فمن داخل ، فذكر لي بعض من يتصفف للبلاء حوشا للأموال .

 كثرة ترقيع المرقعة

قال المصنف : وفي الصوفية من يرقع المرقعة حتى تصير كثيفة خارجة عن الحد . أخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي نا القاضي أبو محمد الحسن ين رامين الأسدآبادي نا أبو محمد عبد الله بن محمد الشيرازي نا جعفر الخالدي ثنا بن خباب أبو الحسين صاحب ابن الكريني قال : أوصى لي ابن الكريني بمرقعته فوزنت فردة كم من أكمامها فإذا فيه أحد عشر رطلا ، قال جعفر ، وكانت المرقعات تسمى في ذلك الوقت الكيل .

( فصل )

وقد قرروا أن هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ ، وجعلوا لها إسنادا متصلا كله كذب ومحال . وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال باب السنة لبس الخرقة من يد الشيخ ، فجعل هذا من السنة واحتج بحديث أم خالد أن النبي صضص أتى بثياب فيها خميصة سوداء فقال من ترون أكسو هذه . فسكت القوم : فقال رسول الله صضص : « ائتوني بأم خالد » ، قالت فأتى بي فألبسنيها بيده . وقال : أبلي وأخلقي .

قال المصنف : وإنما ألبسها رسول الله صضص لكونها صبية . وكان أبوها خالد بن سعيد بن العاص وأمها همينة بنت خلف . قد هاجروا إلى أرض الحبشة فولدت لهما هناك أم خالد واسمها أمة ، ثم قدموا فأكرمها رسول الله صضص لصغر سنها وكما اتفق فلا يصير هذا سنة . وما كان من عادة رسول الله صضص إلباس الناس . ولا فعل هذا أحد من أصحابه ولا تابعيهم .

ثم ليس من السنة عند الصوفية أن يلبس الصغير دون الكبير ولا أن تكون الخرقة سوداء بل مرقعة أو فوطة فهلا جعلوا السنة لبس الخرق السود كما جاء في حديث أم خالد ، وذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال : باب السنة فيما شرط الشيخ على المريد في لبس المرقعة . واحتج بحديث عبادة ، بايعنا رسول الله صضص على السمع والطاعة في العسر واليسر ، قال المصنف فانظر إلى هذا الفقه الدقيق ، وأين اشتراط الشيخ على المريد من اشتراط رسول الله صضص الواجب الطاعة على البيعة الإسلامية اللازمة .

( فصل )

وأما لبسهم المصبغات . فإنها كانت زرقاء فقد فاتهم فضيلة البياض ، وإن كانت فوطا فهو ثوب شهرة وشهرته أكثر من شهرة الأزرق وإن كانت مرقعة فهي أكثر شهرة . وقد أمر الشرع بالثياب البيض ونهى عن لباس الشهرة . فأما أمره بالثياب البيض فأخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا علي بن عاصم نا عبد الله بن عثمان بن حثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صضص : "البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم" . قال عبد الله : وحدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان ثني حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن سمرة بن جندب عن النبي صضص قال : "البسوا الثياب البيض فإنها أظهر وأطيب ، وكفنوا فيها موتاكم" . قال الترمذي : هذان حديثان صحيحان . وفي الباب عن ابن عمر قال : وهذا يستحبه أهل العلم . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : أحب الثياب إلينا أن نكفن فيها البياض . وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال : باب السنة في لبسهم المصبغات ، واحتج بأن النبي صلوات الله عليه وسلامه ، لبس حلة حمراء ، وأنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء .

قال المصنف : قلت ولا ينكر أن رسول الله صضص لبس هذا ولا أن لبسه غير جائز . وقد روي أنه كان يعجبه الحبرة ، وإنما المسنون الذي يأمر به ويداوم عليه وقد كانوا يلبسون الأسود والأحمر ، فأما الفوط والمرقع فإنه لبس شهرة .

 النهي عن لباس الشهرة وكراهته

وأما النهي عن لباس الشهرة وكراهته ، فأخبر أبو منصور بن خيرون أنبأنا أبو بكر الخطيب نا ابن زرقويه ثنا جعفر بن محمد الخلدي ثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي ثنا روح بن عبد المؤمن ثنا وكيع بن محرز الشامي ثنا عثمان بن جهم عن زر بن حبيش عن أبي ذر ، عن النبي صضص أنه قال : "من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه" . أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار نا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري وأنبأنا هبة الله بن محمد أنبأنا الحسين بن علي التميمي قالا أخبرنا أبو حفص بن شاهين ثنا خثيمة بن سليمان بن حيدة ثنا محمد بن الهيثم ثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني ثنا مجلد بن يزيد عن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وزيد بن ثابت رضي الله عنهما عن النبي صضص أنه نهى عن الشهرتين فقيل يا رسول الله وما الشهرتان ؟ قال : "رقة الثياب وغلظها ، ولينها وخشونتها ، وطولها وقصرها ، ولكن سداد بين ذلك واقتصاد" . أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان محمد بن سهل ثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال : قال موسى بن حماد بن سلمة عن ليث عن مهاجر عن ابن عمر قال : من لبس ثوبا مشهورا أذله الله يوم القيامة .

قال المصنف : وقد روي لنا مرفوعا قال أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي حجاج ثنا شريك عن عثمان بن أبي راشد عن مهاجر الشامي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صضص : "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب المذلة يوم القيامة" .

أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف قالا أخبرنا أبو إسحاق البرمكي نا أبو بكر بن نجيب ثنا أبو جعفر بن ذريح ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن ليث عن مهاجرين بن أبي الحسن عن ابن عمر رضي الله عنه قال : من لبس شهرة من الثياب ألبسه الله ثوب ذلة . وعن ليث عن شهر عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : من ركب مشهورا من الدواب أعرض الله عنه ما دام عليه وإن كان كريما .

قال المصنف : وقد روينا أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى على ولده ثوبا قبيحا دونا فقال : لا تلبس هذا ، فإن هذا ثوب شهرة . أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا إسماعيل بن مسعدة نا حمزة بن يوسف نا أبو أحمد بن عدي ثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال حدثنا محمد بن مزاحم ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن بريدة عن أبيه بريدة قال شهدت مع رسول الله صضص فتح خيبر وكنت فيمن صعد الثلمة فقاتلت حتى رأى مكاني وأتيت وعلي ثوب أحمر . فما علمت أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم منه للشهرة وقال سفيان الثوري : كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستبذل ، وقال معمر : عاتبت أيوب على طول قميصه فقال : إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره .

 لبس الصوف

قال المصنف : ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي صضص لبس الصوف . وبما روي في فضيلة لبس الصوف ، فأما لبس رسول الله صضص الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات لم يكن لبسه شهرة عند العرب . وأما ما يروى في فضل لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء ، ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين : أما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك له لأنه لا يشهر به . وأما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه من وجهين . أحدهما أنه يحمل بذلك على نفسه ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك والثاني أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد .

وقد أخبرنا حمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة ثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسن بن إسماعيل الأبهري ثنا روز به ثنا محمد بن إسماعيل بن محمد الطائي ثنا بكر بن سهل الدمياطي ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا داود ثنا عباد بن العوام عن عباد بن كثير عن أنس قال : قال رسول الله صضص : "من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقا على الله عز وجل  أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه" . أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى ثنا العباس بن منصور ثنا سهل بن عمار ثنا نوح بن عبد الرحمن الصيرفي ثنا محمد بن عبيد الهمداني ثني عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صضص : "إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف رياء" .

أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا خالد بن شوذب قال : شهدت الحسن وأتاه فرقد فأخف الحسن بكسائه فمده إليه وقال : يا فريقديا ابن أم فريقد ، إن البر ليس في هذا الكساء وإنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل . أنبأنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد قال حدثنا عمرو بن عاصم ثنا يزيد بن عوانة ثني أبو شداد المجاشعي ، قال : سمعت الحسن - وذكر عنده الذين يلبسون الصوف - فقال : ما لهم تعاقدوا ثلاثا أكنوا الكبر في قلوبهم ، وأظهروا التواضع في لباسهم ، والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه .

أنبأنا ابن الحسين أنبأنا أبو علي التميمي نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي قال حدثنا عبد الله المجيد يعني ابن أبي رواد عن ابن طهمان يعني إبراهيم عن أبي مالك الكوفي عن الحسن أنه جاءه رجل ممن يلبس الصوف وعليه جبة صوف وعمامة صوف ورداء صوف فجلس فوضع بصره في الأرض فجعل لا يرفع رأسه وكأن الحسن خال فيه العجب . فقال الحسن : ها إن قوما جعلوا كبرهم في صدورهم شنعوا والله دينهم بهذا الصوف . ثم قال إن رسول الله صضص كان يتعوذ من زي المنافقين . قالوا يا أبا سعيد وما زي المنافقين ؟ قال خشوع اللباس بغير خشوع القلب .

قال ابن عقيل هذا كلام رجل عرف الناس ولم يعره اللباس . ولقد رأيت الواحد من هؤلاء يلبس الجبة الصوف ، فإذا قال له القائل : يا أبا فلان . ظهر منه ومن أوباشه الإنكار فعلم أن الصوف قد عمل عند هؤلاء ما لا يعمله الديباج عند الأوباش .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا هارون بن معروف عن ضمرة قال : سمعت رجلا يقول : قدم حماد بن أبي سليمان البصرة فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف فقال له حماد : ضع عنك نصرانيتك هذه ، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم يعني النخعي فيخرج علينا وعليه معصفرة .

أخبرنا محمد بن القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن شريك الأسدي ثنا شهاب بن عباد ثنا حماد عن خالد الحذاء أن أبا قلابة قال : إياكم وأصحاب الأكسية . أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن طفر قالا : نا محمد بن الحسن الباقلاوي نا القاضي أبو العلاء الواسطي ثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي نا أبو الخير أحمد بن حمد البزار ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا علي بن حجر ثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد قال : جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف ، فقال له أبو العالية : إنما هذه ثياب الرهابن إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن نا أحمد بن عبد الله الأصبهاني ثنا أبو محمد بن حبان ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا العيص بن إسحاق قال : سمعت الفضيل يقول : تزينت لهم بالصوف فلم ترهم يرفعوك بك رأسا ، تزينت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا ، تزينت لهم بشيء يعد شيء كل ذلك إنما هو لحب الدنيا . أنبأنا ابن الحصين قال نا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال ثنا إسماعيل بن علي قال ثنا الحسن بن علي بن شبيب قال ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : قال أبو سليمان : يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم ونصف ، وشهوته في قلبه بخمسة دراهم ، أما يستحي أن يجاوز شهوته لباسه ، ولو ستر زهده بثوبين أبيضين من أبصار الناس كان أسلم له . قال أحمد بن الحواري قال لي سليمان بن أبي سليمان - وكان يعدل بأبيه : أي شيء أرادوا بلباس الصوف ؟ قلت : التواضع . قال : لا يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف . أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري نا عبد الله بن أحمد السمرقندي ثنا أبو بكر الخطيب نا الحسن بن الحسين العالي نا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح ثنا روح بن عبد المجيب ثنا أحمد بن عمر بن يونس قال : أبصر الثوري رجلا صوفيا فقال له الثوري هذا بدعة .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد المنعم بن عمر ثنا أحمد بن محمد بن زياد قال : سمعت أبا داود يقول : قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف : لباسك هذا بدعة . أنبأنا زاهر بن طاهر أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي نا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال أخبرني محمد بن عمر ثنا محمد بن المنذر قال سمعت أحمد بن شداد يقول : سمعت الحسن بن الربيع يقول : سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا - أكره هذا أكره هذا . أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ني عبد الواحد بن بكر ثنا علي بن أبي عثمان بن زهير ثنا عثمان بن أحمد ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارس يقول : دخل علي الموصلي على المعافي - وعليه جبة من صوف - فقال له : ما هذه الشهرة يا أبا الحسن ؟ فقال : يا أبا مسعود أخرج أنا وأنت فانظر أينا أشهر . فقال له المعافي : ليس شهرة البدن كشهرة اللباس . أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر المقري نا ظاهر بن أحمد نا علي بن محمد بن بشران عثمان بن أحمد الدقاق ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول : دخل بديل على أيوب السختياني وقد مد على فراشه سبنية حمراء تدفع التراب فقال بديل : ما هذا ؟ فقال أيوب : هذا خير من الصوف الذي عليك . أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه ثنا علان بن أحمد ثنا حبيب بن الحسن ثنا الفضل بن أحمد ثنا محمد بن يسار قال : سمعت بشر بن الحارث - وسئل عن لبس الصوف - فشق عليه وتبين الكراهة في وجهه ثم قال : لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار . أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار قال أخبرنا أبي نا الحسين بن علي الطناجيري نا أحمد بن منصور البرسري ثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن منصور ثني يزيد السقا رفيق محمد بن إدريس الأنباري قال : رأيت فتى عليه مسوح قال : فقلت له من لبس هذا من العلماء ، من فعل هذا من العلماء ؟ قال : قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر علي . قال يزيد فذهبت إلى بشر فقلت له : يا أبا نصر ، رأيت فلانا عليه جبة مسوح فأنكرت عليه فقال : قد رآني أبو نصر فلم ينكر علي ! قال : فقال لي بشر : لم تستشرني يا أبا خالد ، لو قلت له لقال لي : لبس فلان ولبس فلان .

أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي ثنا ابن روزبة ثنا عبد الله بن أحمد بن نصر القنطري ثنا إبراهيم بن محمد الإمام ثنا هشام بن خالد قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول لرجل لبس الصوف : إنك أظهرت آلة الزاهدين ، فماذا أورثك هذا الصوف ؟ فسكت الرجل ، فقال له : يكون ظاهرك قطنيا وباطنك صوفيا .

أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط نا الحسن بن الحسين بن حمكان سمعت أبا الحسن بن عثمان بن عبد ربه البزار يقول : سمعت أبا بكر بن الزيات البغدادي يقول : سمعت ابن سيرويه يقول : دخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن ابن بشار وعليه جبة صوف فقال له أبو الحسن : يا أبا محمد صوفت قلبك وجسمك ، صوف قلبك والبس القوهي على القوهي .

أخبرنا عبد الوهاب ابن المبارك الحافظ نا جعفر بن أحمد بن السواح نا عبد العزيز بن حسن الضراب قال : حدثنا أبي ثنا أحمد بن مروان ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ثنا أحمد بن سعيد قال : سمعت النضر بن شميل يقول : قلت لبعض الصوفية : تبيع جبتك الصوف ؟ فقال : إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد ؟

قال أبو جعفر بن جرير الطبري : ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان ، مع وجود السبيل إليه من حله ، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر ، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء .

( فصل )

قال المصنف : وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون . ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين ولقاء الإخوان ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا .

وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، "أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد ، فقال لرسول الله صضص : لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك ، فقال رسول الله صضص : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" فما أنكر عليه ذكر التجمل بها ، وإنما أنكر عليه لكونها حريرا .

قال المصنف رحمه الله : وقد ذكرنا عن أبي العالية أنه قال : كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا . أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي أنبأنا الحسن بن علي الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد قال : كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسا مرتفعا ، وقد اشترى تمتم الداري حلة بألف ، ولكنه كان يصلي بها . قال ابن سعد وأخبرنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا أيوب عن محمد بن سيرين أن تميما الداري اشترى حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته . قال وحدثنا عفان قال : حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت ، أن تميما الداري كانت له حلة قد ابتاعها بألف كان يلبسها الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر . وأخبرنا الفضل بن دكين ثنا همام عن قتادة أن ابن سيرين أخبره أن تميما الداري اشترى رداء بألف فكان يصلي بأصحابه فيه .

قال المصنف رحمه الله قلت : وقد كان ابن مسعود من أجود الناس ثوبا وأطيبهم ريحا ، وكان الحسن البصري يلبس الثياب الجياد ، قال كلثوم بن جوشن : خرج الحسن وعليه جبة يمنية ورداء يمني فنظر إليه فرقد فقال : يا أستاذ لا ينبغي لمثلك أن يكون هكذا ، فقال الحسن : يا ابن أم فرقد أما علمت أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية وكان مالك بن أنس يلبس الثياب العدنية الجياد .

وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار وقد كانوا يؤثرون البذاذة إلى حد وربما لبسوا خلقان الثياب في بيوتهم فإذا خرجوا تجملوا ولبسوا مالا يشتهرون به من الدون ولا من الأعلى . أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد علي العجلي ثنا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين الصوفي ثنا ابن روزبة ثنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحراني ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا محمد بن خلف ثنا عيسى بن حازم ، قال : كان لباس إبراهيم بن أدهم كتانا قطنا فروة لم أر عليه ثياب صوف ولا ثياب شهرة .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال : سمعت محمد بن إبراهيم يقول : سمعت محمد بن ريان يقول : رأى علي ذو النون خفا أحمر فقال : انزع هذا يا بني فإنه شهرة ما لبسه رسول الله صضص إنما لبس النبي خفين أسودين ساذجين . أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الكريم بن محمد المحاملي نا علي بن عمر الدارقطني نا أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم نا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدني ثني الزبير عن أبي عرنة الأنصاري عن فليج بن سليمان عن الربيع بن يونس قال : قال أبو جعفر المنصور : العري الفادح خير من الزي الفاضح .

 اللباس الذي يظهر الزهد

قال المصنف : واعلم أن اللباس الذي يزري بصاحبه يتضمن إظهار الزهد ، وإظهار الفقر وكأنه لسان شكوى من الله عز وجل ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك مكروه ومنهي عنه .

أخبرنا محمد بن ناصر نا علي بن الحصين بن أيوب نا أبو علي بن شاذان ثنا أبو بكر بن سليمان النجاد ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد القرشي ثنا عبد الله بن عمر القواريري ثنا هشام بن عبد الملك ثنا شعبة عن ابن إسحاق عن الأحوص عن أبيه ، قال : أتيت رسول الله صضص وأنا قشف الهيئة ، فقال : هل لك مال ، قلت : نعم قال : من أي المال ، قلت : من كل المال قد آتاني الله عز وجل من الإبل والخيل والرقيق والغنم ، قال : فإذا آتاك الله عز وجل مالا فلير عليك .

أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا مسكين بن بكير ثني الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : "أتانا رسول الله صضص زائرا في منزلي فرأى رجلا شعثا ، فقال : أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه ، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة ، فقال : أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه" .

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا نا أبو عمر محمد العباس بن حياة ثنا أبو بكر بن الأنباري ثني أبي ثنا أبو عكرمة الضبي ثنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال : مضى علي بن أبي طالب إلى الربيع بن زياد يعوده فقال له : يا أمير المؤمنين أشكو إليك عاصما أخي ، قال : ما شأنه ؟ قال : ترك الملاذ ولبس العباءة فغم أهله ، وأحزن ولده ، فقال : علي عاصما ، فلما حضر بش في وجهه وقال : أترى الله أحل لك الدنيا وهو يكره أخذك منها ، أنت والله أهون على الله من ذلك . فوالله لابتذالك نعم الله بالفعال ! أحب إليه من ابتذالك بالمقال ، فقال : يا أمير المؤمنين إني أراك تؤثر لبس الخشن وأكل الشعير فتنفس الصعداء ثم قال : ويحك يا عاصم ، إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يتبيع بالفقير فقره . قال أبو بكر الأنباري : المعنى لئلا يزيد ويغلو ، يقال : تبيع به الدم ، إذا زاد وجاوز الحد .

 تجريد اللباس

قال المصنف : فإن قال قائل تجويد اللباس هوى للنفس . وقد أمرنا بمعاهدتها . وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا  للخلق . فالجواب : أنه ليس كل ما تهواه النفس يذم ولا كل التزين للناس يكره . وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه . أو كان على وجه الرياء في باب الدين فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا وذلك حظ النفس ولا يلام فيه ولهذا يسرح شعره ، وينظر في المرآة ، ويسوي عمامته ، ويلبس بطانة الثوب الخشن إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج . وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم .

أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي نا علي بن محمد بن العلاف نا عبد الملك بن محمد بن بشران نا أحمد بن إبراهيم الكندي نا محمد بن جعفر الخرائطي ثنا بنان بن سليمان ثنا عبد الرحمن بن هانئ عن العلاء بن كثير عن مكحول عن عائشة قالت : "كان نفر من أصحاب رسول الله صضص ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم ، وفي الدار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته ، فقلت : يا رسول الله وأنت تفعل هذا ! قال نعم . إذا خرج الرجل إلى أخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال" .

أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا عبد المحسن بن محمد بن علي ثنا مسعود بن ناصر بن أبي زيد نا أبو إسحاق بن محمد بن أحمد نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه نا الحسن بن سفيان ثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله العرزمي عن أبيه عن أم كلثوم عن عائشة قالت : "خرج رسول الله صضص فمر بركوة لنا فيها ماء فنظر إلى ظله فيها . ثم سوى لحيته ورأسه ثم مضى فلما رجع قلت له : يا رسول الله تفعل هذا ؟ قال : وأي شيء فعلت ؟ نظرت في ظل الماء فهيأت من لحيتي ورأسي . إنه لا بأس أن يفعله الرجل المسلم إذا خرج إلى إخوانه أن يهيئ من نفسه" .

قال المصنف رحمه الله : فإن قيل ، فما وجه ما رويتم عن سري السقطي أنه قال : لو أحسست بإنسان يدخل علي فقلت كذا بلحيتي - وأمر يده على لحيته كأنه يريد أن يسويها من أجل دخول الداخل عليه - لخشيت أن يعذبني الله على ذلك بالنار . فالجواب : إن هذا محمول منه على أنه كان يقصد بذلك الرياء في باب الدين من إظهار التخشع وغيره . فأما إذا قصد تحسين صورته لئلا يرى منه ما لا يستحسن فإن ذلك غير مذموم . فمن اعتقده مذموما فما عرف الرياء ولا فهم المذموم .

أخبرنا سعد الخير بن محمد الأنصاري نا علي بن عبد الله بن محمد النيسابوري نا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي نا محمد بن عيسى بن عمرويه ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثني يحيى بن حماد قال : أخبرنا شعبة عن أبان بن تغلب عن فضيل الفقيمي عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صضص قال : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر . فقال رجل : إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة . قال : إن الله جميل يحب الجمال . الكبر بطر الحق وغمط الناس" . انفرد به مسلم ومعناه الكبر كبر من بطر الحق ، وغمط بمعنى ازدرى واحتقر .

( فصل )

وقال المصنف رحمه الله : وقد كان في الصوفية من يلبس الثياب المرتفعة . أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر نا علي بن الحسن بن جحاف ، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء ، كان أبو العباس بن عطاء يلبس المرتفع من البز كالدبيقي ، ويسبح بسبح اللؤلؤ ويؤثر ما طال من الثياب .

قال المصنف رحمه الله : قلت وهذا في الشهرة كالمرقعات وإنما ينبغي أن تكون ثياب أهل الخير وسطا ، فانظر إلى الشيطان كيف يتلاعب بهؤلاء بين طرفي نقيض .

( فصل )

قال المصنف رحمه الله : وقد كان الصوفية من إذا لبس ثوبا خرق بعضه . وربما أفسد الثوب الرفيع القدر . أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا الحسن بن غالب المقري قال : سمعت عيسى بن علي الوزير يقول : كان ابن مجاهد يوما عن أبي ، فقيل له الشبلي ، فقال : يدخل . فقال ابن مجاهد : سأسكته الساعة بين يديك ، وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا ، فلما جلس ، قال له ابن مجاهد ، يا أبا بكر أين في العلم فساد ما ينتفع به ؟ فقال له الشبلي : أين في العلم "فطفق مسحا بالسوق والأعناق" قال فسكت ابن مجاهد فقال له أبي : أردت أن تسكته فأسكتك ، ثم قال له : قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت فأين في القرآن إن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ قال : فسكت ابن مجاهد ، فقال له أبي : قل يا أبا بكر ، فقال : قولته تعالى : " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم " فقال ابن مجاهد : كأنني ما سمعتها قط .

قال المصنف رحمه الله : قلت هذه الحكاية أنا مرتاب بصحتها لأن الحسن بن غالب كان لا يوثق به . أخبرنا القزاز نا أبو بكر الخطيب قال : ادعى الحسن بن غالب أشياء تبين لنا فيها كذبه واختلافه ، فإن كانت صحيحة فقد أبانت عن قلة فهم الشبلي حين احتج بهذه الآية . وقلة فهم ابن مجاهد حين سكت عن جوابه وذلك أن قوله : "فطفق مسحا بالسوق والأعناق" لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد .

والمفسرون قد اختلفوا في معنى الآية ، فمنهم من قال مسح على أعناقها وسوقها ، وقال : أنت في سبيل الله ، فهذا إصلاح ، ومنهم من قال : عقرها ، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز فما فعل شيئا فيه جناح ، فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإن لا يجوز ، ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا . أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ أنبأنا محمد بن أحمد بن أبي الصقر ثنا علي بن الحسن بن جحاف الدمشقي ، قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء : كان مذهب أبي علي الروزبادي تخريف أكمامه وتفتيق قميصه ، قال : فكان يخرق الثوب المثمن فيرتدي بنصفه ويأتزر بنصفه حتى أنه دخل الحمام يوما وكان عليه ثوب ولم يكن مع أصحابه ما يأتزرون به ، فقطعه على عددهم فاتزروا به وتقدم إليهم أن يدفعوا الخرق إذا خرجوا للحمامي .

قال ابن عطاء : قال لي أبو سعيد الكازروني : كنت معه في هذا اليوم وكان الرداء الذي قطعه يقوم بنحو ثلاثين دينارا .

قال المصنف رحمه الله : ونظير هذا التفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر قال : أنبأنا أبو بكر البيهقي نا أبو عبد الله الحاكم قال : سمعت عبد الله بن يوسف يقول : سمعت أبا الحسن البوشنجي يقول : كانت لي قبجة طلبت بمائة درهم فحظرني ليلة غريبان فقلت للوالدة : عندك شيء لضيفي ؟ قالت : لا إلا الخبز . فذبحت القبجة وقدمتها إليهما .

قال المصنف رحمه الله : قد كان يمكنه أن يستقرض ثم يبيعها ويعطي فلقد فرط . أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت جدي يقول : دخل أبو الحسن الدراج البغدادي الري ، وكان يحتاج إلى لفاف لرجله فدفع إليه رجل منديلا ديبقيا فشقه نصفين وتلفف به فقيل له : لو بعته واشتريت منه لفافا وأنفقت الباقي ، فقال رحمه الله : أنا لا أخون المذهب .

قال المصنف : وقد كان أحمد الغزالي ببغداد فخرج إلى المحول فوقف على ناعورة تأن فرمى طيلسانه عليها فدارت فتقطع الطيلسان . قال المصنف رجمه الله : قلت ، فانظر إلى هذا الجهل والتفريط والبعد من العلم فإنه قد صح عن رسول الله صضص أنه نهى عن إضاعة المال ، ولو أن رجلا قطع دينارا صحيحا وأنفقه كان عند الفقهاء مفرطا فكيف بهذا التبذير المحرم . ونظير هذا تمزيقهم الثياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله ثم يدعون أن هذه الحالة لا خير في حالة تنافي الشرع . أفتراهم عبيد نفوسهم أن أمروا أن يعلموا بآرائهم ، فإن كانوا عرفوا أنهم يخالفون الشرع بفعلهم هذا ثم فعلوه إنه لعناد . وإن كانوا لا يعرفون فلعمري إنه لجهل شديد .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد ربه الحافظ قال : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله الرازي يقول : لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته ، مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه . ففتح أبو عثمان عينه . وقال : يا بني خلاف السنة في الظاهر ورياء باطن في القلب .

 المبالغة في تقصير الثياب

قال المصنف : وفي الصوفية من يبالغ في تقصير ثوبه وذلك شهرة أيضا . أخبرنا ابن الحصين نا ابن النذهب ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد بن أبي عدي عن العلاء عن أبيه أنه سمع أبا سعيد سئل عن الإزار فقال : سمعت رسول الله صضص يقول : "إزار المسلم إلى إنصاف الساقين . لا جناح أو لا حرج عليه ما بينه وبين الكعبين . ما كان أسفل من ذلك فهو النار" . أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : كتب إلي عبد الرزاق عن معمر قال : كان في قميص أيوب بعض التذييل ، فقيل  له ، فقال : الشهرة اليوم في التشمير .

وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال : دخلت يوما على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعلي قميص أسفل من الركبة وفوق الساق ، فقال : أي شيء هذا ؟ وأنكره وقال : هذا بالمرة لا ينبغي .

 من الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة

قال المصنف : وقد كان في الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة وهذا أيضا شهرة لأنه على خلاف لباس أهل البلد وكل ما فيه شهرة فهو مكروه . أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار نا أبي الحسين بن علي نا أحمد بن منصور البوسري ثنا محمد بن مخلد ثني محمد بن يوسف قال : قال عباس بن عبد العظيم العنبري قال بشر بن الحارث : إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة ، فنظر الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كمه .

 

 تخصيص ثياب للصلاة وثياب للخلاء

قال المصنف : وقد كان في الصوفية من استكثر من الثياب وسوسة فيجعل للخلاء ثوبا وللصلاة ثوبا . وقد روي هذا عن جماعة منهم أبو يزيد وهذا لا بأس به إلا أنه ينبغي خشية أن يتخذ سنة .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب ثنا محمد بن إسحاق النيسابوري ثنا محمد بن الصباح ثنا حاتم يعني ابن إسماعيل ثني جعفر عن أبيه أن علي بن الحسين قال : يا بني لو اتخذت ثوبا للغائط ، رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب ، ثم أتيته ، فقال : ما كان لرسول الله صضص ولا لأصحابه إلا ثوب فرفضه .

 الثوب الواحد

قال المصنف : وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد زهدا في الدنيا ، وهذا أحسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أصلح وأحسن . أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حياة نا إبراهيم بن حريم بن حميد ثني ابن أبي شيبة ثنا محمد بن عمر عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال : خطبنا رسول الله صضص في يوم جمعة فقال : "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته" .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف الحساب نا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن سعد نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال محمد بن عمر وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضا ببعض ذلك قالوا كان لرسول الله صضص برد يمينه وإزار من نسج عمان فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم

قال المصنف رحمه الله : قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية فأمرهم بتقليل المطعم وخشونته ومنعهم شرب الماء البارد . فلما بلغ إلى المتأخرين استراح من التعب واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم .

 ذكر طرف مما فعله قدماؤهم

قال المصنف رحمه الله : كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته . وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن فروي لنا عن سهل بن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دبسا وبدرهمين سمنا وبدرهم دقيق الأرز فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة فيفطر كل ليلة على واحدة . وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال : كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التبين مدة ثلاث سنين واقتات بثلاث دراهم في ثلاث سنين . أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه ثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي ثني أبو عبد الله الحصري قال سمعت أبا جعفر الحداد يقول : أشرف علي أبو تراب يوما وأنا على بكرة ماء ولي ستة عشر يوما ولم آكل شيئا ولم أشرب فيها ماء فقال : ما جلوسك ههنا فقلت أنا بين العلم واليقين وأنا أنظر من يغلب فأكون معه فقال سيكون لك شأن . أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا ابن أبي صادق ثنا ابن باكيوه نا عبد العزيز بن الفضل ثنا علي بن عبد الله العمري ثنا محمد بن فليح ثني إبراهيم بن البنا البغدادي قال : صحبت ذا النون من أخميم إلى الإسكندرية فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي وقلت : هلم . فقال لي : ملحك مدقوق . قلت نعم . قال لست تفلح فنظرت إلى مزوده فإذا فيه قليل سويق شعير يستف منه .

أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز ابن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق ثنا أحمد بن أنس بن أبي الحواري . سمعت أبا سليمان يقول : الزبد بالعسل إسراف . قال ابن جهضم وحدثنا محمد يوسف البصري قال سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول : بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى أن سهل بن عبد الله يقول : أنا حجة الله على الخلق . فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له : بلغنا أنك قلت ( أنا حجة الله على الخلق ) فبماذا ؟ أنبي أنت ؟ أصديق أنت ؟ قال سهل : لم أذهب حيث تظن ولكن إنما قلت هذا لأخذي الحلال . فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال . قالوا فأنت قد صححته ؟ قال نعم . قال وكيف ؟ قال سهل : قسمت عقلي ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء ، فأتركه حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء ويتلف معه نفسي حفت أن أكون قد أعنت عليها وقتلتها دفعت إليها من البلغة ما يرد الستة الأجزاء .

أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو عبد الله بن مفلح قال خبرني أبي أخبرني أبو عبد الله بن زيد قال لي : منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعاما إلا في وقت ما أحل الله لها الميتة . أخبرنا ابن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي ثني أبو الحسن علي بن محمد القوهي ثنا عيسى بن آدم ابن أخي أبي زيد قال : جاء رجل إلى أبي يزيد قال : أريد أن أجلس في مسجدك الذي أنت فيه ، قال لا تطيق ذلك . فقال : إن رأيت أن توسع لي في ذلك . فأذن له فجلس يوما لا يطعم فصبر فلما كان في اليوم الثاني قال له يا أستاذ لا بد مما لا بد منه . فقال : يا غلام لا بد من الله . قال : يا أستاذ نريد القوت . قال : يا غلام القوت عندنا إطاعة الله . فقال : يا أستاذ أريد شيئا يقيم جسدي في طاعته عز وجل . فقال : يا غلام إن الأجسام لا تقوم إلا بالله عز وجل .

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا : نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا عثمان الآدمي يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر البطيخ وكان قد طوى ثلاثة أيام . فقال له : تمد يدك إلى قشر البطيخ أنت لا يصلح لك التصوف . إلزم السوق . أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا القاسم القيرواني يقول : سمعت بعض أصحابنا يقول : أقام أبو الحسن النصيبي بالحرم أياما مع أصحاب لهم سبعة لم يأكلوا فخرج بعض أصحابه ليتطهر فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله . فرآه إنسان فأتبعه بشيء وجاء برفق فوضعه بين يدي القوم فقال الشيخ : من جنى منكم هذه الجناية ، فقال الرجل أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته فقال كن مع جنايتك ومع هذا الرفق وخرج من الحرم ومعه أصحابه وتبعه الرجل فقال : ألم أقل لك كن مع جنايتك ، فقال الرجل أنا تائب إلى الله تعالى مما جرى مني ، فقال الشيخ : لا كلام بعد التوبة .

أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا أبو القاسم الأزجي نا أبو الحسن بن جهضم ثنا إبراهيم بن محمد الشنوزي قال سمعت بنان بن محمد يقول : كنت بمكة مجاورا فرأيت بها إبراهيم الخواص وأتى علي أيام لم يفتح علي بشيء وكان بمكة مزين يحب الفقراء وكان من أخلاقه إذا جاءه الفقير يحتجم اشترى له لحما فطبخه فأطعمه فقصدته وقلت أريد أن أحتجم فأرسل من يشتري لحما وأمر بإصلاحه وجلست بين يديه فجعلت نفسي تقول : ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة . ثم استيقظت وقلت : يا نفس إنما جئت تحتجمين لتطعمي عاهدت الله تعالى ألا ذقت من طعامه شيئا . فلما فرغ انصرفت فقال : سبحان الله أنت تعرف الشرط . فقلت : ثم عقد : فسكت . وجئت المسجد الحرام ولم يقدر لي شيء آكله . فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ولم يتفق أيضا فلما قمت لصلاة العصر سقطت وغشي علي واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون فقام إبراهيم وفرق الناس وجلس عندي يحدثني . ثم قال : تأكل شيئا ؟ قلت قرب الليل . فقال : أحسنتم يا مبتدئون اثبتوا على هذا تفلحوا ثم قام فلما صلينا العشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق ماء فوضعه بين يدي وقال : كل ذلك فأكلت الرغيفين والعدس فقال : فيك فضل تأكل شيئا آخر قلت نعم ، فمضى وجاء بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما وقلت قد اكتفيت فاضطجعت فما قمت ليلتي ونمت إلى الصباح ما صليت ولا طفت .

أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي قال سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول : سمعت منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول : إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق وامروه بالكسب . أنبأنا عبد المنعم ثنا أبي قال سمعت ابن باكويه يقول سمعت أبا أحمد الصغير يقول : أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب لإفطاره فأشفقت عليه ليلة فحملت إليه خمسة عشر حبة فنظر إلي وقال من أمرك بهذا وأكل عشر حبات وترك الباقي . أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه قال : سمعت عبد الله بن خفيف يقول : كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرا أفطر كل ليلة بكف باقلاء فمضيت يوما فافتصدت فخرج من عرقي شبه ماء اللحم وغشي علي . فتحير الفصاد وقال : ما رأيت جسدا لا دم فيه إلا هذا .

 الامتناع عن أكل اللحم

قال المصنف : وقد كان فيهم قوم لا يأكلون اللحم حتى قال بعضهم أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحا . وكان فيهم من يمتنع من الطيبات كلها ويحتج بما أخبرنا  به علي بن عبد الواحد الدينوري نا أبو الحسن القزويني نا أبو حفص بن الزيات ثنا ابن ماجة ثنا أزهر بن جميل ثنا بزيغ عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت : "قال رسول الله صضص : احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق بها" . وفيهم من كان يمتنع من شرب الماء الصافي . وفيهم من يمتنع من شرب الماء البارد فيشرب الحار . ومنهم من كان يجعل ماءه في دن مدفون في الأرض فيصير حارا . ومنهم من يعاقب نفسه بترك الماء مدة . وأخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال : سمعت عبد الواحد بن بكر الورياني ثني محمد بن سعدان ثني عيسى بن موسى البسطامي قال : سمعت أبي يقول : قال سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول : ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة . قال : وأسهل ما لاقت نفسي مني أني سألتها أمرا من الأمور فأبت فعزمت أن لا أشرب الماء سنة فما شربت الماء سنة . وحكى أبو حامد الغزالي عن أبي يزيد أنه قال : دعوت نفسي إلى الله عز وجل فجمحت فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك .

( فصل )

قال المصنف : وقد رتب أبو طالب المكي للقوم ترتيبات في المطاعم فقال : استحب للمريد ألا يزيد على رغيفين في يوم وليلة قال : ومن الناس من كان يعمل في الأقوات فيقلها : وكان بعضهم يزن قوته بكربة من كرب النخل وهي تجف كل يوم قليلا فينقص من قوته بمقدار ذلك ، قال ، ومنهم من كان يعمل في الأوقات فيأكل كل يوم ثم يتدرج إلى يومين وثلاثة ، قال ، والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه وفي بياضه نوره ، ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته ، وفي رقته مفتاح المكاشفة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وقد صنف لهم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي كتابا سماه رياضة النفوس قال فيه ، فينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله ثم يفطر فيطعم اليسير ويأكل كسرة كسرة . ويقطع الأدام والفواكه واللذة ، ومجالسة الإخوان ، والنظر في الكتب ، وهذه كلها أفراح للنفس فيمنع النفس لذاتها حتى تملئ غما .

قال المصنف : وقد أخرج لهم بعض المتأخرين الأربعينية . يبقى أحدهم أربعين يوما لا يأكل الخبز ولكنه يشرب الزيوتات ويأكل الفواكه الكثيرة اللذيذة ، فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدل مذكورها على مغفلها .

 

 فصل :-في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطأ فيها

قال المصنف رحمه الله : أما ما نقل عن سهل ففعل لا يجوز لأنه حمل على النفس ما لا تطيق ثم إن الله عز وجل أكرم الآدميين بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم فلا تصلح مزاحمة البهائم في أكل التبن وأي غذاء في التبن ومثل هذه الأشياء أشهر من أن تحتاج إلى رد وقد حكى أبو حامد عن سهل أنه كان يرى أن صلاة الجائع الذي قد أضعفه الجوع قاعدا أفضل من صلاته قائما إذا قواه الأكل .

قال المصنف رحمه الله : وهذا خطأ بل إذا تقوى على القيام كان أكله عبادة لأنه يعين على العبادة وإذا تجوع إلى أن يصلي قاعدا فقد تسبب إلى ترك الفرائض فلم يجز له ولو كان التناول ميتة ما جاز هذا فكيف وهو حلال ثم أي قربة في هذا الجوع المعطل أدوات العبادة .

وأما قول الحداد وأنا أنظر أن يغلب العلم أم اليقين فإنه جهل محض لأنه ليس بين العلم واليقين تضاد إنما اليقين أعلى مراتب العلم ، وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النفس من المطعم والمشرب وإنما أشار بالعلم إلى ما أمره الشرع ، وأشار باليقين إلى قوة الصبر وهذا تخليط قبيح ، وهؤلاء قوم شددوا فيما ابتدعوا وكانوا كقريش في تشددهم حتى سموا بالحمس فجحدوا الأصل وشددوا في الفرع ، وقول الآخر ، ملحك مدقوق لست تفلح من أقبح الأشياء ، وكيف يقال عمن استعمل ما أبيح له لست تفلح وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج .

وقو الآخر الزبد بالعسل إسراف قول مرذول لأن الإسراف ممنوع منه شرعا وهذا مأذون في وقد صح عن رسول الله صضص أنه كان يأكل القثاء بالرطب ، وكان يحب الحلوى والعسل ، وأما ما روينا عن سهل أنه قال قسمت قوتي وعقلي سبعة أجزاء ففعل يذم به ولا يمدح عليه إذ لم يأمر الشرع بمثله وهو إلى التحريم أقرب لأنه ظلم للنفس وترك لحقها وكذلك قول الذي قال : ما أكلت إلى وقت أن يباح لي أكل الميتة : فإنه فعل برأيه المرذول . وحمل على النفس مع وجود الحلال . وقول أبي زيد : القوت عندنا لله . كلام ركيك فإن البدن قد بني على الحاجة إلى الطعام حتى أن أهل النار في النار يحتاجون إلى الطعام . وأما التقبيح على من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطويل فلا وجه له والذي طوى ثلاثا لم يسلم من لوم الشرع ، وكذلك الذي عاهد أن لا يأكل حين احتجم حتى وقع في الضعف فإنه فعل ما لا يحل له ، وقول إبراهيم له أحسنتم يا مبتدئون خطأ أيضا فإنه ينبغي أن يلزمه بالفطر ولو كان في رمضان إذ من له أيام لم يأكل وقد احتجم وغشي عليه لا يجوز له أن يصوم .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت ثني الأزهري ثنا علي بن عمر ثنا أبو حامد الحضرمي ثنا عبد الرحمن بن يونس السواح ثنا بقية بن الوليد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صضص : "من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار" .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، كل رجاله ثقات وقد أخبرنا به عاليا محمد بن عبد الباقي نا أبو يعلى محمد بن الحسين نا علي بن عمر السكري ثنا أحمد بن محمد الأسدي ثنا عبد الرحمن بن يونس فذكره وقال : "من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار" .

قال المصنف رحمه الله : وأما تقليل ابن خفيف ففعل قبيح لا يستحسن وما يورد هذا الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلا جاهل بأصول الشرع ، فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم فكيف بفعل جاهل مبرسم ، وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان والله عز وجل أعلم بمصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها فأكل اللحم يقوي القوة وتركه يضعفها ويسيء الخلق ، وقد كان رسول الله صضص يأكل اللحم ويحب الذراع من الشاة ، ودخل يوما فقدم إليه طعام من طعام البيت فقال : "لم أر لكم برمة تفور" . وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحما ، وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر ، وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح لأن الله عز وجل لما خلق بني آدم على الجرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الإخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات فقد ركب في الطبع الميل إلى ما تميل إليه النفس وتوافقه فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوبلت حكمة الباري سبحانه وتعالى يردها ثم يؤثر ذلك في البدن فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل .

ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ ، وإنما قلت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئا ، ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى أنه قال لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه .

قال المصنف رحمه الله : وهذا قبيح في الغاية فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل إداما والماء شهوة أخرى . أو ليس في الصحيح أن رسول الله صضص طاف على نسائه بغسل واحد فهلا اقتصر على شهوة واحدة . أو ليس في الصحيحين أن رسول الله صضص كان يأكل القثاء بالرطب وهاتان شهوتان . أو ما أكل عند أبي الهيتم بن التيهان خبزا وشواء وبسرا وشرب ماء باردا ، أو ما كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي أو ما تعلف الفرس الشعير والتبن والقت . وتطعم الناقة الخبط والحمض . وهل البدن إلا ناقة وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة وإنما تجتنب فضول الشهوات لئلا يكون سببا لكثرة الأكل وجلب النوم . ولئلا تتعود فيقل الصبر عنها فيحتاج الإنسان إلى تضييع العمر في كسبها وربما تناولها من غير وجهها . وهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات . والحديث الذي احتجوا به (احرموا أنفسكم طيب الطعام) حديث موضوع عملته يدا بزيغ الراوي . وأما إذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه لأن خبز الشعير يابس مجفف والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر ، وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة وضيقها وقد حكى يوسف الهمداني عن شيخه عبد الله الحوفي أنه كان يأكل خبز البلوط بغير إدام وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدهن والدسومات فلا يفعل .

قال المصنف رحمه الله : وهذا يورث القولنج الشديد . واعلم أن المذموم من الأكل إنما هو فرط الشبع وأحسن الآداب في المطعم أدب الشارع صضص . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن حمكان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني ثنا يحيى بن جابر الطائي قال : سمعت المقدام بن معدي كرب يقول : سمعت رسول الله صضص يقول : "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه . حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه . فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه" .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، فقد أمر الشرع بما يقيم النفس حفظا لها وسعيا في مصلحتها . ولو سمع أبقراط هذه القسمة في قوله (ثلث وثلث وثلث) لدهش من هذه الحكمة لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيتقارب ملئها فيبقى للنفس من الثلث قريب فهذا أعدل الأمور فإن نقص منه قليلا لم يضر وإن زاد النقصان أضعف القوة وضيق المجاري على الطعام .

 الصوفية والجوع

قال المصنف رحمه الله : واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شبانهم ومبتدئيهم ومن أضر الأشياء على الشاب الجوع فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضا فأما الشبان فلا صبر لهم على الجوع . وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة فلذلك يجود هضمه ويكثر تحلل بدنه فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الجديد إلى كثرة الزيت . فإذا صابر الشاب الجوع وتئبته في أول النشوء قمع نشوء نفسه فكان كمن يعرقب أصول الحيطان ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ الفضول المجتمعة في البدن فتغذيه بالأخلاط فيفسد الدهن والجسم وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل .

( فصل )

قال المصنف رحمه الله : وذكر العلماء التقلل الذي يضعف البدن . أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن جعفر الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد هارون الخلال نا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجيلي قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال له عقبة بن مكرم : هؤلاء الذين يأكلون قليلا ويقللون من مطعمهم . فقال : ما يعجبني . سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : فعل قوم هذا فقطعهم عن الفرض . قال الخلال : وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة ثنا إسحق بن داود بن صبيح قال : قلت لعبد الرحمن بن مهدي : يا أبا سعيد إن ببلدنا قوما من هؤلاء الصوفية . فقال : لا تقرب هؤلاء فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما أخرجهم الأمر إلى الجنون . وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة . ثم قال : خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته ، وكان معه سفرة فيها فالوذج وكان فيها حمل . قال الخلال : وأخبرني المروزي قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وقال له رجل : إني منذ خمس عشرة سنة قد ولع بي إبليس . وربما وجدت وسوسة أتفكر في الله عز وجل . فقال : لعلك كنت تذمن الصوم ، افطر وكل دسما وجالس القصاص .

قال المصنف رحمه الله : وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرديئة ويهجر الدسم فيجتمع في معدته أخلاط فجة فتغتذي المعدة منها مدة لأن المعدة لا بد لها من شيء تهضمه . فإذا هضمت ما عندها من الطعام ولم تجد شيئا تناولت الأخلاط فهضمتها وجعلتها غذاء . وذلك الغذاء الرديء يخرج إلى الوساوس والجنون وسوء الأخلاق .

وهؤلاء المتقللون يتناولون مع التقلل أردأ المأكولات فتكثر أخلاطهم فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط . ويتفق لهم تعود التقلل بالتدريج فتضيق المعدة فيمكنهم الصبر عن الطعام أياما . ويعينهم على هذا قوة الشباب فيعتقدون الصبر عن الطعام كرامة . وإنما السبب مع عرفتك . وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم قال : حدثني أبي قال : كانت امرأة قد طعنت في السن فسئلت عن حالها . فقالت : كنت في حال الشباب أجد من نفسي أحوالا أظنها قوة الحال ، فلما كبرت زالت عني ، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب فتوهمتها أحوالا . قال : سمعت أبا علي الدقاق يقول : ما سمع أحد هذه الحكاية من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وقال إنها كانت منصفة .

وقال المصنف : فإن قيل كيف تمنعون من التقلل وقد رويتم أن عمر رضي الله عنه كان يأكل كل يوم إحدى عشرة لقمة . وأن ابن الزبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل وإن إبراهيم التميمي بقي شهرين . قلنا : قد يجري للإنسان من هذا الفن في بعض الأوقات غير أنه لا يدوم عليه . ولا يقصد الترقي إليه . وقد كان السلف من يجوع عوزا وفيهم من كان الصبر له عادة لا يضر بدنه . وفي العرب من يبقى أياما لا يزيد على شرب اللبن . ونحن لا نأمر بالشبع إنما ننهى عن جوع يضعف القوة ويؤذي البدن . وإذا ضعف البدن قلت العبادة . فإن حملت البدن قوة الشباب جاء الشيب فأقذع بالراكب . وقد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا عبد القادر بن يوسف نا أبو إسحق البرمكي ثنا أبو يعقوب بن سعد النسائي ثنا جدي الحسن بن سفيان ثنا حرملة بن يحيى ثنا عبد الله بن وهب ثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن أنس عن إسحق بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال : كان يطرح لعمر بن الخطاب رضي الله عنه الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه . وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلا وخبزا حوارى ، فقيل له : هذا كله تأكله ؟ فقال : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال .

 ماء الشرب

قال المصنف رحمه الله : وأما الشرب من الماء الصافي ، فقد تخيره رسول الله صضص . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صضص أتى قوما من الأنصار يعود مريضا فاستسقى وجدول قريب منه فقال : "إن كان عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا" - أخرجه البخاري - . وأخبرنا منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا محمد بن عمرو بن أبي مدعور ثنا عبد العزيز بن محمد نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : « أن رسول الله صضص كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا » .

قال المصنف : وينبغي أن يعلم أن الماء الكدر يولد الحصا في الكلى والسدد في الكبد ، وأما الماء البارد فإنه إذا كانت برودته معتدلة فإنه يشد المعدة ، ويقوي الشهوة ، ويحسن اللون ، ويمنع عفن الدم وصعود البخارات إلى الدماغ ويحفظ الصحة ، وإذا كان الماء حارا أفسد الهضم وأحدث الترهل وأذبل البدن ، وأدى إلى الاستسقاء والدق ، فإن سخن بالشمس خيف منه البرض ، وقد كان بعض الزهاد يقول : إذا أكلت الطيب وشربت الماء البارد متى تحب الموت . وكذلك قال أبو حامد الغزالي : إذا أكل الإنسان ما يستلذه قسا قلبه وكره الموت ، وإذا منع نفسه شهواتها وحرمها لذاتها اشتهت نفسه الإفلات من الدنيا بالموت .

قال المصنف رحمه الله : واعجبا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه ! أترى لو تقلبت النفس في أي فن كان من التعذيب ما أحبت الموت ، ثم كيف يجوز لنا تعذيبها وقد قال عز وجل : "لا تقتلوا أنفسكم" ورضي منا بالإفطار في السفر رفقا بها وقال : " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " أو ليست مطيتنا التي عليها وصولنا .

وكيف لا نأوي لها وهي التيبها قطعنا السهل والحزونا

وأما معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال ، ووجه ذمها أن للنفس حقا ومنع الحق مستحقه ظلم ، ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه ، ولا أن يقعد في الشمس في الصيف بقدر ما يتأذى ، ولا في الثلج في الشتاء . والماء يحفظ الرطوبات الأصلية في البدن وينفذ الأغذية ، وقوام النفس بالأغذية فإذا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها وهذا أفحش الخطأ . وكذلك منعه إياها النوم . قال ابن عقيل : وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها من أنفسهم ، يدل عليه أن إقامة الإنسان الحد على نفسه لا يجزي فإن فعله أعاده الإمام . وهذه النفوس ودائع الله عز وجل حتى أن التصرف في الأموال لم يطلق لأربابها إلا على وجوه مخصوصة .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد روينا في حديث الهجرة أن النبي صضص تزود طعاما وشرابا . وأن أبا بكر فرش له في ظل صخرة وحلب له لبنا في قدح ثم صب ماء على القدح حتى برد أسفله ، وكل ذلك من الرفق بالنفس . وأما ما رتبه أبو طالب المكي فحمل على النفس بما يضعفها . وإنما يمدح الجوع إذا كان بمقدار . وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ وأما ما صنفه الترمذي فكأن ابتداء شرع برأيه الفاسد . وما وجه صيام شهرين متتابعين عند التوبة وما فائدة قطع الفواكه المباحة وإذا لم ينظر في الكتب فبأي سيرة يقتدي . وأما الأربعينية فحديث فارغ رتبوه على حديث لا أصل له من أخلص لله أربعين صباحا لم يجب الإخلاص أبدا فما وجه تقديره بأربعين صباحا ثم لو قدرنا ذلك فالإخلاص عمل القلب فما بال المطعم ثم ما الذي حسن منع الفاكهة ومنع الخبز وهل هذا كله إلا جهل . وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال :حجج السوفية من أظهر من حجج كل أحد وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب . لأن الناس إما أصحاب نقل وأثر وإما أرباب عقل وفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة والذي للناس غيب فلهم ظهور فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق وأولها الخروج من المال ثم الخروج من الجاه وأن لا ينام إلا غلبة وأن يقلل غذاءه بالتدريج .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، من له أدنى فهم يعرف أن هذا الكلام تخليط فإن من خرج عن النقل والعقل فليس بمعدود في الناس وليس أحد من الخلق إلا وهو مستدل وذكر الوصال حديث فارغ . فنسأل الله عز وجل العصمة من تخليط المريدين والأشياخ والله الموفق .

 ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم

أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط ثنا الحسن بن الحسين بن حمكان ثنا عبدان بن يزيد العطار وأخبرنا محمد بن أبي منصور أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه ثنا محمد بن أحمد الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى البرورجردي ثنا عمير بن مرداس قالا حدثنا محمد بن بكير الحضرمي ثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب . قال : جاء عثمان بن مظعون إلى النبي صضص فقال : "يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك ذلك . فقال رسول الله صضص : وما تحدثك نفسك يا عثمان ؟ قال : تحدثني نفسي أن أختصي . فقال : مهلا يا عثمان فإن خصي أمتي الصيام . قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أترهب في الجبال . قال : مهلا يا عثمان ، فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض ، قال مهلا يا عثمان ، فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة . قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله . قال : مهلا يا عثمان ، فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم وتطعمه أفضل من ذلك . قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي ، قال : مهلا يا عثمان ، فإن هجرة أمتي من هجر ما حرم الله عليه ، أو هاجر إلي في حياتي ، أو زار قبري بعد موتي ، أو مات وله امرأة امرأتان أو ثلاث أو أربع . قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها ، قال : مهلا يا عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله فإن لم يكن من قوعته تلك ولد كان له وصيف في الجنة فإن كان من وقعته تلك ولد فإن مات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وإن كان بعده كان له نورا يوم القيامة . قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم . قال : مهلا يا عثمان فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمني إياه كل يوم لأطعمني . قال : يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أمس طيبا . قال : مهلا يا عثمان فإن جبريل أمرني بالطيب غبا ويوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي" .

قال المصنف رحمه الله : هذا حديث عمير بن مرداس .

أخبرنا محمد بن أبي طاهر الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسن بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا الفضل بن دكين ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن أبي بردة قال : دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صضص فرأينها سيئة الهيئة ، فقلن لها : مالك فما في قريش رجل أغنى من بعلك ، قالت : ما لنا منه شيء أما ليله فقائم ، وأما نهاره فصائم . فدخلن إلى النبي صضص فذكرن ذلك له فلقيه فقال : "يا عثمان أمالك بي أسوة ؟ فقال : بأبي وأمي أنت ، وما ذاك ؟ قال : تصوم النهار وتقوم الليل . قال : إني لأفعل . قال : لا تفعل إن لعينك عليك حقا ، وإن لجسدك عليك حقا ، وإن لأهلك عليك حقا . فصل ونم وصم وأفطر" . قال ابن سعد : وأخبرنا عارم بن الفضل ثنا حماد بن زيد ثنا معاوية بن عباس الحرمي عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتا فقعد يتعبد فيه ، فبلغ ذلك النبي صضص فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه وقال : "يا عثمان ، إن الله عز وجل لم يبعثني بالرهبانية - مرتين أو ثلاثا - ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة" .

أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان نا محمد بن سهل ثنا البخاري قال : قال موسى بن إسماعيل بن حماد بن زيد مسلم ثنا أبو معاوية بن قرة عن كهمس الهلالي قال : أسلمت وأتيت النبي صضص فأخبرته بإسلامي . فمكثت حولا ثم أتيته وقد ضمرت ونحل جسمي فخفض في البصر ثم صعده ، قلت : أما تعرفني ؟ "قال : ومن أنت ؟ قلت : أنا كهمس الهلالي . قال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قلت : ما أفطرت بعدك نهارا ، ولا نمت ليلا . قال : ومن أمرك أن تعذب نفسك ؟ صم شهر الصبر ومن كل شهر يوما ، قلت : زدني ، قال : صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين ، قلت : زدني . قال : صم شهر الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام" .

أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوري نا أبو أحمد محمد بن الغطريف ثنا أبو بكر الذهبي ثنا حميد بن الربيع ثنا عبدة بن حميد عن الأعمش عن جرير بن حازم عن أيوب عن أبي قلابة بلغ به صضص أن ناسا من أصحابه احتموا النساء واللحم اجتمعوا فذكرنا ترك النساء واللحم فأعدوا فيه وعيدا شديدا ، وقال : "لو كنت تقدمت فيه لفعلت . ثم قال : إني لم أرسل بالرهبانية ، إن خير الدين الحنيفية السمحة" .

قال المصنف رحمه الله : وقد روينا في حديث آخر عن النبي صضص أنه قال : "إن الله عز وجل يحب أن يرى آثار نعمته على عبده في مأكله ومشربه" وقال : بكر بن عبد الله : من أعطي خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله عز وجل ، ومن أعطي خيرا فلم ير عليه سمي بغيض الله عز وجل معاديا لنعمة الله عز وجل .

( فصل )

قال المصنف رحمه الله : وهذا الذي نهينا عنه من التقلل الزائد في الحد ، قد انعكس في صوفية زماننا فصارت همتهم في المأكل كما كانت همة متقدميهم في الجوع . لهم الغذاء والعشاء والحلوى ، وكل ذلك أو أكثره حاصل من أموال وسخة ، وقد تركوا كسب الدنيا ، وأعرضوا عن التعبد وافترشوا فراش البطالة ، فلا همة لأكثرهم إلا الأكل واللعب . فإن أحسن محسن منهم قالوا : طرح شكرا . وإن أساء مسيء ، قالوا : استغفر . ويسمون ما يلزمه إياه واجبا . وتسمية ما لم يسمه الشرع واجبا جناية عليه . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الحافظ النيسابوري ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا أحمد بن سلمة ثنا محمد بن عبدوس السراج البغدادي ، قال : قام أبو مرحوم القاضي بالبصرة يقص على الناس فأبكى فلما فرغ من قصصه قال من يطعمنا إرزة في الله فقام شاب من المجلس فقال أنا فقال اجلس يرحمك الله فقد عرفنا موضعك ثم قام الثانية ذلك الشاب فقال اجلس فقد عرفنا موضعك فقام الثالثة فقال أبو مرحوم لأصحابه قوموا بنا إليه فقاموا معه فأتوا منزله قال فأتينا بقدر من باقلاء فأكلنا بلا ملح ثم قال أبو مرحوم علي بخوان خماسي وخمس مكاكيك أرز ، وخمسة أمنان سمن ، وعشرة أمنان سكر ، وخمسة أمنان صنوبر ، وخمسة أمنان فستق ، فجيء بها كلها . فقال أبو مرحوم لأصحابه : يا إخواني كيف أصبحت الدنيا ؟ قالوا : مشرق لونها ، مبيضة شمسها ، أخرقوا فيها أنهارها . قال فأتى بذلك السمن فأجرى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا ، قالوا مشرق لونها ، مبيضة شمسها ، مجراة فيها أنهارها فقال يا إخواني اغرسوا فيها أشجارها قال فأتى بذلك الفستق والصنوبر ، فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال : يا إخواني كيف أصبحت الدنيا ، قالوا : مشرق لونها ، مبيض شمسها ، مجرى فيها أنهارها ، وقد غرست فيها أشجارها ، وقد تدلت لنا ثمارها ، قال : يا إخواني ارموا الدنيا بحجارتها قال : فأتى بذلك السكر فألقى فيها ، ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه ، فقال : يا إخواني كيف أصبحت الدنيا ؟ قالوا : مشرق لونها مبيضة شمسها وقد أجريت فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها ، وقد تدلت لنا ثمارها ، فقال يا إخواني : ما لنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها ، قال : فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس . قال أبو الفضل أحمد بن سلمة ذكرته لأبي حاتم الرازي فقال إمله علي فأمليته عليه فقال : هذا شأن الصوفية .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة بالغ في الأكل ثم اختار من الطعام فربما ملأ كمية من غير إذن صاحب الدار وذلك حرام بالإجماع ولقد رأيت شيخا منهم قد أخذ شيئا من الطعام ليحمله معه فوثب صاحب الدار فأخذه منه .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد

قال المصنف رحمه الله : اعلم أن سماع الغناء يجمع شيئين ، أحدهما : أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته ، والثاني : أنه يميله إلى اللذات العاجلة التي تدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها النكاح وليس تمام لذته إلا في المتجددات ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحل فلذلك يحث على الزنا فبين الغناء والزنا تناسب من جهة أن الغناء لذة الروح والزنا لذة أكبر لذات النفس ولهذا جاء في الحديث : الغناء رقية الزنا . وقد ذكر أبو جعفر الطبري أن الذي اتخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال له ثوبال . اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان ، فانهمك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث فنزل منهم قوم وفشت الفاحشة وشرب الخمور .

قال المصنف رحمه الله : وهذا لأن الالتذاذ بشيء يدعو إلى التذاذه بغيره خصوصا ما يناسبه ولما يئس إبليس أن يسمع من المتعبدين شيئا من الأصوات المحرمة كالعود نظر إلى المغني الحاصل بالعود فدرجه ضمن الغناء بغير العود وحسنه لهم وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد فإن النظر إلى الأمرد مباح إن أمن ثوران الشهوة فإن لم يؤمن لم يجز . وتقبيل الصبية التي لها من العمر ثلاث سنين جائز إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب فإن وجد شهوة حرم ذلك ، وكذلك الخلوة بذوات المحارم فإن خيف من ذلك حرم فتأمل هذه القاعدة .

 

 رأي الصوفية في الغناء

قال المصنف رحمه الله : وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة وفصل الخطاب أن نقول ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك والغناء اسم يطلق على أشياء منها غناء الحجيج في الطرقات فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام وربما ضربوا مع إنشادهم بطبل ، فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال وفي معنى هؤلاء الغزاة : فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو . وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة قول قائلهم :

‌بشرها دليلها وقالاغدا ترين الطلح والجبالا

وهذا يحرك الإبل والآدمي ، إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن الاعتدال . وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البنا نا أبو جعفر بن المسلمة نا المخلص نا أحمد بن سليمان الطوسي ثنا الزبير بن بكار ثني إبراهيم بن المنذر ثنا أبو البحتري وهب عن طلحة المكي عن بعض علمائهم ، أن رسول الله صضص مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم فقال : "إن حادينا نام فسمعنا حاديكم فملت إليكم ، فهل تدرون أني كان الحداء ؟ قالوا : لا والله . قال إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرقت فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح يا يداه يا يداه فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه" . فقال مضر : لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت فاشتقت الحداء .

قال المصنف رحمه الله : وقد كان لرسول الله صضص حاد يقال له أنجشة يحدو فتعنق الإبل . فقال رسول الله صضص : "يا أنجشة ، رويدك سوقا بالقوارير" وفي حديث سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول الله صضص إلى خيبر ، فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنياتك . وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقول يقول :

لا هم لولا أنت ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا

فألقين سكينة عليناوثبت الأقدام إذ لاقينا

قال رسول الله صضص : من هذا السائق ؟ قالوا : عامر بن الأكوع . فقال : يرحمه الله .

قال المصنف رحمه الله : وقد روينا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به .

قال المصنف رحمه الله : ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله صضص عليهم .

طلع البدر علينامن ثنيات الوداع

وجب الشكر عليناما دعا لله داع

ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم في المدينة . وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده . ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي ثني الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها ، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تضربان بدفين ، ورسول الله صضص مسجى عليه بثوبه - فانتهرهما أبو بكر - فكشف رسول الله صضص عن وجهه . وقال : "دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد" أخرجاه في الصحيحين .

قال المصنف رحمه الله : والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة ، وكان رسول الله صضص يسرب إليها الجواري فيلعبن معها . وقد أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحق البرمكي أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرنا منصور بن الوليد بن جعفر بن محمد حدثهم قال : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث الزهري عن عروة عن عائشة عن جوار يغنين - أي شيء من هذا الغناء . قال : غناء الركب : أتيناكم أتيناكم . قال الخلال وحدثنا أحمد بن فرج الحمصي ثنا يحيى بن سعيد ثنا أبو عقيل عن نهبة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها ، فقال رسول الله صضص : "يا عائشة ، إن الأنصار أناس فيهم غزل ، فما قلت ؟ قالت : دعونا بالبركة . قال : أفلا قلتم :

أتيناكم أتيناكمفحيونا نحييكم

ولولا الذهب الأحمــر ما حلت بواديكم

ولولا الحبة السمراء لم تسمن عذاريكم " .

أخبرنا أبو الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن أجلح عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صضص لعائشة رضي الله عنها : "أهديتم الجارية إلى بيتها ؟ قالت : نعم . قال : فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول :

أتيناكم أتيناكمفحيونا نحييكم

فإن الأنصار قوم فيهم غزل" .

قال المصنف رحمه الله : فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم . ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم :

يا غاديا في غفلة ورائحاإلى متى تستحسن القبائحا

وكم إلى كم لا تخاف موقفايستنطق الله به الجوارحا

يا عجبا منك وأنت مبصركيف تجنبت الطريق الواضحا

فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس نا المظفر بن الحسن الهمداني نا أبو بكر بن لالي ثنا الفضل الكندي قال سمعت عبدوس يقول سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل : يا أبا عبد الله ، هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها ؟ فقال : مثل أي شيء ؟ قلت : يقولون :

إذا ما قال لي ربيأما استحييت تعصيني

وتخفي الذنب من خلقيوبالعصيان تأتيني

فقال : أعد علي ، فأعدت عليه ، فقام ودخل بيته ورد الباب - فسمعت نحيبه من داخل وهو يقول :

إذا ما قال لي ربيأما استحييت تعصيني

وتخفي الذنب من خلقيوبالعصيان تأتيني

ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح ، يثيرون بها الأحزان والبكاء ، فينهي عنها لما في ضمنها .

فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر :

ذهبي اللون تحسب منوجنتيه النار تقتدح

خوفوني من فضيحتهليته وافى وأفتضح

وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال ، وتثير حب الهوى ، ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب . وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل ، والشبابة النائبة عن الزمر فهذا الغناء المعروف اليوم .

( فصل )

قال المصنف رحمه الله : وقبل أن نتكلم في إباحته ، أو تحريمه ، أو كراهته ، نقول : ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وأخوانه ، ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء . فلا يحمل الكل محملا واحدا . فيقول قد أباحه فلان وكرهه فلان . فنبدأ بالكلام في النصيحة للنفس والأخوان فنقول :

معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت فإذا ادعى الشاب السليم البدن الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثر عنده ولا تضره في دينه كذبناه لما نعلم من استواء الطباع - فإن ثبت صدقه عرفنا أن به مرضا خرج به عن حيز الاعتدال ، فإن تعلل فقال : إنما أنظر إلى هذه المستحسنات معتبرا فأتعجب من حسن الصنعة في دعج العينين ، ورقة الأنف ونقاء البياض ، قلنا له في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة . وههنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة . فإن ميل الطبع شاغل عن ذلك ، وكذا من قال : إن هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرك لها إلى العشق وحب الدنيا لا يؤثر عندي ولا يلفت قلبي إلى حب الدنيا الموصوفة فيه - فإنا نكذبه لموضع اشتراك الطباع ثم إن كان قلبه بالخوف من الله عز وجل غائبا عن الهوى لأحضر هذا المسموع الطبع وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف ، وأقبح القبيح البهرجة ، ثم كيف تمر البهرجة على من يعلم السر وأخفى .

ثم إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوف فينبغي أن لا نبيحه إلا لمن هذه صفته والقوم قد أباحوه على الإطلاق للشاب المبتدئ ، والصبي الجاهل ، حتى قال أبو حامد الغزالي : إن التشبيب بوصف الخدود ، والأصداغ ، وحسن القد ، وسائر أوصاف النساء ، الصحيح أنه لا يحرم .

قال المصنف رحمه الله : فأما من قال إني لا أسمع الغناء للدنيا . وإنما آخذ منه إشارات فهو يخطئ من وجهين . أحدهما أن الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات فيكون كمن قال : إني أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لا تفكر في الصنعة - والثاني أنه يقل فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق وقد جل الخالق تبارك وتعالى أن يقال في حقه أنه يعشق ، ويقع الهيمان به . وإنما نصيبنا من معرفته الهيبة والتعظيم فقط . وإذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء .

 مذهب الإمام أحمد

أما مذهب الإمام أحمد رحمه الله : فإن كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد إلا أنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه . فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب ، لا يعجبني . وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد فقال : أكرهه ، هو بدعة ، ولا يجالسون . وروى عنه أبو الحارث أنه قال : التغيير بدعة ، فقيل له : أنه يرقق القلب . فقال هو بدعة . وروى عنه يعقوب الهاشمي : التغيير بدعة محدث . وروى عنه يعقوب بن غياث أكره التغيير وأنه نهى عن استماعه .

قال المصنف : فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء ، قال أبو بكر الخلال : كره أحمد القصائد لما قيل له أنهم يتماجنون ثم روى عنه ما يدل على أنه لا بأس بها . قال المروزي : سألت أبا عبيد الله عن القصائد فقال : بدعة . فقلت له : إنهم يهجرون . فقال : لا يبلغ بهم هذا كله .

قال المصنف : وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فلم ينكر عليه . فقال له صالح : يا أبت أليس كنت تنكر هذا ؟ فقال : إنما قيل لي أنهم يستعملون المنكر فكرهته ، فأما هذا فإني لا أكرهه . قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء . وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات .

وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد . ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية . فاحتاج الصبي إلى بيعها . فقال : لا تباع على أنها مغنية . فقيل : له إنها تساوي ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا فقال : لا تباع إلا على أنها ساذجة .

قال المصنف : وإنما قال هذا لأن الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهديات بل بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العشق . وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم . وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي صضص : عندي خمر لأيتام ، فقال : أرقها . فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى . وروى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه قال : كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء وهذا لأن المخنث لا يغني بالقصائد الزهدية إنما يغني بالغزل والنوح . فبان من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة ، فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات .

 مذهب الإمام مالك

قال المصنف : وأما مذهب مالك بن أنس رحمه الله فأخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا نا أبو نصر محمد بن محمد الدبيثي نا أبو بكر محمد بن عمر الوراق نا محمد بن السري بن عثمان التمار قالا أخبرنا عبد الله بن أحمد عن أبيه عن إسحاق بن عيسى الطباع قال : سألت مالك بن أنس عن ما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء . فقال : إنما يفعله الفساق .

أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا أبو الطيب الطبري قال : أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه . وقال : إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب . وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده فإنه حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا .

 

 مذهب أبي حنيفة

وأما مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه . أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب الطبري قال : كان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ . ويجعل سماع الغناء من الذنوب . قال : وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة : إبراهيم ، والشعبي وحماد ، وسفيان الثوري وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك . قال ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه إلا ما روى عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا .

 

 مذهب الشافعي

وأما مذهب الشافعي رحمة الله عليه قال : حدثنا إسماعيل بن أحمد نا أحمد بن الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا محمد بن عبد الرحمن ثنا أحمد بن محمد بن الحارث ثنا محمد بن إبراهيم بن جياد ثنا الحسن بن عبد العزيز الحروي قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول : خلفت بالعراق شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغيير يشغلون به الناس عن القرآن .

قال المصنف رحمه الله : وقد ذكر أبو منصور الأزهري : المغيرة قوم يغيرون بذكر الله بدعاء وتضرع وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر في ذكر الله عز وجل تغييرا كأنهم إذا شاهدوها بالألحان طربوا ورقصوا فسموا مغيرة لهذا المعنى . وقال الزجاج : سموا مغيرين لتزهيدهم الناس في الفاني من الدنيا وترغيبهم في الآخرة . وحدثنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال : قال الشافعي : الغناء مكروه يشبه الباطل . ومن استكثر منه فهو سفيه شهادته . قال : وكان الشافعي يكره التغيير . قال الطبري : فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري . وقد قال رسول الله صضص : "عليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار" وقال : "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" .

قال المصنف : قلت ، وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي رضي الله عنهم ينكرون السماع . وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلال وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار . منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع كتاب مصنف حدثنا به عنه أبو القاسم الحريري . ومنهم القاضي أبو بكر محمد بن مظفر الشامي أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي عنه قال : لا يجوز الغناء ولا سماعه ولا الضرب بالقضيب . قال : ومن أضاف إلى الشافعي هذا فقد كذب عليه . وقد نص الشافعي في كتاب أدب القضاء على أن الرجل إذا دام على سماع الغناء ردت شهادته وبطلت عدالته .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم وإنما رخص في ذلك متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه . وقال الفقهاء : من أصحابنا لا تقبل شهادة المغني والرقاص والله الموفق .

 

 فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما

قال المصنف : وقد استدل أصحابنا بالقرآن والسنة والمعنى . فأما الاستدلال من القرآن فثلاث آيات ، الآية الأولى قوله عز وجل : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا نا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر بن عبدان ثنا عبد الله بن منيع ثنا عبد الله بن عمر ثنا صفوان بن عيسى قال : قال حميد الخياط أخبرنا عن عمار بن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء قال : سألت ابن مسعود عن قول الله عز وجل : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" قال : هو والله الغناء . أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر الحافظ قالا نا طراد بن محمد نا أبي بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا زهير بن حرب ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" ، قال : هو الغناء وأشباهه .

أخبرنا عبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدبر قالا نا أبو الحسين بن النقور نا ابن حياة ثنا البغوي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" قال : الغناء . أخبرنا ابن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا أحمد بن جعفر بن مسلم نا أحمد بن محمد الخالق ثنا أبو بكر المروزي ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبدة ثنا إسماعيل عن سعيد بن يسار قال : سألت عكرمة عن لهو الحديث قال الغناء . وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم النخعي .

الآية الثانية قوله عز وجل : "وأنتم سامدون" . أخبرنا عبد الله بن علي نا طراد بن محمد نا ابن بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا عبيد الله بن عمر ثنا يحيى بن سعد عن سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس : "وأنتم سامدون" قال : هو الغناء بالحميرية : سمد لنا ، غنى لنا . وقال مجاهد : هو الغناء ، يقول أهل اليمن : سمد فلان إذا غنى .

الآية الثانية قوله عز وجل : " واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك " . أخبرنا موهوب بن أحمد نا ثابت بن بندار نا عمر بن إبراهيم الزهري نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي ثنا الحسين بن الكميت ثنا محمد بن نعيم بن القاسم الجرمي عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد : "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" قال : هو الغناء والمزامير .

أما السنة : أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه ، أنه سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع أتسمع ؟ فأقول : نعم . فيمضي حتى قلت : لا . فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله صضص سمع زمارة راع فصنع مثل هذا .

قال المصنف رحمه الله : إذا كان هذا فعلتهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل زمان وزمورهم . أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن محمد النصيبي ثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد ثنا أبو بكر بن الأنباري ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار ثنا ابن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : نهى رسول الله صضص عن شراء المغنيات وبيعهن وتعليمهن . وقال ثمنهن حرام . وقرأ : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين" .

أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا أبو منصور محمد بن محمد المقري نا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران نا عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي ثنا منصور بن أبي الأسود عن أبي الملهب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : نهى رسول الله صضص عن بيع المغنيات وعن التجارة فيهن وعن تعليمهن الغناء . وقال ثمنهن حرام . وقال في هذا أو نحوه . أو قال شبهه نزلت علي : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" . وقال : "ما من رجل يرفع عقيرة صوته للغناء إلا بعث الله له شيطانين يرتدفانه فإنه ، أعني هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب ، ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت" . وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صضص أنه قال : "إن الله عز وجل حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها . ثم قرأ : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث"" . وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي صضص أنه قال : "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ، صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة" .

أخبرنا ظفر بن علي نا أبو علي أحسن بن أحمد المقتدي نا أبو نعيم الحافظ نا حبيب بن الحسن بن علي بن الوليد ثنا محمد بن كليب ثنا خلف بن خليفة عن إبان المكتب عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال : دخلت مع رسول الله صضص فإذا ابنه إبراهيم يجود نفسه فأخذه رسول الله صضص فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقلت : يا رسول ، أتبكي وتنهانا عن البكاء ؟ فقال : "لست أنهي عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند ونغمة لعب ولهو ومزامير الشيطان ، وصوت عند مصيبة ، ضرب وجه وشق جيوب ورنة شيطان" .

أخبرنا عبد الله المقري نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن محمد بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا محمد بن سويد الطحان ثنا عاصم بن علي ثنا عبد الرحمن بن ثابت عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن نحام الثقة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صضص قال : "بعثت بهدم المزمار والطبل" .

أخبرنا ابن الحصين نا أبو طالب بن عيلان نا أبو بكر الشافعي ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية ثنا عباد بن يعوق ثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال : قال رسول الله صضص : "بعث بكسر المزامير" . أخبرنا أبو الفتح الكروجي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قالا نا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا صالح بن عبد الله ثنا الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صضص : "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء فذكر منها إذا اتخذت القيان المعازف" . قال الترمذي : وحدثنا علي بن حجر نا محمد بن يزيد عن المستلم بن سعيد عن رميح الجذامي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صضص : "إذا اتخذ اتخذ الفيء دولا ، والأمانة مغنما ، والزكاة مغرما ، وتعلم لغير الدين ، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه ، وأدنى صديقه وأقصى أباه ، وظهرت الأصوات في المساجد ، وساد القبيلة فاسقهم ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، وأكرم الرجل مخافة شره ، وظهرت القينات والمعازف ، وشربت الخمور ، ولعن آخر هذه الأمة أولها . فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع" . وقد روي عن سهل بن سعد عن النبي صضص أنه قال : "يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ" . قيل : يا رسول الله متى ؟ قال : "إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر" .

أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري في كتاب السنن لابن ماجة قال : نا أبو العباس أحمد بن محمد الأسدابادي نا أبو منصور المقومي نا أبو طلحة القاسم بن المنذر نا أبو الحسن بن إبراهيم القطان ثنا محمد بن يزيد بن ماجة ثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني ثنا عبد الرزاق أخبرني يحيى بن العلاء أنه سمع مكحولا يقول أنه سمع يزيد بن عبد الله يقول أنه سمع صفوان بن أمية قال كنا مع رسول الله صضص فجاء عمرو بن قرة فقال يا رسول الله . إن الله عز وجل قد كتب علي الشفوة فما أراني أرزق إلا من دفي بكفي فاذن لي في الغناء في غير فاحشة . فقال له رسول الله صضص : "لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة عين . كذبت يا عدو الله لقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله . ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت . قم عني وتب إلى الله عز وجل . أما أنك لو قلت بعد التقدمة إليك ضربتك ضربا وجيعا . وحلقت رأسك مثله ونفيتك من أهلك . أحللت سلبك نهبة لفتيان المدينة" فقام عمرو وبه من الشر والخزي ما لا يعلمه إلى الله عز وجل  . فلما ولى قال رسول الله صضص : "هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله عز وجل عريانا لا  يستتر بهدبة كلما قام صرع" .

وأما الآثار فقال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب في القلب كما ينبت الماء البقل . وقال : إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه الشيطان . وقال : تغنه فإن لم يحسن . قال له : تمنه . ومر ابن عمر رضي الله عنه بقوم محرمين وفيهم رجل يتغنى ، قال : ألا لا سمع الله لكم . ومر بجارية صغيرة تغني ، فقال : لو ترك الشيطان أحدا لترك هذه . وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال : أنهاك عنه وأكرهه لك . قال : أحرام هو ؟ قال : انظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يجعل الغناء ؟ .

وعن الشعبي قال : لعن المغني والمغنى له . أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر قالا نا طراد بن محمد نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثني الحسين بن عبد الرحمن ثني عبد الله بن الوهاب قال أخبرني أبو حفص عمر بن عبيد الله الأرموري قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمان جل وعز ، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعزف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب .

ولعمري لتوقي ذلك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه . وقال فضيل بن عياض : الغناء رقية الزنا . وقال الضحاك : الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب . وقال يزيد بن الوليد : يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر ، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء ، فإن الغناء داعية الزنا .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وكم قد فتنت الأصوات بالغناء من عابد وزاهد ، وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمى بـ ذم الهوى . أخبرنا محمد بن ناصر نا ثابت بن بندار نا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال : كان سليمان بن عبد الملك في بادية له ، فسمر ليلة على ظهر سطح ثم تفرق عنه جلساؤه ، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له ، فبينما هي تصب عليه إذا استمدها بيده ، وأشار إليها فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر . فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت . فإذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يعني به من الشعر . ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ فلما أصبح أذن للناس إذنا عاما . فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم أنه يشتهيه ، فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل . فقال : هل بقي أحد يسمع منه ؟ فقام رجل من القوم فقال : يا أمير المؤمنين ، عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان ، قال : وأين منزلك من العسكر ؟ فأومى إلى الناحية التي كان الغناء منها . فقال سليمان يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : سمير . فسأله عن الغناء كيف هو فيه ، فقال حاذق محكم . قال : ومتى عهدك به ؟ قال : في ليلتي هذه الماضية . قال : وفي أي نواحي العسكر كنت ؟ فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت . قال : فما غنيت ؟ فذكر الشعر الذي سمعه سليمان . فأقبل سليمان فقال : هدر الجمل فضبعت الناقة ، وهب التيس فشكرت الشاة ، وهدل الحمام فزافت الحمامة ، وغنى الرجل فطربت المرأة . ثم أمر به فخصي .

وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون . قالوا : بالمدينة وهو في المخنثين ، هم الحذاق به والأئمة فيه . فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن أخصي من قبلك من المخنثين المغنين .

قال المصنف رحمه الله : وأما المعنى فقد بينا أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال ويغير العقل . وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره من تحريك رأسه . وتصفيق يديه ، ودق الأرض برجليه . إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة . والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل . فينبغي أن يقع المنع منه .

أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم نا يحيى بن المؤمل ثنا أبو بكر السفاف ثنا أبو سعيد الخراز قال : ذكر عند محمد بن منصور أصحاب القصائد فقال : هؤلاء الفرارون من الله عز وجل  لو ناصحوا الله ورسوله وصدقوه لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التلاقي .

أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العبادي قال : قال أبو عبد الله بن بطة العكبري : سألني سائل عن استماع الغناء فنهيته عن ذلك ، وأعلمته أنه مما أنكرته العلماء واستحسنه السفهاء ، وإنما تفعله طائفة سموا بالصوفية وسماهم المحققون الجبرية ، أهل همم دنيئة وشرائع بدعية يظهرون الزهد وكل أسبابهم ظلمة . يدعون الشوق والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء . يسمعونه من الأحداث والنساء ويطربون ويصعقون ويتغاشون ويتماوتون ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم وشوقهم إليه . تعالى الله عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا .

 في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء

فمنها حديث عائشة رضي الله عنها أن الجاريتين كانتا تضربان عندها بدفين . وفي بعض ألفاظه : "دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث . فقال أبو بكر : أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صضص ؟ فقال رسول الله صضص : دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" . وقد سبق ذكر الحديث . ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار . فقال النبي صضص : "يا عائشة ، ما كان معهم من اللهو ، فإن الأنصار يعجبهم اللهو" . وقد سبق . ومنها حديث فضالة بن عبيد عن النبي صضص أنه قال : "الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" . قال ابن طاهر : وجه الحجة أنه أثبت تحليل استماع الغناء إذ لا يجوز أن يقاس على محرم . ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صضص أنه قال : "ما أذن الله عز وجل لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" . ومنها حديث حاطب عن النبي صضص أنه قال : "فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف" .

والجواب : أما حديثا عائشة رضي الله عنها فقد سبق الكلام عليهما وبينا أنهم كانوا ينشدون الشعر وسمي بذلك غناء لنوع يثبت في الإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال وكيف يحتج بذلك الواقع في الزمان السليم عند قلوب صافية على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملكها الهوى ، ما هذا إلا مغالطة للفهم أو ليس قد صح في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لو رأى رسول الله صضص ما أحدث النساء لمنعهن المساجد . وإنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان والسن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك . وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس ، وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والخد والقد والاعتدال ، فهل يثبت هناك ؟ هيهات ، بل ينزعج شوقا إلى المستلذ ولا يدعى أنه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حد الآدمية . ومن ادعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق فقد استعمل في حقه ما لا يليق به على أن الطبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى . وقد أجاب أبو الطيب الطبري عن هذا الحديث بجواب آخر ، فأخبرنا أبو القاسم الحريري عنه أنه قال : هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي صضص على أبي بكر قوله ، وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفعته لا سيما في يوم العيد . وقد كانت عائشة رضي الله عنها صغيرة في ذلك الوقت ، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء . وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه ، وقد أخذ العلم عنها .

قال المصنف رحمه الله : وأما اللهو المذكور في الحديث الآخر فليس بصريح في الغناء فيجوز أن يكون إنشاد الشعر أو غيره . وأما التشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبه حراما . فإن الإنسان لو قال (وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر) كان كلاما صحيحا وإنما وقع التشبيه بالإصغاء في الحالتين فيكون أحدهما حلالا أو حراما لا يمنع من التشبيه . وقد قال عليه الصلاة والسلام : "إنكم لترون ربكم كما ترون القمر" فشبه أيضا الرؤية بإيضاح الرؤية وإن كان وقع الفرق بأن القمر في جهة يحيط به نظر الناظر والحق منزه عن ذلك والفقهاء يقولون في ماء الوضوء (لا ننشف الأعضاء منه لأنه أثر عبادة فلا يسن مسحه كدم الشهيد) فقد جمعوا بينهما من جهة اتفاقهما في كونهما عبادة ، وإن افترقا في الطهارة والنجاسة . واستدلال ابن طاهر بأن القياس لا يكون إلا على مباح فقيه الصوفية لا علم الفقهاء . وأما قوله يتغنى بالقرآن فقد فسره سفيان بن عيينة فقال : معناه يستغني به . وفسره الشافعي فقال : معناه يتحزن به ويترنم . وقال غيرهما : يجعله مكان غناء الركبان إذا ساروا . وأما الضرب بالدف فقد كان جماعة من التابعين يكسرون الدفوف وما كانت هكذا - فكيف لو رأوا هذه - وكان الحسن البصري يقول : ليس الدف من سنة المرسلين في شيء .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : من ذهب به إلى الصوفية فهو خطأ في التأويل على رسول الله صضص ، وإنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت والذكر في الناس .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، ولو حمل على الدف حقيقة على أنه قد قال أحمد بن حنبل : أرجو ألا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل .

أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا نصر بن أحمد بن النظر نا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله المؤدب ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا عمر بن مرزوق ثنا زهير عن أبي إسحق عن عامر بن سعد الجبلي قال : طلبت ثابت بن سعد وكان بدريا فوجدته في عرس له . قال : وإذا جوار يغنين ويضربن بالدفوف ، فقلت : ألا تنهي عن هذا ؟ قال : لا ، إن رسول الله صضص رخص لنا في هذا . أخبرنا عبد الله بن علي نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا أحمد بن القاسم الطائي ثنا ابن سهم ثنا عيسى بن يونس عن خالد بن إلياس عن ربيعة بن أبي عبد  الرحمن عن القاسم عن عائشة قالت : قال رسول الله صضص : "أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال (يعني الدف)" .

قال المصنف رحمه الله : وكل ما احتجوا به لا يجوز أن يستدل به على جواز الغناء المعروف المؤثر في الطباع ، وقد احتج لهن أقوام مفتونون بحب التصوف بما لاحجة فيه فمنهم أبو نعيم الأصفهاني فإنه قال : كان البراء بن مالك يميل إلى السماع ويستلذ بالترنم .

قال المصنف رحمه الله : وإنما ذكر أبو نعيم هذا عن البراء لأنه روى عنه أنه استلقى يوما فترنم . فانظر إلى هذا الاحتجاج البارد ، فإن الإنسان لا يخلو من أن يترنم ، فأين الترنم من السماع للغناء المطرب .

وقد استدل لهم محمد بن طاهر بأشياء لولا أن يعثر على مثلها جاهل فيغتر لم يصلح ذكرها لأنها ليست بشيء فمنها أنه قال في كتابه باب (الاقتراح على القوال والسنة فيه) ، فجعل الاقتراح على القوال سنة واستدل بما روى عمرو بن الشريد عن أبيه قال : استنشدني رسول الله صضص من شعر أمية فأخذ يقول : هي هي . حتى أنشدته مائة قافية . وقال ابن طاهر (باب الدليل على استماع الغزل) قال العجاج : سألت أبا هريرة رضي الله عنه : طاف الخيالات فهاجا سقما . فقال أبو هريرة رضي الله عنه : كان ينشد مثل هذا بين يدي رسول الله صضص .

قال المصنف رحمه الله : فانظر إلى احتجاج ابن طاهر ما أعجبه كيف يحتج على جواز الغناء بإنشاد الشعر وما مثله إلا كمثل من قال : يجوز أن يضرب بالكف على ظهر العود فجاز أن يضرب بأوتاره ، أو قال : يجوز أن يعصر العنب ويشرب منه في يومه فجاز أن يشرب منه بعد أيام . وقد نسي أن إنشاد الشعر لا يطرب كما يطرب الغناء . وقد أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر عن أبيه قال : أخبرنا أبو محمد التميمي قال : سألت الشريف أبا علي بن أبي موسى الهاشمي عن السماع فقال : ما أدري ما أقول فيه غير أني أحضرت ذات يوم شيخنا أبا الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة علمها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين وأبو القاسم الداركي شيخ الشافعيين ، وأبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث ، وأبو الحسين ابن شمعون شيخ الوعاظ والزهاد ، وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين ، وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة ، فقال أبو علي لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة بسنة . ومعهم أبو عبد الله غلام وكان يقرأ القرآن بصوت حسن ، فقيل له قل شيئا فقال : وهم يسمعون .

خطت أناملها في بطن قرطاسرسالة بعبير لا بأنفاس

أن زر فديتك قف لي غير محتشمفإن حبك لي قد شاع في الناس

فكان قولي لمن أدى رسالتهاقف لي لأمشي على العينين والرأس

قال أبو علي : فبعدما رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة .

قال المصنف رحمه الله : وهذه الحكاية إن صدق فيها محمد بن طاهر فإن شيخنا ابن ناصر الحافظ كان يقول : ليس محمد بن طاهر بثقة . حملت هذه الأبيات على أنه أنشدها لا أنه غنى بها بقضيب ومخدة ، إذ لو كان كذلك لذكره ، ثم فيها كلام مجمل قوله لا يمكنني أن أقول فيها بحظر ولا إباحة لأنه إنن كان مقلدا لهم فينبغي أن يفتي بالإباحة ، وإن كان ينظر في الدليل فيلزمه مع حضورهم أن يفتي بالحظر ثم بتقدير صحتها أفلا يكون اتباع المذهب أولى من اتباع أرباب المذاهب ! وقد ذكرنا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين ما يكفي في هذا وشيدنا ذلك بالأدلة . وقال ابن طاهر في كتابه (باب إكرامهم للقوال وإفرادهم الموضع له)  واحتج بأن النبي صضص رمى بردة كانت عليه إلى كعب بن زهير لما أنشده (بانت سعاد) وإنما ذكرت هذا ليعرف قد رفقه هذا الرجل واستنباطه وإلا فالزمان أشرف من أن يضيع بمثل هذا التخليط . وأنبأنا أبو زرعة عن أبيه محمد بن طاهر نا أبو سعيد إسماعيل بن محمد الحجاجي ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد المقري ثنا أبي ثنا علي بن أحمد ثنا محمد بن العباس بن بلال قال : سمعت سعيد بن محمد قال : حدثني إبراهيم بن عبد الله وكان الناس يتبركون به قال : حدثنا المزني قال : مررنا مع الشافعي وإبراهيم بن إسماعيل على دار قوم وجارية تغنيهم :

خليلي ما بال المطايا كأننانراها على الأعقاب بالقوم تنكص

فقال الشافعي : ميلوا بنا نسمع ، فلما فرغت قال الشافعي لإبراهيم : أيطربك هذا ؟ قال : لا . قال : فما لك حس .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذا محال على الشافعي رضي الله عنه وفي الرواية مجهولون ، وابن طاهر لا يوثق به وقد كان الشافعي أجل من هذا كله . ويدل على صحة ما ذكرناه ما أخبرنا به أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري قال : أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا : لا يجوز سواء كانت حرة أو مملوكة . قال : وقال الشافعي : وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته . ثم غلظ القول فيه فقال : وهو دياثة .

قال المصنف رحمه الله : وإنما جعل صاحبها سفيها فاسقا لأنه دعا الناس إلى الباطل ، ومن دعا إلى الباطل كان سفيها فاسقا .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد أخبرنا محمد بن القاسم البغدادي عن أبي محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : اشترى سعد بن عبد الله الدمشقي جارية قوالة للفقراء ، وكانت تقول لهم القصائد .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه قال : أدركنا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحين وقد أعدهن للصوفية . قال : وكانت لعطاء جاريتان تلحنان ، وكان أخوانه يسمعون التلحين منهما .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، أما سعد الدمشقي فرجل جاهل ، والحكاية عن عطاء محال وكذب ، وإن صحت الحكاية عن مروان فهو فاسق والدليل على ماقلناه ما ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه ، وهؤلاء القوم جهلوا العلم فمالوا إلى الهوى . وقد أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قال : أكثر ما التقيت أنا وفارس بن عيسى الصوفي في دار أبي بكر الابريسمي للسماع من هزارة رحمها الله فإنها كانت من مستورات القوالات .

قال المصنف : قلت ، وهذا أقبح شيء من مثل الحاكم ، كيف خفي عليه أنه لا يحل له أن يسمع من امرأة ليست بمحرم ثم يذكر هذا في كتاب تاريخ نيسابور وهو كتاب علم من غير تحاش عن ذكر مثله ، لقد كفاه هذا ، قد حافى عدالته .

قال المصنف رحمه الله : فإن قيل ما تقول فيما أخبركم به إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عمر بن عبد الله نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد نا حنبل بن إسحاق ثنا هرون بن معروف ثنا جرير عن مغيرة قال : كان عون بن عبد الله يقص فإذا فرغ أمر جارية له تقص وتطرب . قال المغيرة : فأرسلت إليه أو أردت أن أرسل إليه أنك من أهل بيت صدق وأن الله عز وجل لم يبعث نبيه صضص بالحمق . وأن صنيعك هذا صنيع أحمق . فالجواب أنا لا نظن بعون أنه أمر الجارية أن تقص على الرجال بل أحب أن يسمعها منفردا وهي ملكه . فقال : له مغيرة الفقيه هذا القول وكره أن تطرب الجارية له ، فما ظنك بمن يسمعن الرجال ويرقصهن ويطربهن ، وقد ذكر أبو طالب المكي أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء .

قال المصنف رحمه الله : وإنما كان يسمع إنشاد جواريه وقد أردف ابن طاهر الحكاية التي ذكرها عن الشافعي وقد ذكرناها آنفا بحكاية عن أحمد بن حنبل رواها عن طريق عبد الرحمن السلمي قال : حدثنا الحسين بن أحمد قال : سمعت أبا العباس الفرغاني يقول : سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول : كنت أحب السماع ، وكان أبي أحمد يكره ذلك ، فوعدت ليلة ابن الخبازة فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام ، وأخذ يغني ، فسمعت حس أبي فوق السطح ، فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع وذيله تحت إبطه يتبخطر على السطح كأنه يرقص .

قال المصنف رحمه الله : هذه الحكاية قد بلفتنا من طرق ، ففي بعض الطرق عن صالح قال : كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي في الزقاق يذهب ويجيء ويسمع إليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع .

وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أحمد بن علي بن الحسين النوري ثنا يوسف بن عمر القواس قال : سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي أظنه عن عبد الله بن أحمد قال : كنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن ، وكان أبي ينهاني عن التغني فكنت إذا كان ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يغني فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق فجاء فسمعه يغني فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر فإذا أبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت ، فلما كان الغد ، قال لي : يا بني إذا كان هذا : نعم . (الكلام أو معناه) .

قال المصنف رحمه الله : وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة . ولذلك استمع إليه أحمد ، وقول من قال ينزعج فإن الإنسان قد يزعجه الطرب فيميل يمينا وشمالا . وأما رواية ابن طاهر التي فيها فرأيته وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص فإنما هو من تغيير الرواة ، وتغييرهم لا يظنونه المعنى تصحيحا لمذهبهم في الرقص . وقد ذكرنا في السلمي وفي ابن طاهر الراويين لهذه اللفظات . وقد احتج لهم أبو طالب المكي على جواز السماع بمنامات وقسم السماع إلى أنواع وهو تقسيم صوفي لا أصل له . وقد ذكرنا أن من ادعى أنه يسمع الغناء ولا يؤثر عنده تحريك النفس إلى الهوى فهو كاذب . وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي طالب الطبري قال : قال بعضهم : إنا لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام . قال : وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين :

أحدهما أنه يلزمه على هذا أن يستبيح العود والطنبور وسائر الملاهي لأنه يسمعه بالطبع الذي لا يشاركه فيه أحد من الناس فإن لم يستبح ذلك فقد نقض قوله وإن استباح فقد فسق .

والثاني أن هذا المدعي لا يخلو من أن يدعي أنه فارق طبع البشر وصار يمنزلة الملائكة . فإن قال هذا فقد تخرص على طبعه وعلم كل عاقل كذبه إذا رجع إلى نفسه ووجب أن لا يكون مجاهدا لنفسه ولا مخالفا لهواه ولا يكون له ثواب على ترك اللذات والشهوات . وهذا لا يقوله عاقل وإن قال أنا على طبع البشر المجبول على الهوى والشهوة ، قلنا له : فكيف تسمع الغناء المطرب بغير طبعك ، أو تطرب لسماعه لغير ما غرس في نفسك .

أخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول : سئل أبو علي الرودباري عمن سمع الملاهي ، ويقول هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال ، فقال نعم . قد وصل لعمري ولكن إلى سقر .

قال المصنف رحمه الله : فإن قيل قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا عن المنشد شيئا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به . قلنا : لا ينكر أن يسمع الإنسان بيتا من الشعر أو حكمة فيأخذها إشارة فتزعجه بمعناها لا لأن الصوت مطرب كما سمع بعض المريدين صوت مغنية تقول :

كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل

فصاح ومات ، فهذا لم يقصد سماع المرأة ولم يلتفت إلى التلحين . وإنما قتله المعنى . ثم ليس سماع كلمة أو بيت لم يقصد سماعه كالاستعداد لسماع الأبيات المذكورة الكثيرة المطربة مع انضمام الضرب بالقضيب والتصفيق إلى غير ذلك ثم إن ذلك السامع لم يقصد السماع . ولو سألنا هل يجوز لي أن أقصد سماع ذلك لمعناه ؟

قال المصنف رحمه الله : وقد احتج لهم أبو حامد الطوسي بأشياء نزل فيها عن رتبته عن الفهم جموعها أنه قال : ما يدل على تحريم السماع نص ولا قياس وجواب هذا ما قد أسلفناه وقال : لا وجه لتحريم سماع صوت طيب فإذا كان موزونا فلا يحرم أيضا وإذا لم يحرم الآحاد فلا يحرم المجموع . فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان المجموع مباحا قال : ولكن ينظر فيما يفهم من ذلك فإن كان فيه شيء محظور حرم نثره ونظمه ، وحرم التصويت به .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وإني لأتعجب من مثل هذا الكلام فإن الوتر بمفرده أو العود وحده من غير وتر لو ضرب لم يحرم ولم يطرب فإذا اجتمعا وضرب بهما على وجه مخصوص حرم وأزعج ، وكذلك ماء العنب جائز شربه وإذا حدثت فيه شدة مطربة حرم .

وكذلك هذا المجموع يوجب طربا يخرج عن الاعتدال فيمنع منه ذلك . وقال ابن عقيل : الأصوات على ثلاثة أضرب محرم ومكروه ومباح . فالمحرم الزمر والناي والسرنا والطنبور والمعزقة والرباب وما ماثلها ، نص الإمام أحمد بن حنبل على تحريم ذلك . ويلحق به الجرافة والجنك لأن هذه تطرب فتخرج عن حد الاعتدال وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر ، وسواء استعمل على حزن يهيجه أو سرور . لأن النبي صضص نهى عن صوتين أحمقين صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة ، والمكروه القضيب لكنه ليس بمطرب في نفسه وإنما يطرب بما يتبعه وهو تابع للقول ، والقول مكروه ، ومن أصحابنا من يحرم القضيب كما يحرم آلات اللهو فيكون فيه وجهان كالقول نفسه والمباح الدف وقد ذكرنا عن أحمد أنه قال أرجو أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه وأكره الطبل . وقد قال أبو حامد : من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فالسماع في حقه مؤكد لعشقه .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذا قبيح أن يقال عن الله عز وجل يعشق وقد بينا فيما تقدم خطأ هذا القول ثم أي توكيد لعشقه في قول المغني :

ذهبي اللون تحسب منوجنتيه النار تقتدح

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وسمع ابن عقيل بعض الصوفية يقول : إن مشايخ هذه الطائفة كلما وقفت طباعهم حداها الحادي إلى الله بالأناشيد فقال ابن عقيل : لا كرامة لهذا القائل إنما تحدي القلوب بوعد الله في القرآن ووعيده وسنة الرسول صضص لأن الله سبحانه وتعالى قال : "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا" وما قال : وإذا أنشدت القصائد طربت . فأما تحريك الطباع بالألحان فقاطع عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتعدد عنه فتنة . ومن سولت له نفسه التقاط العبر من محاسن البشر وحسن الصوت فمفتون .

بل ينبغي النظر إلى المحال التي أحالنا عليها الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك ، فإنها منظورات لا تهيج طبعا بل تورث استعظاما للفاعل . وإنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم ، ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة . وأنتم زنادقة في زي عباد ، شرهين في زي زهاد مشبهة تعتقدون أن الله عز وجل يعشق ويهام فيه . ويؤلف ويؤنس به ، وبئس التوهم لأن الله عز وجل خلق الذوات مشاكلة لأن أصولها مشاكلة فهي تتوانس وتتألم بأصولها العنصرية وتراكيبها المثلية في الأشكال الحديثة . فمن ههنا جاء التلاوم والميل وعشق بعضهم بعضا ، وعلى قدر التقارب في الصورة يتأكد الأنس .

والواحد منا يأنس بالماء لأن فيه ماء وهو بالنبات آنس لقربه من الحيوانية بالقوة النمائية وهو بالحيوان آنس لمشاركته في أخص النوع به أو أقربه إليه فأين المشاركة للخالق والمخلوق حتى يحصل الميل إليه والعشق والشوق . وما الذي بين الطين والماء وبين خالق السماء من المناسبة وإنما هؤلاء يصورون الباري سبحانه وتعالى صورة تثبت في القلوب ، وما ذاك الله عز وجل ذاك صنم شكله الطبع والشيطان وليس لله وصف تميل إليه الطباع ولا تشتاق إليه الأنفس وإنما مباينة الإلهية للمحدث أوجبت في الأنفس هيبة وحشمة فما يدعيه عشاق الصوفية لله محبة الله إنما هو وهم اعترض . وصورة شكلت في نفوس فحجبت عن عبادة القديم فتجدد بتلك الصورة أنس فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق إليها فنالهم من الوجد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق فنعوذ بالله من الهواجس الرديئة والعوارض الطبيعية التي يجب بحكم الشرع محوها عن القلوب كما يجب كسر الأصنام .

 نقد مسالك الصوفية في السماع

قال المصنف رحمه الله : وقد كان جماعه من قدماء الصوفية ينكرون على المبتدئ السماع لعلمهم بما يثير من قلبه . أخبرنا عمر بن ظفر المقري نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي ثنا بن جهضم ثني أبو عبد الله المقري ثنا عبد الله بن صالح قال : قال لي جنيد : إذا رأيت المريد يسمع السماع فاعلم أن فيه بقايا من اللعب .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه قال : سمعت أحمد بن محمد البردعي يقول : سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابه : إذا رأيت المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره .

قال المصنف رحمه الله : هذا قول مشايخ القوم وإنما ترخص المتأخرون حب اللهو فتعدى شرهم من وجهين : أحدهما سوء ظن العوام بقدمائهم لأنهم يظنون أن الكل كانوا هكذا . والثاني أنهم جرأوا العوام علىاللعب فليس للعامي حجة في لعبه إلا أن يقول فلان يفعل كذا ويفعل كذا .

( فصل )

قال المصنف رحمه الله : وقد نشب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن ورقت قلوبهم عنده بما لا ترق عند القرآن وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه وغلبة طبع وهم يظنون غير هذا . أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا عبد الكريم بن هوازن وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي وقال سمعت أبا حاتم محمد بن أحمد بن يحيى السجستاني قال سمعت أبا نصر السراج يقول :حكى لي بعض أخواني عن أبي الحسين الدراج قال : قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد فلما دخلت الري سألت عن منزله وكل من أسأله عنه يقول إيش تفعل بذلك الزنديق ؟ فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف ، فبت تلك الليلة في مسجد ثم قلت جئت إلى هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عنه حتى دفعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب بين يديه رجل على يديه مصحف وهو يقرأ فدنوت فسلمت فرد السلام وقال : من أين ؟ قلت : من بغداد قصدت زيارة الشيخ . فقال : تحسن أن تقول شيئا ؟ فقلت : نعم . وقلت :

رأيتك تبني دائما في قطيعتيولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني

فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه . ثم قال لي : يا بني ، تلوم أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق ، ومن وقت الصلاة هوذا أقرأ القرآن لم تقطر من عيني قطرة ، وقد قامت علي القيامة بهذا البيت .

وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن نا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : فأخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس وعقد لابن الفرعاني وفي ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني ، فتداخلني من ذلك شيء فكنت أقول قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوال . فقال لي يوما : أي شيء تقول للناس ؟ فقلت : يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القول . فقال : من قال لأستاذه لم لم يفلح .

قال المصنف رحمه الله : هذه دعاة الصوفية يقولون الشيخ يسلم له حاله وما لنا أحد يسلم إليه حاله . فإن الآدمي يرد عن مراداته بالشرع والعقل والبهائم بالسوط .

 حكم الغناء عند الصوفية

وقد اعتقد قوم من الصوفية أن هذا الغناء الذي ذكرنا عن قوم تحريمه وعن آخر كراهته مستحب في حق قوم . وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري قال : حدثنا أبي قال : سمعت أبا علي الدقاق يقول : السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم ، مباح الزهاد لحصول مجاهداتهم ، مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم .

قال المصنف رحمه الله : وهذا غلط من خمسة أوجه : أحدها أنا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزالي أنه يباح سماعه لكل أحد وأبو حامد كان أعرف من هذا القائل .

والثاني أن طباع النفوس لا تتغير وإنما المجاهدة تكف عملها . فمن ادعى تغير الطباع ادعى المحال . فإذا جاء ما يحرك الطباع . واندفع الذي كان يكفها عنه عادت العادة .

والثالث أن العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته وليس فيهم من نظر في السامع لعلمهم أن الطباع تتساوى فمن ادعى خروج طبعه عن طباع الآدميين ادعى المحال .

والرابع أن الإجماع انعقد على أنه ليس بمستحب وإنما غايته الإباحة فادعاء الاستحباب خروج عن الإجماع .

والخامس أنه يلزم من هذا أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبا عند من لا يغير طبعه لأنه إنما حرم لأنه يؤثر في الطباع ويدعوها إلى الهوى فإذا أمن ذلك فينبغي أن يباح وقد ذكرنا هذا عن أبي الطيب الطبري .

( فصل )

قال المصنف رحمه الله : وقد ادعى قوم منهم أن هذا السماع قربة إلى الله عز وجل . قال أبو طالب المكي : حدثني بعض أشياخنا عن الجنيد أنه قال : تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن ، عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند المذاكرة لأنهم يتجاوزون في مقامات الصديقين وأحوال النبيين ، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذا إن صح عن الجنيد وأحسنا به الظن كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزهدية فإنها توجب الرقة والبكاء ، فأما أن تنزل الرحمة عند وصف سعدى وليلى ويحمل ذلك على صفات الباري سبحانه وتعالى فلا يجوز اعتقاد هذا ولو صح أخذ الإشارة من ذلك كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطباع . ويدل على ما حملنا الأمر عليه أنه لم يكن ينشد في زمان الجنيد مثل ما ينشد اليوم إلا أن بعض المتأخرين قد حمل كلام الجنيد على كل ما يقال . فحدثني أبو جعفر أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السباك عن شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال : كان أبو الوفا الفيروزبادي شيخ رباط الزوزني صديقا لي ، فكان يقول لي : والله إني لأدعو لك وأذكرك وقت وضع المخدة والقول ، قال فكان الشيخ عبد الوهاب يتعجب ويقول : أترون هذا يعتقد أن ذلك وقت إجابة إن هذا لعظيم . وقال ابن عقيل : قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدة مجاب وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى ، قال وهذا كفر ، لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا ، قال والناس بين تحريمه وكراهيته .

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال : أخبرني علي بن أيوب قال : أخبرنا محمد بن عمران بن موسى قال : حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال : حدثنا الحسين بن فهم قال : حدثني أبو همام قال : حدثني إبراهيم بن أعين قال : قال صالح المري : أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربة ، وأثبت الناس قدما يوم القيامة آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صضص .

أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت أبا بكر النهاوندي يقول سمعت عليا السائح يقول سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول : رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم ثياب لطاف ، فقال لطائفة منهم قولوا وغنوا ، فاستغرقني طيبه حتى هممت أن أطرح نفسي من السطح . ثم قال : ارقصوا فرقصوا أطيب ما يكون ، ثم قال لي : يا أبا الحارث ما أصبت منكم شيئا أدخل به عليكم إلا هذا .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد

قال المصنف رحمه الله : هذه الطائفة إذا سمعت الغناء تواجدت ، وصفقت وصاحت ومزقت الثياب ، وقد لبس عليهم إبليس في ذلك وبالغ .

وقد احتجوا بما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني قال أخبرنا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب قال أخبرنا أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي قال : وقد قيل له : إنه لما نزلت : " وإن جهنم لموعدهم أجمعين " صاح سلمان الفارسي صيحة ووقع على رأسه ثم خرج هاربا ثلاثة أيام . واحتجوا بما أخبرنا به عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست قال أخبرنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال أخبرنا علي بن الجعد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال : خرجنا مع عبد الله ينظر إلى حديدة في النار فنظر الربيع إليها فمال ليسقط ثم أن عبد الله مضى حتى أتينا على أنون على شاطئ الفرات ، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية : "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا" إلى قوله : " ثبورا كثيرا " فصعق الربيع واحتملناه إلى أهله ورابطه عبد الله حتى يصلي الظهر فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله . قالوا : وقد اشتهر عن خلق كثير من العباد أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن فمنهم من يموت ، ومنهم من يصعق ويغشى عليه ، ومنهم من يصيح ، وهذا كثير في كتب الزهد ، والجواب : أما ما ذكره سلمان فمحال وكذب ، ثم ليس له إسناد والآية الكريمة نزلت بمكة وسلمان إنما أسلم بالمدينة ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة مثل هذا أصلا . وأما حكاية الربيع بن خثيم فإن راويها عيسى بن سليم وفيه معمر .

أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو بكر محمد المظفر الشامي قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي قال أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي قال : قال أحمد بن حنبل : عيسى بن سليم عن أبي وائل ، لا أعرفه .

قال العقيلي : وحدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني بن آدم قال سمعت حمزة الزيات قال لسفيان أنهم يروون عن الربيع بن خثيم أنه صعق . قال : ومن يروي هذا إنما كان يرويه ذاك القاص - يعني عيسى بن سليم - فلقيته فقلت : عمن تروي أنت ذا - منكرا عليه .

قال المصنف رحمه الله : فهذا سفيان الثوري ينكر أن يكون الربيع بن خثيم جرى له هذا لأن الرجل كان على السمت الأول ، وما كان في الصحابة من يجري له مثل هذا ولا التابعين . ثم نقول على تقدير الصحة . إن الإنسان قد يخشى عليه من الخوف فيسكنه الخوف ويسكته فيبقى كالميت وعلامة الصادق أنه لو كان على حائط لوقع لأنه غائب .

فأما من يدعي الوجد ويتحفظ من أن تزل قدمه ثم يتعدى إلى تخريق الثياب وفعل المنكرات في الشرع فإنا نعلم قطعا أن الشيطان يلعب به .

وأخبرنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا محمد بن علي بن الفتح قال أخبرنا محمد بن الحسين النيسابوري قال سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول : كان للشبلي يوم الجمعة نظرة ومن بعدها صيحة فصاح يوما صيحة تشوش من حوله من الخلق وكان بجنب حلقته أبي عمران الأشيب فحرد أبو عمران وأهل حلقته .

قال المصنف رحمه الله : واعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب . وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع . فجرى من بعض غرائبهم نحو ما أنكرناه فبالغ رسول الله صضص في الإنكار عليه . فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ وأنبأنا ابن الحصين قال أنبأنا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي قال حدثنا عبد المتعال بن طالب قال حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس قال : وعظ رسول الله صضص يوما فإذا رجل صعق . فقال النبي صضص : "من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا فقد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله" . قال ابن شاهين : وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال حدثنا عبد الله بن يوسف الجبيري قال حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمون عن أبيه عن أنس بن مالك قال : ذكر عنده هؤلاء الذين يصعقون عند القراءة فقال أنس : لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله صضص ذات يوم حتى سمعنا للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد .

قال المصنف رحمه الله : وهذا حديث العرياض بن سارية : وعظنا رسول الله صضص موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . قال أبو بكر الآجري : ولم يقل صرخنا ولا ضربنا صدورنا كما يفعل كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان . أخبرنا عبد الله بن علي المقري قال أخبرنا أبو ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن عمر بن بكير النجار قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال أخبرنا إبراهيم بن عبد الله البصري قال حدثنا أبو عمر حفص بن عبد الله الضرير قال أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي قال حدثنا حصين بن عبد الرحمن قال : قلت لأسماء بنت أبي بكر : كيف كان أصحاب رسول الله صضص وآله عند قراءة القرآن ؟ قالت : كانوا كما ذكرهم الله أو كما وصفهم عز وجل ، تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم . فقلت لها : إن ههنا رجالا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه ، فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن محمد السراج نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن شجاع ثنا إسحاق الحلبي ثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة قال : سألت أسماء بنت أبي بكر : هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف ؟ قالت : لا ولكنهم كانوا يبكون .

أخبرنا بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي وأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ قالا أخبرنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا سريح بن يونس ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن أبي حازم قال : مر ابن عمر رضي الله عنه برجل ساقط من العراق ، فقال : ما شأنه ؟ فقالوا : إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا . قال : إنا لنخشى الله عز وجل وما نسقط .

أخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي نا أبو الحسين بن بشران ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بردة عن ابن عباس أنه ذكر الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن . فقال : إنهم ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم مضلون .

أنبأنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق نا إبراهيم بن فهد عن إبراهيم بن الحجاج الشامي ثنا شبيب بن مهران عن قتادة ، قال : قيل لأنس بن مالك : إن أناسا إذا قرئ عليهم القرآن يصعقون ، فقال : ذاك فعل الخوارج .

أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا عمر بن علي بن الفتح نا أحمد بن محمد الكاتب ثنا عبد الله بن المغيرة ثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال : بلغ عبد الله بن الزبير أن ابنه عامرا صحب قوما يتصعقون عند قراءة القرآن ، فقال له : يا عامر ، لأعرفن ما صحبت الذين يصعقون عند القرآن لأوسعك جلدا .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس ثنا الزبير بن بكارثني عبد الله بن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال : ثني أبي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : جئت إلى أبي فقال لي : أين كنت ؟ فقلت : وجدت أقواما ما رأيت خيرا منهم . يذكرون الله عز وجل  فيرعد أحدهم حتى يخشى عليه من خشية الله عز وجل فقعدت معهم . قال : لا تقعد معهم بعدها . فرآني كأني لم يأخذ ذلك في ، فقال : رأيت رسول الله صضص يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن ولا يصيبهم هذا ، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر . فرأيت أن ذلك كذلك فتركتهم .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ نا محمد بن أحمد في كتابه ثنا محمد بن أيوب ثنتا حفص بن عمر النميري ثنا حماد بن زيد ثنا عمرو بن مالك قال : بينا نحن عند أبي الجوزاء يحدثنا إذ خر رجل فاضطرب فوثب أبو الجوزاء يسعى قبله . فقيل له : يا أبا الجوزاء ، إنه رجل به الموتة ، فقال : إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين ، ولو كان منهم لأمرت به فأخرج من المسجد ، إنما ذكرهم الله تعالى فقال : " أعينهم تفيض من الدمع " أو قال : " تقشعر منه جلود " .

أخبرنا أبو محمد بن علي المقري نا أحمد بن بندار بن إبراهيم نا محمد بن عمر بن بكير النجار نا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري ثنا أبو عمر حفص بن عمرو الضرير نا حماد بن زيدني عمر بن مالك البكري قال : قرأ قارئ عن أبي الجوزاء قال فصاح رجل من أخريات القوم أو قال من القوم . فقام إليه أبو الجوزاء فقيل له : يا أبا الجوزاء إنه رجل به شيء . فقال طبيب : إنه من هؤلاء النفارين ، فلو كان منهم لوضعت رجلي على عنقه .

وقال ابن عمر : أخبرنا جرير بن حازم أنه شهد محمد بن سيرين وقيل له أن ههنا رجالا إذا قرئ القرآن على أحدهم غشي عليه . فقال محمد بن سيرين : يقعد أحدهم على جدار ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن وقع فهو صادق . قال أبو عمرو : وكان محمد بن سيرين يذهب إلى أن تصنع وليس بحق من قلوبهم .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو محمد بن حبان ثنا محمد بن العباس ثنا زياد عن يحيى عن عمران بن عبد العزيز قال سمعت محمد بن سيرين وسئل عن من يستمع القرآن فيصعق . فقال : ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن سقطوا فهم كما يقولون .

أخبرنا ابن ناصر نا أبو طاهر عبد الرحمن بن أبي الحسين بن يوسف نا محمد بن علي العشاري نا محمد بن عبد الله الدقاق نا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا محمد بن علي عن إبراهيم بن الأشعث قال : سمعت أبا عصام الرمل عن رجل عن الحسن أنه وعظ يوما فتنفس رجل في مجلسه . فقال الحسن : إن كان لله تعالى شهرت نفسك ، وإن كان لغير الله فقد هلكت .

أخبرنا ابن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا روح ثنا السري بن يحيى ثنا عبد الكريم بن رشيد قال : كنت في حلقة الحسن فجعل رجل يبكي وارتفع صوته . فقال الحسن : إن الشيطان ليبكي هذا الآن .

أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو غالب عمر بن الحسين الباقلاني نا أبو العلاء الواسطي نا محمد بن الحسين الأزدي ثنا إبراهيم بن رحمون ثنا إسحق بن إبراهيم البغدادي قال : سمعت أبا صفوان يقول : قال الفضيل بن عياض لابنه وقد سقط : يا بني ، إن كنت صادقا لقد فضحت نفسك ، وإن كنت كاذبا فقد أهلكت نفسك .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا محمد بن أحمد النجار ثنا المرتعش قال : رأيت أبا عثمان سعيد بن عثمان الواعظ وقد تواجد إنسان بين يديه . فقال له : يا بني إن كنت صادقا فقد أظهرت كل مالك ، وإن كنت كاذبا فقد أشركت بالله .

 نقد مسالك الصوفية في الوجد

قال المصنف رحمه الله : فإن قال قائل إنما يفرض الكلام في الصادقين لا في أهل الرياء . فما تقول فمن أدركه الوجد ولم يقدر على دفعه فالجواب إن أول الوجد انزعاج في الباطن فإن كف الإنسان نفسه كيلا يطلع على حاله يئس الشيطان منع فبعد عنه كما كان أيوب السختياني إذا تحدث فرق قلبه مسح أنفه وقال : ما أشد الزكام .

وإن أهمل الإنسان ولم يبال بظهور وجده أو أحب اطلاع الناس على نفسه نفخ فيه الشيطان فانزعج على قدر نفخه ، كما أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله ثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخراز عن ابن أخي زينب عن امرأة عبد الله قالت : جاء عبد الله ذات يوم وعندي عجوز ترقيني من الحموة فأدخلتها تحت السرير . قالت فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا . فقال : ما هذا الخيط ؟ قلت : خيط رقي لي فيه فأخذه وقطعه ثم قال : إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك . سمعت رسول الله صضص يقول : "إن في الرقي والتمائم والتولة شركا" قالت : فقلت له : لم تقول هذا ، وقد كانت عيني تقذف ، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها فكان إذا رقاها سكنت . قال : إنما ذاك من عمل الشيطان ، كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تولي كما قال رسول الله صضص : "أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما" .

قال المصنف رحمه الله : التولة - ضرب من السحر يحبب المرأة إلى زوجها . أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا الحسن بن عبد الملك بن يوسف نا أبو محمد الخلال ثنا أبو عمر بن حياة ثنا أبو بكر بن أبي داود ثنا هارون بن زيد عن أبي الزرقاء ثنا أبي قال ثنا سفيان عن عكرمة بن عمار عن شعيب بن أبي السني عن أبي عيسى أو عيسى . قال : ذهبت إلى عبد الله بن عمر فقال أبو السوار : يا أبا عبد الرحمن ، إن قوما عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله . قال : كذبت . قال : بلى ورب هذه البنية . قال : ويحك إن كنت صادقا فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم . والله ما هكذا كان أصحاب محمد صضص .

 دفع الوجد

فإن قال قائل : فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد فلم يقدر عليه وغلبه الأمر فمن أين يدخل الشيطان فالجواب إنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع إلا أن علامة الصادق أنه لا يقدر على أن يدفع ، ولا يدري ما يجري عليه فهو من جنس قوله عز وجل : " وخر موسى صعقا " .

وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحق الثقفي ثني حاتم بن الليث الجوهري ثنا خالد بن خداش قال : قرئ على عبد الله بن وهب كتاب أهوال يوم القيامة فخر مغشيا عليه ، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد مات خلق كثير من سماع الموعظة وغشي عليهم قلنا : هذا التواجد الذي يتضمن حركات المتواجدين وقوة صياحهم وتخبطهم فظاهره أنه متعمل والشيطان معين عليه .

قال المصنف رحمه الله : فإن قيل فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه قيل : نعم من جهتين : أحدهما أنه لو قوى العلم أمسك . والثاني أنه خولف به بطريق الصحابة والتابعين ويكفي هذا نقصا .

أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا هبة الله بن عبد الرزاق السني وأخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا نا أبو سعد محمد بن علي الرستمي قالا نا أبو الحسين بن بشران نا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان بن عيينة قال : سمعت خلف بن حوشب يقول : كان خوات يرعد عند الذكر فقال له إبراهيم : إن كنت تملكه فما أبالي أن لا أعتد بك . وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك . وفي رواية : فقد خالفت من هو خير منك .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، إبراهيم هو النخعي الفقيه ، وكان متمسكا بالسنة شديد الاتباع للأثر . وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع وهذا خطاب إبراهيم له . فميف بمن لا يخفى حاله من التصنع .

 إذا طرب أهل التصوف صفقوا

فإذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا . أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي نا أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : سمعت أبا سليمان المغربي يقول : سمعت أبا علي بن الكاتب يقول : كان ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال وتتنزه عن مثله العقلاء ، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية . وهي التي ذمهم الله عز وجل بها فقال : "وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية" - فالمكاء الصفير - والتصدية - التصفيق .

أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الفضل بن حيرون نا أبو علي بن شاذان نا أحمد بن كامل ثني محمد بن سعد ثني أبي ثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس « الإمكاء » يعني التصفير « وتصدية » يقول التصفيق .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وفيه أيضا تشبه بالنساء ، والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة .

 إذا قوي طربهم رقصوا

فإذا قوي طربهم رقصوا وقد احتج بعضهم بقوله تعالى لأيوب : "اركض برجلك" قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذا الاحتجاج بارد لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه شبهة وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء . قال ابن عقيل : أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا من الرقص ! ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام جاز أن يجعل قوله تعالى لموسى : "اضرب بعصاك الحجر" دلالة على ضرب الجماد بالقضبان نعوذ بالله من التلاعب بالشرع .

واحتج بعض ناصريهم بأن رسول الله صضص قال لعلي : "أنت مني وأنا منك - فحجل . وقال لجعفر - أشبهت خلقي وخلقي - فحجل . وقال لزيد : أنت أخونا ومولانا - فحجل" . ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت والنبي صضص ينظر إليهم . فالجواب : أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح فأبن هو من الرقص ، وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي بتشبيب يفعل عند اللقاء بالحرب .

واحتج لهم أبو عبد الرحمن السلمي على جواز الرقص بما أخبرنا به أبو نصر محمد بن منصور الهمداني نا إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك المؤذن نا أبو صالح أحمد بن عبد الملك وأبو سعيد محمد بن عبد العزيز وأبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن قالوا ثنا أبو عبد الرحمن السلمي ثنا أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني ثنا محمد بن سعيد المروزي ثنا عباس الرقيقي ثنا عبد الله بن عمر الوراق ثنا الحسن بن علي بن منصور ثنا أبو عتاب المصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة مكة فسمع الأخضر الحداء يتغنى في دار العاص بن وائل بهذا :

تضوع مسكا بطن نعمان أن مشتبه زينب في نسوة عطرات

فلما رأت ركب النميري أعرضتوهن من أن يلقينه حذرات

قال فضرب برجله زمانا وقال : هذا مما يلذ سماعه . وكانوا يروون الشعر لسعيد بن المسيب .

قال المصنف : قلت ، هذا إسناد مقطوع مظلم لا يصح عن ابن المسيب ، ولا هذا شعره . كان ابن المسيب أوقر من هذا ، وهذه الأبيات مشهورة لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الشاعر ولم يكن نمريا وإنما نسب إلى اسم جده ، وهو ثقفي . وزينب التي يشبب بها هي ابنه يوسف أخت الحجاج ، وسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ما كان ، فقال : كانت أحمرة عجافا حملت عليها قطرانا من الطائف . فضحك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه .

قال المصنف رحمه الله : ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص ، فإن الإنسان قد يضرب الأرض برجله أو يدقها بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصا . فما أقبح هذا التعلق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سمت العقلاء ، ثم دعونا من الاحتجاج تعالوا نتقاضى إلى العقول أي معنى في الرقص إلا اللعب الذي يليق بالأطفال ، وما الذي فيه من تحريك القلوب إلى الآخرة . هذه والله مكبر باردة . ولقد حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال : الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب ، وقال أبو الوفاء بن عقيل : قد نص القرآن على النهي عن الرقص ، فقال عز وجل : "لا تمش في الأرض مرحا" . وذم المختال فقال تعالى : " إن الله لا يحب كل مختال فخور " . والرقص أشد المرح والبطر أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر . فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما في الإطراب ، وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص ، فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على وقاع الألحان والقضبان خصوصا إذا كانت أصوات نسوان ومردان ، وهل يحسن بمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط ثم هو إلى إحدى الدارين صائران يشمس بالرقص شمس البهائم ويصفق تصفيق النسوة والله لقد رأيت مشايخ عصري ما بان لهم سن في تبسم فضلا عن ضحك مع إدمان مخالطتي لهم . كالشيخ أبي القاسم بن زيدان ، وعبد الله بن بشران ، وأبي طاهر بن العلاف ، والجنيد والدينوري .

 حالات الطرب الشديدة لدى الصوفية

فإذا تمكن الطرب من الصوفية في رحال رقصهم جذب أحدهم بعض الجلوس ليقوم معه . ولا يجوز على مذهبهم للمجذوب أن يقعد فإذا قام قام الباقون تبعا له . فإذا كشف أحدهم رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له . ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح وفيه إسقاط مروءة وترك أدب ، وإنما يقع في المناسك تعبدا لله وذلا له .

( فصل )

فإذا اشتد طربهم رموا ثيابهم على المغني فمنهم من يرمي بها صحاحا ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها ، وقد احتج لهم بعض الجهال فقال هؤلاء في غيبة فلان يلامون فإن موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل رمى الألواح فكسرها ولم يدر ما صنع .

والجواب : أن نقول من يصحح عن موسى بأنه رماها رمي الكاسر والذي ذكر في القرآن إلقاءها فحسب ، فمن أين لنا أنها تكسرت ، ثم لو قيل تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا : كان في غيبة حتى لو كان بين يديه حينئذ بحر من نار لخاضه . ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره ويحذرون من بئر إن كانت عندهم . ثم كيف يقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء ولقد رأيت شابا من الصوفية يمشي في الأسواق ويصيح والغلمان يمشون خلفه وهو يبربر ويخرج إلى الجمعة فيصيح صيحات وهو يصلي الجمعة فسئلت عن صلاته ، فقلت : إن كان وقت صياحه غائبا فقد بطل وضوءه وإن كان حاضرا فهو متصنع . وكان هذا الرجل جلدا لا يعمل شيئا بل يدار له بزنبيل في كل يوم فيجمع له ما يأكل هو وأصحابه فهذه حالة المأكلين لا المتوكلين .

ثم لو قدرنا أن القوم يصيخون عن غيبة فإن تعرضهم لما يغطي على العقول من سماع ما يطرب منهي عنه كالتعرض لكل ما غلبه الأذى وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال : خطأ وحرام ، وقد نهى رسول الله صضص عن إضاعة المال وعن شق الجيوب . فقال له قائل : فإنهم لا يعقلون ما يفعلون . قال : إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما يدخل عليهم من التخريق وغيره مما يفسد ولا يسقط عنهم خطاب الشرع لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذه المواضع التي تفضي إلى ذلك كما هم منهيون عن شرب المسكر فإذا سكروا وجرى منهم إفساد الأموال لم يسقط الخطاب لسكرهم كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا فيه فسكر طبع وإن كذبوا فنبيذ ومع الصحو فلا سلامة فيه مع الحالين وتجنب مواضع الريب واجب .

واحتج لهم ابن طاهر في تريفهم الثياب بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : نصبت حجلة لي فيها رقم فمدها النبي صضص فشقها .

قال المصنف رحمه الله : فانظر إلى فقه هذا الرجل المسكين كيف يقيس حال من يمزق ثيابه فيفسدها وقد نهى رسول الله صضص عن إضاعة المال على مد ستر ليحط فانشق لا عن قصد . أو كان عن قصد لأجل الصور التي كانت فيه :

وهذا من التشديد في حق الشارع عن المنهيات كما أمر بكسر الدنان في الخمور فإن ادعى مخرق ثيابه أنه غائب ، قلنا الشيطان غيبك لأنك لو كنت مع الحق لحفظك فإن الحق لا يفسد .

وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحاف ثنا محمد بن علي بن حشيش ثنا عبد الله بن الصقر ثنا الصلت بن مسعود ثنا جعفر بن سليمان قال : سمعت أبا عمران الجوني يقول : وعظ موسى بن عمران عليه السلام يوما فشق رجل منهم قميصه فأوحى الله عز وجل  لموسى قل لصاحب القميص لا يشق قميصه . أيشرح لي عن قلبه .

 نقد مسالك الصوفية في تقطيع الثياب خرقا

وقد تكلم مشايخ الصوفية في الخرق المرمية . فقال محمد بن طاهر الدليل على أن الخرقة إذا طرحت صارت ملكا لمن طرحت بسببه حديث جرير جاء قوم مجتابي النمار فحض رسول الله صضص على الصدقة فجاء رجل من الأنصار بصرة فتتابع الناس حتى رأيت كومتين من ثياب وطعام قال والدليل على أن الجماعة إذا قدموا عند تفريق الخرقة أسهم لهم حديث أبي موسى قدم على رسول الله صضص بغنيمة وسلب فأسهم لنا .

قال المصنف رحمه الله : لقد تلاعب هذا الرجل بالشريعة واستخرج بسوء فهمه ما يظنه يوافق مذهب المتأخرين من الصوفية . فإذا ما عرفنا هذا في أوائلهم وبيان فساد استخراجه أن هذا الذي خرق الثوب ورمى به إن كان حاضرا فما جاز له تخريقه وإن كان غائبا فليس له تصرف جائز شرعا لا هبة ولا تمليكا . وكذلك يزعمون بأن ثوبه كان كالشيء الذي يقع من الإنسان ولا يدري به فلا يجوز لأحد أن يتملكه وإن كان رماه في حال حضوره لا على أحد فلا وجه لتملكه ولو رماه على المغني لم يتملكه لأن التملك لا يكون إلا بعقد شرعي والرمي ليس بعقد : ثم نقدر أنه ملك للمغني فما وجه تصرف الباقين فيه . ثم إذا انصرفوا فيه خرقوه خرقا وذلك لا يجوز لوجهين :

أحدهما أنه تصرف فيما لا يملكونه :

والثاني أنه إضاعة للمال . ثم ما وجه إسهام من لم يحضر فأما حديث أبي موسى فقال العلماء منهم الخطابي يحتمل أن يكون رسول الله صضص أجازه عن رضى ممن شهد الواقعة أو من الخمس الذي هو حقه . وعلى مذهب الصوفية تعطى هذه الخرقة لمن جاء . وهذا مذهب خارج عن إجماع المسلمين وما أشبه ما وضع هؤلاء بآرائهم الفاسدة إلا بما وضعت الجاهلية من أحكام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . قال ابن طاهر : مشايخنا على أن الخرقة المخرقة وما انبعث من الخرق الصحاح الموافقة لها أن ذلك كله يكون بحكم الجمع يفعلون فيه ما يراه المشايخ .

واحتجوا بقول عمر رضي الله عنه : الغنيمة لمن شهد الواقعة . وخالفهم شيخنا أبو إسماعيل الأنصاري فجعل الخرقة على ضربين . ما كان مجروحا قسم على الجميع وما كان سليما دفع إلى القوال واحتج بحديث سلمة من قتل الرجل ؟ قالوا : سلمة بن الأكوع . قال : له سلبه أجمع . فاقتل إنما وجد من جهة القوال فالسلب له .

قال المصنف رحمه الله : انظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من تلبيس إبليس إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشريعة وإجماع مشايخهم الذي لا يساوي إجماعهم بعرة فإن مشايخ الفقهاء أجمعوا على أن الموهوب لمن وهب له سواء كان مخرقا أو سليما ولا يجوز لغيره التصرف فيه : ثم إن سلب القتيل كل ما عليه فما بالهم جعلوه ما رمي به ثم ينبغي أن يكون الأمر على عكس ما قاله الأنصاري لأن المجروح من الثياب ما كان بسبب الوجد فينبغي أن يكون المجروح المغني دون الصحيح وكل أقوالهم في هذا محال وهذيان .

وقد حكى لي أبو عبد الله التكريتي الصوفي عن أبي الفتوح الإسفرايني وكنت أنا قد رأيته وأنا صغير السن وقد حضر في جمع كثير في رباط وهناك المخاد والقضبان ودف بجلاجل فقام يرقص حتى وقعت عمامته فبقي مكشوف الرأس . قال التكريتي إنه رقص يوما في خف له ثم ذكر أن الرقص في الخف خطأ عند القوم فانفرد وخلعه ثم نزع مطرفا كان عليه فوضعه بين أيديهم كفارة لتلك الجناية فاقتسموه خرقا .

قال ابن طاهر : والدليل على أن الذي يطرح الخرقة لا يجوز أن يشتريها من الجمع حديث عمر لا تعوذن في صدقتك . قال المصنف : انظر إلى بعد هذا الرجل عن فهم معاني الأحاديث فإن الخرقة المطروحة باقية على ملك صاحبها فلا يحتاج إلى أن يشتريها .

( فصل )

وأما تقطيعهم الثياب المطروحة خرقا وتفريقها فقد بينا أنه إن كان صاحب الثوب رماه إلى المغني لم يملكه بنفس الرمي حتى يملكه إياه فإذا ملكه إياه فما وجه تصرف الغير فيه . ولقد شهدت بعض فقهائهم يخرق الثياب ويقسمها ويقول هذه الخرق ينتفع بها وليس هذا بتفريط ، فقلت : وهل التفريط إلا هذا ، ورأيت شيخا آخر منهم يقول خرقت خرقا في بلدنا فأصاب رجل منها خريقة فعملها كفنا فباعه بخمسة دنانير فقلت له : إن الشرع لا يجيز هذه الرعونات لمثل هذه النوادر .

وأعجب من هذين الرجلين أبو حامد الطوسي فإنه قال : يباح لهم تمزيق الثياب إذا خرقت قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات فإن الثوب يمزق حتى يخاط منه قميص ولا يكون ذلك تضييعا ولقد عجبت من هذا الرجل كيف سلبه حب مذهب التصوف عن أصول الفقه ومذهب الشافعي فنظر إلى انتفاع خاص ثم ما معنى قوله مربعة فإن المطاولة ينتفع بها أيضا ثم لو مزق الثوب قرامل لانتفع بها ولو كسر السيف نصفين لانتفع بالنصف غير أن الشرع يتلمح الفوائد العامة ويسمى ما نقص منه للانتفاع إتلافا ولهذا ينهى عن كسر الدرهم الصحيح لأنه يذهب منه قيمة بالإضافة إلى المكسور وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهال منهم بل على الفقهاء الذين اختاروا بدع الصوفية على حكم أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين .

( فصل )

ولقد أغربوا فيما ابتدعوا . وأقام لهم الأعذار من إلى هواهم مال . ولقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه باب السنة في أخذ شيء من المستغفر ، واحتج بحديث كعب بن مالك في توبته : يجزئك الثلث ثم قال باب الدليل على أن من وجبت عليه غرامة فلم يؤدها ألزموه أكثر منها . واستدل بحديث معاوية بن جعدة عن النبي صضص أنه قال أنه في الزكاة "من منعها فأنا آخذها وشطر ماله" .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، فانظر إلى تلاعب هؤلاء وجهل هذا المحتج لهم وتسمية ما يلزم بعضهم بما لا يلزمه غرامة وتسمية ذلك واجبا وليس لنا غرامة ولا وجوب إلا بالشرع ومتى اعتقد الإنسان ما ليس بواجب واجبا كفر . ومن مذهبهم الرؤوس عند الاستغفار وهذه بدعة تسقط المروءة وتنافي الوقار ولولا ورود الشرع بكشفه في الإحرام ما كان له وجه . وأما حديث كعب بن مالك فإنه قال : إن توبتي أن أنخلع من مالي ، فقال له رسول الله صضص : "يجزئك الثلث" لا على سبيل الإلزام له ، وإنما تبرع بذلك فأخذه منه وأين إلزام الشرع تارك الزكاة مما يزيد عليها عقوبة من إلزامهم المريد غرامة لا تجب عليه فإذا امتنع ضاعفوها وليس إليهم الإلزام إنما ينفرد بالإلزام الشرع وحده . وهذا كله جهل وتلاعب بالشريعة فهؤلاء الخوارج عليها حقا .

 ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث

قال المصنف : اعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن واشتغلوا بالتعبد عن النكاح واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة فأمالهم إبليس إليهم .

واعلم أن الصوفية في صحبة الأحداث على سبعة أقسام : القسم الأول أخبث القوم وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول . أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية ، ومنهم من قال هو حال في المستحسنات .

وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا . أن طائفة من الصوفية قالوا أنهم يرون الله عز وجل  في الدنيا وأجازوا أن يكون صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود . القسم الثاني : قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ، ويقصدون الفسق . القسم الثالث : قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن . وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه سنن الصوفية فقال في أواخر الكتاب : باب في جوامع رخصهم فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن ، وذكر فيه ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال : « اطلبوا الخير عند حسان الوجوه » ، وأنه قال : « ثلاثة تجلو البصر : النظر إلى الخضرة والنظر إلى الماء والنظر إلى الوجه الحسن » .

قال المصنف رحمه الله : وهذان حديثان لا أصل لهما عن رسول الله صضص ، أما الحديث الأول فأخبرنا به عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حمويه نا إبراهيم بن خزيم ثنا عبد بن حميد ثنا يزيد بن هرون ثنا محمد بن عبد الرحمن بن المخير عن نافع عن ابن عمر أن النبي صضص قال : "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه" . قال يحيى بن معين : محمد بن عبد الرحمن ليس بشيء . قال المصنف : قلت ، وقد روى هذا الحديث من طرق ، قال العقيلي : لا يثبت عن النبي عليه السلام في هذا شيء ، وأما الحديث الآخر فأنبأنا أبو منصور بن خيرون نا أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن محمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي نا أبو بكر محمد بن أحمد بن هرون نا أحمد بن عمر بن عبيد الريحاني قال : سمعت أبا البختري وهب بن وهب يقول : كنت أدخل على الرشيد وابنه القاسم بين يديه فكنت أدمن النظر إليه فقال : أراك تدمن النظر إلى القاسم تريد أن تجعل انقطاعه إليك . قلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في . وأما إدمان النظر إليه فإن جعفرا الصادق ثنا عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صضص : "ثلاث يزدن في قوة النظر . النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن" .

قال المصنف رحمه الله : هذا حديث موضوع ولا يختلف العلماء في أبي البختري أنه كذاب وضاع ، وأحمد بن عمر بن عبيد أحد المجهولين ، ثم قد كان ينبغي لأبي عبد الرحمن السلمي إذ ذكر النظر إلى المستحسن أن يقيده بالنظر إلى وجه الزوجة أو المملوكة فأما إطلاقه ففيه سوء ظن . وقال شيخنا محمد بن ناصر الحافظ : كان ابن طاهر المقدسي قد صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد .

قال المصنف رحمه الله : قلت والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب وإنما أبيح على الأطرق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع فإذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى . قال سعيد بن المسيب : إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى غلام أمرد فاتهموه . القسم الرابع : قوم يقولون نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبار فلا يضرنا النظر وهذا محال منهم فإن الطباع تتساوى فمن ادعى تنزه نفسه عن أبناء جنسه في الطبع ادعى المحال وقد كشفنا هذا في أول كلامنا في السماع .

أخبرتنا شهدة بنت أحمد الأبري قالت بإسناد مرفوع إلى محمد بن جعفر الصوفي قال : قال أبو حمزة الصوفي حدثني عبد الله بن الزبير الخفي قال : كنت جالسا مع أبي النضر الغنوي وكان من المبرزين العابدين فنظر إلى غلام جميل فلم تزل عيناه واقعتان عليه حتى دنا منه فقال : سألتك بالله السميع وعزه الرفيع وسلطانه المنيع إلا وقفت علي أروي من النظر إليك فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي فقال له سألتك بالحكيم المجيد الكريم المبدي المعيد ألا وقفت فوقف ساعة فأقبل يصعد النظر إليه ويصوبه ثم ذهب ليمضي فقال سألتك بالواحد الأحد الجبار الصمد الذي لم يلد ولم يولد إلا وقفت فوقف ساعة فنظر إليه طويلا ثم ذهب ليمضي فقال سألتك باللطيف الخبير السميع البصير وبمن ليس له نظير إلا وقفت فوقف فأقبل ينظر إليه ثم أطرق رأسه إلى الأرض ومضى الغلام فرفع رأسه بعد طويل وهو يبكي فقال : قد ذكرني هذا بنظري إليه وجها جل عن التشبيه وتقدس عن التمثيل وتعاظم عن التحديد والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي أعدائه وموالاتي لأوليائه حتى أصير إلى ما أردته من نظري إلى وجهه الكريم وبهائه العظيم . ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض ثن غشي عليه . وحدثنا محمد بن عبد الله الفزاري قال : سمعت خيرا النساج يقول : كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون فجلس إلينا غلام جميل من أهل المغرب فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته فقلت له : بعد أن قام : إنك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام . وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلا المفتونون . فقال : لي تقول هذا ؟ يا شهواني القلب والطرف ، ألم تعلم أنه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث ؟ فقلت : وما هي ؟ قال : سر الإيمان وعفة الإسلام وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جائم على منكر نهاني عنه ثم صعق حتى اجتمع الناس علينا .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، انظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه إلى التشبيه وإن تلفظ بالتنزيه وإلى حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط وما علم أن نفس النظر بشهوة يحرم . ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه التي تكذبها شهوة النظر .

وقد حدثني بعض العلماء أن صبيا أمرد حكى له قال : قال لي فلان الصوفي وهو يحبني : يا نبي الله فيك إقبال والتفات . حيث جعل حاجتي إليك . وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد وهو خال به وبينهما ورد وهو ينظر إلى الورد تارة وإلى الأمرد تارة ، فلما جلسوا قال بعضهم لعلنا كدرنا ، فقال : أي والله . فتصايح الجماعة على سبيل التواجد .

وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة : إنك تحب غلامك التركي . فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينيه وقال : هذا جواب الرقعة .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، إني لأعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس .

وأخبرنا أبو القاسم الحريري أنبأنا أبو الطيب الطبري قال : بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب والحواشي وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم قال الله تعالى : "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" وقال : "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت" . وقال : "أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض" فعدلوا عما أمرهم الله به من الاعتبار إلى ما نهاهم عنه ، وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطيبة والمآكل الشهية فإذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص والاستمتاع بالنظر إلى وجوه المرد ولو أنهم تقللوا من الطعام لم يحنوا إلى سماع ونظر . قال أبو الطيب وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء وما يجدونه حال السماع فقال :

أتذكر وقتنا وقد اجتمعناعلى طيب السماع إلى الصباح

ودارت بيننا كأس الأغانيفأسكرت النفوس بغير راح

فلم نر فيهم إلا نشاوىسرورا والسرور هناك صاحي

إذا لبى أخو اللذات فيهمنادي اللهو حي على الفلاح

ولم نملك سوى المهجات شيئاأرقناها لألحاظ ملاح

قال : فإذا كان السماع تأثيره في قلوبهم ما ذكره هذا القائل فكيف يجدي السماع نفعا أو يفيد فائدة . قال ابن عقيل قول من قال لا أخاف من رؤية الصور المستحسنة ليس بشيء . فإن الشريعة جاءت عامة الخطاب لا تميز الأشخاص . وآيات القرآن تنكر هذه الداعوى قال الله تعالى : "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم" . وقال : " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت *  وإلى الجبال كيف نصبت " فلم يحل النظر إلا على صور لا ميل للنفس إليها ولاحظ فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة . ولا تعتريها لذة فأما صور الشهوات فإنها تعبر عن العبرة بالشهوة وكل صورة ليست بعبرة لا ينبغي أن ينظر إليها لأنها قد تكون سببا للفتنة . ولذلك ما بعث الله تعالى امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا .

كل ذلك لأنها محل فتنة وشهوة وربما قطعت عما قصدته الشريعة بالنظر وكل من قال أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه . وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا بالدعوى كذبناه وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين . القسم الخاص قوم صحبوا المردان ومنعوا أنفسهم من الفواحش يعتقدون ذلك مجاهدة وما يعلمون أن نفس صحبتهم والنظر إليهم بشهوة معصية وهذه من خلال الصوفية المذمومات وقد كان قدماؤهم على غير هذا وقيل كانوا على هذا بدليل وهو ما أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال : أنشدنا أبو علي الروزباري :

أنزه في روض المحاسن مقلتيوأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنهعلى الجبل الصلد الأصم تهدما

قال المصنف رحمه الله : وسيأتي حديث يوسف بن الحسين وقوله : عاهدت ربي أن لا أصحب حدثا مائة مرة ففسحنا على قوام القدود وغنج العيون .

أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي المختار الضبي قال : حدثني أبي قال قلت لأبي الكميت الأندلسي وكان جوالا في أرض الله حدثني بأعجب ما رأيت من الصوفية قال : صحبت رجلا منهم يقال له مهرجان وكان مجوسيا فأسلم وتصوف فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه وكان إذا جاء الليل قام فصلى ثم ينام إلى جانبه ثم يقوم فزعا فيصلي ما قدر له ثم يعود فينام إلى جانبه حتى فعل ذلك مرارا فإذا أسفر الصبح أو كان يسفر أوتر ثم رفع يديه وقال اللهم إنك تعلم أن الليل قد مضى علي سليما لم أقترف فيه فاحشة ولا كتبت على الحفظة فيه معصية وأن الذي أضمره بقلبي لو حملته لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت ثم يقول : يا ليل اشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام والتعرض للآثام ، ثم يقول سيدي أنت تجمع بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع فيه الأحباب فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك كل ليلة وأسمع هذا القول منه فلما هممت بالانصراف من عنده قلت إذا انقضى الليل كذا وكذا فقال وسمعتني قلت نعم ، قال فوالله يا أخي إني لأدراي من قلبي ما لو داراه سلطان من رعيته لكان الله حقيقا بالمغفرة له فقلت وما الذي يدعوك إلى صحبة من تخاف على نفسك العنت من قبله وقال أبو محمد بن جعفر بن عبد الله الصوفي قال أبو حمزة الصوفي رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة فمات الفتى وطال حزن الغلام عليه حتى صار جلدا وعظما من الضنا والكمد فقلت له يوما : لقد طال حزنك على صديقك حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبدا فقال : كيف أسلو عن رجل أجل الله عز وجل أن يصيبه معي طرفة عين أبدا وصانني عن نجاسة الفسوق في خلول صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار .

قال المصنف رحمه الله : هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى الفواحش فحسن لهم بداياتها فتعجلوا لذة النظر والصحبة والمحادثة وعزموا على مقاومة النفس في ضدها عن الفاحشة فإن صدقوا وتم لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا يغيره وصرف الزمان الذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع به في الآخرة بمجاهدة الطبع في كفه عن الفاحشة وهذا كله جهل وخروج عن آداب الشرع فإن الله عز وجل أمر بغض البصر لأنه طريق إلى القلب ليسلم القلب لله تعالى من شائب تخاف منه وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبل إلى سباع في غيضه متشاغلة عنه لا تراه فأثارها وحاربها وقاومها فيا بعد سلامته من جراحة إن لم يهلك .

 مجاهدة النفس

في هؤلاء من قويت مجاهدته مدة ثم ضعفت فدعته نفسه إلى الفاحشة فامتنع حينئذ من صحبة المرد .

أخبرتنا شهدة الكاتبة عن عمر بن يوسف الباقلاني قال : قال أبو حمزة قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي وكان سيد الصوفية وقد رأيته يماشي غلاما وضيئا مدة ثم فارقه ، فقلت له لم هجرت ذلك الفتى الذي كنت أراه معك بعد أن كنت له مواصلا وإليه مائلا . فقال والله لقد فارقته عن غير قلا ولا ملل . قلت ولم فعلت ذلك ؟ قال : رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به وقرب مني لو أتيته سقطت من عين الله عز وجل فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى ولنفسي من مصارع الفتن .

 التوبة وإطالة البكاء

ومنهم من تاب وأطال البكاء عن إطلاق نظرة . أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن عبيد الله قال سمعت أخي أبا عبد الله محمد بن محمد يقول : سمعت خيرا النساج يقول : كنت مع أمية بن الصامت الصوفي إذ نظر إلى غلام فقرأ : " وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير " ثم قال : وأين الفرار من سجن الله وقد حصنه بملائكة غلاظ شداد تبارك الله فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام ما شبهت نظري إليه إلا بنار وقعت على قصب في يوم ريح فما أبقت ولا تركت ثم قال : أستغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي . لقد خفت ألا أنجو من معرته ولا أتخلص من اثمه ولو وافيت القيامة بعمل سبعين صديقا . ثم بكى حتى كاد يقضي نحبه فسمعته يقول في بكائه يا طرف لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء .

 

 المرض من شدة المحبة

ومنهم من تلاعب به المرض من شدة المحبة . أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد عن أبي حمزة الصوفي قال : كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصوفية ووجوههم فنظر إلى غلام حسن في بعض الأسواق فبلى به وكاد يذهب عقله عليه صبابة وحبا وكان يقف كل يوم في طريقه حتى يراه إذا أقبل وإذا انصرف فطال به البلاء وأقعده عن الحركة الضنا وكان لا يقدر أن يمشي خطوة فأتيته يوما لأعوده . فقلت يا أبا محمد ما قصتك وما هذا الأمر الذي بلغ بك ما أرى ، فقال : أمور امتحنني الله بها فلم أصبر على البلاء فيها ولم يكن لي بها طاقة ، ورب ذنب يستصغره الإنسان هو عند الله أعظم من كبير ، وحقيق بمن تعرض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام ثم بكى قلت ما يبكيك ؟ قال أخاف أن يطول في النار شقائي فانصرفت عنه وأنا راحم له لما رأيت به من سوء الحال .

قال أبو حمزة ونظر محمد بن عبد الله بن الأشعث الدمشقي وكان من خيار عباد الله إلى غلام جميل فغشي عليه ، فحمل إلى منزله واعتاده السقم حتى أقعد من رجليه وكان لا يقوم عليهما زمانا طويلا فكنا نأتيه نعوده ونسأله عن حاله وأمره وكان لا يخبرنا بقصته ولا سبب مرضه ، وكان الناس يتحدثون بحديث نظره فبلغ ذلك الغلام فأتاه عائدا فهش إليه وتحرك وضحك في وجهه واستبشر برؤيته فما زال يعوده حتى قام على رجليه وعاد إلى حالته فسأله الغلام يوما أن يسير معه إلى منزله فأبى أن يفعل ذلك ، فسألني أن أسأله أن يتحول إليه فسألته فأبى أن يفعل ، فقلت للشيخ ، وما الذي تكره من ذلك ، فقال : لست بمعصوم من البلاء ولا آمن من الفتنة ، وأخاف أن يقع علي من الشيطان محنة فتجري بيني وبينه معصية فأكون من الخاسرين .

 

 قتل النفس خوف الوقوع في الفاحشة

وفيهم من همت نفسه إلى الفاحشة فقتل نفسه . حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني قال : كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلي بحدث فلم يملك نفسه إن دعته فاحشة فراقب الله عز وجل ثم ندم على هذه الهمة وكان منزله في مكان عال ووراء منزله بحر من الماء فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى نفسه إلى الماء وتلى قوله تعالى : "فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم" فغرق في البحر .

قال المصنف رحمه الله : انظر إلى إبليس كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمرد وإلى إدمان النظر إليه إلى أن مكن المحبة من قلبه إلى أن حرضه على الفاحشة فلما رأى استعصامه حسن له بالجهل قتل نفسه « ولعله هم بالفاحشة ولم يعزم ، والهمة معفو عنها لقوله عليه السلام : "عني لأمتي عما حدثت به نفوسها" ثم إنه ندم على همته والندم توبة فأراه إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو إسرائيل فأولئك أمروا بذلك بقوله تعالى : "فاقتلوا أنفسكم" ونحن نهينا عنه بقوله تعالى : "ولا تقتلوا أنفسكم" فلقد أتى بكبيرة عظيمة . وفي الصحيحين عن النبي صضص أنه قال : "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" .

( فصل )

وفيهم من فرق بينه وبين حبيبه فقتل حبيبه . بلغني عن بعض الصوفية أنه كان في رباط عندنا ببغداد ومعه صبي في البيت الذي هو فيه فشنعوا عليه وفرقوا بينهما فدخل الصوفي إلى الصبي ومعه سكين فقتله وجلس عنده يبكي ، فجاء أهل الرباط فرأوه فسألوه عن الحال فأقر بقتل الصبي فرفعوه إلى صاحب الشرطة فأقر فجاء والد الصبي يبكي فجلس الصوفي يبكي ويقول له بالله عليك إلا ما أقدتني به ، فقال الآن قد عفوت عنك : فقام الصوفي إلى قبر الصبي فجعل يبكي عليه ثم لم يزل يحج عن الصبي ويهدي له الثواب .

 

 مقاربة الفتنة والوقوع فيها

ومن هؤلاء من قارب الفتنة فوقع فيها ولم تنفعه دعوى الصبر والمجاهدة ، والحديث بإسناد عن إدريس بن إدريس قال : حضرت بمصر قوما من الصوفية ، ولهم غلام أمرد يغنيهم قال : فغلب على رجل منهم أمره فلم يدر ما يصنع فقال : يا هذا قل لا إله إلا الله ، فقال الغلام لا إله إلا الله فقال : أقبل الفم الذي قال لا إله إلا الله . (القسم السادس) قوم لم يقصدوا صحبة المردان وإنما يتوب الصبي ويتزهد ويصحبهم على طريق الإرادة فلبس إبليس عليهم ويقول لا تمنعوه من الخير ثم يتكرر نظرهم إليه لا عن قصد فيثير في القلب الفتنة إلى ان ينال الشيطان منهم قدر ما يمكنه . وربما وثقوا بدينهم فاستفزهم الشيطان فرماهم إلى أقصى المعاصي كما فعل ببرصيصا .

قال المصنف رحمه الله : وقد ذكرنا قصته في أول الكتاب وغلطهم من جهة تعرضهم بالفتن وصحبة من لا يؤمن الفتنة في صحبته .

(القسم السابع) قوم علموا أن صحبة المردان والنظر إليهم لا يجوز غير أنهم لم يصبروا عن ذلك . والحديث بإسناد عن الرازي يقول : قال يوسف بن الحسين : كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن . ولقد عاهدت ربي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا ففسخها علي حسن الخدود وقوام القدود وغنج العيون وما سألني الله معهم عن معصية . وأنشد صريع الغواني في معنى ذلك شعرا :

إن ورد الخدود والحدق النجـل وما في الثغور من أقحوان

واعوجاج الأصداع في ظاهر الخدوما في الصدور من رمان

تركتني بين الغواني صريعافلهذا أدعى صريع الغواني

قال المصنف رحمه الله : قلت ، هذا الرجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه وأخبر أنه كلما رأى فتنة نقض التوبة فأين عزائم التصوف في حمل النفس على المشاق ثم ظن بجهله أن المعصية هي الفاحشة فقط ولو كان له علم لعلم أن صحبتهم والنظر إليهم معصية . فانظر إلى الجهل كيف يصنع بأربابه .

والحديث بإسناد عن محمد بن عمر أنه قال : حكي لي عن أبي مسلم الخمشوعي أنه نظر إلى غلام جميل فأطال . ثم قال : سبحان الله ما أهجم طرفي عن مكروه نفسه وأدمنه على سخط سيده وأغراه بما قد نهي عنه وأبهجه بالأمر الذي قد حزر عنه . لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلا أنه سيفضحني عند جميع من عرفني في عرصات القيامة ولقد تركني نظري هذا وأنا أستحي من الله تعالى وإن غفر لي ثم صعق . وبإسناد عن أبي بكر محمد بن عبد يقول : سمعت أبا الحسين النوري يقول : رأيت غلاما جميلا ببغداد فنظرت إليه ثم أردت أن أردد النظر فقلت له تلبسون النعال الصرارة ، وتمشون في الطرقات فقال أحسنت الحشر بالعلم .

 

 فائدة العلم

وكل من فاته العلم تخبط فإن حصل له وفاته العلم به كان أشد تخبيطا . ومن استعمل أدب الشرع في قوله عز وجل : "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" سلم في البداية بما صعب أمره في النهاية ، وقد ورد الشرع بالنهي عن مجالسة المردان وأوصى العلماء بذلك .

والحديث بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صضص : "لا تجالسوا أبناء الملوك فإن النفوس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق" . والحديث بإسناده عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صضص قال : "لا تملأوا أعينكم من أولاد الملوك فإن لهم فتنة أشد من فتنة العذارى" والحديث بإسناد عن الشعبي قال : قدم وفد عبد القيس على رسول الله صضص وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاة فأجلسه النبي عليه الصلاة والسلام وراء ظهره وقال : "كانت خطيئة داود عليه السلام النظر" . وعن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صضص أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد . وقال عمر بن الخطاب : ما أتى على عالم من سبع ضار أخوف عليه من غلام أمرد . وبإسناد عن الحسن بن ذكوان أنه قال : لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى .

وبإسناد عن محمد بن حمير عن النجيب السري قال : كان يقال لا يبيت الرجل في بيت مع المرد .

وبإسناد عن عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال : لأنا أخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء . وعن أبي علي الروزباري قال : سمعت جنيدا يقول : جاء رجل إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فقال له : من هذا ؟ قال : ابني . فقال أحمد : لا تجئ به معك مرة أخرى . فلما قام قال له محمد بن عبد الرحمن الحافظ وفي رواية الخطيب فقيل له : أيد الله الشيخ إنه رجل مستور ، وابنه أفضل منه . فقال أحمد : الذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع منه سترهما على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم .

وبإسناد عن أبي بكر المروزي قال : جاء حسن البزار إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه فلما أراد أن ينصرف قال له أبو عبد الله يا أبا علي : لا تمش مع هذا الغلام في طريق . فقال له : إنه ابن أختي . قال : وإن كان لا يهلك الناس فيك .

وبإسناد من شجاع بن مخلد أنه سمع بشر بن الحارث يقول : احذروا هؤلاء الأحداث . وبإسناد عن فتح الموصلي أنه قال : صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عند فراقي لهم أتقي معاشرة الأحداث . وبإسناد عن الحلبي أنه يقول : نظر سلام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث فقال له : يا هذا ، ابق على جاهك عند الله ، فإنك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظما .

وبإسناد عن أبي منصور عبد القادر بن طاهر يقول : من صحب الأحداث وقع في الأحداث . وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال مظفر القرميسيني : من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة أداه ذلك إلى البلاء ، فكيف بمن يصحبهم على غير وجه السلامة .

 

 الإعراض عن المرد

وقد كان السلف يبالغون في الإعراض عن المرد . وقد روينا عن رسول الله صضص أنه أجلس الشاب الحسن الوجه وراء ظهره والحديث بإسناد عن عطاء بن مسلم قال : كان سفيان لا يدع أمردا يجالسه . وروى إبراهيم بن هانئ عن يحيى بن معين قال : ما طمع أمرد بصحبتي . ولأحمد بن حنبل قال في طريق .

وبإسناد عن أبي يعقوب قال : كنا مع أبي نصر بن الحرث فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها فقالت : يا شيخ أين مكان باب حرب . فقال لها : هذا الباب الذي يقال له باب حرب . ثم جاء بعدها غلام ما رأينا أحسن منه ، فسأله فقال : يا شيخ ، أين مكان باب حرب فأطرق الشيخ رأسه . فرد عليه الغلام السؤال وغمض عينيه فقلنا للغلام : تعال إيش تريد ؟ فقال : باب حرب . فقلنا له : هاهو بين يديك . فلما غاب قلنا للشيخ : يا أبا نصر جاءتك جارية فأجبتها وكلمتها وجاءك غلام فلم تكلمه . فقال : نعم يروى عن سفيان الثوري أنه قال : مع الجارية شيطان ، ومع الغلام شيطانان فخشيت على نفسي من شيطانيه .

وبإسناد عن عبد الله بن المبارك يقول : دخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه غلام صبيح فقال : أخرجوه أخرجوه ، فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ، ومع كل غلام عشرة شياطين . وبإسناد عن محمد بن أحمد بن أبي القسم قال : دخلنا على محمد بن الحسين صاحب يحيى بن معين وكان يقال أنه ما رفع رأسه إلى السماء منذ أربعين سنة ، وكان معنا غلام حدث في المجلس بين يديه ، فقال له : قم من حذائي . فأجلسه من خلفه . وبإسناد عن أبي أمامة قال : وكنا عند شيخ يقرئ فبقي عند غلام يقرأ عليه فردت الانصراف فأخذ بثوبي وقال : اصبر حتى يفرغ هذا الغلام ، وكره أن يخلو مع هذا الغلام . وبإسناد عن أبي الروزباري قال : قال لي أبو العباس أحمد المؤدب : يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث ؟ فقلت له : يا سيدي أنت بهم أعرف ، وقد تصحبهم السلامة لي كثير من الأمور . فقال : هيهات قد رأينا من كان أقوى إيمانا منهم إذا رأى الحدث قد أقبل فر كفراره من الزحف وإنما ذلك حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها فتأخذها عن تصرف الطباع ما أكثر الخطر ما أكثر الغلط .

 

 صحبة الأحداث

وصحبة الأحداث أقوى حبائل إبليس التي يصيد بها الصوفية . أخبرنا ابن ناصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : قال يوسف بن الحسين : نظرت في آفات الخلق فعرفت من أين أتوا ورأيت آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد والرفاق النسوان . وبإسناد عن ابن الفرج الرستمي الصوفي يقول : رأيت إبليس في النوم فقلت له : كيف رأيتنا أعرضنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها ، فليس لك إلينا طريق . فقال : كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع الغناء ومعاشرة الأحداث .

وبإسناد عن ابن سعيد الخراز يقول : رأيت إبليس في النوم يمرغني ناحية فقلت : تعال . فقال : إيش أعمل بكم ، أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس . قلت : ما هو ؟ قال : الدنيا . فلما ولى التفت إلي فقال : غير أن فيكم لطيفة . قلت : وما هي ؟ قال : صحبة الأحداث . قال أبو سعيد وقل من يتخلص منها من الصوفية .

 عقوبة النظر إلى المردان

في عقوبة النظر إلى المردان ، عن أبي عبد الله بن الجلاء قال : كنت أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه ، فمر بي أبو عبد الله البلخي فقال : إيش وقوفك ؟ فقلت : يا عم ، أما ترى هذه الصورة كيف تعذب بالنار ؟ فضرب بيده بين كتفي وقال : لتجدن غبها ولو بعد حين . قال : فوجدت غبها بعد أربعين سنة أن أنسيت القرآن .

وبإسناد عن أبي الأديان قال : كنت مع أستاذي وأبي بكر الدقاق فمر حدث فنظرت إليه فرآني أستاذي وأنا أنظر إليه فقال : يا بني ، لتجدن غبه ولو بعد حين . فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي فما أجد ذلك الغب فنمت ذات ليلة وأنا مفكر فيه فأصبحت وقد أنسيت القرآن كله . وعن أبي بكر الكتاني قال : رأيت بعض أصحابنا في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : عرض علي سيئاتي وقال : فعلت كذا وكذا فقلت نعم . ثم قال وفعلت كذا وكذا فاستحييت أن أقره فقلت : إني أستحي أن أقر . فقال : إني غفرت لك بما أقررت فكيف بما استحييت . فقلت له : ما كان ذلك الذنب ؟ فقال : مر بي غلام حسن الوجه فنظرت إليه . وقد روي نحو هذه الحكاية عن أبي عبد الله الزراد أنه رؤي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال غفر لي كل ذنب أقررت به في الدنيا إلا واحدا فاستحييت أن أقر به فوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي . فقيل له : ما الذنب ؟ فقال : نظرت إلى شخص جميل .

وقد بلغنا عن أبي يعقوب الطبري أنه قال : كان معي شاب حسن الوجه يخدمني فجاءني إنسان من بغداد صوفي ، فكان كثير الالتفات إلى ذلك الشاب فكنت أجد عليه لذلك فنمت ليلة من الليالي فرأيت رب العزة في المنام فقال : يا أبا يعقوب لم لم تنهه ؟ وأشار إلى البغدادي عن النظر إلى الأحداث فوعزتي إني لا أشغل بالأحداث إلا من باعدته عن قربي . قال أبو يعقوب : فانتبهت وأنا أضطرب فحكيت الرؤيا للبغدادي فصاح صيحة ومات فغسلناه ودفناه . واشتغل عليه قلبي فرأيته بعد شهر في النوم فقلت له : ما فعل الله بك ؟ قال : وبخني حتى خفت ألا أنجو ثم عفا عني .

قلت : إنما مددت النفس يسيرا في هذا الباب لأنه مما تعم به البلوى عند الأكثرين فمن أراد الزيادة فيه وفيما يتعلق بإطلاق البصر وجميع أسباب الهوى فلينظر في كتابنا المسمى بذم الهوى ففيه غاية المراد في جميع ذلك .

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز في الأموال

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان ولا جعلنا لباب الدار غلقا مخافة اللصوص . وبإسناد عن ذي النون المصري أنه قال : سافرت سنين وما صح لي التوكل إلا وقتا واحدا ركبت البحر فكسر المركب فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي : إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة . فخليت الخشبة فطفت على الماء فوقعت على الساحل .

أخبرنا محمد قال : سألت أبا يعقوب الزيات عن مسألة في التوكل فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني . فأعطي التوكل حقه ثم قال : استحييت أن أجيبك وعندي شيء . وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال : جاء رجل إلى عبد الله بن الجلاء فسأله عن مسألة في التوكل وعنده جماعته فلم يجبه ودخل البيت فأخرج إليهم صرة فيها أربعة دوانق فقال : اشتروا بهذه شيئا . ثم أجاب الرجل عن سؤاله . فقيل له في ذلك فقال : استحييت من الله تعالى أن أتكلم في التوكل وعندي أربعة دوانق . وقال سهل بن عبد الله : من طعن في الاكتساب فقد طعن على السنة ومن طعن على التوكل فقد طعن على الإيمان .

قال المصنف : قلت ، قلة العلم أوجبت هذا التخطيط ، ولو عرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد . وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا ادخار المال . فقد قال تعالى : "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" أي قواما لأبدانكم وقال صضص : "نعم المال الصالح مع الرجل الصالح" . وقال صضص : "إنك تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" . واعلم أن الذي أمر بالوكل أمر بأخذ الحذر ، فقال : "خذوا حذركم" وقال : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" وقال : " أن أسر بعبادي " وقد ظاهر رسول الله صضص بين درعين وشاور طبيبين واختفى في الغار . وقال : من يحرسني الليلة . وأمر بغلق الباب .

وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي صضص قال : "أغلق بابك" . وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز .

أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عبد الله بن يحيى الموصلي ونصر بن أحمد قالا أخبرنا أبو الحسين بن بشران ثنا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثني أبو جعفر الصيرفي ثنا يحيى بن سعيد ثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي قال سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : جاء رجل إلى النبي صضص وترك ناقته بباب المسجد فسأله رسول الله صضص عنها فقال : أطلقتها وتوكلت على الله . قال : "اعقلها وتوكل" .

أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني ثني عبد الرحمن بن محمد بن سلام ثنا الحسين بن زياد المروزي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول : تفسير التوكل أن يرضى بما يفعل به . وقال ابن عقيل يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل . وإن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ . فقال تعالى : "وشاورهم في الأمر" "فإذا عزمت فتوكل على الله" فلو كان التعلق بالاحتياط قادحا في التوكل لما خص الله نبيه حين قال له : "وشاورهم في الأمر" وهل المشاورة إلا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم حتى نص عليه وجعله عملا في نفس الصلاة وهي أخص العبادات . فقال : "فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم" وبين علة ذلك بقوله تعالى : "ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة" ومن علم أن الاحتياط هكذا لا يقال أن التوكل عليه ترك ما علم . لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة . قال عليه الصلاة والسلام : "اعقلها وتوكل" ولو كان التوكل ترك التحرز لخص به خير الخلق صضص في خير الأحوال وهي حالة الصلاة . وقد ذهب الشافعي رحمه الله إلى وجوب حمل السلاح حينئذ لقوله : "وليأخذوا أسلحتهم" فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز فإن موسى عليه السلام لما قيل له : "إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك" خرج . ونبينا صضص خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه ووقاه أبو بكر رضي الله عنه بسد أثقاب الغار وأعطى القوم التحرز حقه ثم توكلوا . وقال عز وجل في باب الاحتياط : "لا تقصص رؤياك على إخوتك" وقال : "لا تدخلوا من باب واحد" وقال : "فامشوا في مناكبها" وهذا لأن الحركة للذب عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمة المبدأة يريد إظهار وداعه فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به . لكن يجب استعمال ما عندك ثم اطلب ما عنده وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عدة وأسلحة تدفع عنها الشرور كالمخلب والظفر والناب وخلق للآدمي عقلا يقوده إلى حمل الأسلحة ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع ومن عطل نعمة الله بترك الاحتراز فقد عطل حكمته كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعا أو مرضا .

ولا أبله ممن يدعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب وقلبه ساكن مفوض إلى الحق منع أو أعطى . لأنه لا يرى إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة . فمنعه عطاء في المعنى . وكم زين للعجزة عجوزهم وسولت لهم أنفسهم أن التفريط توكل فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة والخور حزما . ومتى وضعت أسباب فأهملت كان ذلك جهلا بحكمة الواضع . مثل وضع الطعام سببا للشبع والماء للري والدواء للمرض . فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانا بالسبب ثم دعا وسأل فربما قيل له قد جعلنا لعافيتك سببا فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب وما هذا إلا بمثابة من بين قراحه وماء الساقية رفسه بمسحاة فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر فإنه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا .

قال المصنف رحمه الله : فإن قال قائل كيف أحترز مع القدر قيل له وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدر فالذي قدر هو الذي أمر . وقد قال تعالى : "وخذوا حذركم" أنبأنا إسماعيل بن أحمد نا عاصم بن الحسين نا ابن بشران ثنا أبو صفوان نا أبو بكر القرشي ثني شريح بن يونس نا علي بن ثابت عن خطاب بن القاسم عن أبي عثمان قال : كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال : أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر ؟ قال : نعم . قال : فألق نفسك من الجبل وقل قدر علي . قال : يا لعين الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى .

( فصل )

وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب أنه قد لبس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب . أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول : سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول : من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان ومن طعن على الكسب فقط طعن على السنة .

أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول : سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع أنحن مستعبدون بالكسب أم بالتوكل ؟ فقال : التوكل حال رسول الله صضص والكسب سنة رسول الله صضص وإنما سن الكسب لمن ضعف عن التوكل وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله فمن أطاق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة لا كسب اعتماد عليه ومن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله صضص أبيح له طلب المعاش في الكسب لئلا يسقط عن درجة سنته حين سقط عن درجة حاله .

أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال سمعت محمد بن الحسين قال : سمعت أبا القاسم الرازي يقول : سمعت يوسف بن الحسين قال : إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب فليس يجيء منه شيء .

قال المصنف رحمه الله : قلت هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل وظنوا أنه ترك الكسب وتعطيل الجوارح عن العمل وقد بينا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين فقد كان آدم عليه السلام حراثا ونوح وزكريا نجارين وإدريس خياطا وإبراهيم ولوط زراعين وصالح تاجرا . وكان سليمان يعمل الخوص وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة صلوات الله عليهم أجمعين . وقال نبينا صضص : "كنت أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط" فلما أغناه الله عز وجل بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب . وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله عليهم بزازين . وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزازين ، وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين ، وكذلك أبو حنيفة . وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل وكان عثمان بن طلحة خياطا . وما زال التابعون ومن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب .

أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن بن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا مسلم بن إبراهيم نا هشام الدستوائي قال : حدثنا عطاء بن السائب قال : لما استخلف أبو بكر رضي الله عنه أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا : أين تريد ؟ فقال : السوق . قالا : تصنع ماذا ، وقد وليت أمور المسلمين ؟ قال : فمن أين أطعم عيالي ؟ . قال ابن سعد وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا أبو بكر بن عياش عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين . فقال : زيدوني ، فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، لو قال رجل للصوفية من أين أطعم عيالي لقالوا قد أشركت . ولو سئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا ليس بمتوكل ولا موقن وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين ، ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم لكنهم بين أمرين أما الغالب من الناس فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجديا ومنهم من يبعث غلامه فيدور بالزنبيل فيجمع له .. وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح كما لا تخلو الدكان من أن يقصد للبيع والشراء .

أخبرنا عبد الوهاب الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو طالب العشاري نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري ثنا أبو بكر بن عبيد قال : حدثت عن الهيثم بن خارجة ثنا سهل بن هشام عن إبراهيم بن أدهم قال : كان سعيد بن المسيب يقول : من لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف في السؤال .

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا : نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت جدي إسماعيل بن نجيدي يقول : كان أبو تراب يقول لأصحابه : من لبس منكم مرقعة فقد سأل ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد كان السلف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب . أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا محمد بن علي بن الفتح نا محمد بن عبد الرحمن المخلص نا عبيد الله بن عبد الرحمن الكسري نا أبو بكر بن عبيد القرشي نا عبيد بن الجعد نا المسعودي عن خوات التيمي قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا معشر الفقراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالا على المسلمين .

أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وأبو الخير القزويني قالوا نا أبو عمر بن حياة نا محمد بن خلف ثنا أبو جعفر اليماني نا أبو الحسن المدايني عن محمد بن عاصم قال : بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل عنه هل له حرفة فإن قيل لا قال : سقط من عيني .

أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبد الله النقال نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد الدقاق نا حنبل ثني أبو عبد الله نا معاذ بن هشام ثني أبي قتادة عن سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول الله صضص يتجرون في تجر الشام منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد .

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا جعفر بن أحمد السراج نا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب نا ابي أحمد بن مروان المالكي نا أبو القاسم بن الختلي : سألت أحمد بن حنبل وقلت : ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي . فقال أحمد : هذا رجل جهل العلم أما سمعت قول رسول الله صضص . جعل الله رزقي تحت ظل رمحي ، وحديث الآخر في ذكر الطير تغدو خماصا فذكر أنها تغدو في طلب الرزق ، قال تعالى : "وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله" وقال : "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم" وكان أصحاب رسول الله صضص يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم ولنا القدوة بهم . وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد أن رجلا قال له : أريد الحج على التوكل فقال له فأخرج في غير القافلة . قال لا . قال فعلى جراب الناس توكلت .

أخبرنا ابن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا أبو بكر المروزي قال : قلت لأبي عبد الله : هؤلاء المتوكلة يقولون نقعد وأرزاقنا على الله عز وجل . فقال : هذا قول رديء . أليس قد قال الله تعالى : "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع" ثم قال إذا قال لا أعمل وجيء إليه بشيء قد عمل واكتسب لأي شيء يقبله من غيره ؟ قال الخلال : وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال : سألت أبي عن قوم يقولون نتوكل على الله ولا نكتسب فقال : ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله . ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب . هذا قول إنسان أحمق .

قال الخلال : وأخبرني محمد بن علي قال ثنا صالح أنه سأل أباه يعني أحمد بن حنبل عن التوكل فقال : التوكل حسن ، ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل . قال وسئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون نحن المتوكلون فقال هؤلاء مبتدعون .

قال الخلال وأخبرنا المروزي أنه قال لأبي عبد الله أن ابن عيينة كان يقول : هم مبتدعة . فقال أبو عبد الله هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا . وقال الخلال أخبرنا المروزي قال سألت عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال أجلس وأصبر وأقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحدا فقال : لو خرج فاحترف كان أحب إلي فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا قلت إلى أي شيء يخرجه ؟ قال : يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسل إليه . قال الخلال : وحدثنا أبو بكر المروزي قال : سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل إني في كفاية . قال : الزم السوق تصل الرحم وتعود به على عيالك . وقال لرجل آخر : اعمل وتصدق بالفضل على قرابتك . وقال أحمد بن حنبل قد أمرتهم يعني أولاده أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة .

قال الخلال وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدثهم قال : سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق يقول : ما أحسن الاستغناء عن الناس . وقال الخلال : وأخبرني يعقوب بن يوسف المطوعي قال : سمعت أبا بكر بن جناد يقول : الجصاصي قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : أحب الدراهم إلي درهم من تجارة وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وكان إبراهيم بن أدهم يحصد وسلمان الخواص يلقط وحذيفة المرعشي يضرب اللبن ، وقال ابن عقيل : التسبب لا يقدح في التوكل لأن تعاطي رتبة ترقي على رتبة الأنبياء نقص في الدين . ولما قيل لموسى عليه السلام : "إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك" خرج ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين . وقال الله تعالى : "فامشوا في مناكبها" وهذا لأن الحركة استعمال بنعمة الله وهي القوى فاستعمل ما عندك ثم اطلب ما عنده . وقد يطلب الإنسان من ربه وينسى ما له عنده من الذخائر فإذا تأخر عنه ما يطلبه يسخط . فترى بعضهم يملك عقارا وأثاثا فإذا ضاق به القوت واجتمع عليه دين فقيل له : لو بعت عقترك . قال : كيف أفرط في عقاري وأسقط جاهي عند الناس ؟ وإنما يفعل هذه الحماقات العادات وإنما قعد أقوام عن الكسب استثقالا له فكانوا بين أمرين قبيحين . إما تضييع العيال فتركوا الفرائض أو التزين باسم أنه متوكل فيحن عليهم المكتسبون فضيقوا على عيالهم لأجلهم وأعطوهم . وهذه الرذيلة لم تدخل قط إلا على دنيء النفس الرذيلة وإى فالرجل كل الرجل من لم يضيع جوهره الذي أودعه الله إيثارا للكسل أو لاسم يتزين بن بين الجهال فإن الله تعالى قد يحرم الإنسان المال ويرزقه جوهرا يتسبب به إلى تحصيل الدنيا بقبول الناس عليه .

( فصل )

وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة . منها أنهم قالوا لا بد من أن يصل إلينا رزقنا وهذا في غاية القبح فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة أو من أهل النار فأنا من أهل النار . قلنا له هذا يرد الأوامر كلها ولو صح لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنة لأنه كان يقول ما فعلت إلا ما قضي علي . ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر . ومنها أنهم يقولون : أين الحلال حتى نطلب وهذا قول جاهل لأن الحلال لا ينقطع أبدا لقوله تعالى : " الحلال بين والحرام بين " ومعلوم أن الحلال ما أذن الشرع في تناوله وإنما قولهم هذا احتجاج للكسل . ومنها أنهم قالوا إذا كسبنا أعنا الظلمة والعصاة مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن جهضم نا علي بن محمد السيرواني قال سمعت إبراهيم الخواص يقول : طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك فأخذت قصبة وجعلت فيها شعرا وجلست على الماء فألقيت الشص فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض وألقيت الثانية فخرجت لي سمكة فأنا أطرحها ثالثة إذا من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي ولا رأيت أحدا وسمعت قائلا يقول : أنت لم تصب رزقا في شيء إلا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله . قال : فقطعت الشعر وكسرت القصبة وانصرفت .

أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري ثنا أبي قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا برك الرازي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال سمعت إبراهيم الخواص يقول : طلبت فقصدت إلخ ما تقدم .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذه القصة إن صحت فإن الروايتين بعض من يتهم فإن اللاطم إبليس وهو الذي هتف به لأن الله تعالى أباح الصيد فلا يعاقب على ما أباحه وكيف يقال له تعمد إلى من يذكرنا فتقتله وهو الذي أباح له قتله وكسب الحلال ممدوح ولو تركنا الصيد وذبح الأنعام لأنها تذكر الله تعالى لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان لأنه لا يقيمها إلا اللحم فالتحري من أخذ السمك وذبح الحيوان مذهب البراهمة فانظر إلى الجهل ما يصنع وإلى إبليس كيف يفعل . أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا عبد العزيز بن علي الأزجي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الملك قال سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول : قيل لفتح الموصلي أنت صياد بالشبكة ولم تصد شيئا إلا وتطعمه لعيالك فلم تصد وتبيع ذلك الناس فقال أخاف أن أصطاد مطيعا لله تعالى في جوف الماء فأطعمه عاصيا لله على وجه الأرض .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، إن صحت هذه الحكاية عن فتح الموصلي فهو من التعلل البارد المخالف للشرع والعقل لأن الله تعالى أباح الكسب وندب إليه فإذا قال قائل ربما خبزت خبزا فأكله عاص كان حديثا فارغا لأنه لا يجوز لنا إذا أن نبيع الخبز لليهود والنصارى .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التداوي

قال المصنف رحمه الله : لا يختلف العلماء أن التداوي مباح وإنما رأى بعضهم أن العزيمة تركه . وقد ذكرنا كلام الناس في هذا وبينا بما اخترناه في كتابنا لقط المنافع في الطب . والمقصود ههنا أنا نقول إذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل وقد صح عن رسول الله صضص أنه تداوى وأمر بالتداوي ولم يخرج بذلك من التوكل ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التوكل .

وفي الصحيح من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صضص رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر . قال ابن جرير الطبري وفي هذا الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التصوف والعباد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج علة به في جسده بدواء إذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضر والنفع . وفي إطلاق النبي صضص للمحرم علاج عينه بالصبر لدفع المكروه أدل دليل على أن معنى التوكل غير ما قاله الذين ذكرنا قولهم . وأن ذلك غير مخرج فاعله من الرضا بقضاء الله كما أن من عرض له كلب الجوع لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضا بالقضاء لأن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت وجعل أسبابا لدفع الأدواء كما جعل الأكل سببا لدفع الجوع . وقد كان قادرا أن يحيي خلقه بغير هذا ولكنه خلقهم ذوي حاجة فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببا لدفعه عنهم فكذا الداء العارض والله الهادي .

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة

قال المصنف : كان خيار السلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس اشتغالا بالعلم والتعبد إلا أن عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا شهود جنازة ولا قيام بحق . وإنما هي عزلة عن الشر وأهله مخالطة البطالين وقد لبس إبليس على جماعة من المتصوفة فمنهم من اعتزل في جبل كالرهبان يبيت وحده ويصبح وحده ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم . وعمومهم اعتزل في الأربطة ففاتهم السعي إلى المساجد وتوطنوا على فراش الراحة وتركوا الكسب .

وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك إلا بخلوه في مكان مظلم وقال فإن لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء ، أو إزار . ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، انظر إلى هذه الترتيبات والعجب كيف تصدر من فقيه عالم ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن الذي يشاهده جلال الربوبية ؟ وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب عليه الماليخوليا .

وقد يسلم الإنسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء لأن في الدماغ ثلاث قوى : قوة يكون بها التخيل وقوة يكون بها الفكرة وقوة يكون بها الذكر وموضع التخيل البطنان المقدمان من بطون الدماغ وموضع التفكر البطن الأوسط من بطون الدماغ وموضع الحفظ الموضع المؤخر فإن أطرق الإنسان وغمض عينيه جال الفكر والتخيل فيرى خيالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية إلى غير ذلك نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر البجلي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال : كان أبو عبيد التستري إذا كان أول يوم من شهر رمضان يدخل البيت ويقول لامرأته طيني باب البيت وألق إلي كل ليلة من الكوة رغيفا فإذا كان يوم العيد دخلت فوجدت ثلاثين رغيفا في الزاوية ولا أكل ولا شرب ولا يتهيأ لصلاة ويبقى على طهر واحد إلى آخر الشهر .

قال المصنف رحمه الله : هذه الحكاية عندي بعيدة عن الصحة من وجهين أحدها بقاء الآدمي شهرا لا يحدث بنوم ولا بول ولا غائط ولا ريح : والثاني ترك المسلم صلاة الجمعة والجماعة وهي واجبة لا يحل تركها فإن صحت هذه الحكاية فما أبقى إبليس لهذا في التلبيس بقية . قال أنبأنا زاهر بن طاهر نا أحمد بن الحسين البيهقي ثنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وسمعت أبا الحسن البوشنجي الصوفي غير مرة يعاتب في ترك الجمعة والجماعة والتخلف عنها فيقول : إن كانت البركة في الجماعة فإن السلامة في العزلة .

 

 النهي عن الانفراد

وقد جاء النهي عن الانفراد الموجب للبعد عن العلم والجهاد للعدو . أخبرنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة ثني علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : خرجنا مع رسول الله صضص في سرية من سراياه قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه وفيه شيء من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا ثم قال : لو أني أتيت نبي الله صضص فذكرت له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال : يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا . قال : فقال نبي الله صضص : "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة" .

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس

قال المصنف رحمه الله : إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ولا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك . وكان محمد بن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل . ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام فإن ذلك يؤذيهم . فقد روي عن علي رضي الله عنه : إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم إذا تفسح في المباح فينبغي أن يتلقاهم بالصمت والأدب وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي ومطأطأة الرأس ليرى الإنسان بعين الزهد والتهيؤ للمصافحة وتقبيل اليد وربما قيل له ادع لنا فيتهيأ للدعاء كأنه يستنزل الإجابة وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي أنه قيل له ادع لنا فكره ذلك واشتد عليه .

وقد كان في الخائفين من جمله الخوف على شدة الذل والحياء فلم يرفع رأسه إلى السماء وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله صضص .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال : كان رسول الله صضص كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء . وهذا دليل على استحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها وقد قال الله تعالى : " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها " وقال : "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" وفي هذا رد على المتصوفين فإن أحدهم يبقى سنين لا ينظر إلى السماء . وقد ضم هؤلاء إلى ابتداعهم الرمز إلى التشبيه ولو علموا أن إطراقهم كرفعهم في باب الحياء من الله تعالى لم يفعلوا ذلك غير أن ما شغل إبليس إلا التلاعب بالجهلة . فأما العلماء فهو بعيد عنهم شديد الخوف منهم لأنهم يعرفون جميع أمره ويحترزون من فنون مكره .

أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر قالا أخبرنا محمد بن الحسن الباقلاني نا القاضي أبو العلاء الواسطي نا أبو نصر أحمد بن محمد نا أبو الخير أحمد بن محمد البزاز ثنا البخاري ثنا إسحاق ثنا محمد بن المفضل ثنا الوليد بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : لم يكن أصحاب رسول الله صضص منحرفين ولا متماوتين وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون . أخبرنا عبد الوهاب الحافظ ثنا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز الحسن بن إسماعيل الضراب نا أبي ثنا أحمد بن مروان ثنا إبراهيم الحربي ثنا محمد بن الحارث عن المدايني عن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه قال : نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له : يا هذا ، ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب ، فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق .

أخبرنا عبد الوهاب نا المبارك بن عبد الجبار نا علي بن أحمد الملطي ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ثنا ابن صفوان نا أبو بكر القرشي ثني يعقوب بن إسماعيل قال : قال عبد الله أخبرنا المعتمر عن كهمس بن الحسين أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه .

أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن عاصم بن كليب الجرمي قال : لقي أبي عبد الرحمن بن الأسود وهو يمشي وكان إذا مشى يمشي جنب الحائط متخشعا هكذا . وأمال أبو بكر عنقه شيئا فقال أبي : مالك إذا مشيت مشيت إلى جنب الحائط ؟ أما والله إن عمر إذا مشي لشديد الوطء على الأرض جهوري الصوت .

أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد يرفعه إلى سليمان بن أبي خيثمة عن أبيه قال : قالت الشفا بنت عبد الله ورأت فتيانا يقصرون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت : ما هذا ؟ قالوا نساك . قالت : كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشي أسرع وإذا ضرب أوجع وهو الناسك حقا .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد كان السلف يسترون أحوالهم ويتصنعون بترك التصنع . وقد ذكرنا عن أيوب السختياني أنه كان في ثوبه بعض الطوي ليستر حاله . وكان سفيان الثوري يقول : لا أعتد بما ظهر من عملي . وقال لصاحب له ورآه يصلي : ما أجرأك ، تصلي والناس يرونك . قال : حدثنا محمد بن ناصر ثنا عبد القادر بن يوسف نا ابن المذهب نا القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو عبد الله يعني السلمي ثنا بقية عن محمد بن زياد قال : مر أبو أمامة برجل ساجد فقال : يا لها من سجدة لو كانت في بيتك .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا الجوهري ثنا محمد بن العباس ثنا محمد بن القاسم الأنباري ثنا الحارث بن محمد ثنا يحيى بن أيوب ثنا شعيب بن حرب ثنا الحسين بن عمار قال رجل في مجلس الحسن بن عمارة : آه . فجعل يتبصره ويقول : من هذا حتى ظننا أنه لو عرفه أمر به .

أخبرنا إسماعيل بن أحمد المقري نا أحمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ نا أبو عبد الله محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم ثنا حرملة قال : سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول :

ودع الذين إذا أتوك تنسكواوإذا خلوا فهم ذئاب خفاف

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ نا جعفر بن محمد الواسطي نا الحسين بن عبد الله الأبرازي قال : سمعت إبراهيم بن سعيد يقول : كنت واقفا على رأس المأمون ، فقال لي : يا إبراهيم . قلت : لبيك . قال : عشرة من أعمال البر لا يصعد إلى الله والله لا يقبل منها شيء . قلت : ما هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال : بكاء إبراهيم على المنبر ، وخشوع عبد الرحمن بن إسحاق ، وتقشف ابن سماعة ، وصلاة خيعويه بالليل ، وصلاة عباس الضحى ، وصيام ابن السندي الاثنين والخميس ، وحديث أبي رجاء ، وقصص الحاجبي ، وصدقة حفصويه وكتاب الشامي ليعلى بن قريش .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك النكاح

قال المصنف : النكاح مع خوف العنت واجب ومن غير خوف العنت سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء . ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أنه حينئذ أفضل من جميع النوافل لأنه سبب في وجود الولد . قال عليه الصلاة والسلام : "تناكحوا تناسلوا" وقال رسول الله صضص : "النكاح من سنتي ، فمن رغب عن سنتي فليس مني" . أخبرنا محمد بن أبي طاهر نا الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا سليمان بن داود الطيالسي نا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال : لقد رد رسول الله صضص على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له في ذلك لاختصينا .

قال ابن سعد وأخبرنا ابن عفان نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك : "أن نفرا من أصحاب رسول الله صضص سألوا أزواج النبي عليه السلام عن عمله في السر فأخبروهم فقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا أنام الليل على فراش . وقال بعضهم أصوم ولا أفطر . فحمد الله النبي عليه الصلاة والسلام وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني" .

قال ابن سعد وأخبرنا سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن عطاء بن السايب عن سعيد بن عبيد قال : قال ابن عباس رضي الله عنه : « إن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء » . قال ابن سعد : وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن قيس ثنا ميذل عن أبي رجاء الجزري عن عثمان بن خالد بن محمد بن مسلم قال : قال شداد بن أوس : زوجوني ، فإن رسول الله صضص أوصاني إن لا ألقى الله عزبا .

وأخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الرزاق نا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي ذر قال : دخل على رسول الله صضص رجل يقال له عكاف بن بشر التميمي الهلالي ، فقال له النبي صضص : "يا عكاف ، هل لك من زوجة ؟ قال : لا . قال : ولا جارية ؟ قال : لا . قال : وأنت موسر بخير ؟ قال : وأنا موسر . قال : أنت إذا من إخوان الشياطين ، لو كنت من النصارى لكنت من رهبانهم ، إن سنتنا النكاح ، شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم ، فما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من ترك النساء" . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثني أيوب بن النجار عن طيب بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال : « لعن رسول الله صضص مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء ، والمرتجلات من النساء المتشبهات بالرجال . والمتبتلين من الرجال الذين يقولون لا نتزوج ، والمتبتلات من النساء اللاتي يقلن ذلك » . أخبرنا محمد بن ناصر نا عبد القادر بن محمد قال نا أبو بكر الخياط نا أبو الفتح بن أبي الفوارس نا أحمد بن جعفر الجيلي ثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق ثنا أبو بكر المروزي قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء ، النبي عليه الصلاة والسلام تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع . ثم قال : لو كان بشر بن الحارث تزوج كان قد تم أمره كله . لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا ولم يكن كذا وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبح وما عندهم شيء ، وكان يختار النكاح ويحث عليه وينهي عن التبتل فمن رغب عن فعل النبي عليه الصلاة والسلام فهو على غير الحق .

ويعقوب عليه السلام في حزنه قد تزوج وولد له . والنبي عليه الصلاة والسلام قال : "حبب إلي النساء" . قلت : فإن إبراهيم بن آدم يحكى عنه بأنه قال لروعة صاحب عيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال : وقعنا في بنيات الطريق ، انظر عافاك الله ما كان عليه نبينا محمد صضص وأصحابه . ثم قال : لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا ، إنى يلحق المتعبد المتعزب المتزوج .

 

 نقد مسالك الصوفية في تركهم النكاح

وقد لبس إبليس على كثير من الصوفية فمنعهم من النكاح فقدماؤهم تركوا ذلك تشاغلا بالتعبد ورأوا النكاح شاغلا عن طاعة الله عز وجل  وهؤلاء وإن كانت بهم حاجة إلى النكاح أو بهم نوع تشوق إليه فقد خاطروا بأبدانهم وأديانهم وإن لم يكن بهم حاجة إليه فأتتهم الفضيلة .

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صضص أنه قال : "وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ قالوا نعم . قال : وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" ثم قال : "أفتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير ؟" . ومنهم من قال النكاح يوجب النفقة والكسب صعب . وهذه حجة للترفه عن تعب الكسب .

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صضص أنه قال : "دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار أنفقته في الصدقة ودينار أنفقته على عيالك أفضلها الدينار الذي أنفقته على عيالك" . ومنهم من قال : النكاح يوجب الميل إلى الدنيا . فروينا عن أبي سليمان الداراني أنه قال : إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذا كله مخالف للشرع وكيف لا يطلب الحديث والملائكى تضع أجنحتها لطلب العلم . وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لأن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله . وكيف لا يتزوج وصاحب الشرع يقول : "تناكحوا تناسلوا" . فما أرى هذه الأوضاع إلا على خلاف الشرع . فأما جماعة من متأخري الصوفية فإنهم تركوا النكاح ليقال زاهد والعوام تعظم الصوفي إذا لم يكن له زوجة فيقولون ما عرف امرأة قط فهذه رهبانية تخالف شرعنا .

قال أبو حامد : ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج فإنه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى .

قال المصنف رحمه الله : وإني لأعجب من كلامه ، أتراه ما علم أن من قصد عفاف نفسه ووجود ولد أو عفاف زوجته فإنه لم يخرج عن جادة السلوك أو يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله تعالى والله تعالى قد من على الخلق بقوله : " خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " . وفي الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه عن النبي صضص قال له : "هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك" وما كان بالذي ليدله على ما يقطع أنسه بالله تعالى . أترى رسول الله صضص لما كان ينبسط إلى نسائه ويسابق عائشة رضي الله عنها أكان خارجا عن الأنس بالله . هذه كلها جهالات بالعلم .

 

 محاذير ترك النكاح

واعلم إنه إذا دام ترك النكاح على شبان الصوفية أخرجهم إلى ثلاثة أنواع : النوع الأول بحبس الماء ، فإن المرء إذا طال احتقانه تصاعد إلى الدماغ منه منيه . قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي : أعرف قوما كانوا كثيري المني فلما منعوا أنفسهم من الجماع لضرب من التفلسف بردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم الكآبة بلا سبب وعرضت لهم أعراض الماليخوليا وقلت شهواتهم وهضمهم . قال : ورأيت رجلا ترك الجماع ففقد شهوة الطعام وصار إن أكل القليل ولم يستمره وتقايأه فلما عاد إلى عادته من الجماع سكنت عنه هذه الأعراض سريعا .

النوع الثاني : الفرار إلى المتروك ، فإن منهم خلقا كثيرا صابروا على ترك الجماع فاجتمع الماء فأقلقوا جعوا فلامسوا النساء ولابسوا من الدنيا أضعاف ما فروا منه فكانوا كمن أطال الجوع ثم أكل ما ترك في ومن الصبر . النوع الثالث : الانحراف إلى صحبة الصبيان ، فإن قوما منهم أيسوا من النكاح فأقلقهم ما اجتمع عندهم فصاروا يرتاحون إلى صحبة المرد .

( فصل )

وقد لبس على قوم منهم تزوجوا وقالوا إنا لا ننكح شهوة فإن أرادوا أن الأغلب في طلب النكاح إرادة السنة جاز وإن زعموا أنه لا شهوة لهم في نفس النكاح فمحال ظاهر .

( فصل )

وقد حمل الجهل أقواما فجبوا أنفسهم وزعموا أنهم فعلوا ذلك حياء من الله تعالى وهذه غاية الحماقة لأن الله تعالى شرف الذكر على الأنثى بهذه الآلة وخلفها لتكون سببا للتناسل والذي يجب نفسه يقول بلسان الحال الصواب ضد هذا ثم قطعهم الآلة لا تزيل شهوة النكاح من النفس فما حصل لهم مقصودهم .

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا أخبرنا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا إسحاق بن أحمد ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : الذي يريد الولد أحمق لا للدنيا ولا للآخرة إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه وإن أراد أن يتعبد شغله .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذا غلط عظيم وبيانه أنه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الدنيا اتصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها وكان الآدمي غير ممتد البقاء فيها إلا إلى أمد يسير أخلف الله تعالى منه مثله فحثه على سببه في ذلك تارة من حيث الطبع بإيقاد نار الشهوة وتارة من باب الشرع بقوله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم " وقول الرسول صضص : "تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط" وقد طلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأولاد . فقال تعالى حكاية عنهم : "رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء" ، "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي" إلى غير ذلك من الآيات . وتسبب الصالحون إلى وجودهم ورب جماع حدث منه ولد مثل الشافعي وأحمد بن حنبل فكان خيرا من عبادة ألف سنة . وقد جاءت الأخبار بإثابة المباضعة والإنفاق على الأولاد والعيال ومن يموت له ولد ومن يخلف ولدا بعده فمن أعرض عن طلب الأولاد والتزوج فقد خالف المسنون والأفضل وحرم أجرا جسيما ومن فعل ذلك فإنما يطلب الراحة . أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد السراج نا أبو القاسم الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال سمعت الجنيد يقول : الأولاد عقوبة شهوة الحلال فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام ؟ .

قال المصنف رحمه الله : وهذا غلط ، فإن تسمية المباح عقوبة لا يحسن لأنه لا يباح شيء ثم يكون ما تجدد منه عقوبة ولا يندب إلى شيء إلا وحاصله مثوبة .

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة

قد لبس إبليس على خلق كثير منهم فأخرجهم إلى السياحة لا إلى مكان معروف ولا إلى طلب علم وأكثرهم يخرج على الوحدة ولا يستصحب زادا ويدعي بذلك الفعل التوكل فكم تفوته من فضيلة وفريضة وهو يرى أنه في ذلك على طاعة وأنه يقرب بذلك من الولاية وهو من العصاة المخالفين لسنة رسول الله صضص .

وأما السياحة والخروج لا إلى مكان مقصود فقد نهى رسول الله صضص عن السعي في الأرض في غير أرب حاجة . أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا إبراهيم بن عمر البرمكي نا ابن حياة نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري قال : سمعت أبا محمد بن قتيبة يقول : ثني محمد بن عبيد عن معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق عن سفيان عن ابن جريح عن مسلم عن طاوس أن رسول الله صضص قال : "لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام" . قال ابن قتيبة : الزمام في الأنف والخزام حلقة من شعر يجعل في أحد جانبي المنخرين . وأراد صضص ما كان عباد بني إسرائيل يفعلونه من خزم التراقي وزم الأنوف والتبتل ترك النكاح والسياحة مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض .

وروى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ، إئذن لي في السياحة ، فقال النبي صضص : "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" .

قال المصنف رحمه الله : وقد ذكرنا فيما تقدم من حديث ابن مظعون إنه قال : يا رسول الله : إن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض . فقال النبي صضص له : "مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة" . وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن الرجل يسيح يتعبد أحب إليك أو المقيم في الأمصار ؟ قال : ما السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين والصالحين .

 نقد مسالك الصوفية في السياحة

وأما الخروج على الوحدة فقد نهى رسول الله صضص أن يسافر الرجل وحده . فأخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن الطيب الصباغ نا أحمد بن سليمان النجاد ثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب ثنا علي بن عاصم ثنا عبد الرحمن بن يزيد ثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صضص قال : " الراكب شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب" . أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أيوب بن النجار عن طيب بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال : « لعن رسول الله صضص راكب الفلاة وحده » .

 

 المشي في الليل

وقد يمشون بالليل أيضا على الوحدة . وقد نهى النبي صضص عن ذلك . وأخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد بن عبيد ثنا عاصم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صضص : "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل أبدا" . قال عبد الله : وحدثني أبي ثنا محمد بن أبي عدي ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صضص : "أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل فإن الله تعالى يبث في خلقه ما شاء" .

قال المصنف رحمه الله : وفيهم من جعل دأبه السفر والسفر لا يراد لنفسه . قال النبي صضص : "السفر قطعة من العذاب ، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله" . فمن جعل دأبه السفر فقد جمع بين تضييع العمر وتعذيب النفس وكلاهما مقصود فاسد . أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي قال : سمعت محمد بن أبي الطيب العكي يقول : سمعت أبا الحسن المصري يقول : سمعت أبا حمزة الخراساني يقول : كنت قد بقيت محرما في عباء أسافر كل سنة ألف فرسخ تطلع الشمس علي وتغرب كلما أحللت أحرمت .

 

 ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد

قال المصنف رحمه الله : قد لبس على خلق كثير منهم فأوهمهم أن التوكل ترك الزاد وقد بينا فساد هذا فيما تقدم إلا أنه قد شاع هذا في جهلة القوم ، وجاء حمقى القصاص يحكون ذلك عنهم على سبيل المدح لهم به فيتضمن ذلك تحريض الناس على مثل ذلك وبأفعال أولئك ومدح هؤلاء فسدت الأحوال وخفيت على العوام طرق الصواب . والأخبار عنهم بذلك كثيرة وأنا أذكر منها نبذة .

أنبأنا محمد بن عبد الملك نا أبو بكر نا رضوان بن محمد الدينوري ثنا طاهر بن عبد الله ثنا الفضل بن الفضل الكندي ثني أبو بكر محمد بن عبد الواحد بن جعفر الواسطي ثنا محمد بن السفاح عن علي بن سهل المصري قال : أخبرني فتح الموصلي قال : خرجت حاجا فلما توسطت البادية إذا أنا بغلام صغير فقلت يا عجبا بادية بيداء وأرض قفراء ، وغلام صغير فأسرعت فلحقته فسلمت عليه ثم قلت : يا بني إنك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام . قال : يا عم قد مات من كان أصغر مني . فقلت : وسع الله خطاك فإن الطريق بعيد حتى تلحق المنزل . فقال : يا عم علي المشي وعلي البلاغ ، أما قرأت قوله تعالى : "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" . فقلت له : مالي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة ؟ فقال : يا عم ، زادي يقيني وراحلتي رجائي . قلت : سألتك عن الخبز والماء . قال : يا عم أخبرني لو أن أخا من إخوانك أو صديقا من أصدقائك دعاك إلى منزله أكنت تستحسن أن تحمل معك طعاما فتأكله في منزله ؟ فقلت : أزودك . فقال : إليك عني يا بطال ، هو يطعمنا ويسقينا . قال فتح : فما رأيت صغيرا أشد توكلا منه ولا رأيت كبيرا أشد زهدا منه .

قال المصنف رحمه الله : بمثل هذه الحكاية تفسد الأمور ويظن أن هذا هو الصواب ويقول الكبير إذا كان الصغير قد فعل هذا فأنا أحق بفعله منه . وليس العجب من الصبي بل من الذي لقيه كيف لم يعرفه إن هذا الذي يفعله منكر وأن الذي استدعاك أمرك بالتزود من ماله يتزود ولكن مضى على هذا كبار القوم فكيف الصغار . أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا أبو نعيم الأصفهاني قال سمعت محمد بن الحسن بن علي اليعيظي يقول : حضرت أبا عبد الجلاء وقيل له عن هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة يزعمون أنهم متوكلون فيموتون في البراري . فقال : هذا فعل رجال الحق فإن ماتوا فالدية على القاتل . أخبرنا ابن ناصر أنبأنا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أحمد بن علي يقول : قال رجل لأبي عبد الله بن الجلاء : ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد ؟ قال : هذا من فعل رجال الله ، قال : فإن مات قال : الدية على القاتل .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، هذه فتوى جاهل بحكم الشرع إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز دخول البادية بغير زاد وإن فعل ذلك فمات بالجوع فإنه عاص لله تعالى مستحق لدخول النار . وكذلك إذا تعرض بما غالبه العطب فإن الله جعل النفوس وديعة عندنا ، فقال : "ولا تقتلوا أنفسكم" وقد تكلمنا فيما تقدم في وجوب الاحتراز من المؤذي ولو لم يكن المسافر بغير زاد إلا أنه خالف أمر الله في قوله : "وتزودوا" .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال : سمعت أبا أحمد الكبير يقول سمعت أبا عبد الله بن خفيف قال : خرجت من شيراز في السفرة الثالثة فتهت في البادية وحدي وأصابني من الجوع والعطش ما أسقط من أسناني ثمانية وانتثر شعري كله .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، هذا قد حكى عن نفسه ما ظاهره طلب المدح على ما فعل والذم لا حق به : أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا عبد الكريم بن هوازن قال : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمد بن عبد الله الواعظ وأخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه واللفظ له ثنا أبو الفضل يوسف بن علي البلخي ثنا محمد بن عبد الله أبو حمزة الصوفي قال : إني لأستحي من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون شبعي زادا تزودته .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وقد سبق الكلام على مثل هذا وإن هؤلاء القوم ظنوا أن التوكل ترك الأسباب . ولو كان هذا لكان رسول الله صضص حين تزود لما خرج إلى الغار قد خرج من التوكل . وكذلك موسى لما طلب الخضر تزود حوتا . وأهل الكهف حين خرجوا فاستصحبوا دراهم واستخفوا ما معهم وإنما خفي على هؤلاء معنى التوكل لجهلهم وقد اعتذر لهم أبو حامد . فقال : لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلا بشرطين أحدهما أن يكون الإنسان قد راض نفسه حيث يمكنه الصبر على الطعام أسبوعا ونحوه والثاني أن يمكنه التقوت بالحشيش ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدمي بعد أسبوع أو ينتهي إلى حلة أو حشيش يرجى به وقته .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، أقبح ما في هذا القول أنه صدر من فقيه فإنه قد لا يلقى أحدا وقد يضل وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش وقد يلقى من لا يطعمه ويتعرض بمن لا يضيفه وتفوته الجماعة قطعا وقد يموت ولا يلبه أحد . ثم قد ذكرنا ما جاء في الوحدة ثم ما المخرج إلى هذه المحن إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص والاجتزاء بحشيش وأي فضيلة في هذه الحال حتى يخاطر فيها بالنفس . وأين أمر الإنسان أن يتقوت بحشيش ومن فعل هذا من السلف وكأن هؤلاء القوم يجزمون على الله سبحانه هل يرزقهم في البادية . ومن طلب الطعام في البرية فقد طلب ما لم تجر به العادة ألا ترى ، أن قوم موسى عليه السلام لما سألوا من بقلها وقثائها وفولها وعدسها وبصلها أوحى الله إلى موسى (أن اهبطوا مصرا) وذلك لأن الذي طلبوه في الأمصار فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشرع والعقل والعمل بموافقات النفس .

أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد بن جعفر الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا الحسن بن أحمد الكرماني ثنا أبو بكر ثنا شبابة ثنا ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيحجون فيأتون إلى مكة فيسألون الناس فأنزل الله عز وجل : "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" . أخبرنا أبو المعمر الأنصاري نا يحيى بن عبد الوهاب بن منده نا أبو ظاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم نا محمد بن حسان ثنا أبو بكر أحمد بن هارون المردنجي ثنا عبد الله بن الأزهر ثنا أسباط ثنا محمد بن موسى الجرجاني قال : سألت محمد بن كثير الصنعاني عن الزهاد الذين لا يتزودون ولا ينتعلون ولا يلبسون الخفاف . فقال : سألتني عن أولاد الشياطين ولم تسألني عن الزهاد . فقلت له : فأي شيء الزهد ؟ قال : التمسك بالسنة والتشبيه فأصحاب النبي صضص .

أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن محمد الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال نا أحمد بن الحسين بن حسان أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يريد المفازة بغير زاد فأنكره إنكارا شديدا وقال أف أف لا لا ومد بها صوته إلا بزاد ورفقاء قافلة . قال الخلال : وقال أبو بكر المروزي : وجاء رجل إلى أبي عبد الله فقال رجل يريد سفرا أيما أحب إليك يحمل معه زادا أو يتوكل . فقال له أبو عبد الله : يحمل معه زادا ويتوكل حتى لا يتشرف للناس . قال الخلال : وأخبرني إبراهيم بن الخليل أن أحمد بن نصر حدثهم أن رجلا سأل أبا عبد الله أيخرج الرجل إلى مكة متوكلا لا يحمل معه شيئا قال : لا يعجبني فمن أين يأكل ؟ قال : فيتوكل فيعطيه الناس . قال : فإذا لم يعطوه ، أليس يتشرف لهم حتى يعطوه ؟ لا يعجبني هذا . لم يبلغني أن أحدا من أصحاب النبي صضص والتابعين فعل هذا . قال الخلال .

وأخبرنا محمد بن علي السمسار أن محمد بن موسى بن مسبس حدثهم أن أبا عبد الله سأله رجل فقال : أحج بلا زاد ؟ فقال : لا ، اعمل واحترف [ وأخرج النبي صضص زود أصحابه ] فقال : فهؤلاء الذين يعرفون ويحجون بلا زادهم على الخطأ . قال : نعم هم على الخطأ .

قال الخلال : وأخبرني محمد بن أحمد بن جامع الرازي قال : سمعت الحسين الرازي قال شهدت أحمد بن حنبل وجاءه رجل من أهل خراسان فقال له : يا أبا عبد الله ، معي درهم أحج بهذا الدرهم ؟ فقال له أحمد : اذهب إلى باب الكرخ فاشتر بهذا الدرهم حبا واحمل على رأسك حتى يصير عندك ثلثمائة درهم فحج . قال : يا أبا عبد الله أما ترى مكاسب الناس ؟ قال أحمد : لا تنظر إلى هذا ، فإنه من رغب في هذا يريد أن يفسد على الناس معايشهم . قال : يا أبا عبد الله أنا متوكل . قال : فتدخل البادية وحدك أو مع الناس ؟ قال : لا مع الناس . قال : كذبت إذن لست بمتوكل فادخل وحدك وإلا فأنت متوكل على جراب الناس .

 

 سياق ما جرى للصوفية في أسفارهم وسياحاتهم من الأفعال المخالفة للشرع

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثني أبو بدر الخياط الصوفي قال سمعت أبا حمزة يقول : سافرت سفرة على التوكل فبينما أنا أسير ذات ليلة والنوم في عيني إذ وقعت في بئر فرأيتني قد حصلت فيها فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها فجلست فيها فبينما أنا جالس إذ وقف على رأس البئر رجلان فقال أحدهما لصاحبه نجوز ونترك هذه البئر في طريق المسلمين السابلة والمارة ، فقال الآخر : فما نصنع ؟ قال فبدرت نفسي أن أناديهما فنوديت تتوكل علينا وتشكو بلاءنا إلى سوانا . فسكت فمضيا ثم رجعا ومعهما شيء فجعلاه على رأسها غطوها به . فقالت لي نفسي أمنت طمها ولكن حصلت فيها مسجونا . فمكثت يومي وليلتي فلما كان الغد ناداني شيء يهتف بي ولا أراه تمسك بي شديدا فمددت يدي فوقعت على شيء خشن فتمسكت به فعلاها وطرحني فوق الأرض فإذا هو سبع فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله فهتف بي هاتف وهو يقول : يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء وكفيناك ما تخاف بما تخاف . أخبرنا محمد بن ناصر محمد بن أبي نصر الحميدي نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن حسن المحرمي سمعت ابن المالكي يقول : قال أبو حمزة الخراساني : حججت سنة من السنين فينا أنا أمشي في الطريق وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث فقلت لا والله لا أستغيث فما أتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر تعال نسد رأس هذا البئر في هذا الطريق فأتوا بقصب وبارية فهمهمت فقلت إلى من هو أقرب إليك منهما وسكت حتى طموا رأس البئر فإذا بشيء قد جاء فكشف عن رأس البثر ودلى رجليه وكان يقول في همهمة له تعلق بي فتعلقت به فأخرجني فنظرت فإذا هو سبع فهتف بي هاتف وهو يقول يا أبا حمزة أليس ذا حسن نجيناك من التلف بالتلف .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن نعيم يحكي عن أبي حمزة الصوفي الدمشقي أنه لما خرج من البئر أنشد يقول :

نهاني حيائي منك أن أكشف الهوىفأغنيتني بالقرب منك عن الكشف

تراءيت لي بالغيب حتى كأننيتبشرني بالغيب إنك في الكف

أراك وبي من هيبتي لك وحشةوتؤنسني بالعطف منك وباللطف

وتحيي محبا أنت في الحب حتفهوذا عجب كون الحياة مع الحتف

قال المصنف رحمه الله : قلت ، اختلفوا في أبي حمزة هذا الواقع في البئر فقال أبو عبد الرحمن السلمي : هو أبو حمزة الخراساني وكان من أقران الجنيد . وقد ذكرنا في رواية أخرى أنه دمشقي .

وقال أبو نعيم الحافظ : هو أبو حمزة البغدادي واسمه محمد بن إبراهيم وذكره الخطيب في تاريخه وذكر له حكاية ، وأيهم كان فهو مخطئ في فعله مخالف للشرع بسكوته معين بصمته على نفسه وقد كان يجب عليه أن يصيح ويمنع من طم البئر كما يجب عليه أن يدفع عن نفسه من يقصد قتله . وقوله لا أستغيث كقول القائل : لا آكل الطعام ولا أشرب الماء وهذا جهل من فاعله ومخالفة الحكمة في وضع الدنيا فإن الله تعالى وضع الأشياء على حكمة فوضع للآدمي يدا يدافع بها ولسانا ينطق به وعقلا يهديه إلى دفع المضار واجتلاب المصالح . وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميين فمن أعرض عن استعمال ما خلق له وأرشد إليه فقد رفض أمر الشرع وعطل حكمة الصانع . فإن قال جاهل فكيف أحترز مع أمر القدر قلنا وكيف لا يحترز مع أمر المقدر وقد قال الله تعالى : "خذوا حذركم" وقد اختفى النبي صضص في الغار وقال لسراقة : "اخف عنا واستأجر دليلا إلى المدينة" ولم يقل اخرج على التوكل وما زال ببدنه مع الأسباب وبقلبه مع المسبب .

وقد أحكمنا هذا الأصل فيما تقدم . وقول أبي حمزة فنوديت من باطني هذا من حديث النفس الجاهلة التي قد استقر عندها بالجهل أن التوكل ترك التمسك بالأسباب لأن الشرع لا يطلب من الإنسان ما نهاه عنه وهلا نافره باطنه في مد يده وتعليقه بذلك المتدلي إليه وتمسكه به فإن ذلك أيضا نقض لما ادعاه من ترك الأسباب الذي يسميه التوكل لأنه أي فرق بين قوله أنا في البئر وبين تمسكه بما تدلى عليه لا بل هذا آكد لأن الفعل آكد من القول فهلا سكت حتى يحمل بلا سبب . فإن قال : هذا بعثه الله لي . قلنا : والذي جاز على البئر من بعثه واللسان المستغيث من خلقه فإنه لو استغاث كان مستعملا للأسباب التي خلقها الله تعالى لينتفع بها للدفع عنه فلم يستمعها وإنما بسكوته عطل الأسباب التي خلقها الله تعالى له ودفع الحكمة فصح لومه على ترك السبب . وأما تخليصه بالأسد فإن صح هذا فقد يتفق مثله ثم لا ينكر أن الله تعالى يلطف بعبده وإنما ينكر فعله المخالف للشرع .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن قال سمعت علي بن عبد الله بن جهضم المكي يقول : ثنا الخلدي قال : قال الجنيد قال لي محمد السمين : كنت في طريق الكوفة بقرب الصحراء التي بين قباء والصخرة التي تفريقنا منها والطريق منقطع فرأيت على الطريق جملا قد سقط ومات وعليه سبعة أو ثمانية من السباع تتناهش لحمه يحمل بعضها على بعض فلما أن رأيتهم كأن نفسي اضطربت وكانوا على قارعة الطريق . فقالت لي نفسي تميل يمينا أو شمالا فأبيت عليها إلا أن آخذ على قارعة الطريق فحملتها على أن مشيت حتى وقفت عليهم بالقرب منهم كأحدهم ثم رجعت إلى نفسي لأنظر كيف فإذا هي الروع معي قائم فأبيت أن أبرح وهذه صفتي فقعدت بينهم ثم نظرت بعد قعودي فإذا الروع معي فأبيت أن أبرح وهذه صفتي فوضعت جنبي فنمت مضطجعا فتغاشاني النوم فنمت وأنا على تلك الهيئة والسباع في المكان الذي كانوا عليه فمضى بي وقت وأنا نائم فاستيقظت فإذا بالسباع قد تفرقت ولم يبق منها شيء وإذا الذي كنت أجده قد زال فقمت وأنا على تلك الهيئة فانصرفت .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، فهذا الرجل قد خالف الشرع في تعرضه للسباع ولا يحل لأحد أن يتعرض لسبع أو لحية بل يجب عليه أن يفر مما يؤذيه أو يهلكه .

وفي الصحيحين أن النبي صضص قال : "إذا وقع الطاعون وأنتم بأرض فلا تقدموا عليه" وقال صضص : "فر من المجذوم فرارك من الأسد" ومر عليه الصلاة والسلام بحائط مائل فأسرع . وهذا الرجل قد أراد من طبعه أن لا ينزعج . وهذا شيء ما سلم منه موسى عليه السلام فإنه لما رأى الحية خاف وولى مدبرا . فإن صح ما ذكره وهو بعيد الصحة لأن طباع الآدميين تتساوى . فمن قال لا أخاف السبع بطبعي كذبناه كما لو قال أنا لا أشتهي النظر إلى المستحسن . وكأنه قهر نفسه حتى نام بينهم استسلاما للهلاك لظنه أن هذا هو التوكل . وهذا خطأ لأنه لو كان هذا هو التوكل ما نهى عن مقاربة ما يخاف شره . ولعل السباع اشتغلت عنه وشبعت من الجمل والسبع إذا شبع لا يفترس . ولقد كان أبو تراب النخشبي من كبار القوم فلقيته السباع البرية فنهشته فمات . ثم لا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ونجاه بحسن ظنه فيه غير أنا نبين خطأ فعله للعامي الذي إذا سمع هذه الحكاية ظن أنها عزيمة عظيمة ويقين قوي وربما فضل حالته على حالة موسى عليه السلام إذ هرب من الحية . وعلى حالة نبينا صضص إذ مر بجدار مائل فهرول . وعلى لبسه صضص الدرع في غزواته كلها وقت الحرب حتى قال عليه الصلاة والسلام في غزوة الخندق : "ليس لنبي أن يلبس لامة حربه ثم ينزعها من غير قتال" وعلى حالة أبي بكر رضي الله عنه إن سد خروق الغار اتقاء ذي الحيات . وهيهات أن تعلو مرتبة هذا المخالف للشرع على مرتبة النبيين والصديقين بما يخايل له ظنه الفاسد من أن هذا الفعل هو التوكل .

وقد أخبرنا عنه أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا إسماعيل بن أحمد الجبري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت محمد بن الحسين البغدادي يقول : سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني قال سمعت مؤملا المغابي يقول : كنت أصحب محمد بن السمين فسافرت معه ما بين تكريت والموصل فبينا نحن في برية نسير إذ زأر السبع من قريب منا فجزعت وتغيرت وظهر ذلك على وجهي وهممت أن أبادر فأفر فضبطني وقال يا مؤمل التوكل ههنا ليس في المسجد الجامع .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، لا شك في أن التوكل يظهر أثره في المتوكل عند الشدائد . ولكن ليس من شروطه الاستسلام للسبع فإنه لا يجوز .

أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا إبراهيم بن أحمد بن علي العطار . قال له الخواص : حدثني بعض المشايخ أنه قيل لعلي الرازي : ما لنا لا نراك مع أبي طالب الجرجاني ؟ قال : خرجنا في سياحة فنمنا في موضع فيه سباع فلما نظر إلي رآني لم أنم طردني . وقال : لا تصحبني بعد هذا اليوم .

قال المصنف رحمه الله : لقد تعدى هذا الرجل إذ أراد من صاحبه أن يغير ما طبع عليه وليس ذلك من قدرته ولا في وسعه . ولا يطالبه بمثله الشرع وما قدر على هذه الحالة موسى عليه السلام حين هرب من الحية فهذا كله مبناه على الجهل .

أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا ابن جهضم قال : سمعت الخلدي يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : سمعت حسنا أخا سنان يقول : كنت أسلك طريق مكة فتدخل في رجلي الشوكة فيمنعني ما أعتقده من التوكل أن أخرجها من رجلي فأدلك رجلي على الأرض وأمشي .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أحمد بن علي الوجدي يقول : حج الدينوري اثنتي عشرة حجة حافيا مكشوف الرأس ، وكان إذا دخل في رجله شوك يمسح رجله في الأرض ويمشي ولا يطأطئ إلى الأرض من صحة توكله .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، انظروا إلى ما يصنع الجهل بأهله وليس من طاعة الله تعالى أن يقطع الإنسان تلك البادية حافيا لأنه يؤذي نفسه غاية الأذى . ولا مكشوف الرأس وأي قربة تحصل بهذا ولولا وجوب كشف الرأس في مدة الإحرام لم يكن لكشفه معنى . فمن ذا الذي أمره ألا يخرج الشوك من رجله وأي طاعة تقع بهذا ولو أن رجله انتفخت بما يبقى فيها من الشوك وهلك كان قد أعان على نفسه وهل دلك الرجل بالأرض إلا دفع بعض شر الشوك فهلا دفع الباقي بالإخراج .

وأين التوكل من هذه الأفعال المخالفة للعقل والشرع لأنهما يقضيان بجلب المنافع للنفس ودفع المضار عنها . ولذلك أجاز الشرع لمن أدركه ضرر في إحرامه أن يخرق حرمة الإحرام ويلبس ويغطي رأسه ويفدي . ولقد سمعت أبا عبيد يقول : إني لأتبين عقل الرجل بأن يدع الشمس ويمشي في الظل .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال سمعت علي بن عبد الله بن جهضم قال سمعت أبا بكر الرقي يقول حدثني أبو بكر الدقاق قال : خرجت في وسط السنة إلى مكة وأنا حدث السن في وسطي نصف جل وعلى كتفي نصف جل فرمدت عيني في الطريق وكنت أمسح دموعي بالجل فأقرح الجل الموضع فكان يخرج الدم مع الدموع فمن شدة الإرادة وقوة سروري بحالي لم أفرق بين الدموع والدم وذهبت عيني في تلك الحجة وكانت الشمس إذا أثرت في بدني قبلت يدي ووضعتها على عيني سرورا مني بالبلاء .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أبا الفضل أحمد بن أبي عمران يقول سمعت محمد بن داود الرقي يقول سمعت أبا بكر الدقاق يقول :أofvkhأأخبرنا كان سبب ذهاب بصري أني خرجت في وسط السنة أريد مكة وفي وسطي نصف جل وعلى وسطي نصف جل فرمدت إحدى عيني فمسحت الدموع بالجل فقرح المكان وكانت الدموع والدم تسيلان من عيني .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أبو محمد التميمي نا عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الرازي يقول قلت لأبي بكر الدقاق وكان بفرد عين : ما سبب ذهاب عينك ؟ قال : كنت أدخل البادية على التوكل فجعلت على نفسي أن لا آكل لأهل المنازل شيئا تورعا فسالت إحدى عيني على خدي من الجوع .

قال المصنف رحمه الله : إذا سمع مبتدئ حالة هذا الرجل ظن أن هذه مجاهدات وقد جمعت هذه السفرة التي افتخر فيها فنونا من المعاصي والمخالفات منها خروجه في تنصيف السنة على الوحدة ، ومشيه بلا زاد وبلا راحلة ، ولباسه الجل ، ومسح عينيه به وظنه أن ذلك يقربه إلى الله تعالى وإنما يتقرب إلى الله تعالى بما أمر به وشرعه لا بما نهى وكف عنه . فلو أن إنسانا قال أريد أن أضرب نفسي بعصا لأنها عصت أتقرب بذلك إلى الله كان عاصيا . وسرور هذا الرجل بهذا خطأ قبيح لأنه إنما يفرح بالبلاء إذا كان بغير تسبب منه لنفسه فلو أن إنسانا كسر رجل نفسه ثم فرح بهذه المصيبة كان نهاية في الحماقة ثم تركه السؤال وقت الاضطرار وحمله على النفس في شدة المجاعة حتى سالت عينه ثم يسمي هذا تورعا حماقات زهاد أكبرها الجهل والبعد عن العلم .

وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس بن أيوب الأصفهاني ثنا عبد الرحمن بن يوسف الرقي ثنا مطرف بن مازن عن سفيان الثوري قال : من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار .

قال المصنف رحمه الله : فانظر إلى كلام الفقهاء ما أحسنه . ووجهه أن الله تعالى قد جعل للجائع مكنة التسبب فإذا عدم الأسباب الظاهرة فله قدرة السؤال التي هي كسب مثله في تلك الحال فإذا تركه فقد فرط في حق نفسه التي هي وديعة عنده فاستحق العقاب .

وقد روى لنا في ذهاب عين هذا الرجل ما هو أظرف مما ذكرنا فأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد ثنا حمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم قال سمعت أبا أحمد القلانسي يقول : قال أبو علي الروزباري يحكي عن أبي بكر الدقاق قال : استضفت حيا من العرب فرأيت جارية حسناء . فنظرت إليها فقلعت عيني التي نظرت بها إليها . قلت مثلك من نظر لله .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، فانظروا إلى جهل هذا المسكين بالشريعة والبعد عنها لأنه إن كان نظر إليها عن غير تعمد فلا إثم عليه وإن تعمد فقد أتى صغيرة قد كان يكفيه منها الندم . فضم إليها كبيرة وهي قلع عينه ولم يتب عنها لأنه اعتقد قلعها قربة إلى الله سبحانه ومن اعتقد المحظور قربة فقد انتهى خطؤه إلى الغاية ولعله سمع تلك الحكاية عن بعض بني إسرائيل أنه نظر إلى امرأة فقلع عينه وتلك مه بعد صحتها ربما جازت في شريعتهم . فأما شريعتنا فقد حرمت هذا ، وكأن هؤلاء القوم ابتكروا شريعة سموها بالتصوف وتركوا شريعة نبيهم محمد صضص نعوذ بالله من تلبيس إبليس . وقد روي عن بعض عابدات الصوفية مثل هذا .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد البصري غلام شعوانة قال أخبرتني شعوانة أنه كان في جيرانها امرأة صالحة فخرجت ذات يوم إلى السوق فرآها بعض الناس فافتتن بها وتبعها إلى باب دارها . فقالت له المرأة أي شيء تريد مني قال فتنت بك فقالت : ما الذي استحسنت مني قال عيناك . فدخلت إلى دارها فقلعت عينيها وخرجت إلى خلف الباب ورمت بها إليه وقالت له خذهما فلا بارك الله فيك .

قال المصنف رحمه الله : فانظروا إخواني كيف يتلاعب إبليس بالجهلة فإن ذلك الرجل أتى صغيرة بالنظر وأتت هي بكبيرة ثم ظنت أنها فعلت طاعة وكان ينبغي ألا تكلم رجلا أجنبيا وقد وجد من القوم ضد هذا كما يروى عن ذي النون المصري وغيره أنه قال : لقيت امرأة في البرية فقلت لها وقالت لي وهذا لا يحل له . وقد أنكرت عليه امرأة متيقظة . فأخبرنا عبد الملك بن عبد الله الطروحي نا محمد بن علي بن عمر نا أبو الفضل محمد بن محمد العامي نا أبو سعيد محمد بن أحمد بن يوسف ثني سكر ثني محمد بن يعقوب العرجي قال سمعت ذي النون يقول : رأيت امرأة بنحو أرض البجة فناديتها فقالت وما للرجال أن يكلموا النساء لولا نقص عقلك لرميتك بشيء .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز الأزجي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثني علي بن إسماعيل الطلاثني محمد بن الهيثم قال قال لي أبو جعفر الحداد : دخلت البادية بعض السنين على التوكل فبقيت سبعة عشر يوما لا آكل فيها شيئا وضعفت عن المشي فبقيت أياما أخر لم أذق فيها شيئا فسقطت على وجهي وغشي علي وغلب علي من القمل شيء ما رأيت مثله ولا سمعت به ، فبينا أنا كذلك إذ مر بي ركب فرأوني على تلك الحالة فنزل أحدهم عن راحلته فحلق رأسي ولحيتي وشق ثوبي وتركني في الرمضاء وسار فمر بي ركب آخر فحملوني إلى حيهم وأنا مغلوب فطرحوني ناحية فجاءتني امرأة فجلست على رأسي وصبت اللبن في حلقي ففتحت عيني قليلا وقلت لهم أقرب المواضع منكم أين ؟ قالوا : جبل الشراة فحملوني إلى الشراة .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، لو يحكى أن رجلا من المجانين أنحل من السلسلة فأخذ سكينا وجعل يشرح لحم نفسه ويقول أنا ما رأيت مثل هذا الجنون لصدق على هذا . وإلا فانظروا إلى حال هذا المسكين وبما فعل بنفسه ثم يعتقد أن هذا قربة نسأل الله العافية .

أخبرنا أحمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الداري يقول سمعت أبا الحسين الريحاني يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول : رأيت شيخا من أهل المعرفة عرج بعد سبعة عشر يوما على سبب في البرية فنهاه شيخ كان معه فأبى أن يقبل فسقط ولم يرتفع عن حدود الأسباب . قلت هذا قد أراد أن يصبر عن القوت أكثر من هذا وليس الصبر إلى هذا الحد وإن أطيق بفضيلة .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا رزق الله بن عبد الوهاب ما أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول : دخل إبراهيم الهروي مع شبة البرية ، فقال يا شبة اطرح ما معك من العلائق قال فطرحتها كلهخا وأبقيت دينارا فخطا خطوات ثم قال : اطرح كل ما معك لا تشغل سري قال : فأخرجت الدينار ودفعته إليه فطرحه ثم خطا خطوات وقال اطرح ما معك . قلت ليس معي شيء . قال بعد سري مشتغل ثم ذكرت أن معي دستجة شسوع فقلت ليس معي إلا هذه . قال فأخذها فطرحها ثم قال امشي فمشينا فما احتجت إلى شبع البادية إلا وجدته مطروحا بين يدي فقال لي كذا من عامل الله بصدق .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، كل هذه الأفعال خطأ ورمي المال حرام والعجب ممن يرمي ما يملكه ويأخذ ما لا يدري من أين هو وهل يحل له أخذه أم لا .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال : سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول سمعت علي بن محمد المصري قال سمعت أبا سعيد الخراز يقول : دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابني فاقة فرأيت المرحلة من بعد فسررت بوصولي ثم فكرت في نفسي أني شكيت وأني توكلت على غيره فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا إن حملت إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة وواريت فيها جسدي فيها إلى صدري فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إن لله وليا حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى المرحلة .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، لقد تنطع هذا الرجل على طبعه فأراد منه ما لم يوضع عليه لأن طبع ابن آدم أن يهش إلى ما يحب ولا لوم على العطشان إذا هش إلى الماء ولا على الجائع إذا هش إلى الطعام فكذلك كل من هش إلى محبوب له وقد كان النبي صضص إذا قدم من سفر فلاحت له المدينة أسرع السير حبا للوطن . ولما خرج من مكة تلفت إليها شوقا . وكان بلال يقول : لعن الله عتبة وشيبة إذا أخرجونا من مكة ويقول :

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبواد وحولي إذخر وجليل

فنعوذ بالله من الإقبال على العمل بغير مقتضى العلم والعقل . ثم حبسه نفسه عن صلاة الجماعة قبيح . وأي شيء في هذا من التقرب إلى الله سبحانه إنما هو محض جهل .

أنبأنا ابن ناصر نا جعفر بن أحمد السراج نا عبد العزيز بن علي بن أحمد ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا بكر بن محمد قال : كنت عند أبي الخير النيسابوري فبسطني بمحادثته لي بذكر باديته إلى أن سألته عن سبب قطع يده فقال : يد جنت فقطعت . ثم اجتمعت به جماعة فسألوه عن ذلك فقال : سافرت حتى بلغت أسندرية فأقمت بها اثنتي عشرة سنة وكنت قد بنيت بها كوخا فكنت أجيء إليه من ليل إلى ليل وأفطر على ما ينفضه المرابطون وإذا حم الكلام على قمامة السفر وآكل البردى في الشتاء فنوديت في سري يا أبا الخير تزعم أنك لا تشارك الخلق في أقواتهم وتشير إلى التوكل وأنت في وسط القوم جالس فقلت : إلهي وسيدي وعزتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبته الأرض حتى تكون الموصل إلى رزقي من حيث لا أكون فيه فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض وأتنفل ثم عجزت عن النافلة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض والسنة ثم عجزت عن السنة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض لا غير ثم عجزت عن القيام فأقمت اثني عشر يوما أصلي جالسا لا غير ثم عجزت عن الجلوس فرأيت أن طرحت نفسي ذهب فرضي فلجأت إلى الله بسري وقلت إلهي وسيدي افترضت علي فرضا تسألني عنه وقسمت لي رزقا وضمنته لي فتفضل علي برزقي ولا تؤاخذني بما عقدته معك فوعزتك لأجتهدن أن لا حللت عقدا عقدته معك فإذا بين يدي قرصان بينهما شيء فكنت أجده على الدوام من الليل إلى الليل ثم طولبت بالمسير إلى الثغر فسرت حتى دخلت الفرما فوجدت في الجامع قاصا يذكر قصة زكريا والمنشار وأن الله تعالى أوحى إليه حين نشر فقال : إن صعدت إلي منك أنة لأمحونك من ديوان النبوة فصبر حتى قطع شطرين . فقلت لقد كان زكريا صبارا إلهي وسيدي لئن ابتليتني لأصبرن . وسرت حتى دخلت أنظاكية فرآني بعض إخواني وعلم أني أريد الثغر فدفع إلي سيفا وترسا وحربة فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله تعالى أن أتوارى وراء السور خيفة من العدو . فجعلت مقامي في غابة أكون فيها بالنهار وأخرج بالليل إلى شاطئ البحر فأغرز الحربة على الساحل وأسند الترس إليها محرابا وأتقلد سيفي وأصلي إلى الغداة فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة فكنت فيها نهاري أجمع فبدوت في بعض الأيام فعثرت بشجرة فاستحسنت ثمرها ونسيت عقدي مع الله وقسمي به إني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض فمددت يدي فأخذت بعض الثمرة فبينا أنا أمضغها ذكرت العقد فرميت بها من في وجلست ويدي على رأسي فدار بي فرسان وقالوا لي قم فأخرجوني إلى الساحل فإذا أمير وحوله خيل ورجالة وبين يديه جماعة سودان كانوا يقطعون الخيل في طلب من هرب منهم فوجدوني أسود معي سيف وترس وحربة فلما قدمت إلى الأمير قال : إيش أنت ؟ قلت : عبد من عبيد الله . فقال للسودان تعرفونه قالوا لا ، قال : بل هو رئيسكم وإنما تفدونه بأنفسكم لأقطعن أيديكم وأرجلكم فقدموهم ولم يزل يقدم رجلا رجلا ويقطع يده ورجله حتى انتهى إلي فقال تقدم مد يدك فمددتها فقطعت ثم قال مد رجلك فمددتها وفعت رأسي إلى السماء وقلت إلهي وسيدي يدي جنت ورجلي إيش عملت فإذا بفارس قد وقف على الحلقة ورمى بنفسه إلى الأرض وصاح إيش تعملون تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء ، هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير فرمى الأمير نفسه وأخذ يدي المقطوعة من الأرض وقبلها وتعلق بي يقبل صدري ويبكي ويقول سألتك بالله أن تجعلني في حل . فقلت قد جعلتك في حل من أول ما قطعتها هذه يد قد جنت فقطعت .

قال المصنف رحمه الله : فانظروا رحمكم الله إلى عدم العلم كيف صنع بهذا الرجل وقد كان من أهل الخير ولو كان عند علم لعلم أن ما فعله حرام عليه وليس لإبليس عون على العباد والزهاد أكثر من الجهل . أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبي باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي قال سمعت محمد بن داود الدينوري يقول سمعت ابن حديق يقول : دخلنا المصيصة مع حاتم الأصم فعقد أنه لا يأكل فيها شيئا إلا حتى يفتح فمه ويوضع في فيه وإلا ما يأكل فقال لأصحابه : تفرقوا وجلس فأقام تسعة أيام لا يأكل فيها شيئا فلما كان في اليوم العاشر جاء إليه إنسان فوضع بين يديه شيئا يؤكل فقال كل فلم يجبه فقال له ثلاثا فلم يجبه فقال هذا مجنون فأصلح لقمة وأشار بها إلى فمه فلم يفتح فمه ولم يتكلم فأخرج مفتاحا كان معه فقال كل وفتح فمه بالمفتاح ودس اللقمة في فمه فأكل ثم قال له إن أحببت أن ينفعك الله به فأطعم أولئك وأشار إلى أصحابه .

أنبأنا محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني محمد بن هلال بن عبد الله ثني القاضي أحمد بن سيار قال : حدثني رجل من الصوفية قال : صحبت شيخا من الصوفية أنا وجماعة في سفر فجرى حديث التوكل والأرزاق وضعف اليقين فيها وقوته فقال الشيخ وحلف علي أيمانا عظيمة لا ذقت مأكولا أو يبعث لي بجام فالوذج حالا لا آكله إلا بعد أن يحلف علي . قال وكنا نمشي في الصحراء فقالت له الجماعة إلا أنك غير جاهد ومشى ومشينا فانتهينا إلى قرية وقد مضى يوم وليلتان لم يطعم فيها شيء ففارقته الجماعة غيري فطرح نفسه في مسجد القرية مستسلما للموت ضعفا . فأمت عليه فلما كان في ليلة اليوم الرابع وقد انتصف الليل وكاد الشيخ يتلف . إذا بباب المسجد قد فتح وإذا بجارية سوداء معها طبق مغطى . فلما رأتنا قالت : أنتم غرباء أو من أهل القرية ؟ فقلت غرباء فكشفت الطبق وإذا بجام فالوذج يفور لحرارته فقدمت لنا الطبق وقالت كلوا فقلت له كل فقال لا أفعل فرفعت الجارية يدها فصفعته صفعة عظيمة وقالت : والله لئن لم تأكل لأصفعنك هكذا إلى أن تأكل ، فقال كل معي فأكلنا حتى فرغ الجام وهمت الجارية بالانصراف فقلت للجارية : ما خبرك وخبر هذا الجام ؟ فقالت : أنا جارية لرئيس هذه القرية ، وهو رجل حاد ، طلب منا منذ ساعة فالوذج فقمنا نصلحه له فطال الأمر عليه فاستعجلنا فقلنا نعم ! فعاد فاستعجل فقلنا نعم ، فحلف بالطلاق لا أكله هو ولا أحد ممن هو داره ولا أحد من أهل القرية إلا رجل غريب ، فخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا فلم نجد إلى أن انتهينا إليكم ولو لم يأكل هذا الشيخ لقتلته ضربا إلى أن يأكل لئلا تطلق سيدتي من زوجها ، قال : فقال الشيخ : كيف تراه إذا أراد أن يرزق ؟

قال المصنف رحمه الله : ربما سمع هذا جاهل فاعتقده كرامة وما فعله الرجل من أقبح القبيح فإنه يجرب على الله ويتألى ويحمل نفسه من الجوع ما لا يجوز له وهذا لا يجوز له ولا ينكر أن يكون لطف به إلا أنه فعل ضد الصواب وربما كان إنفاذ ذلك رديئا لأنه يعتقد أنه قد أكرم وإن ذلك منزلة . وكذلك حكاية حاتم التي قبلها فإنها إن صحت دلت على جهل بالعلم وفعل لما لا يجوز لأنه ظن أن التوكل إنما هو ترك التسبب فلو عمل بمقتضى واقعته لم يمضغ الطعام ولم يبلعه فإنه تسبب وهل هذا إلا من تلاعب إبليس بالجهال لقلة علمهم بالشرع ثم أي قربة في هذا الفعل البارد وما أظن غالبه إلا من الماليخوليا . أخبرنا عبد الرحمن بن القزاز نا أحمد بن علي بن المحسن قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري قال : قال لي جعفر الخلدي : وقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة منها إحدى وعشرون على المذهب . فقلت لأبي إسحق : وأي شيء أراد بقوله - على المذهب - فقال يصعد إلى قنطرة الناشرية فينفض كميه حتى يعلم أنه ليس معه زاد ولا ماء ويلبي ويسير .

قال المصنف رحمه الله : وهذا مخالف للشرع فإن الله تعالى يقول : "وتزودوا" ورسول الله صضص قد تزود ، ولا يمكن أن يقال إن هذا الآدمي لا يحتاج إلى شيء مدة أشهر فإن احتاج ولم يتزود فعطب أثم وأن سأل الناس أو تعرض لهم لم يف ذلك بدعوى التوكل وإن ادعى أنه يكرم ويرزق بلا سبب فنظره إلى أنه مستحق لذلك محنة ولو تبع أمر الشرع وحمل الزاد كان أصلح له على كل حال .

وأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر قال : أخبرني أبي عن بعض الصوفية ، أنه قدم عليه من مكة جماعة من المتصوفة فقال لهم من صحبتم فقالوا حاج اليمن فقال أوه التصوف قد صار إلى هذا أو التوكل قد ذهب . أنتم ما جئتم على الطريقة والتصوف وإنما جئتم من مائدة اليمن إلى مائدة الحرم ، ثم قال : وحق الأحباب والفتيان لقد كنا أربعة نفر مصطحبين في هذا الطريق نخرج إلى زيارة قبر النبي صضص على التجريد ونتعاهد بيننا أن لا نلتفت إلى مخلوق ولا نستند إلى معلوم ، فجئنا إلى النبي صضص ومكثنا ثلاثة أيام لم يفتح لنا بشيء فخرجنا حتى بلغنا الجحفة ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب فبعثوا ألينا بسويق فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول : لو كنا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء حتى ندخل الحرم فشربناه على الماء وكان طعامنا حتى دخلنا مكة .

قلت : اسمعوا إخواني إلى توكل هؤلاء كيف منعهم من التزود المأمور به فأحوجهم إلى أخذ صدقات الناس . ثم ظنهم أن ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب . ومن عجب ما بلغني عنهم في أسفارهم ما أخبرنا به محمد بن أبي القاسم البغدادي نا أبو محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : بلغني أن أبا شعيب المقفع وكان قد حج سبعين حجة راجلا أحرم في كل حجة بعمرة وحجة من عند صخرة بيت المقدس ودخل بادية تبوك على التوكل فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا ، فقال : من يشتري حجة بشربة ماء . قال : فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب ثم قال : هذا خير لي من حجي لأن النبي صضص قال : "في كل ذات كبد حراء أجر" . أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا ابن أبي الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن موري الحبوساني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج قال : سمعت الوجهي يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول : كان في البادية جماعة ومعنا أبو الحسين العطوفي فربما كانت تلحقنا القافلة ويظلم علينا الطريق وكان أبو الحسين يصعد تلا فيصيح صياح الذئب حتى تسمع كلاب الحي فينبحون فيمر على بيوتهم ويحمل إلينا من عندهم معونة ، قلت : وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء ليتنزه العاقل في مبلغ علم هؤلاء وفهمهم للتوكل وغيره ويرى مخالفتهم لأوامر الشرع وليت شعري كيف يصنع من يخرج منهم ولا شيء معه بالوضوء والصلاة وإن تخرق ثوبه ولا إبرة معه فكيف يفعل ؟ وقد كان بعض مشايخهم يأمر المسافر بأخذ العدة قبل السفر .

فأخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال : سمعنا أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت الفرغاني يقول : كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل يدقق فيه وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل له يا أبا إسحاق لم تجمع هذا وأنت من كل شيء ، فقال : مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله تعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلواته وإن لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته وإذا رأيت فقيرا بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته .

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من السفر

قال المصنف رحمه الله : من مذهب القوم أن المسافر إذا قدم فدخل الرباط وفيه جماعة لم يسلم عليهم حتى يدخل الميضة فإذا توضأ جاء وصلى ركعتين ثم سلم على الشيخ ثم سلم على الجماعة وهذا ما ابتدعه متأخرهم على خلاف الشريعة لأن فقهاء الإسلام أجمعوا على أن من دخل على قوم سن له أن يسلم عليهم سواء كان على طهارة أو لم يكن إلا أن يكونوا أخذوا هذا من مذهب الأطفال فإنه إذا قيل للطفل لم لا تسلم علينا قال ما غسلت وجهي بعد أو لعل الأطفال علموه من هؤلاء المبتدعين .

أخبرنا ابن الحصين نا أبو علي بن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صضص : "ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير" أخرجاه في الصحيحين ومن مذهب القوم تغميز القادم من السفر مساء . أنبأنا أبو رزعة طاهر بن محمد عن أبيه قال : باب السنة في تغميزهم القادم من السفر أول ليلة لتعبه واحتج بحديث عمر رضي الله عنه : "دخلت على النبي صضص وغلام له حبشي يغمز ظهره فقلت ما شأنك يا رسول الله ؟ قال : إن الناقة قد اقتحمتني" .

قال المصنف رحمه الله : انظروا إخواني إلى فقه هذا المحتج فإنه كان ينبغي أن يقول باب السنة في تغميز من رمت به ناقته ، وتكون السنة تغميز الظهر لا القدم ومن أين له أنه كان في سفر وأنه غمز أول ليلة ثم يجعل تغميز النبي صضص كما اتفق لأجل ألم ظهره سنة لقد كان ترك استخراج هذا الفقه الدقيق أحسن من ذكره ، ومن مذهبهم عمل دعوة للقادم . قال ابن طاهر : باب اتخاذهم العتيرة للقادم واحتج بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صضص سافر سفرا فنذرت جارية من قريش إن الله تعالى رده أن تضرب في بيت عائشة رضي الله عنها بدف فلما رجع فقال النبي صضص إن كنت نذرت فاضربي .

قال المصنف رحمه الله : قد بينا أن الدف مباح ولما نذرت هذه المرأة مباحا أمرها أن تفي فكيف يحتج بهذا على الغناء والرقص عند قدوم المسافر ؟

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت

له في ذلك تلبيسان الأول : أنهم يقولون لا يبكى على هالك ومن بكى على هالك خرج عن طريق أهل المعارف . قال ابن عقيل : هذه دعوى تزيد على الشرع فهي حديث خرافة وتخرج عن العادات والطباع فهي انحراف عن المزاج المعتدل فينبغي أن يطالب لها بالعلاج بالأدوية المعدلة للمزاج فإن الله تعالى أخبر عن نبي كريم فقال : "وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم" وقال : "يا أسفى على يوسف" . وبكى رسول الله صضص عند موت ولده وقال : "أن العين لتدمع" وقال : "واكرباه" وقالت فاطمة رضي الله عنها : واكرب أبتاه . فلم ينكر وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه متمما يندب أخاه ويقول :

وكنا كندماني جزيمة حقبةمن الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فقال عمر رضي الله عنه : ليتني كنت أقول الشعر فأندب أخي زيدا فقال متمم : لو مات أخي كما مات أخوك ما رثيته . وكان مالك مات على الكفر وزيد قتل شهيدا . فقال عمر : ما عزاني أحد في أخي كمثل تعزيتك ، ثم لا تزال الإبل الغليظة الأكباد تحن إلى مآلفها من الأعطان والأشخاص وترغو للفصلان وحمام الطير ترجع . وكل مأخوذ من البلاء فلا بد أن يتضرع ومن لم تحركه المسار والمطربات وتزعجه المخزيات فهو إلى الجماد به أقرب . وقد أبان النبي عليه الصلاة والسلام عن العيب في الخروج عن سمت الطبع فقال للذي قال : لم أقبل أحدا من ولدي - وكان له عشرة من الولد - فقال : "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك" . وجعل يلتفت إلى مكة لما خرج فالمطالب لما يخرج عن الشرائع وينبو عن الطباع جاهل يطالب بجهل . وقد قنع الشرع منا أن لا نلطم خدا ولا نشق جيبا فإما دمعة سائلة وقلب حزين فلا عيب في ذلك . التلبيس الثاني : أنهم يعملون عند موت الميت دعوة يسمونها عرسا ويغنون فيها ويرقصون ويلعبون ويقولون نفرح للميت إذ وصل إلى ربه ، والتلبيس في هذا عليهم من ثلاثة أوجه أحدها أن المسنون أن يتخذ لأهل الميت طعاما لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداد الطعام لأنفسهم وليس من السنة أن يتخذه أهل الميت ويطعمونه إلى غيرهم والأصل اتخاذ الطعام لأجل الميت . ما أخبرنا به أبو الفتح الكروخي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قال أخبرنا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال : لما جاء نعي جعفر فقال النبي صضص : "اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم" . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . والثاني أنهم يفرحون للميت ويقولون وصل إلى ربه ولا وجه للفرح لأنا لا نتيقن أنه غفر له وما يؤمنا أن نفرح له وهو في المعذبين . وقد قال عمر بن زر لما مات ابنه : لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك . أخبرنا عبد الأول نا ابن المظفر نا ابن عين ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو اليماني نا شعيب عن الزهري ثني خارجة بن زيد الأنصاري عن أم العلاء قالت : لما مات عثمان بن مظعون دخل علينا رسول الله صضص : فقلت رحمة الله عليك أبا السايب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله . فقال النبي صضص : "وما يدريك أن الله أكرمه" . الثالث : أنهم يرقصون ويلعبون في تلك الدعوة فيخرجون بهذا عن الطباع السليمة التي يؤثر عندها الفراق . ثم إن كان ميتهم قد غفر له فما الرقص واللعب بشكرهم وإن كان معذبا فأين أثر الحزن .

 

 ذكر تلبيس إبليس علىالصوفية في ترك التشاغل بالعلم

قال المصنف رحمه الله : اعلم أن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم لأن العلم نور فإذا أطفأ مصابيحهم خبطهم في الظلم كيف شاء . وقد دخل على الصوفية في هذا الفن من أبواب .

أحدها أنه منع جمهورهم من العلم أصلا وأراهم أنه يحتاج إلى تعب وكلف فحسن عندهم الراحة فلبسوا المراقع وجلسوا على بساط البطالة .

أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا أبو حامد بن حيان ثنا أبو الحسن البغدادي ثنا ابن صاعد قال سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول : أسس التصوف على الكسل . وبيان ما قاله الشافعي أن مقصود النفس إما الولايات وإما استجلاب الدنيا بالعلوم يطول ويتعب البدن وهل يحصل المقصود أو لا يحصل . والصوفية قد تعجلوا الولايات فإنهم يرون بعين الزهد واستجلاب الدنيا فإنها إليهم سريعة .

أخبرنا عبد الحق نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو الفرج الطناجيري ثنا أبو حفص بن شاهين قال : ومن الصوفية من ذم العلماء ورأى أن الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا إن علومنا بلا واسطة وإنما رأوا بعد الطريق في طلب العلم فقصروا الثياب ورقعوا الجباب وحملوا الركاء وأظهروا الزهد .

والثاني أنه قنع وقوم منهم باليسير منه ففاتهم الفضل الكثير في كثرته فاقتنعوا بأطراف الأحاديث وأوهمهم أن علو الإسناد والجلوس للحديث كله رياسة ودنيا وأن للنفس في ذلك لذة . كشف هذا التلبيس أنه ما من مقام عال إلا وله فضيلة وفيه مخاطرة فإن الإمارة والقضاء والفتوى كله مخاطرة وللنفس فيه لذة ولكن فضيلة عظيمة كالشوك في جوار الورد فينبغي أن تطلب الفضائل ويتقى ما في ضمنها من الآفات .

فأما ما في الطبع من حب الرياسة فإنه إنما وضع لتجتلب هذه الفضيلة كما وضع حب النكاح ليحصل الولد وبالعلم يتقوم قصد العالم كما قال يزيد بن هرون : طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله . ومعناه أنه دلنا على الإخلاص ومن طالب نفسه بقطع ما في طبعه لم يمكنه . والثالث أنه أوهم قوما منهم أن المقصود العمل وما فهموا أن التشاغل بالعلم من أوفى الأعمال ثم إن العالم وإن قصر سير عمله فإنه على الجادة والعابد بغير علم على غير الطريق . والرابع أنه أرى خلقا كثيرا منهم أن العالم ما اكتسب من البواطن حتى أن أحدهم يتحايل له وسوسة فيقول حدثني قلبي عن ربي . وكان الشبلي يقول :

إذا طالبوني بعلم الورقبرزت عليهم بعلم الخرق

وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر وسموا هواجس النفوس العلم الباطن واحتجوا له بما أخبرنا به عبد الحق بن عبد الخالق نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين ثنا علي بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عنبسة العسكري ثني دارم بن قبيصة بن بهشل الصنعاني قال : سمعت يحيى بن الحسين بن زيد بن علي قال سمعت يحيى بن عبد الله بن حسين عن يحيى بن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن الحسن بن علي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي صضص أنه قال : "علم الباطن سر من سر الله عز وجل وحكم من أحكام الله تعالى يقذفه الله عز وجل في قلوب من يشاء من أوليائه" .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، وهذا حديث لا أصل له عن النبي صضص وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون .

أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم ثنا أبو الفتح أحمد بن الحسن ثنا علي بن جعفر عن أبي موسى قال : كان في ناحية أبي يزيد رجل فقيه عالم تلك الناحية فقصد أبا يزيد وقال له : قد حكي لي عنك عجايب . فقال أبو يزيد : وما لم تسمع من عجايبي أكثر . فقال له : علمك هذا يا أبا يزيد عن من ومن ومن ومن ؟ فقال أبو يزيد : علمي من عطاء الله تعالى . ومن حيث قال صضص : "من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم" ومن حيث قال صضص : "العلم علمان علم ظاهر وهو حجة الله تعالى على خلقه وعلم باطن وهو العلم النافع" وعلمك يا شيخ نقل من لسان عن لسان التعليم وعلمي من الله إلهام من عنده . فقال له الشيخ : علمي عن الثقات عن رسول الله صضص عن جبريل عن ربه عز وجل . فقال أبو يزيد : يا شيخ كان للنبي صضص علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل . قال نعم . ولكن أريد أن يصح لي علمك الذي تقول هو من عند الله . قال : نعم أبينه لك قدر ما يستقر في قلبك معرفته . ثم قال : يا شيخ علمت أن الله تعالى كلم موسى تكليما وكلم محمدا صضص ورآه كفاحا . وأن حلم الأنبياء وحي . قال نعم . قال : أما علمت أن كلام الصديقين والأولياء بإلهام منه وفوائده من من قلوبهم حتى أنطقهم بالحكمة ونفع بهم الأمة : ومما يؤكد ما قلت ما ألهم الله تعالى أم موسى أن تلقي موسى في التابوت فألقته وألهم الخضر في السفينة والغلام والحائط قوله موسى "وما فعلته عن أمري" وكما قال أبو بكر لعائشة رضي الله عنهما : إن ابنة خارجة حاملة ببنت . وألهم عمر رضي الله عنه فنادى يا سارية الجبل . أنبأنا ابن ناصر أنبأنا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت إبراهيم سبتية يقول حضرت مجلس أبي يزيد والناس يقولون فلان لقي فلانا وأخذ من علمه وكتب منه الكثير وفلان لقي فلانا . فقال أبو يزيد : مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت .

قال المصنف رحمه الله : هذا الفقه في الحكاية الأولى من قلة العلم إذ لو كان عالما لعلم أن الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا يتسع به عنه ولا ينكر أن الله عز وجل يلهم الإنسان الشيء كما قال النبي صضص : "إن في الأمم محدثين وإن لم يكن في أمتي فعمر" . والمراد بالتحديث إلهام الخير إلا أن الملهم لو ألهم ما يخالف العلم لم يجز له أن يعمل عليه : وأما الخضر فقد قيل أنه نبي ولا ينكر للأنبياء الاطلاع بالوحي على العواقب وليس الإلهام من العلم في شيء إنما هو ثمرة لعلم وتقوى فيوفق صاحبهما للخير ويلهم الرشد : فأما أن يترك العلم ويقول أنه يعتمد على الإلهام والخواطر فليس هذا بشيء إذ لولا العلم النقلي ما عرفنا ما يقع في النفس أمن الإلهام للخير أو للوسوسة من الشيطان .

واعلم أن العلم الإلهامي الملقى في القلوب لا يكفي عن العلم المنقول كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم الشرعية فإن العقلية كالأغذية والشرعية كالأدوية ولا ينوب هذا عن هذا . وأما قوله أخذوا علمهم ميتا عن ميت : أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنه ما يدري ما في ضمن هذا القول وإلا فهذا طعن على الشريعة . أنبأنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو حفص بن شاهين قال : من الصوفية من رأى الاشتغال بالعلم بطالة وقالوا نحن علومنا بلا واسطة . قال وما كان المتقدمون في التصوف إلا رؤوسا في القرآن والفقه والحديث والتفسير ولكن هؤلاء أحبوا البطالة .

وقال أبو حامد الطوسي : اعلم أن ميل أهل التصوف إلى الإلهية دون التعليمية ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دارسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون . بل قالوا : الطريق تقديم المجاهدات بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة وذلك بأن يقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم ويخلو نفسه في زاوية ويقتصر على الفرائض والرواتب ولا يقرن همه بقراءة قرآن ولا بالتأمل في نفسه ولا يكتب حديثا ولا غيره ولا يزال يقول الله الله الله إلى أن ينتهي إلى حال يترك تحريك اللسان ثم يمحي عن القلب صورة اللفظ .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، عزيز علي أن يصدر هذا الكلام من فقيه فإنه لا يخفى قبحه : إنه على الحقيقة طي لبساط الشريعة التي حثت على تلاوة القرآن وطلب العلم . وعلى هذا المذهب فقد رأيت الفضلاء من علماء الأمصار فإنهم ما سلكوا هذه الطريق وإنما تشاغلوا بالعلم أولا . وعلى ما قد رتب أبو حامد تخلو النفس بوساوسها وخيالاتها ولا يكون عندها من العلم ما يطرد ذلك فيلعب بها إبليس أي ملعب فيريها الوسوسة محادثة . ومناجاة ولا ننكر أنه إذا طهر القلب انصبت عليه أنوار الهدى فينظر بنور الله إلا أنه ينبغي أن يكون تطهيره بمقتضى العلم لا بما ينافيه فإن الجوع الشديد والسهر وتضييع الزمان في التخيلات أمور ينهي الشرع عنها فلا يستفاد من صاحب الشرع شيء ينسب إلى ما نهى عنه كما لا تستباح الرخص في سفر قد نهى عنه . ثم لا تنافي بين العلم والرياضة بل العلم يعلم كيفية الرياضة ويعين على تصحيحها . وإنما تلاعب الشيطان بأقوام أبعدوا العلم وأقبلوا على الرياضة بما ينهي عنه العلم والعلم بعيد عنهم فتارة يفعلون الفعل المنهي عنه . وتارة يؤثرون ما غيره أولى منه وإنما كان يفتي في هذه الحوادث العلم وقد عزلوه فنعوذ بالله من الخذلان . أنبأنا ابن ناصر عن أبي علي بن البنا قال : كان عندنا بسوق السلاح رجل كان يقول القرآن حجاب ، والرسول حجاب ليس إلا عبد رب فافتتن جماعة به فأهملوا العبادات واختفى مخافة القتل .

أنبأنا محمد بن عبد الملك نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد الجبائي ثنا أحمد بن سليمان النجاد ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا هشام بن يونس ثنا المحاربي عن بكر بن حنش عن ضرار بن عمرو قال : إن قوما تركوا العلم ومجالسة أهل العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا حتى يبس جلد أحدهم على عظمه وخالفوا السنة فهلكوا فوالله الذي لا إله غيره ما عمل عامل قط على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح .

 

 نقد مسالك الصوفية في تركهم الاشتغال بالعلم

وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة . وهذا جهل من قائله لأن الشريعة كلها حقائق . فإن كانوا يريدون بذلك الرخصة والعزيمة فكلاهما شريعة . وقد أنكر عليهم جماعة من قدمائهم في إعراضهم عن ظواهر الشرع . وعن أبي الحسن غلام شعوانة بالبصرة يقول : سمعت أبا الحسن بن سالم يقول : جاء رجل إلى سهل بن عبد الله وبيده محبرة وكتاب فقال لسهل : جئت أن أكتب شيئا ينفعني اله له . فقال : اكتب ، إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فافعل : قال يا أبا محمد أفدني فائدة . فقال : الدنيا كلها جهل إلا ما كان علما ، والعلم كله حجة إلا ما كان عملا ، والعمل كله موقوف إلا ما كان منه على الكتاب والسنة . وتقوم السنة على التقوى . وعن سهل بن عبد الله أنه قال : احفظوا السواد على البياض فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق . وعن سهل بن عبد الله أنه قال : ما من طريق إلى الله أفضل من العلم ، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحا . وعن أبي بكر الدقاق قال : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : كل باطن يخالف ظاهرا فهو باطل .

وعن أبي بكر الدقاق أنه قال : كنت مارا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تحت شجرة كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر .

قال المصنف رحمه الله : وقد نبه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء فقال : من قال إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان . وقال ابن عقيل : جعلت الصوفية الشريعة اسما وقالوا المراد منها الحقيقة . قال : وهذا قبيح لأن الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا سوى شيء واقع في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع .

 

 ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء

قال المصنف رحمه الله : قد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم ثم لبس عليهم إبليس وقال ما المقصود إلا العمل ودفنوا كتبهم .

فقد روي أن أحمد بن أبي الحواري رمى كتبه في البحر ، وقال : نعم الدليل كنت والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال . ولقد طلب أحمد بن أبي الحواري الحديث ثلاثين سنة فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرقها . وقال : يا علم لم أفعل بك هذا تهاونا ولا استخفافا بحقك ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي فلما اهتديت بك استغنيت عنك .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب ما أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال : سمعت أبا الحسن غلام شعوانة بالبصرة يقول : سمعت أبا الحسن بن سالم عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال أحمد بن محمد بن إسماعيل : أبو الحسين الخلال كان حسن الفهم له صبر على الحديث وأنه كان يتصوف ويرمي بالحديث مدة ثم يرجع ويكتب . ولقد أخبرت أنه رمى بجملة من سماعاته القديمة في دجلة . فأول ما سمع عن أبي العباس الأصم وطبقته وكتب الكثير .

أنبأنا زاهر بن طاهر نا أحمد بن الحسين البيهقي قال : سمعت أبا عمرو بن أبي جعفر يقول سمعت أبا طاهر الجنايدي يقول : لقد كان موسى بن هرون يقرأ علينا فإذا فرغ من الجزء رمى بأصله في دجلة ويقول لقد أديته .

أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا نصر الطوسي يقول : سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون : ورث أبو عبد الله المقري عن أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن جميع ذلك وأنفقها علىالفقراء . قال : فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال : أحرمت وأنا غلام حدث وخرجت إلى مكة على الوحدة حين لم يبق لي شيء أرجع إليه . وكان اجتهادي أن أزهد في الكتب وما جمعت من العلم والحديث أشد علي من الخروج إلى مكة والتقطع في الأسفار والخروج عن ملكي . أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا إسماعيل الحيري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت أبا العباس بن الحسين البغدادي يقول : سمعت الشبلي يقول : أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ملكه وغرق في هذه الدجلة سبعين قمطرا مكتوبا بخطه وحفظ قرأ بكذا وكذا رواية يعني بذلك نفسه .

قال المصنف رحمه الله : قد سبق القول بأن العلم نور وأن تلبيس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة ولا ظلمة كظلمة الجهل . ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب فربما استدلوا بذلك على مكايدة حسن لهم دفن الكتب وإتلافها وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة المصحف وكتابة الحديث فأما القرآن فإن رسول الله صضص كان إذا نزلت عليه آية دعى بالكاتب فأثبتها وكانوا يكتبونها في العسب والحجارة وعظام الكتف ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صوتا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه وبقية الصحابة وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء . وأما السنة فإن النبي صضص قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن وقال : "لا تكتبوا عني سوى القرآن" . فلما كثرت الأحاديث رأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة . فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه شكى إلى رسول الله صضص قلة الحفظ فقال : "ابسط رداءك فبسط رداءه وحدثه النبي عليه الصلاة والسلام وقال ضمه إليك . فقال أبو هريرة فلم أنس بعد ذلك شيئا بما حدثنيه رسول الله صضص" . وفي رواية أنه قال : "استعن على حفظك بيمينك" ، يعني بالكتابة . وروى عنه صضص عبد الله بن عمرو أنه قال : "قيدوا العلم . فقلت : يا رسول الله وما تقييده ؟ قال ك الكتابة" . وروى عنه أيضا رافع بن خديج قال : "قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها ؟ قال : اكتبوا ولا حرج" .

قال المصنف رحمه الله : واعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول الله صضص وحركاته وأفعاله واجتمعت الشريعة من رواية هذا برواية هذا .

وقد قال رسول الله صضص : "بلغوا عني" . وقال : "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" . وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لأن الحفظ خوان . وقد كان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يحدث بالحديث فيقال له : امله علينا . فيقول : لا بل من الكتاب .

وقد قال علي بن المديني : أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب . فإذا كانت الصحابة قد روت السنة وتلقتها التابعون وسافر المحدثون وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمة ههنا وكلمة من هنا وصححوا ما صح وزيفوا ما لم يصح وجرحوا الرواة وعدلوا  وهذبوا السنن وصنفوا ثم من يغسل ذلك فيضيع التعب ولا يعرف حكم الله في حادثة فما عوندت الشريعة بمثل هذا .

فهل لشريعة من الشرائع قبلنا إسناد إلى نبيهم وإنما هذه خصيصة لهذه الأمة . وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث أنه قال لابنه : ما كتبت عن فلان ؟ فذكر له أن النبي عليه الصلاة والسلام : "كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى" فقال الإمام أحمد بن حنبل : إنا لله سنة من سنن رسول الله لم تبلغني . وهذا قوله مع إكثاره وجمعه ، فكيف بمن لم يكتب وإذا غسل أفترى إذا غسلت الكتب ودفنت على ما يعتمد في الفتاوى والحوادث على فلان الزاهد أو فلان الصوفي أو على الخواطر فيما يقع لها نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى .

( فصل )

قال المصنف رحمه الله : ولا تخلو هذه الكتب التي دفنوها أن يكون فيها حق أو باطل أو قد اختلط الحق بالباطل . فإن كان فيها باطل فلا لوم على من دفنها وإن كان قد اختلط الحق بالباطل ولم يمكن تمييزه كان عذرا في إتلافها فإن أقواما كتبوا عن ثقات وعن كذابين واختلط الأمر عليهم فدفنوا كتبهم .

وعلى هذا يحمل ما يروى عن دفن الكتب عن سفيان الثوري وإن كان فيها الحق والشرع فلا يحل إتلافها بوجه لكونها ضابطة العلم وأموالا وليسأل من يقصد إتلافها عن مقصوده فإن قال تشغلني عن العبادة . قيل جوابك من ثلاثة أوجه : أحدها أنك لو فهمت لعلمت أن التشاغل بالعلم أو في العبادات . والثاني : أن اليقظة التي وقعت لك لا تدوم فكأني بك وقد ندمت على ما فعلت بعد الفوات . واعلم أن القلوب لا تبقى على صفائها بل تصدأ فتحتاج إلى جلاء وجلاؤها النظر في كتب العلم .

وقد كان يوسف بن أسباط دفن كتبه ثم لم يصبر على التحديث فحدث من حفظه فخلط ، والثالث أننا نقدر تمام يقظتك ودوامها والغنى عن هذه الكتب فهلا وهبتها لمبتدئ من الطلاب ممن لم يصل إلى مقامك أو وقفتها على المنتفعين بها أو بعتها وتصدقت بثمنها أما إتلافها فلا يحل بحال .

وقد روى المروزي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن رجل أوصى أن تدفن كتبه فقال : ما يعجبني أن يدفن العلم . وأنبأنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت نا عبيد الله بن عبد العزيز البرداعي نا محمد بن عبد الله السحير ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن النحاس قال : سمعت المروزي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا أعرف لدفن الكتب معنى .

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في إنكارهم من تشاغل بالعلم

قال المصنف رحمه الله : لما انقسم هؤلاء بين متكاسل عن طلب العلم وبين ظان أن العلم هو ما يقع في النفوس من ثمرات التعبد وسموا ذلك العلم : العلم الباطن نهوا عن التشاغل بالعلم الظاهر .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي نا علي بن أبي علي البصري ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري قال سمعت جعفرا الخلدي يقول : لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا لقد مضيت إلى عباس الدوري وأنا أحدث فكتبت عنه مجلسا واحدا وخرجت من عنده فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية فقال : إيش هذا معك ؟ فأريته إياه فقال : ويحك ، تدع علم الخرق وتأخذ علم الورق ؟ ثم خرق الأوراق فدخل كلامه في قلبي فلم أعد إلى عباس .

قال المصنف رحمه الله : وبلغني عن أب سعيد الكندي قال : كنت أنزل رباط الصوفية وأطلب الحديث في خفية بحيث لا يعلمون فسقطت الدواة يوما من كمي فقال لي بعض الصوفية : استر عورتك .

أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله الواسطي نا أبو بكر الخطيب نا أبو الفتح بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد الصفار قال : كان بيدي محبرة فقال لي الشبلي : غيب سوادك عني يطفيني سواد قلبي .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال : سمعت عبد الله العزال المذكر قال سمعت علي بن مهدي يقول : وقفت ببغداد على حلقة الشبلي فنظر إلي ومعي محبرة فأنشأ يقول :

تسربلت للحرب ثوب الغرقوجبت البلاد لوجد القلق

ففيك هتكت قناع الغوىوعنك نطقت لدى من نطق

إذا خاطبوني بعلم الورقبرزت عليهم بعلم الخرق

قال المصنف رحمه الله : قلت ، من أكبر المعاندة لله عز وجل الصد عن سبيل الله وأوضح سبيل الله العلم لأنه دليل على الله وبيان لأحكام الله وشرعه وإيضاح لما يحبه ويكرهه فالمنع منه معاداة لله ولشرعه ولكن الناهين عن ذلك ما تفطنوا لما فعلوا .

أخبرنا ابن حبيب قال نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول : اشتغلوا بتعلم العلم ولا يغرنكم كلام الصوفية فإني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعتي والكاغد في حزة سراويلي وكنت أذهب خفية إلى أهل العلم ، فإذا علموا بي خاصموني . وقالوا : لا تفلح . ثم احتاجوا إلي بعد ذلك . وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول : هذه سرج الإسلام . وكان هو يحمل المحبرة على كبر سنه فقال له رجل : إلى متى يا أبا عبد الله ؟ فقال : المحبرة إلى المقبرة . وقال في قوله عليه الصلاة والسلام : "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" فقال أحمد : إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم . وقال أيضا : إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال فمن يكون ؟ . وقيل له : إن رجلا قال في أصحاب الحديث أنهم كانوا قوم سوء فقال أحمد : هو زنديق وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله : إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله صضص . وقال يوسف بن أسباط : بطلبة الحديث يدفع الله البلاء عن أهل الأرض .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب ثنا عبد العزيز بن علي ثنا ابن جهضم ثنا محمد بن جعفر ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال : رأيت كأن القيامة قد قامت والخلق مجتمعون إذ نادى مناد : الصلاة جامعة ، فاصطف الناس صفوفا فأتاني ملك فتأملته فإذا بين عينيه مكتوب جبريل أمين الله . فقلت أين النبي صضص ؟ فقال مشغول بنصب الموائد لأخوانه الصوفية ، فقلت وأنا من الصوفية فقيل نعم ، ولكن شغلك كثرة الحديث .

قال المصنف رحمه الله : معاذ الله أن ينكر جبريل التشاغل بالعلم . وفي إسناد هذه الحكاية ابن جهضم وكان كذابا ولعلها عمله . وأما ابن مسروق فأخبرني القزاز نا أبو بكر الخطيب حدثني علي بن محمد بن نصر قال سمعت حمزة بن يوسف قال سمعت الدارقطني يقول : أبو العباس بن مسروق ليس بالقوي يأتي بالمعضلات .

 

 ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في كلامهم في العلم

قال المصنف رحمه الله : اعلم أن هؤلاء القوم لما تركوا العلم وانفردوا بالرياضيات على مقتضى آرائهم لم يصبروا عن الكلام في العلوم فتكلموا بواقعاتهم فوقعت الأغاليظ القبيحة منهم فتارة يتكلمون في تفسير القرآن وتارة في الحديث وتارة في الفقه وغير ذلك ويسوقون العلوم إلى مقتضى علمهم الذي انفردوا به والله سبحانه لا يخلي الزمان من أقوام قوام بشرعه يردون على المتخرصين ويبينون غلط الغالطين .

 

 ذكره نبذة من كلامهم في القرآن

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان البجلي قال : سمعت جعفر بن محمد الخلدي قال : حضرت شيخنا الجنيد وقد سأله كيسان عن قوله عز وجل : "سنقرئك فلا تنسى" فقال الجنيد : لا تنس العمل به . وسأله عن قوله تعالى : "ودرسوا ما فيه" فقال له الجنيد : تركوا العمل به ، فقال لا يفضض الله فاك . قلت : أنا قوله - لا تنس العمل به - فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر . لأنه فسره على أنه نهي وليس كذلك إنما هو خبلا لا نهي وتقديره - فما تنس - إذ لو كان نهيا كان مجزوما فتفسيره على خلاف إجماع العلماء وكذلك قوله : "ودرسوا ما فيه" إنما هو من الدرس الذي هو التلاوة من قوله عز وجل : "وبما كنتم تدرسون" . لا من دروس الشيء الذي هو إهلاكه . أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد ثنا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول : حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله عز وجل : "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب" . فقال : لمن كان لله قلبه . وأخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن الجهم جهضم ثنا محمد بن جرير قال سمعت أبا العباس بن عطاء وقد سئل عن قوله : "فنجيناك من الغم" قال : نجيناك من الغم بقومك وفتناك بنا على من سوانا .

قال المصنف رحمه الله : وهذه جرأة عظيمة على كتاب الله عز وجل  ونسبة الكليم إلى الافتتان بمحبة الله سبحانه . وجعل محبته تفتن غاية في القباحة . أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي الحافظ نا أبو حازم عمر بن إبراهيم العبدري قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول في قوله عز وجل : " فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم " فقال الروح النظر إلى وجه الله عز وجل . والريحان الاستماع لكلامه . وجنة نعيم : هو أن لا يحجب فيها عن الله عز وجل . قلت : هذا كلام بالواقع على خلاف أقوال المفسرين وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها حقائق التفسير فقال في فاتحة الكتاب عنهم أنهم قالوا إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فتحناك به من خطابنا فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد .

قال المصنف رحمه الله : وهذا قبيح لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست من أول ما نزل : وقال في قول الإنسان ( آمين ) أي قاصدون نحوك .

قال المصنف رحمه الله : وهذ قبيح لأنه ليس من أم لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة . قال في قوله : "وإن يأتوكم أسارى" قال قال أبو عثمان : غرقى في الذنوب . وقال الواسطي : غرقى في رؤية أفعالهم . وقال الجنيد : أسارى في أسباب الدنيا تفدوهم إلى قطع العلائق . قلت : إنما الآية على وجه الإنكار ومعناها إذا أسرتموهم فديتموهم وإذا حاربتموهم قلبتموهم وهؤلاء قد فسروها على ما يوجب المدح . وقال محمد بن علي : "يحب التوابين" : من توبتهم . وقال النووي : "يقبض ويبسط" : أي يقبضك بإياه ويبسطك لإياه . وقال في قوله : "ومن دخله كان آمنا" : أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان . وهذا غاية في القبح لأن لفظ الآية لفظ الحبر ومعناه الأمر وتقديرها من دخل الحرم فأمنوه . وهؤلاء قد فسروها على الخبر ثم لا يصح لهم لأنه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس وذكر في قوله : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه " قال أبو تراب : هي الدعاوى الفاسدة . "والجار ذي القربى" قال سهل : هو القلب . "والجار الجنب" النفس ( ةابن السبيل ) الجوارح . وقال في قوله "وهم بها" قال أبو بكر الوراق : الهمان لها ويوسف ما هم بها . قلت : هذا خلاف لصريح القرآن وقوله : "ما هذا بشرا" . قال محمد بن علي : ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة . وقال الزنجاني : الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم . وقال في قوله : " فلله المكر جميعا " قال الحسين : لا مكر أبين فيه من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال . أو للحدث اقتران مع القدم .

قال المصنف رحمه الله : ومن تأمل معنى هذا علم أنه كفر محض لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب . ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذاك . وقال في قوله (لعمرك) أي بعمارتك سرك بمشاهدتنا . قلت : وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه ها هنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان . وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية ، فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه . ومن أراد الزيادة فلينظر في ذلك الكتاب . وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال : للصوفية استنباط منها قوله : " أدعو إلى الله على بصيرة " قال الواسطي : معناه لا أرى نفسي . وقال الشبلي : لو اطلعت على الكل مما سوانا لوليت منهم فرارا إلينا . قلت : هذا لا يحل لأن الله تعالى إنما أراد أهل الكهف . وهذا السراج يسمي هذه الأقوال في كتابه مستنبطات . وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب ذم المال في قوله عز وجل : "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" قال : إنما عنى الذهب والفضة إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام ، إنما عنى بعبادته حبه والاغترار به .

قال المصنف رحمه الله : وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين ، وقد قال شعيب : "وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا" ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة لا أنه مستحيل ، ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر فجاز أن يدخل نفسه معهم ، فقال : "واجنبني وبني" ومعلوم أن العرب أولاده وقد عبد أكثرهم الأصنام .

أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين قال : وقد تكلمت طائفة من الصوفية في نفس القرآن بما لا يجوز فقالت في قوله : "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" فقال هم لآيات لي ، فأضافوا إلى الله تعالى ما جعله لأولي الألباب . وهذا تبديل للقرآن وقالوا "ولسليمان الريح" قالوا : ولي سليمان .

وأخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال : قال أبو حمزة الخراساني : قد يقطع بأقوام في الجنة فيقال : "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية" فشغلهم عنه بالأكل والشرب ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه .

قال المصنف رحمه الله : انظروا وفقكم الله إلى هذه الحماقة وتسمية المغنم به مكرا ، وإضافة المكر بهذا إلى الله سبحانه وتعالى . وعلى مقنضى قول هذا أن الأنبياء لا يأكلون ولا يشربون بل يكونون مشغولين بالله عز وجل  . فما أجرأ هذا القائل على مثل هذ الألفاظ القباح . وهل يجوز أن يوصف الله عز وجل  بالمكر على ما نعقله من معنى المكر . وإنما معنى مكره وخداعه أنه مجازي الماكرين والخادعين . وإني لأتعجب من هؤلاء وقد كانوا يتورعون من اللقمة والكلمة كيف انبسطوا في تفسير القرآن إلى ما هذا حده .

وقد أخبرنا علي بن عبيد الله وأحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد قالوا : حدثنا عبد الصمد بن المأمون نا علي بن عمر الحربي ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ثنا بشر بن الوليد ثنا سهيل أخو حزم ثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال : قال رسول الله صضص : "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ" . أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني وكيع عن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صضص : "من قال في القرآن برأيه فليبوأ مقعده من النار" .

قال المصنف رحمه الله : وقد رويت لنا حكاية عن بعضهم فيما يتعلق بالمكر إني لأقشعر من ذكرها لكني أنبه بذكرها على قبح ما يتخايله هؤلاء الجهلة . أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه قال : أخبرنا أبو عبد الله بن خفيف قال سمعت رويما يقول : اجتمع ليلة بالشام جماعة من المشايخ فقالوا : ما شهدنا مثل هذه الليلة وطيبها فتعالوا نتذاكر مسألة لئلا تذهب ليلتنا فقالوا : نتكلم في المحبة فإنها عمدة القوم فتكلم كل واحد من حيث هو .

وكان في القوم عمرو بن عثمان المكي فوقع عليه البول ولم يكن من عادته فقام وخرج إلى صحن الدار فإذا ليلة مقمرة فوجد قطعة رق مكتوب فأخذه وحمله إليهم وقال : يا قوم اسكنوا فإن هذا جوابكم . انظروا ما في هذه الرسالة : فإذا فيها مكتوب مكار مكار وكلكم تدعون حبه وأحرم البعض وافترقوا فما جمعهم إلا الموسم .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، هذه بعيدة الصحة وابن خفيف لا يوثق به وإن صحت فإن شيطانا ألقى ذلك الرق ، وإن كانوا قد ظنوا أنها رسالة من الله بظنونهم الفاسدة . وقد بينا أن معنى المكر منه المجازاة على المكر . فأما أن يقال عنه مكار ففوق الجهل وفوق الحماقة .

وقد أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال : سمعت رويما يقول : إن الله غيب أشياء في أشياء مكره في علمه . وغيب خداعه في لطفه وغيب عقوباته في باب كراماته . قلت : وهذا تخليط من ذلك الجنس وجرأة .

أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت خالي يقول قال الحسن بن علوية : خرج أبو يزيد لزيارة أخ له فلما وصل إلى نهر جيحون التقى له حافتا النهر فقال : سيدي ، إيش هذا المكر الخفي ، وعزتك ما عبدتك لهذا ثم رجع ولم يعبر . قال السهلكي : وسمعت محمد بن أحمد المذكر يذكر أن أبا يزيد قال : من عرف الله عز وجل صار للجنة بوابا وصارت الجنة عليه وبالا .

قلت : وهذه جرأة عظيمة في إضافة المكر إلى الله عز وجل وجعل الجنة التي هي نهاية المطالب وبالا وإذا كانت وبالا للعارفين فكيف تكون لغيرهم . وكل هذ منبعه من قلة العلم وسوء الفهم . أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو الفرج الورياني ثنا أحمد بن الحسن بن محمد ثني محمد بن جعفر الوراق ثنا أحمد بن العباس المهلبي قال سمعت طيفور وهو أبو يزيد يقول العارفون : في زيارة الله تعالى في الآخرة على طبقتين طبقة تزوره متى شاءت وأنى شاءت . وطبقة تزوره مرة واحدة ثم لا تزوره بعدها أبدا . فقيل له كيف ذلك ؟ قال : إذا رآه العارفون أول مرة جعل لهم سوقا ما فيه شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء فمن دخل منهم السوق لم يرجع إلى زيارة الله أبدا . قال : وقال أبو يزيد : في الدنيا يخدعك بالسوق وفي الآخرة يخدعك بالسوق فأنت أبدا عبد السوق .

قال المصنف رحمه الله : تسمية ثواب الجنة خديعة وسببا للانقطاع عن الله عز وجل قبيح وإنما يجعل لهم السوق ثوابا لا خديعة فإذا أذن لهم في أخذ ما في السوق ثم عوقبوا بمنع الزيارة فقد صارت المثوبة عقوبة . ومن أين له أن من اختار شيئا من ذلك السوق لم يعد إلى زيارة الله تبارك وتعالى ولايراه أبدا ؟ نعوذ بالله من هذا التخليط والتحكم في العلم والأخبار عن هذه المغيبات التي لا يعلمها إلا نبي . فمن أين له علمها وكيف يكون كما قال أبو هريرة راوي الحديث لسعيد بن المسيب : جمعني الله وإياك في سوق الجنة . أفتراه طلب ترك العقوبة بالبعد عن الله عز وجل ! لكن بعد هؤلاء عن العلم واقتناعهم بواقعاتهم الفاسدة أوجب هذا التخليط وليعلم أن الخواطر والواقعات إنما هي ثمرات علمه ، فمن كان عالما كانت خواطره صحيحة لأنها ثمرات علمه ومن كان جاهلا فثمرات الجهل كلها حظه . ورأيت بخط ابن عقيل : جاز أبو يزيد على مقابر اليهود فقال : ما هؤلاء حتى تعذبهم كف عظام جرت عليهم القضايا اعف عنهم .

قال المصنف رحمه الله : وهذا قلة علم وهو أن قوله - كف عظام - احتقار للآدمي فإن المؤمن إذا مات كان كف عظام . وقوله - جرت عليهم القضايا - فكذلك جرى على فرعون . وقوله - اعف عنهم - جهل بالشريعة لأن الله عز وجل أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا فلو قبلت شفاعته في كافر لقبل سؤال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في أبيه ، ومحمد صضص في أمه ، فنعوذ بالله من قلة العلم .

أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى نا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن قوري الحوبياني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بالسراج قال : كان ابن سالم يقول : عبر أبو يزيد على مقبرة اليهود فقال : معذورين . ومر بقبر المسلمين فقال : مغرورين . قال المصنف رحمه الله : وفسره السراج فقال : كأنه لما نظر إلى ما سبق لهم من الشقاوة من غير فعل كان موجودا في الأزل وأن الله عز وجل جعل نصيبهم السخط فذلك عذر .

قال المصنف رحمه الله : وتفسير السراج قبيح لأنه يوجب أن لا يعاقب فرعون ولا غيره .

ومن كلامهم في الحديث وغيره : أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا الأزهري نا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل يقول : فلان ضعيف وفلان ثقة فقال أبو تراب : يا شيخ لا تغتب العلماء . فالتفت أبي إليه وقال له : ويحك ، هذه نصيحة وليست هذه غيبة .

أنبأنا يحيى بن علي المدبر نا أحمد بن علي بن ثابت نا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول سمعت أبا الحسن علي بن محمد البخاري يقول سمعت محمد بن الفضل العباسي يقول : كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل فقال أظهر أحوال أهل العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة . فقال له يوسف بن الحسين : استحييت إليك يا أبا محمد ، كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة أو مائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض . فبكى عبد الرحمن وقال : يا أبا يعقوب ، لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لم أصنفه . قلت : عفا الله عن ابن أبي حاتم فإنه لو كان فقيها لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب . ولولا الجرح والتعديل من أين كان يعرف الصحيح من الباطل ؟

ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم وتسمية ذلك غيبة حديث سوء . ثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه ؟ وينبغي ليوسف أن يشتغل بالعجائب التي تحكي عن مثل هذا .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه قال سمعت عبد الله بن يزيد الأردبيلي يقول : سمعت أبا العباس بن عطاء يقول : من عرف أن الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله . قلت : هذا سد لباب السؤال والدعاء وهو جهل بالعلم .

أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون نا أحمد بن الحسن الشاهد قال : قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي وأنا أسمع أبا بكر الديف الصوفي وقال : سمعت الشبلي وقد سأله شاب : يا أبا بكر لم تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله ؟ فقال الشبلي : أستحي أن أوجه إثباتا بعد نفي . فقال الشاب : أريد حجة أقوى من هذه . فقال : أخشى أني أؤخذ في كلمة الوجود ولا أصل إلى كلمة الإقرار .

قال المصنف رحمه الله : انظروا إلى هذا العلم الدقيق فإن رسول الله صضص كان يأمر بقول لا إله إلا الله ويحث عليها . وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وكان يقول إذا قام لصلاة الليل : لا إله إلا أنت . وذكر الثواب العظيم لمن يقول لا إله إلا الله فانظروا إلى هذا التعاطي على الشريعة واختيار ما لم يختره رسول الله صضص .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا ابو علي الحسن بن محمد بن الفضل نا سهل بن علي الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال : بلغني أن أبا الحسن النوري شهدوا عليه أنه سمع أذان المؤذن فقال : طعنه سم الموت . وسمع نباح كلب فقال : لبيك  وسعديك . فقيل له في ذلك فقال : إن المؤذن أغار عليه أن يذكر الله وهو غافل ويأخذ عليه الأجر ولولاها ما أذن فلذلك قلت له طعنه سم الموت . والكلب يذكر الله عز وجل بلا رياء فإنه قد قال : "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" .

قال المصنف رحمه الله : انظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من الزلل إلى هذا الفقه الدقيق والاستنباط الطريف .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو يعقوب الخراط نا النوري أنه رأى رجلا قابضا على لحية نفسه فقلت له : نح يدك عن لحية الله . فرفع ذلك إلى الخليفة فطلبت وأخذت فلما دخلت عليه قال بلغني أنه نبح كلب فقلت لبيك ونادى المؤذن فقلت طعنه قال : نعم ، قال الله عز وجل : "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" فقلت لبيك لأنه ذكر الله . فأما المؤذن فإنه يذكر الله وهو متلوث بالمعاصي غافل عن الله تعالى . قال : وقولك للرجل ، نح يدك عن لحية الله ؟ قلت : نعم ، أليس العبد لله ولحيته لله وكل ما في الدنيا والآخرة له . قلت : عدم العلم أوقع هؤلاء في هذا التخبيط وما الذي أحوجه إلى أن يوهم أن صفة الملك صفة الذات .

أخبرنا ابن حبيب قال ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال سمعت الشبلي يقول وقد سئل عن المعرفة ، فقال : ويحك ما عرف الله من قال الله . والله لو عرفوه ما قالوه . قال ابن باكويه : وسمعت أبا القاسم أحمد بن يوسف البراداني يقول سمعت الشبلي يقول يوما لرجل يسأله : ما اسمك ؟ قال آدم . قال ويلك ، أتدري ما صنع آدم ؟ باع ربه بلقمة . ثم كان يقول : سبحان من عذرني بالسوداء . قال ابن باكويه : وسمعت بكران بن أحمد الجيلي يقول : كان للشبلي جليس فأعلمه أنه يريد التوبة فقال : بع مالك ، واقض دينك ، وطلق امرأتك . ففعل ، فقال : أيتم أولادك بأن تؤيسهم من التعلق بك . فقال قد فعلت فجاء بكسر قد جمعها . فقال اطرحها بين يدي الفقراء وكل معهم .

أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال : سمعت بعض الفقراء يقول : سمعت أبا الحسن الحرفاني يقول : لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من القرط .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا باكويه قال أخبرنا أحمد بن محمد احلفاي قال : رأى الشبلي في الحمام غلاما شابا بلا مئزر ، فقال له : يا غلام ألا تغطي عورتك ؟ فقال له : اسكت يا بطال ، إن كنت على الحق فلا تشهد إلا الحق ، وإن كنت على الباطل فلا تشهد إلا الباطل ، لأن الحق مشتغل بالحق ، والباطل مشتغل بالباطل .

أنبأنا أبو بكر محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي الفقيه قال : حضرت بشيراز عند قاضيها أبي سعيد بشر بن الحسن الداودي - وقد ارتفع إليه صوفي وصوفية - قال وأمر الصوفية هناك مفرط جدا حتى يقال أن عددهم ألوف فاستعدت الصوفية على زوجها إلى القاضي فلما حضرا قالت له : أيها القاضي ، إن هذا زوجي ويريد أن يطلقني وليس له ذلك فإن رأيت أن تمنعه . قال : فأخذ القاضي أبو سعيد يتعجب - وحنق على مذاهب الصوفية - ثم قال لها : وكيف ليس له ذلك قالت : لأنه تزوج بي ومعناه قائم بي والآن هو يذكر أن معناه قد انقضى مني وأنا معناي قائم فيه ما انقضى فيجب عليه أن يصير حتى ينقضي معناي منه كما انقضى معناه مني . فقال لي أبو سعيد : كيف ترى هذا الفقه ؟ ثم أصلح بينهما وخرجا من غير طلاق .

وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب الأحياء أن بعضهم قال : للربوبية سر لو أظهر بطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم ، وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام .

قلت : فأظهروا إخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة أن ظاهرها يخالف باطنها قال أبو حامد : ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له : لو سألت الله أن يرده عليك فقال : اعتراضي عليه فيما يقضي أشد علي من ذهاب ولدي .

قلت : طال تعجبي من أبي حامد كيف يحكي هذه الأشياء في معرض الاستحسان والرضى عن قائلها وهو يدري أن الدعاء والسؤال ليس باعتراض وقال أحمد الغزالي : دخل يهودي إلى أبي سعيد بن أبي الخير الصوفي فقال له : أريد أن أسلم على يديك . فقال : لا ترد . فاجتمع الناس وقالوا : يا شيخ تمنعه من الإسلام . فقال له : تريد بلا بد ؟ قال : نعم . قال له : برئت من نفسك ومالك . قال : نعم . قال : هذا الإسلام عندي ، احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد يعلم لا لا المنافقين . يعني لا إله إلا الله . قلت : وهذا الكلام أظهر عيبا من أن يعاب فإنه في غاية القبح . ومما يقارب هذه الحكاية في دفع من أراد الإسلام .

ما أخبرنا به أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي قال سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسرخسي يحكي عن جده وغيره من أهل بيته قال : كان الحسن والحسين ابنا عيسى بن ماسرخس أخوين يركبان فيتحير الناس من حسنهما وزيهما فاتفقا على أن يسلما فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلما على يده فقال لهما حفص : أنتما من أجل النصارى وعبد الله بن المبارك خارج في هذه السنة الحج وإذا أسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين فإنه شيخ أهل المشرق والمغرب . فانصرفا فمرض الحسين ومات على نصرانيته قبل قدوم ابن المبارك فلما قدم أسلم الحسن . قلت : وهذه المحنة إنما جلبها الجهل فليعرف قدر العلم لأنه لو كان عنده حظ من علم لقال أسلما الآن ولا يجوز تأخير ذلك لحظة وأعجب من هذا أبو سعيد الذي قال لليهودي ما قال لأنه يريد الإسلام .

وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع لمع المتصوفة قال : كان سهل بن عبد الله إذا مرض أحد من أصحابه يقول له : إذا أردت أن تشتكي فقل : أوه ، فهو اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه المؤمن ولا تقل أفرج فإنه اسم من أسماء الشيطان . فهذه نبذة من كلام القوم وفقههم نبهت على علمهم وسوء فهمهم وكثرة خطئهم . وقد سمعت أبا عبد الله حسين بن علي المقري يقول : سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء الهروي يقول سمعت عبد الرحمن بن محمد بن المظفر يقول سمعت أبا عبد الرحمن بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن الحسين السلامي يقول : سمعت علي بن محمد المصري يقول : سمعت أيوب بن سليمان يقول : سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول : سمعت أبي يقول : صحبت الصوفية عشر سنين ما استفدت منه إلا هذين الحرفين : الوقت سيف ، وأفضل العصمة أن لا تقدر .

 

 ذكر تلبيس إبليس في الشطح والدعاوى

قال المصنف رحمه الله : اعلم أن السلم يورث الخوف واحتقار النفس وطول الصمت وإذا اعتبرت علماء السلف رأيت الخوف غالبا عليهم والدعاوى بعيدة عنهم كما قال أبو بكر : ليتني كنت شعرة في صدر مؤمن . وقال عمر عند موته : الويل لعمر إن لم يغفر له . وقال ابن مسعود : ليتني إذا مت لا أبعث . وقالت عائشة رضي الله عنها : ليتني كنت نسيا منسيا . وقال سفيان الثوري لحماد بن سلمة عند الموت : ترجو أن يغفر لمثلي .

قال المصنف رحمه الله : وإنما صدر مثل هذا عن هؤلاء السادة لقوة علمهم بالله وقوة العلم به تورث الخوف والخشية . قال الله عز وجل : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقال صضص : "أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية" ولما بعد عن العلم أقوام من الصوفية لاحظوا أعمالهم واتفق لبعضهم من اللطف ما يشبه الكرامات فانبسطوا بالدعاوى .

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي يقول : ثنا أبو بكر عمر بن يمن ثنا أبو عمر الرهاوي ثنا أحمد بن محمد الجزري قال سمعت أبا موسى الدئيلي يقول : سمعت أبا يزيد البسطامي يقول : وددت أن قد قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم . فسأله رجل ولم ذاك يا أبا يزيد ؟ فقال : إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق .

أخبرني أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه ني إبراهيم بن محمد ني حسن بن علوية ني طيفور بن عيسى ني أبو موسى الشبلي قال : سمعت أبا يزيد يقول : إذا كان يوم القيامة وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فأسأله أن يدخلني النار . فقيل له لم : قال حتى تعلم الخلائق أن بره ولطفه في النار مع أوليائه .

قال المصنف رحمه الله : هذا الكلام من أقبح الأقوال لأنه يتضمن تحقير ما عظم الله عز وجل أمره من النار فإنه عز وجل بالغ في وصفها فقال : "اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة" وقال : "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا" إلى غير ذلك من الآيات . وقد أخبرنا عبد الأول نا ابن المظفر نا ابن أعين ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسماعيل ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صضص : "إن ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم . قالوا له الصحابة : والله إن كانت لكافية يا رسول الله . قال : فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها" أخرجاه في الصحيحين . وفي إفراد مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي صضص أنه قال : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" .

أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا أبو علي التميمي نا أبو بكر بن مالة ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي بهز بن أسد ثنا جعفر بن سليمان ثنا علي بن زيد عن مطرف عن كعب قال : قال عمر بن الخطاب : يا كعب ، خوفنا . فقال : يا أمير المؤمنين اعمل عمل رجل لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لازدرأت عملك مما ترى . فأطرق عمر رضي الله عنه مليا ثم أفاق قال : زدنا يا كعب . قلت : يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها .

فأطرق عمر مليا ثم أفاق فقال : زدنا يا كعب قلت : يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مصطفى إلا خر جاثيا على ركبتيه ويقول : رب نفسي نفسي لا أسالك اليوم غير نفسي . أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا أحمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ ثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن الحسن البغدادي ثنا إبراهيم بن عبد الله الجنيد ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة ثنا سالم الخواص عن فرات بن السائب عن زاذان قال : سمعت كعب الأحبار يقول : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ونزلت الملائكة وصارت صفوف فيقول يا جبرائيل ائتني بجهنم فيأتي بها جبريل فتقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتيه ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهب العقول فيفزع كل امرئ إلى عمله حتى أن إبراهيم الخليل يقول : بخلتي لا أسألك إلا نفسي . ويقول موسى : بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي . وإن عيسى ليقول : بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني . قلت : وقد روينا أن النبي صضص قال : "يا جبرائيل ما لي أرى ميكائيل لا يضحك ؟ فقال : ما ضحك ميكائيل مذ خلقت النار وما جفت لي عين مذ خلقت جهنم مخافة أن أعصي الله فيجعلني فيها" . وبكى عبد الله بن رواحة يوما فقالت امرأته : مالك تبكي ؟ قال : أنبئت أني واردها ولم أنبأ أني صادر .

قال المصنف رحمه الله : فإذا كانت هذه حالة الملائكة والأنبياء والصحابة وهم المطهرون من الأدناس وهذا انزعاجهم لأجل النار فكيف هانت عند هذا المدعى ثم أنه يقطع لنفسه بما لا يدري به من الولاية والنجاة وهل قطع بالنجاة إلا لقوم مخصوصين من الصحابة . وقد قال : "من قال إني في الجنة فهو في النار" . وهذا محمد بن واسع يقول عند موته : يا أخوتاه ، أتدرون أين يذهب بي ؟ يذهب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار أو يعفو عني . قلت : وهذا إن صح عن هذا المدعي فهذا غاية من تلبيس إبليس .

وقد كان ابن عقيل يقول : قد حكي عن أبي زيد أنه قال : وما النار ؟ والله لئن رأيتها لأطفأنها بطرف مرقعتي . أو نحو هذا . قال : ومن قال هذا كائن من كان فهو زنديق يجب قتله ، فإن الأهوان للشيء ثمرة الجحد لأن من يؤمن بالجن يقشعر في الظلمة ومن لا يؤمن لا ينزعج وربما قال يا جن خذوني . ومثل هذا القائل ينبغي أن يقرب إلى وجهه شمعة فإذا انزعج قيل له هذه جذوة من نار .

أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد قال سمعت الحسن بن علوية يقول : سمعت طيفور الصغير يقول سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول : سمعت أبا يزيد يقول : سبحاني سبحاني ما أعظم شأني . ثم قال : حسبي من نفسي حسبي . قلت : هذا إن صح عنه فربما يكون الراوي لم يفهم لأنه يحتمل أن يكون قد ذكر تمجيد الحق نفسه فقال فيه (سبحاني) حكاية عن الله لا عن نفسه . وقد تأوله له الجنيد بشيء إن لم يرجع إلى ما قلته فليس بشيء . فأنبأنا ابن ناصر السهلكي نا محمد بن القاسم الفارسي سمعت الحسن بن علي المذكر سمعت جعفر الخلدي يقول : قيل للجنيد : إن أبا يزيد يقول : سبحاني سبحاني ، أنا ربي الأعلى . فقال الجنيد : إن الرجل مستهلك في شهود الجلال فنطق بما استهلكه ، أذهله الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق فنعته . قلت : وهذا من الخرافات .

أنبأنا عبد الأول نا أحمد بن أبي نصر الكوفاني نا الحسن بن محمد بن فوزي نا عبد الله بن علي السراج قال : سمعت أحمد بن سالم البصري بالبصرة يقول في مجلسه يوما : فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد لأنت فرعون قال : "أنا ربكم الأعلى" والرب يسمى به المخلوق ، يقال رب الدار . وقال أبو يزيد : سبحاني سبحاني لا يجوز إلا لله . فقلت : قد صح عندك هذا عن أبي يزيد فقال : قد قال ذلك . فقلت : يحتمل أن يكون لهذا الكلام مقدمات يحكى بأن الله تعالى يقول سبحاني لأنا لو سمعنا رجلا يقول : (لا إله إلا أنا) علمنا أنه يقرأ . وقد سألت جماعة من أهل بسطام من بيت أبي يزيد عن هذا فقالوا لا نعرف هذا .

أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت عامر بن أحمد قال سمعت الكتاني يقول : حدثني أبو موسى الدئيلي قال : سمعت أبا يزيد يقول : كنت أطوف حول البيت أطلبه فلما وصلت إليه رأيت البيت يطوف حولي . قال الشيرازي : وحدثنا إبراهيم بن محمد قال : سمعت الحسن بن علوية يقول : سمعت طيفور الصغير يقول سمعت أبا يزيد يقول : حججت أول حجة فرأيت البيت ، وحججت الثانية فرأيت صاحب البيت ولم أر البيت . وحججت الثالثة فلم أر البيت ولا صاحب البيت . قال  الشيرازي : وسمعت محمد بن داودية يقول : سمعت عبد الله بن سهل يقول : سمعت أبا موسى الدئيلي يقول : سمعت أبا يزيد :  وسئل عن اللوح المحفوظ  قال : أنا اللوح المحفوظ . قال الشيرازي : وسمعت المظفر بن عيسى المراغي يقول : سمعت سيرين يقول : سمعت أبا موسى الدئيلي يقول لأبي يزيد : بلغني أن ثلاثة قلوبهم على قلب جبريل قال أنا أولئك الثلاثة . فقلت : كيف ؟ قال : قلبي واحد ، وهمي واحد ، وروحي واحد . قلت : وبلغني أن واحدا قلبه على قلب إسرافيل . قال : وأنا ذلك الواحد ومثلي مثل بحر مصطلم لا أول له ولا آخر . قال السهلكي : وقرأ رجل عند أبي يزيد : "إن بطش ربك لشديد" فقال أبو يزيد : وحياته إن بطشي أشد من بطشه . وقيل لأبي يزيد : بلغنا إنك من السبعة . قال : أنا كل السبعة . وقيل له : إن الخلق كلها تحت لواء سيدنا محمد صضص . فقال : والله إن لوائي أعظم من لواء محمد . لوائي من نور تحته الجن والإنس كلهم مع النبيين . وقال أبو يزيد : سبحاني سبحاني ما أعظم سلطاني ، ليس مثلي في السماء يوجد ولا مثلي صفة في الأرض تعرف أنا هو وهو أنا وهو هو .

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن أبي عمران ثنا منصور بن عبد الله قال : سمعت أبي يقول : قيل لأبي يزيد : إنك من الأبدال السبعة الذين هم أوتاد الأرض ، فقال : أنا كل السبعة .

أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا الحسين محمد بن القاسم الفارسي قال سمعت أبا نصر بن محمد بن إسماعيل البخاري يقول : سمعت أبا الحسين علي بن محمد الجرجاني يقول سمعت الحسن بن علي بن سلام يقول : دخل أبو يزيد مدينة فتبعه منها خلق كثير فالتفت إليهم فقال : " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني " . فقالوا : جن أبو يزيد . فتركوه . قال الفارسي : وسمعت أبا بكر أحمد بن محمد النيسابوري قال : سمعت أبا بكر أحمد بن إسرائيل قال : سمعت خالي علي بن الحسين يقول : سمعت الحسن بن علي بن حياة يقول سمعت عمي وهو أبو عمران موسى بن عيسى بن أخي أبي يزيد قال سمعت  أبي يقول : قال أبو زيد : رفع بي مرة حتى قمت بين يديه ، فقال لي : يا أبا يزيد ، إن خلقي يحبون أن يروك ، قلت : يا عزيزي وأنا أحب أن يروني . فقال : يا أبا يزيد إني أريد أن أريكهم . فقلت : يا عزيزي إن كانوا يحبون أن يروني وأنت تريد ذلك وأنا لا أقدر على مخالفتك ، قربني بوحدانيتك ، وألبسني ربانيتك ، وارفعني إلى أحديتك ، حتى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك فيكون أنت ذاك ولا أكون أنا هنا . ففعل بي ذلك واقامني وزينني ورفعني . ثم قال : اخرج إلى خلقي . فخطوت من عنده خطوة إلى الخلق خارجا فلما كان من الخطوة الثانية غشي علي فنادى ردوا حبيبي فإنه لا يصبر عني ساعة .

أنبأنا ابن ناصر نا السهلكي قال : سمعت محمد بن إبراهيم الواعظ يقول : سمعت محمد بن محمد الفقيه يقول سمعت أحمد بن محمد الصوفي يقول سمعت أبا موسى يقول حكي عن أبي يزيد أنه قال : أراد موسى عليه الصلاة والسلام أن يرى الله تعالى . وأنا ما أردت أن أرى الله تعالى هو أراد أن يراني .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق الحيري ثنا أبو عبد الله بن باكويه ثنا أبو الطيب بن الفرغاني قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : دخل علي أمس رجل من أهل بسطام فذكر أنه سمع أبا يزيد البسطامي يقول : اللهم إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري .

قال المصنف رحمه الله : أما ما تقدم من دعاويه فما يخفى قبحها . وأما هذا القول فخطأ من ثلاثة أوجه : أحدها أنه قال : إن كان في سابق علمك ، وقد علمنا قطعا أنه لا بد من تعذيب خلق بالنار وقد سمى الله عز وجل منهم خلقا ، كفرعون وأبي لهب فكيف يجوز أن يقال بعد القطع واليقين إن كان . والثاني قوله : تعظم خلقي فلو قال لأدفع عن المؤمنين ولكنه قال حتى لا تسع أحدا غيري ، فأشفق على الكفار أيضا وهذا تعاط على رحمة الله عز وجل . والثالث أن يكون جاهلا بقدر هذه النار أو واثقا مننفسه بالصبر وكلا الأمرين معدوم عنده . قلت : ثم قال : والله ولقد تكلمت أمس مع الخضر في هذه المسألة ، وكانت الملائكة يستحسنون قولي : والله عز وجل يسمع كلامي فلم يعب علي ولو عاب علي لأخرسني . قلت : لولا أن هذا الرجل نسب إلى التغير لكان ينبغي أن يرد عليه . وأين الخضر ومن اين له أن الملائكة تستحسن قوله ؟ وكم من قول معيب لم يعاجل صاحبه بالعقوبة . وقد بلغني عن ميمون بن عبده قال : بلغني عن سمنون المحب أنه كان يسمي نفسه الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها :

وليس لي في شواك حظفكيفما ما شئت فامتحني

فابتلي بحبس البول فلم يقر له قرار فكان بعد ذلك يطوف على المكاتب وبيده قارورة يقطر منها بوله ويقول للصبيان : ادعوا لعمكم الكذاب .

قال المصنف رحمه الله : إنه ليقشعر جلدي من هذه أتراه على ما يتقاوى وإنما هذه ثمرة الجهل بالله سبحانه وتعالى ولو عرفه لم يسأله إلا العافية . وقد قال من عرف الله كل لسانه .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال : سمعت محمد بن داود الجوزجاني يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول : كنت أرد هذه الكرامات حتى حدثني الثقة عن أبي الحسين النوري وسألته فقال كذا كان . قال : كنا في سميرية في دجلة فقالوا لأبي الحسين أخرج لنا من دجلة سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي فحرك شفتيه ، فإذا سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي ظهرت من الماء حتى وقعت في السميرية . فقيل لأبي الحسين : سألناك بالله إلا أخبرتنا بماذا دعوت فقال : قلت وعزتك لئن لم تخرج من الماء حوتا فيها ثلاث أرطال وثلاث أواقي لأغرقن نفسي في دجلة .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت قال أخبرني عبد الصمد بن محمد بن الخطيب ثنا الحسن بن الحسين الهمداني قال سمعت جعفرا الخلدي سمعت الجنيد يقول سمعت النوري يقول : كنت في الرقة فجاءني المريدون الذين كانوا بها . وقالوا : نخرج ونصطاد السمك . فقالوا لي : يا أبا الحسين ، هات من عبادتك واجتهادك وما أنت عليه من الاجتهاد سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص . فقلت لمولاي : إن لم تخرج إلي الساعة سمكة فيها ما قد ذكروا لأرمين بنفسي في الفرات . فأخرجت سمكة فوزنتها فإذا فيها ثلاثة أرطال لا زيادة فيها ولا نقصان . قال الجنيد : فقلت يا أبا الحسين ، لو لم تخرج كنت ترمي بنفسك ؟ قال نعم .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه نا أبو يعقوب الخراط قال قال لي أبو الحسين النوري : كان في نفسي من هذه الكرامات شيء وأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين وقلت وعزتك لئن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص لا آكل شيئا . قال فبلغ ذلك الجنيد فقال : كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه .

أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الرقي يقول سمعت علي بن محمد بن أبان قال  سمعت أبا سعيد الخراز يقول : أكبر ذنبي إليه معرفتي إياه .

قال المصنف رحمه الله : هذا إن حمل على معنى أني لما عرفته لم أعمل بمقتضى معرفته فعظم ذنبي كما يعظم جرم من علم وعصى وإلا فهو قبيح . أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثني أحمد الحلفاي قال سمعت الشبلي يقول : أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب . وأخبرنا أبو الوقت نا أحمد بن أبي نصر نا الحسن بن محمد بن فوري قالا نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن فوري قالا نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد الهمداني يقول : دخلت على الشبلي فلما قمت لأخرج كان يقول لي ولمن معي إلى أن خرجنا من الدار مروا أنا معكم حيث ما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي . نا محمد بن ناصر أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت منصور بن عبد الله يقول : دخل قوم على الشبلي في مرض موته الذي مات فيه . فقالوا : كيف تجدك يا أبا بكر ؟ فأنشأ يقول :

إن سلطان حبهقال لا أقبل الرشا

فسلوه فديتهما لقتلي تحرشا

قال ابن عقيل وقد حكي عن الشبلي أنه قال أن الله سبحانه وتعالى قال : "ولسوف يعطيك ربك فترضى" والله لا رضي محمد صضص وفي النار من أمته أحد . ثم قال أن محمدا يشفع في أمته وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد . قال ابن عقيل : والدعوى الأولى على النبي صضص كاذبة فإن النبي صضص يرضى بعذاب الفجار . كيف وقد لعن في الخمر عشرة . فدعوى أنه لا يرضى بتعذيب الله عز وجل للفجار دعوى باطلة وإقدام على جهل بحكم الشرع . ودعواه بأنه من أهل الشفاعة في الكل وأنه يزيد على محمد صضص كفر لأن الإنسان متى قطع لنفسه بأنه من أهل الجنة كان من أهل النار فكيف وهو يشيد لنفسه بأنه على مقام يزيد على مقام النبوة بل يزيد على المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى . قال ابن عقيل : والذي يمكنني في حق أهل البدع لساني وقلبي ولو اتسعت قدرتي في السيف لرويت الثرى من دماء خلق .

أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أخبرنا جعفر بن أحمد ثنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف سمعت أبا الحسين بن سمعون سمعت أبا عبد الله العلقي صاحب أبا العباس بن عطاء سمعت أبا العباس بن عطاء يقول : قرأت القرآن فما رأيت الله عز وجل ذكر عبدا فأثنى عليه حتى ابتلاه ، فسألت الله تعالى أن يبتليني فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيف وعشرون ميتا ما رجع منهم أحد . قال وذهب ماله ، وذهب عقله ، وذهب ولده وأهله . فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو نحوها . وكان أول شيء قاله بعد صحوه من غلبته :

حقا أقول لقد كلفتني شططاحملي هواك وصبري أن ذا عجب

قلت : قلة علم هذا الرجل أثمر أن سأل البلاء . وفي سؤال البلاء معنى التقاوى وذاك من أقبح القبيح . و - الشطط - الجور ولا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى . وأحسن ما حمل عليه حاله أن يكون قال هذا البيت في زمان التغيير ، أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أحمد بن علي بن خلف نا محمد بن الحسين السلمي سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحصري يقول : دعوني وبلائي ، ألستم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه . وأسجد له ملائكته ، وأمره بأمره فخالفه ، إذا كان أول الدن دردى كيف يكون آخره . قال وقال الحصري : كنت زمانا إذا قرأت القرآن لا أستعيذ من الشيطان وأقول الشيطان حتى يحضر كلام الحق .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، أما القول الأول بأنه يتسلط على الأنبياء جرأة قبيحة وسوء أدب . وأما الثاني فمخالف لما أمر الله عز وجل به فإنه قال : "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله" أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر نا عباد بن إبراهيم النسفي ثنا محمد بن الحسين السلمي قال : وجدت في كتاب أبي بخطه : سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الدينوري يقول : قد نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها سموا الطبع زيادة ، وسوء الأدب إخلاصا ، والخروج عن الحق شطحا ، والتلذذ بالمذموم طيبة وسوء الخلق صولة ، والبخل جلادة . واتباع الهوى ابتلاء ، والرجوع إلى الدنيا وصولا والسؤال عملا . وبذأ اللسان ملامة وما هذا طريق القوم .

وقال ابن عقيل : عبرت الصوفية عن الحرام بعبارات غيروا لها الأسماء مع حصول المعنى فقالوا في الاجتماع على الطيبة والغناء والخنكرة ، أوقات . وقالوا في المردان شب وفي المعشوقة أخت . وفي الحبة مريدة وفي الرقص والطرب وجد ، وفي مناخ اللهو والبطالة رباط . وهذا التغيير للأسماء لا يباح .

 بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة

قلت : قد سبق ذكر أفعال كثيرة لهم كلها منكرة وإنما نذكر ههنا من أمهات الأفعال وعجائبها . أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال : ذكر عن أبي علي الكريتي - وكان أستاذ الجنيد - أنه اصابته جنابة . وكان عليه مرقعة ثخينة . فجاء إلى شاطئ الدجلة والبرد شديد فحرنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص ثم خرج وقال : عقدت أن لا أنزعها عن بدني حتى تجف علي . فلم تجف عليه شهرا .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز بن علي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا الخلدي ثني جنيد قال سمعت أبا جعفر ابن التكريتي يقول : أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح ويسخن لك الماء ، أو تدخل حماما ، والا اعبأ على نفسك . فقلت واعجبا أنا أعامل الله تعالى في طول عمري . يجب له على حق لا أجد المسارعة إليه ، وأجد الوقوف والباطؤ والتأخر . آليت لا أغتسل إلا في نهر . وآليت لا اغتسلت إلا في مرقعتي هذه ، وآليت لا أعصرنها وآليت لا جففتها في شمس . أو كما قال . قلت : سبق في ذكر المرقعات وصف هذه المرقعة لابن التكريتي وأنه وزن أحد كميها فكان فيه أحد عشر رطلا وإنما ذكر هذا للناس ليبين أني فعلت الحسن الجميل . حكوه عنه ليبين فضله وذلك جهل محض لأن هذا الرجل عصى الله سبحانه وتعالى بما فعل . وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء . ولا يجوز أن يعاقب نفسه فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب : إلقاؤها في الماء البارد ، وكونه في مرقعته لا يمكنه الحركة فيها كما يريد . ولعله بقي من مغابنة ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة وبقائها عليه مبتلة شهرا وذلك يمنعه لذة النوم . وكل هذا الفعل خطأ وإثم وربما كان ذلك سببا لمرضه أو قتله .

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قال أخبرنا  حمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني ، قال : كانت أم علي زوجة أحمد بن حضرويه قد أحلت زوجها أحمد من صداقها على أن يزور بها أبا يزيد البسطامي فحملها إليه فدخلت عليه وقعدت بين يديه مسفرة عن وجهها . فلما قال لها أحمد : رأيت منك عجبا ، أسفرت عن وجهك بين يدي أبي يزيد . قالت : لأني لما نظرت إليه فقدت حظوظ نفسي . وكلما نظرت إليك رجعت إلي حظوظ نفسي . فلما أراد أحمد الخروج من عند أبي يزيد قال له : أوصني . قال : تعلم الفتوة من زوجتك .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه سمعت أبا بكر الفازي ( وفاز قرية بطرسوس ) سمعت أبا بكر السباك سمعت يوسف بن الحسين يقول : كان بين أحمد بن أبي الحواري وبين سليمان عقد أن لا يخالفه في شيء يأمره به ، فجاءه يوما وهو يتكلم في المجلس فقال : إن التنور قد سجرناه فما تأمرنا فما أجابه ، فأعاد مرة أو مرتين فقال له الثالثة : اذهب واقعد فيه ففعل ذلك . فقال أبو سليمان : الحقوه فإن بيني وبينه عقدا أن لا يخالفني في شيء آمره به فقام وقاموا معه فجاؤوا إلى التنور فوجدوه قاعدا في وسطه فأخذ بيده وأقامه فما أصابه خدش .

قال المصنف رحمه الله : هذه الحكاية بعيدة عن الصحة ، ولو صحت كان دخوله النار معصية . وفي الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صضص سرية واستعمل عليها رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم : أليس قد أمركم رسول الله صضص أن تطيعوني ؟ قالوا بلى . قال : فاجمعوا حطبا فجمعوا ثم دعا بنار فأضرمها ثم قال : عزمت عليكم لتدخلنها . قال فهم القوم أن يدخلوها فقال لهم شاب : إنما فررتم إلى رسول الله صضص من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي صضص فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا فرجعوا إلى النبي صضص فأخبروه ، فقال لهم رسول الله صضص : "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا ، إنما الطاعة بالمعروف" . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد  القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ أخبرني الحسن بن جعفر بن علي أخبرني عبد الله بن إبراهيم  الجزري قال : قال أبو الخير الدئيلي : كنت جالسا عند خير النساج فأتته امرأة وقالت له : اعطيني المنديل الذي دفعته إليك . قال : نعم . فدفعه إليها ، قالت : كم الأجرة . قال : درهمان . قالت : ما معي الساعة شيء ، وأنا قد ترددت إليك مرارا فلم أراك وأنا آتيك به غدا إن شاء الله تعالى . فقال لها خير : إن أتيتني بهما ولم تجديني فارمي بهما في دجلة فإني إذا جئت أخذتهما . فقالت المرأة : كيف تأخذ من دجلة ؟ فقال لها خير : هذا التفتيش فضول منك ، افعلي ما أمرتك به . قالت إن شاء الله . فمرت المرأة قال أبو الحسين فجئت من الغد وكان خير غائبا ، وإذا المرأة قد جاءت ومعها خرقة فيها درهمان فلم تجده فرمت بالخرقة في دجلة وإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت ، وبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ وإذا بسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه والخرقة على ظهرها فلما قربت من الشيخ أخذها . فقلت له : رأيت كذا وكذا ! فقال : أحب أن لا تبوح به في حياتي . فأجبته إلى ذلك .

قال المصنف رحمه الله : صحة مثل ذلك تبعد ، ولو صح لم يخرج هذا الفعل من مخالفة الشرع ، لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة . وفي الصحيح أن النبي صضص « نهى عن إضاعة المال » ولا تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة لأن الله عز وجل لا يكرم مخالفا لشرعه .

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ سمعت أبا  الفرج الورياني سمعت علي بن عبد الرحيم يقول : دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين فسألته عن أمره فقال : طالبتني نفسي بأكل الثمر فجعلت أدافعها فتأبى علي فخرجت فاشتريت . فلما أن أكلت قلت لها قومي فصلي فأبت علي فقلت لله علي أن قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد فما قعدت . قلت : من سمع هذا من الجهال يقول ما أحسن هذه المجاهدة ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل لأنه حمل على النفس ما لا يجوز ومنعها من حقها من الراحة . وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء قال : كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فالزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع . قال : وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل : قال وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس لعود نفسه بالحلم . قال : وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا .

قال المصنف رحمه الله : أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها . وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم . وقال قبل أن يورد هذه الحكايات : ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه . وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك . وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان ، وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم . وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا .

قلت : وإني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا . وكيف يحل رمي المال في البحر ، وقد نهى رسول الله صضص عن إضاعة المال . وهل يحل سب مسلم بلا سبب . وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك ؟ وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج ؟ وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب ؟ فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف .

أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم  النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا أبو صالح الدامغاني عن الحسن بن علي الدامغاني قال : كان رجل من أهل بسطام لا ينقطع عن مجلس أبي يزيد لا يفارقه . فقال له ذات يوم : يا أستاذ ، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي من هذا الذي نذكره شيئا البتة . فقال له أبو يزيد : لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم زرة . قال : ولم يا أستاذ ؟ قال : لأنك محجوب بنفسك . فقال له : أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب ؟ قال : نعم ، ولكنك لم تقبل . قال : بلى ، أقبل وأعمل ما تقول . قال أبو يزيد : اذهب الساعة إلى الحجام ، واحلق رأسك ولحيتك ، وانزع عنك هذا اللباس وابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة ، واملأها جوزا واجمع حولك صبيانا وقل بأعلا صوتك يا صبيان ، من يصفعني صفعة أعطيته جوزة . وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه . فقال : يا أبا يزيد سبحان الله ، تقول لي مثل هذا ، ويحسن أن أفعل هذا ؟ فقال أبو يزيد : قولك سبحان الله شرك . قال : وكيف ؟ قال : لأنك عظمت نفسك فسبحتها . فقال : يا أبا يزيد ، هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله ولكن دلني على غيره حتى أفعله . فقال أبو يزيد : ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك . قال : لا أطيق هذا . قال : إنك لا تقبل .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء بل فيه تحريم ذلك ، والمنع منه ، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام : "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" ولقد فاتت الجمعة حذيفة فرأى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص في قصة الصلاة . وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس وقد قال صضص : "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" كل هذا للإبقاء على جاه النفس . ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر .

وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء عن يحيى بن معاذ أنه قال : قلت لأبي يزيد : هل سألت الله تعالى عن المعرفة ، يقال عزت عليه أن يعرفها سواه . فقلت : هذا إقرار بالجهل ، فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهلة وإن تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به .

وحكى أبو حامد : أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له : لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة . قلت : وهذا فوق الجنون بدرجات .

وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنه قال : نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي .

قال أبو حامد : فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام . قلت سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الأحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل . والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال وأي حالة أقبح وأشد من حال من خالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي ، وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة  ومضمون ذلك الشريعة ما تفي بالسياسة .

وكيف يحل للمسلم أن يعرف نفسه لأن يقال عنه سارق وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك ، ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه . ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه . ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه . فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب .

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن بكويه قال : سمعت محمد بن أحمد النجاري يقول : كان علي بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم فأحب أن يحمله إلى البيت فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته .

قلت : واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع . وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى إلا متجملا في ثيابه وأنه يستحيي من العري وكشف الرأس . والشرع لا ينكر عليه هذا . وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه .

وقد جاء في الحديث « الأكل في السوق دناءة » فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه . فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس . وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب فقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين . وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بامرأة فأحبلها . فقيل له : لم تعزل . فقال بلغني أن العزل مكروه . فقيل له : وما بلغك أن الزنا حرام . وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض .

أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا أحمد  الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف سمعت أبا الحسن المديني يقول : خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى اصحابنا فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتهما وقلت هذه لفقير . ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء ، فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء ، فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي وقال : يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي ، قد أماتني موتات وقال لي مالك منا إلا الذكر الذي لسائر الناس . وأخذ يبكي ويقول : ترى ما يفعل بي . فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل . فأقمنا عنده إلى العصر ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا : السباع تدخل القرية بالليل . وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين . فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويصيح ويقول : أين أنت يا سبع . فما شككنا أن الأسد قد افترسه أو قد هلك في أصول القصب . فلما كان قريب الصبح . جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه . فسألته أي شيء كان ذلك الحال . قال : لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه .

قلت : لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين . وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين وهل هذا إلا فعل المجانين ، وأين الهيبة والتعظيم من قوله : ترى ما يفعل بي وما وجه هذا الانبساط وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة .

ثم ما الذي يريده غير الذكر ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع . وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع ؟ أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع ليس هذا في طوقها ولا طلبه الشرع منها . ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول فأجابه بأجود جواب . أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه نا يعقوب الحواط نا أبو أحمد المغازي قال : رأيت النوري وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول : من الخلق أوحشتني ، ومن النفس والمال والدنيا افقرتني . ويقول : ما معك إلا علم وذكر . قال فقلت له : إن رضيت وإلا فانطح برأسك الحائط . أخبرنا محمد بن أبي  القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكراماني نا سهل بن علي الخشاب نا عبد الله  بن علي السراج قال سمعت أبا عمرو بن علوان يقول : حمل أبو الحسين النوري ثلاثمائة دينار ثمن عقار بيع له ، وجلس على قنطرة وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول : جثتي - تريدي أن تخدعيني منك بمثل هذا . قال السراج : فقال بعض الناس : لو أنفقها في سبيل الله كان خيرا له . فقلت : إن كانت تلك الدنانير تشغله عن الله طرفة عين كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة حتى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها كما قال الله عز وجل : "فطفق مسحا بالسوق والأعناق" قلت : لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشرع وعدم عقل . وقد بينا فيما تقدم أن الشرع أمر بحفظ المال وأن لا يسلم إلا إلى رشيد ، وجعله قواما للآدمي ، والعقل يشهد بأنه إنما خلق للمصالح ، فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمة الواضع ، واعتذار السراج له أقبح من فعله . لأنه إن كان خاف فتنته فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلص ، ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق ، ويظن بذلك جواز الفساد ، والفساد لا يجوز في شريعة ، وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله وقد سبق بيان هذا . وقال أبو نصر السراج في كتاب اللمع : قال أبو جعفر الدراج : خرج أستاذي يوما يتطهر فأخذت كتفه ففتشته فوجدت فيه شيئا من الفضة مقدار أربعة دراهم وكان ليلا وبات لم يأكل شيئا ، فلما رجع قلت له : في كتفك كذا وكذا درهما ونحن جياع ، فقال : أخذته ؟ رده ، ثم قال لي بعد ذلك : خذه واشتر به شيئا ، فقلت له : بحق معبودك ما أمر هذه القطع ؟ فقال : لم يرزقني الله من الدنيا شيئا غيرها فأردت أن أوصي أن تدفن معي ، فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله وأقول هذا الذي أعطيتني من الدنيا . أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابم باكويه ثنا عبد الواحد بن بكر قال سمعت أبا بكر الجوال سمعت أبا عبد الله الحصري يقول : مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم ويخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب ما يفطر عليه .

قال المصنف رحمه الله : قلت ، لو علم هذا الرجل أن المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل ، ولو قدرنا جوازها ، فاين أنفة النفس من ذل الطلب ؟ . أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا إسماعيل ثنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : قال رسول الله صضص : "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله عز وجل وما على وجهه مزعة لحم" . قال أحمد : وحدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام قال : قال رسول الله صضص : "لأن يأخذ الرجل حبلا فيحتطب ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فنفقه على نفسه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" .

قلت : انفرد به البخاري واتفقا على الذي قبله . وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صضص أنه قال : "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى" . - والمرة - القوة ، وأصلها من شدة فتل الحبل . يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله . فمعنى المرة في الحديث شدة أمر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب . قال الشافعي رضي الله عنه : لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر بن الثابت أنبأنا أبو سعد الماليني قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الواحد الهاشمي سمعت أبا الحسن يونس بن أبي بكر الشبلي يقول : قام أبي ليله فترك فرد رجل على السطح والأخرى على الدار ، فسمعته يقول : لئن أطرفت لأرمين بك إلى الدار . فما زال على تلك الحال حتى أصبح ، فلما أصبح قال لي : يا بني ما سمعت الليلة ذاكرا لله عز وجل إلا ديكا يساوي دانقين .

قال المصنف رحمه الله : هذا الرجل قد جمع بين شيئين لا يجوزان أحدهما : مخاطرته بنفسه ، فلو غلبه النوم فوقع كان معينا على نفسه ولا شك أنه لو رمى بنفسه كان قد أتى معصية عظيمة فتعرضه للوقوع معصية . والثاني : أنه منع عينه حظها من النوم . وقد قال صضص : "إن لجسدك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا" . وقال : "إذا نعس أحدكم فليرقد" . ومر بحبل قد مدته زينب فإذا فترت أمسكت به ، فأمر بحله . وقال : "ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا كسل أو فتر فليقعد" . وقد تقدمت هذه الأحاديث في كتابنا هذا .

أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت  أبا العباس البغدادي يقول : كنا نصحب أبا الحسن بن أبي بكر الشبلي ونحن أحداث ، فأضافنا ليلة فقلنا بشرط ألا تدخل علينا أباك ، فقال لا يدخل . فدخلنا داره فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة - ثمان شموع - فجاء وقعد وسطنا فاحتشمنا منه ، فقال : يا سادة عدوني فيما بينكم طشت شموع ، ثم قال : أين غلامي أبو العباس ؟ فتقدم إليه فقال : غنني الصوت الذي كنت تغني : ولما بلغ الحيرة حادي جملي حارا :

فقلت احطط بها رحليولا نحفل بمن سارا

فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج . أخبرنا ابن ناصر ثنا هبة الله بن عبد الله الواسطي نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن الصفار قال : خرج الشبلي يوم عيد وقد حلق أشفار عينيه وحاجبيه وتعصب بعصابة وهو يقول :

للناس فطر وعيدإني فريد وحيد

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت نا التنوخي ثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي صابر الدلال قال : وقفت على الشبلي في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه فوقف عليه في الحلقة غلام جميل لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه يعرف بابن مسلم فقال له : تنح . فلم يبرح فقال له الثانية : تنح يا شيطان عنا . فلم يبرح فقال له الثالثة : تنح وإلا والله خرقت كل ما عليك . وكانت عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كثيرة فانصرف الفتى ، فقال الشبلي :

طرحوا اللحم للبزاة على ذروتي عدن

ثم لاموا البزاة إذخلعوا منهم الرسن

لو أرادوا صلاحناستروا وجهك الحسن

قال ابن عقيل : من قال هذا فقد أخطأ طريق الشرع . لأنه يقول ما خلق الله عز وجل هذا الإنسان إلا للافتتان به ، وليس كذلك وإنما خلقه للاعتبار والامتحان فإن الشمس خلقت لتضيء لا لتعبد . وبإسناد عن أحمد بن محمد النهاوندي يقول : مات للشبلي ابن ولد كان اسمه عليا فجزت أمه شعرها عليه ، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلقها جميعها فقيل له : يا أستاذ ما حملك على هذا ؟ فقال : جزت هذه شعرها على مفقود ، ألا أحلق أنا لحيتي على موجود . وبإسناد عن عبد الله بن علي السراج قال : ربما كان الشبلي يلبس ثيابا مثمنة ثم ينزعها ويضعها فوق النار . قال : وذكر عنه أنه أخذ قطعة عنبر فوضعها على النار يبخر بها ذنب الحمار . وقال بعضهم ك دخلت عليه فرأيت بين يديه اللوز والسكر يحرقه بالنار . قال السراج : إنما أحرقه بالنار لأنه كان يشغله عن ذكر الله . قلت : اعتذار السراج عنه أعجب من فعله ، قال السراج : وحكي عنه أنه باع عقارا ففرق ثمنه وكان له عيال فلم يدفع إليهم شيئا ، وسمع قارئا يقرأ : " اخسؤوا فيها " ، فقال : ليتني كنت واحدا منهم ، قلت : وهذا الرجل ظن أن الذي يكلمهم هو الله تعالى والله لا يكلمهم ، ثم لو كلمهم كلام إهانة فأي شيء هذا حتى يطلب ، قال السراج : وقال الشبلي يوما في مجلسه : إن لله عباد لو بزقوا على جهنم لأطفؤوها . قلت : وهذا من جنس ما ذكرناه عن أبي يزيد وكلاها من إناء واحد . وبإسناد عن أبي علي الدقاق يقول : بلغني أن الشبلي اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم .

قال المصنف رحمه الله : وهذا فعل قبيح لا يحل لمسلم أن يؤذي نفسه وهو سبب للعمى ولا تجوز إدامة السهر لأن فيه إسقاط حق النفس والظاهر أن دوام السهر والتقلل من الطعام أخرجه إلى هذه الأحوال والأفعال .

وبإسناد عن أبي عبد الله الرازي قال : كساني رجل صوفا فرأيت على رأس الشبلي قلنوسة تليق بذلك الصوف فتمنيتها في نفسي ، فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي فتبعته ، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي ، فلما دخل داره فقال : انزع الصوف . فنزعته فلفه وطرح القلنوسة عليه ودعى بنار فأحرقهما .

قلت : وقد حكى أبو حامد الغزالي أن الشبلي أخذ خمسين دينارا فرماها في دجلة وقال :ما أعزك أحد إلا أذله الله . وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي لأنه ذكر ذلك على وجه المدح لا على وجه الإنكار فأين أثر الفقه ؟

وبإسناد عن حسين بن عبد الله القزويني قال : حدثني من كان جالسا أنه قال : تعذر علي قوتي يوما ولحقني ضرورة فرأيت قطعة ذهب مطرحة في الطريق فأردت أخذها فقلت لقطة فتركتها ، ثم ذكرت الحديث الذي يروي : "لو أن الدنيا كانت دما عبيطا لكان قوت المسلم منها حلالا" فأخذتها وتركتها في فمي ومشيت غير بعيد فإذا أنا بحلقة فيها صبيان وأحدهم يتكلم عليهم ، فقال له واحد : متى يجد العبد حقيقة الصدق ؟ فقال : إذا رمى القطعة من الشدق . فأخرجتها من فمي ورميتها .

قال المصنف رحمه الله : لا تختلف الفقهاء أن رميه إياها لا يجوز ، والعجب أنه رماها بقول صبي لا يدري ما قال ، وقد حكى أبو حامد الغزالي أن شقيقا البلخي جاء أبو القاسم الزاهد وفي طرف كسائه شيء مصرور ، فقال له : أي شيء معك ؟ قال : لوزات دفعها أخ لي . وقال : أحب أن تفطر عليها . فقال : يا شقيق ، وأنت تحدث نفسك أن تبقى إلى الليل لا كلمتك أبدا .فأغلق الباب في وجهي ودخل .

قال المصنف رحمه الله : انظروا إلى هذا الفقه الدقيق كيف هجر مسلما على فعل جائز بل مندوب لأن الإنسان مأمور أن يستعد لنفسه بما يفطر عليه واستعداد الشيء قبل مجيء وقته حزم ، ولذلك قال الله عز وجل : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" وقد ادخر رسول الله صضص لأزواجه قوت سنة وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله وادخر الباقي ولم ينكر عليه ، فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزهاد . وبإسناد أحمد بن إسحاق العماني قال : رأيت بالهند شيخا وكان يعرف بالصابر قد أتى عليه مائة سنة قد غمض إحدى عينيه ، فقلت له : يا صابر ، ما بلغ صبرك ؟ قال : إني هويت النظر إلى زينة الدنيا فلم أحب أن أشتفي منها ، فغمضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها . وقد حكي لنا عن آخر ، أنه فقأ إحدى عينيه وقال : النظر إلى الدنيا بعينين إسراف . قلت : كان قصده أن ينظر إلى الدنيا بفرد عين ، ونحن نسأل سلامة العقول . وقد حكى يوسف بن أيوب الهمداني عن شيخه عبد الله الجوني أنه كان يقول : هذه الدولة ما أخرجتها من المحراب بل من موضع الخلاء . وقال : كنت أخدم في الخلاء فبينما أنا يوما أكنسه وأنظفه قالت لي نفسي : أذهبت عمرك في هذا ؟ فقلت : أنت تأنفين من خدمة عباد الله . فوسعت رأس البئر ورميت نفسي فيها ، وجعلت أدخل النجاسة في فمي ، فجاؤوا وأخرجوني وغسلوني .

قلت : انظروا إلى هذا المسكين كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة واعتقد أن تلك الدولة إنما حصلت بإلقاء نفسه في النجاسة وإدخالها في فيه ، وقد نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الأصحاب ، وهذا الذي فعله معصية توجب العقوبة . وفي الجملة لما فقد هؤلاء العلم كثر تخبيطهم .

وبإسناد عن محمد بن علي الكتاني يقول : دخل الحسين بن منصور مكة في ابتداء أمره فجهدنا حتى أخذنا مرقعته . قال السوسي : أخذنا منها قملة فوزناها فإذا نصف دانق من كثرة رياضته وشدة مجاهدته . قلت : انظروا إلى هذا الجاهل بالنظافة التي حث عليها الشرع وأباح حلق الشعر المحظور على المحرم لأجل تأذيه من القمل وجبر الحظر بالفدية وأجهل من هذا من اعتقد هذا رياضته .

وبإسناد عن أبي عبد الله بن ملقح يقول : كان عندنا فقير صوفي في الجامع فجاع مرة جوعا شديدا فقال : يا رب إما أن تطعمني وإما أن ترميني بشرف المسجد . فجاء غراب فجلس على الشرف فوقعت عليه من تحت رجله آجرة فجرى دمه ، وكان يمسح الدم ويقول : إيش تبالي بقتل العالم . قلت : قتل الله هذا ولا أحياه في مقابلته هذا الاستنباط ، هلا قام إلى الكسب أو إلى الكدية . وبإسناد عن غلام خليل قال : رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول : أشهدكم على الله هوذا يقتلني ، وسقط ميتا .

 

 رأي بعض الصوفية في الملانفية

وفي الصوفية قوم يسمون الملانفية اقتحموا الذنوب وقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من الجاه وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع . قال : وفي القوم طائفة يظهرون من أنفسهم أقبح ما هم فيه ويكتمون أحسن ما هم عليه ، وفعلهم هذا من أقبح الأشياء ، ولقد قال رسول الله صضص : "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" . وقال في حق ما عز : "هلا سترته بثوبك يا هذا" . واجتاز على رسول الله صضص بعض أصحابه وهو يتكلم مع صفية زوجته فقال له : "إنها صفية" . وقد علم الناس التجافي عن ما يوجب سوء الظن فإن المؤمنين شهداء الله في الأرض . وخرج حذيفة إلى الجمعة ففاتته فرأى الناس وهم راجعون فاستتر لئلا يسوء ظن الناس به . وقد قدمنا هذه . وقال أبو بكر الصديق لرجل قال له إني لمست امرأة وقبلتها . فقال : تب إلى الله ولا تحدث أحدا بذلك . وجاء رجل إلى النبي صضص وقال : إني أتيت من أجنبية ما دون الزنا يا رسول الله . قال : "ألم تصل معنا ؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : ألم تعلم أن الصلاتين تكفر ما بينهما ؟" . وقال رجل لبعض الصحابة : إني فعلت كذا وكذا من الذنوب . فقال : لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك . فهؤلاء قد خالفوا الشريعة وأرادوا قطع ما جبلت عليه النفوس .

 

 من اندس في الصوفية من أهل الإباحة

وقد اندس في الصوفية أهل الإباحة فتشبهوا بهم حفظا لدمائهم وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول ، كفار فمنهم قوم لا يقرون بالله سبحانه وتعالى ومنهم من يقر به ولكن يجحد النبوة ويرى أن ما جاء به الأنبياء محال ، وهؤلاء لما أرادوا أمراح أنفسهم في شهواتها لم يجدوا شيئا يحقنون به دماءهم ويستترون به وينالون فيه أغراض النفوس ، كمذهب التصوف فدخلوا فيه ظاهرا وهم في الباطن كفرة وليس لهؤلاء إلا السيف لعنهم الله .

والقسم الثاني : قوم يقرون بالإسلام إلا أنهم ينقسمون قسمين : القسم الأول يقلدون في أفعالهم لشيوخهم من غير اتباع دليل ولا شبهة فهم يفعلون ما يأمرونهم به وما رأوهم عليه .

القسم الثالث : قوم عرضت لهم شبهات فعملوا بمقتضاها . والأصل الذي نشأت منه شبهاتهم أنهم لما هموا بالنظر في مذاهب الناس لبس عليهم إبليس فأراهم أن الشبهة تعارض الحجج وأن التمييز يعسر وأن المقصود أجل من أن ينال بالعلم وإنما الظفر به رزق يساق إلى العبد لا بالطلب فسد عليهم باب النجاة الذي هو طلب العلم فصاروا يبغضون اسم العلم كما يبغض الرافضي اسم أبي بكر  وعمر ويقولون العلم حجاب والعلماء محجوبون عن المقصود بالعلم فإن أنكر عليم عالم قالوا لأتباعهم هذا موافق لنا في الباطن وإنما يظهر ضد ما نحن فيه للعوام الضعاف العقول فإن جد في خلافهم قالوا : هذا أبله مقيد بقيود الشريعة محجوب عن المقصود ، ثم عملوا على شبهات وقعت لهم ولو فطنوا لعلموا أن عملهم بمقتضى شبهاتهم علم ، فقد بطل إنكارهم العلم ، وأنا أذكر شبهاتهم وأكشفها إن شاء الله تعالى وهي ست شبهات .

الشبهة الأولى : أنهم قالوا إذا كانت الأمور مقدرة في القدم وأن أقواما خصوا بالسعادة ، وأقواما بالشقاوة ، والسعيد لا يشقى ، والشقي لا يسعد ، والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة ، وقد سبقنا وجود الأعمال فلا وجه لاتعاب النفس في عمل ولا نكفها عن ملذوذ لأن المكتوب في القدر واقع لا محالة .

والجواب عن هذه الشبهة أن يقال لهم هذا رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاؤوا به لأنه إذا قال في القرآن أن أقيموا الصلاة قال القائل لماذا إن كنت سعيدا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة وكذلك إذا قال ولا تقربوا الزنا يقول القائل لماذا أمنع نفسي ملذوذها والسعادة الشقاوة مقضيتان قد فرغ منهما ، وكان لفرعون أن يقول لموسى حين قال له : "هل لك إلى أن تزكى" مثل هذا الكلام ثم يترقى إلى الخالق فيقول ، ما فائدة إرسالك الرسل وسيجري ما قدرته ؟ وما يفضي إلى رد الكتب . وتجهيل الرسل محال باطل ، ولهذا كان رد الرسول صضص على أصحابه حين قالوا : ألا نتكل ؟ فقال : "اعملوا فكل ميسر لما خلق" . واعلم أن للآدمي كسبا هو اختياره فعليه يقع الثواب والعقاب ، فإذا خالف تبين لنا أن الله عز وجل قضى في السابق بأن يخالفه وإنما يعاقبه على خلافه لا على قضائه . ولهذا يقتل القائل ولا يعتذر له بالقدر ، وإنما ردهم الرسول عن ملاحظة القدر إلى العمل لأن الأمر والنهي حال ظاهر والمقدر مكن ذلك أمر باطن وليس لنا أن نترك ما عرفناه من تكليف ما لا نعمله من المقضي وقول : "فكل ميسر لما خلق له" إشارة إلى أسباب القدر ، فإنه من قضي له بالعلم يسر له طلبه وحبه وفهمه ، ومن حكم له بالجهل نزع حب العلم من قلبه ، وكذلك من قضي له بولد يسر له النكاح ، ومن لم يقض له بولد لم ييسر له .

الشبهة الثانية : أنهم قالوا إن الله عز وجل مستغن عن أعمالنا غير متأثر بها معصية كانت أو طاعة فلا ينبغي أن نتعب أنفسنا في غير فائدة .

وجواب هذه الشبهة أن تجيب أولا - الجواب الأول - ، ونقول هذا رد على الشرع فيما أمر به فكأنا قلنا للرسول وللمرسل لا فائدة فيما أمرتنا به ثم نتكلم عن الشبهة فنقول من يتوهم أن الله جل وعلا ينتفع بطاعة أو يتضرر بمعصية أو ينال بذلك غرضا فما عرف الله جل جلاله لأنه مقدس عن الأعراض والأغراض ومن انتفاع أو ضرر وإنما نفع الأعمال تعود على أنفسنا كما قال عز وجل : " ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه " " ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه " وإنما يأمر الطبيب المريض بالحمية لمصلحة المريض لا لمصلحة الطبيب وكما أن للبدن مصالح من الأغذية ومضار فللنفس مصالح من العلم والجهل والاعتقاد والعمل فالشرع كالطبيب فهو أعرف بما يأمر به من المصالح ، هذا مذهب من علل وأكثر العلماء قالوا أفعاله لا تعلل ، وجواب آخر ، وهو أنه إذا كان غنيا عن أعمالنا كان غنيا عن معرفتنا له وقد أوجب علينا معرفته ، فكذلك أوجب طاعته ، فينبغي أن تنظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره .

الشبهة الثالثة : قالوا قد ثبت سعة رحمة الله سبحانه وتعالى وهي لا تعجز عنا فلا وجه لحرمان نفوسنا مرادها .

فالجواب كالجواب الأول : لأن هذا القول يتضمن إطراح ما جاء به الرسل من الوعيد وتهوين ما شددت في التحذير منه في ذلك وبالغت في ذكر عقابه ومما يكشف التلبيس في هذا أن الله عز وجل كما وصف نفسه بالرحمة وصفها بشديد العقاب ونحن نرى الأولياء والأنبياء يبتلون بالأمراض والجوع ويأخذون بالزلل وكيف وقد خافه من قطع له بالنجاة ، فالخليل يقول يوم القيامة نفسي نفسي ، والكليم يقول نفسي نفسي ، وهذا عمر رضي الله عنه يقول : الويل لعمر إن لم يغفر له . واعلم أن من رجا الرحمة تعرض لأسبابها فمن أسبابها التوبة من الزلل كما أن من رجا أن يحصد الزرع ، وقد قال الله عز وجل : " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله " يعني أن الرجاء بهؤلاء يليق وأما المصرون على الذنوب وهم يرجون الرحمة فرجاؤهم بعيد ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" . وقد قال معروف الكرخي : رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق . واعلم أنه ليس في الأفعال التي تصدر من الحق سبحانه وتعالى ما يوجب أن يؤمن عقابه إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته وكما لا يحسن اليأس لما يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع لما يبدو من أخذانه وانتقامه فإن من قطع أشرف عضو بربع دينار لا يؤمن أن يكون عقابه غدا هكذا .

الشبهة الرابعة : إن قوما منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من أكدارها المردية فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء قالوا ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر فتركوا العمل .

وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك ، وليس هذا مراد الشرع ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة وإنما خلقت الشهوات لفائدة إذ لولا شهوة الطعام هلك الإنسان ، ولولا شهوة النكاح انقطع النسل .

ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه وكذلك حب المال مركوز في الطباع لأنه يوصل إلى الشهوات ، وإنما المراد من الرياضة كف النفس عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه ، وقد مدح الله عز وجل من نهى النفس عن الهوى وإنما تنتهي عما تطلبه ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهيها ، وقد قال الله عز وجل : "والكاظمين الغيظ" وما قال والفاقدين الغيظ ، والكظم رد الغيظ يقال كظم البعير على جرته إذا ردها في حلقه فمدح من رد النفس عن العمل بمقتضى هيجان الغيظ فمن ادعى أن الرياضة تغير الطباع ادعى المحال وإنما المقصود بالرياضة كسر شره شهوة النفس والغضب لا إزالة أصلها والمرتاض كالطبيب العاقل عند حضور الطعام يتناول ما يصلحه ويكف عما يؤذيه وعادم الرياضة كالصبي الجاهل يأكل ما يشتهي ولا يبالي بما جنى .

الشبهة الخامسة : إن قوما منهم داموا على الرياضة مدة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم للعوام ولو تجوهروا لسقطت عنهم قالوا وحاصل النبوة ترجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة وهؤلاء قد رأوا أن من أثر جوهرهم ارتفاع الحمية عنهم حتى إنهم قالوا أن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله مع النبي فلم يقشعر جلده فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه ولم يكمل بعد إذ لو كمل لماتت نفسه فسموا الغيرة نفسا وسموا ذهاب الحمية الذي هو وصف المخابيث كمال الإيمان .

وقد ذكر ابن جرير في تاريخه إلى الريدونية كانوا يستحلون الحرمات فيدعو الرجل منهم الجماعة إلى بيته فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته .

وكشف هذه الشبهة أنه ما دامت الأشباح قائمة فلا سبيل إلى ترك الرسوم الظاهرة من التعبد فإن هذه الرسوم وضعت لمصالح الناس ، وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطبع إلا أن الكدر يرسب مع الدوام على الخير ويركد فأقل شيء يحركه كالمدرة تقع في الماء الذي تحته حمأة وما مثل هذا الطبع إلا كالماء يجري بسفينة النفس والعقل مداد ولو أن المداد مد عشرين فرسخا ثم أهمل عادت السفينة تنحدر ومن ادعى تغير طبعه كذب ومن قال إني لا أنظر إلى المستحسنات بشهوة لم يصدق ، كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم تغيروا فأين تأثير العقل والهوى يقودهم ، وقد رأينا أقواما منهم يصافحون النساء ، وقد كان رسول الله صضص وهو المعصوم لا يصافح المرأة وبلغنا عن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ويخلون بهن ثم يدعون السلامة وقد رأوا أنهم يسلمون من الفاحشة وهيهات فأين السلامة من إثم الخلوة المحرمة والنظر الممنوع منه وأين الخلاص من جولان الفكر الرديء ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو خلا عظمان نخران لهم أحدهما بالآخر . يشير إلى الشيخ والعجوز . وبإسناد عن ابن شاهين قال : ومن الصوفية قوما أباحوا الفروج بادعاء الأخوة فيقول أحدهم للمرأة تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا . قلت : وقد روى لنا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب رياضة النفوس قال : روي لنا أن سهل بن علي المروزي كان يقول لامرأة أخيه وهي معه في الدار استتري مني زمانا ثم قال لها كوني كيف شئت . قال الترمذي : كان ذلك منه حين وجد شهوته قلت . أما موت الشهوة هذا لا يتصور مع حياة الآدمي وإنما يضعف والإنسان قد يضعف عن الجماع ولكنه يشتهي اللمس والنظر ، ثم يقدر أن جميع ذلك ارتفع عنه أليس نهى الشرع عن النظر والنظر باق وهو عام وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قيل لأبي نصر النصراباذي أن بعض الناس يجالس النسوان ويقول أنا معصوم في رؤيتهن فقال ما دامت الأشباح قائمة فإن الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب به ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات وقد قال أبو علي الروزباري وسئل عمن يقول وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال قد وصل ولكن إلى سقر . وبإسناد عن الجريري يقول : سمعت أبا القسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله عز وجل فقال الجنيد أن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا ، وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها لأنه أوكد معرفتي به وأقوى في حالي .

وبإسناد عن أبي محمد المرتعش يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول : من رأيته يدعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد علم شرعي فلا تقربنه ومن رأيته يدعي حالة باطنة لا يدل عليها ويشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه .

الشبهة السادسة : أن أقواما بالغوا في الرياضة فرأوا ما يشبه نوع كرامات أو منامات صالحة أو فتح عليهم كلمات لطيفة أثمرها الفكر والخلوة فاعتقدوا أنهم قد وصلوا إلى المقصود وقد وصلنا فما يضرنا شيء ومن وصل إلى الكعبة انقطع عن السير فتركوا الأعمال إلا أنهم يزينون ظواهرهم بالمرقعة والسجادة والرقص والوجد ويتكلمون بعبارات الصوفية في المعرفة والوجد والشوق وجوابهم هو جواب الذين قبلهم .

قال ابن عقيل : اعلم أن الناس شردوا على الله عز وجل وبعدوا عن وضع الشرع إلى أوضاعهم المخترعة . فمنهم من عبد سواه تعظيما له عن العبادة وجعلوا تلك وسائل على زعمهم ومنهم من وحد إلا أنه أسقط العبادات وقال هذه أشياء نصبت للعوام لعدم المعارف وهذا نوع شرك لأن الله عز وجل لما عرف أن معرفته ذات قعر بعيد وجو عال وبعيد أن يتقي من لم يعرف خوف النار لأن الخلق قد عرفوا قدر لذعها وقال لأهل المعرفة : "ويحذركم الله نفسه" وعلم أن المتعبدات أكثرها تقتضي الإنس بالأمثال ووضع الجهات والأمكنة والأبنية والحجارة للانساك والاستقبال فأبان عن حقائق الإيمان به فقال : " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله " وقال : "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها" فعلم أن المعول على المقاصد ولا يكفي مجرد المعارف من غير امتثال كما تعول عليه الملحدة الباطنية وشطاح الصوفية .

وبإسناد عن أبي القاسم بن علي بن المحسن التنوخي عن أبيه . قال : أخبرني جماعة من أهل العلم أن بشراز رجل يعرف بابن خفيف البغدادي شيخ الصوفية هناك يجتمعون إليه ويتكلم على الخطرات والوساوس ويحضر حلقته ألوف من الناس وأنه فاره فهم حاذق . فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب قال : فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية فاجتمع النساء الصوفيات وهن خلق كثير ولم يختلط بمأتمهن غيرهن : فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه وهم عدد كثير إلى الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام الصوفية إلى أن قالت : قد تعزيت . فقال لها : ههنا غير . فقالت : لا غير . قال : فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم ، وتعذيبها بعذاب الهموم ، ولأي معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار ، وتصفو الأرواح ويقع الاخلافات وتنز البركات . قال : فقلن النساء إذا شئت . قال فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم فلما كان سحر خرجوا . قال المحسن : قوله ههنا غير أي ههنا غير موافق المذهب . فقالت : لا غير أي ليس مخالف وقوله نترك الامتزاج كناية عن الممازجة في الوطء ، وقوله لتلتقي الأنوار عندهم أن في كل جسم نورا إلهيا . وقوله اخلافات أي يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن . قال المحسن : وهذا عندي عظيم ، ولولا أن جماعة يخبروني يبعدون عن الكذب ما حكيته لعظمة عندي واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام ، قال : وبلغني أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط وشرد جموعهم فكفوا .

 

 ذم ابن عقيل للصوفية وحكايته أفعالهم : نقد مسالك الصوفية في تأويلاتهم

ولما قل علم الصوفية بالشرع فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحل مثل ما قد ذكرنا ثم تشبه بهم من ليس منهم وتسمى باسمهم وصدر عنهم مثل ما قد حكينا وكان الصالح منهم نادرا ذمهم خلق من العلماء وعابوهم حتى عابهم مشائخهم .

وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبي قال : كنا عند مالك فذكرت له صوفيين في بلادنا . فقلت له : يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا . قال ويحك ومسلمين هم . قال فضحك حتى استلقى قال : فقال لي بعض جلسائه : يا هذا ما رأينا أعظم فتنة على هذا الشيخ منك ما رأينا ضاحكا قط .

وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول : لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق . وعنه أيضا أنه قال : ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا وأنشد الشافعي .

ودعوا الذين إذا أتوك تنسكواوإذا خلوا كانوا ذئاب حقاف

وبإسناد عن حاتم قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال : قال أبو سليمان : ما رأيت صوفيا فيه خير إلا واحدا عبد الله بن مرزوق قال : وأنا أرق لهم .

وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول : ما رأيت صوفيا عاقلا إلا إدريس الخولاني . قال السلمي : هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون .

وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى : يقول صحبت الصوفية ثلاثين سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلم الخواص . وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول : حدثنا وكيع قال : سمعت سفيان يقول : سمعت عاصما يقول : ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث . وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول : قال لي وكيع : لم تركت حديث هشام ؟ قال : صحبت قوما من الصوفية  وكنت بهم معجبا . فقالوا : إن لم تمح حديث هشام قاطعناك فأطعتم : قال إن فيهم حمقا .

وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال : الخوارج أحب إلي من الصوفية . وبإسناد عن يحيى بن معاذ يقول : اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين ، والفقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين . وقد ذكرنا في أول ردنا على الصوفية من هذا الكتاب . إن الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النون ما كان يتكلم به وببسطام على أبي يزيد وأخرجوه ، وأخرجوا أبا سليمان الداراني .

وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري وسهل التستري . وذلك لأن السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة ويهجرون عليها تمسكا بالسنة ولقد حدثني أبو الفتح بن السامري قال : جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات فأقبل الشيخ أبو الخطاب الكلوذاني الفقيه متوكئا على يدي حتى وقف بباب الرباط وقال : يعز علي لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء وأنا أدخل هذا الرباط . قلت : على هذا كان أشياخنا .

فأما في زماننا هذا فقد اصطلح الذئب والغنم . قال ابن عقيل : نقلته من خطه وأنا أذم الصوفية لوجوه يوجب الشرع ذم فعلها . منها أنهم اتخذوا مناخ البطالة وهي الأربطة فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد فلا هي مساجد ولا بيوت ولا خانات وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء ، وعولوا على الترقيع المعتمد بن التحسين تلميعا والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع في نفوس العوام والنسوة من تلميع السقلاطون بألوان الحرير .

واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا عن فساد قلوب النسوة على أزواجهن ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الأموال كالعداد والأجناد وأرباب المكوس ، ويستصحبون المردان في السماعات يجلبونهم في الجموع مع ضوء الشموع ، ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة ، ويستحلون بل يوجبون اقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه ، ويسمون الطرب وجدا ، والدعوة وقتا ، واقتسام ثياب الناس حكما ، ولا يخرجون عن بيت دعوا إليه إلا عن إلزام دعوة أخرى يقولون أنها وجبت واعتقاد ذلك كفر وفعله فسوق . ويعتقدون أن الغناء بالقضبان قربة وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخذة مجاب اعتقادا منهم أنه قربة وهذا كفر أيضا لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا والناس بين تحريمه وكراهيته ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم فإن عولوا إلى مرتبة شيخه قيل الشيخ لا يعترض عليه . فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحا وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقا . فإن قبل أمردا قيل رحمة ، وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة ، وإن قسم ثوبا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل حكم الخرقة .

وليس لنا شيخ نسلم إليه حاله إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التكليف وأن المجانين والصبيان يضرب على أيديهم وكذلك البهائم . والضرب بدل من الخطاب ، ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله لكان ذلك الشيخ أبو بكر الصديق رضي الله عنه .

وقد قال : إن اعوججت فقوموني . ولم يقل فسلموا إلي . ثم انظر إلى الرسول صلوات الله عليه كيف اعترضوا عليه . فهذا عمر يقول : ما بالنا تقصر وقد أمنا . وآخر يقول : تنهانا عن الوصال وتواصل ؟ وآخر يقول : أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ ! ثم إن الله تعالى تقول له الملائكة : "أتجعل فيها" . ويقول موسى : "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا" ، وإنما هذه الكلمة جعلها الصوفية ترفيها لقلوب المتقدمين ، وسلطنة سلكوها على الأتباع والمريدين كما قال تعالى : "فاستخف قومه فأطاعوه" ، ولعل هذه الكلمة من القائلين منهم بأن العبد إذا عرف لم يضره ما فعل . وهذه نهاية الزندقة لأن الفقهاء أجمعوا على أنه لا حالة ينتهي إليها العارف إلا ويضيق عليه التكليف كأحوال الأنبياء يضايقون في الصغائر . فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفرغ الخالين من الإثبات . وإنما هم زنادقة جمعوا بين مدارع العمال مرقعات وصوف ، وبين أعمال الخلعاء الملحدة أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع . ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة فجاؤوا بوضع أهل الخلاعة .

فأول ما وضعوا أسماء وقالوا حقيقة وشريعة . وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق . فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين . وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع . وإن سمعوا أحدا يروي حديثا قالوا مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت . وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت . فمن قال حدثني أبي عن جدي قلت حدثني قلبي عن ربي فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار وأنفقت عليهم لأجلها الأموال .

لأن الفقهاء كالأطباء في ثمن الدواء صعبة والنفقة على هؤلاء كالنفقة على المغنيات . وبغضهم الفقراء أكبر الزندقة لأن الفقهاء يخطرونهم بفتاويهم عن ضلالهم وفسقهم . والحق يثقل كما تثقل الزكاة . وما أخف البذل على المغنيات وإعطاء الشعراء على المدائح . وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمر « بشيء سموه الحشيش والمعجون والغناء المحرم » سموه السماع والوجد والتعرض بالوجد المزيل للعقل حرام كفى الله الشريعة شر هذه الطائفة الجامعة بين دهمئة في اللبس وطيبة في العيش وخداع بألفاظ معسولة ليس تحتها سوى إهمال التكليف وهجران الشرع ولذلك خفوا على القلوب ولا دلالة على أنهم أرباب باطل أوضح من محبة طباع الدنيا لهم كمحبتهم أرباب اللهو والمغنيات .

قال ابن عقيل فإن قال قائل هم أهل نظافة ومحاريب وحسن سمت وأخلاق قال فقلت لهم لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بها قلوب أمثالكم لم يدم لهم عيش والذي وصفتهم به رهبانية النصرانية ولو رأيت نظافة أهل التطفيل على الموائد ومخانيث بغداد ودمائة المغنيات لعلمت أن طريقهم طريقة الفكاهة والخداع وهل يخدع الناس إلا بطريقة أو لسان فإذا لم يكن للقوم قدم في العلم ولا طريقة فبم ذا يجتذبون به قلوب أرباب الأموال .

واعلم أن حمل التكليف صعب ولا أسهل على أهل الخلاعة من مفارقة الجماعة ولا أصعب عليهم من حجر ومنع صدر عن أوامر الشرع ونواهيه وما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين فهؤلاء يفسدون عقائد الناس بتوهيمات شبهات العقول وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان يحبون البطالات وسماع الأصوات وما كان السلف كذلك بل كانوا في باب العقائد عبيد تسليم وفي الباب الآخر أرباب جد . قال : ونصيحتي إلى إخواني أن لا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعاش أولى من بطالة الصوفية والوقوف على الظواهر أحسن من توغل المنتخلة وقد خبرت طريقة الفريقين فغاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح .

قال ابن عقيل : والمتكلمون عندي خير من الصوفية لأن المتكلمين قد يزيلون الشك والصوفية يوهمون التشبيه . فأكثر كلامهم يشير إلى إسقاط السفارة والنبوات . فإذا قالوا عن أصحاب الحديث قالوا : أخذوا علمهم ميتا عن ميت . فقد طعنوا في النبوات وعولوا على الواقع . ومتى أزرى على طريق سقط الأخذ به . ومن قال حدثني قلبي عن ربي فقد صرح أنه غني عن الرسول ، ومن مصرح بذلك فقد كفر . فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع . وما يؤمن هذا القائل : حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين فقد قال الله عز وجل : "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" . وهذا هو الظاهر لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقي في قلبه الذي لم يثبت حراسته من الوساوس وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا . قال والخوارج على الشريعة كثير إلا أن الله عز وجل يؤيدها بالنقلة الحفاظ الذابين عن الشريعة حفظها لأصلها ، وبالفقهاء لمعانيها : وهم سلاطين العلماء لا يتركون لكذاب رأسا ترتفع .

قال ابن عقيل : والناس يقولون إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية قال وأنا أقول وخراب دينه لأن الصوفية قد أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى في خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض فصارت الدعوة عرسا للشخصين فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص ومال طبع إلى طبع وتتغير المرأة على زوجها فإن طابت نفس الزوج سمى بالديوث وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط بمن لا يضيق الخنق ولا يحجر على الطباع . ويقال : تبات فلانة وألبسها الشيخ الخرقة وقد صارت من بناته . ولم يقنعوا هذا لعب وخطأ حتى قالوا هذا من مقامات الرجال وجرت على هذه السنون وبرد حكم الكتاب والسنة في القلوب . هذا كله من كلام ابن عقيل رضي الله عنه فلقد كان ناقدا مجيدا متلمحا فقيها . أنشدنا أبو علي عبيد الله الزغواني قال أنشدنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وأبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قالا أنشدنا أبو بكر العتبري لنفسه في الصوفية :

تأملت أختبر المدعينبين الموالي وبين العبيد

فألفيت أكثرهم كالسرابيروقك منظره من بعيد

فناديت يا قوم من تعبدونفكل أشار بقدر الوجود

فبعض أشار إلى نفسهوأقسم ما فوقها من مزيد

وبعض إلى خرقة رقعتوبعض إلى ركوة من جلود

وآخر يعبد أهواءهوما عابد للهوى بالرشيد

ومجتهد وقته ريهفإن فات بات بليل عنيد

وذو كلف باستماع السماع البسط وبين النشيد

يئن إذا أومضت رنةويزرأ منها بثوب جديد

يخرق خلقانه عامداليعتاض منها بثوب جديد

ويرمي بهيكله في السعيرلقلع الثريد وبلع العصيد

فيا للرجال ألا تعجبونلشيطان إخواننا ذا المزيد

يخبطهم بفنون الجنونوما للمجانين غير القيود

وأقسم ما عرفوا ذا الجلالوما عرفوه بغير الجحوذ

ولولا الوفاء لأهل الوفاءسلقتهم بلسان حديد

فمالي يطالبني بالوصال من ليس يعلم ما في الصدود

أضن بودي ويسخو بهوقد كنت أسخو به للودود

ولكن إذا لم أجد صاحبايسر صديقي ويشجو الحسود

عطفت بودي مني إليهفغاب نحوسي وآب السعود

فما بال قومي على جهلهمبعز الفريد وأنس الوحيد

إذا أبصروني بكوا رحمةونيران أحقادهم في وقود

لأني بعدت عن المدعينولو صدقوا كنت غير البعيد

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبا الحسين بن عبد الجبار الصيرفي نا أبو  عبد الله محمد بن علي الصوري قال أنشدنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر التجيبي قال أنشدنا الحسن بن علي بن سيار :

رأيت قوما عليهم سمةالخير يحمل الركآء مبتهلة

اعتزلوا الناس في جوامعهمسألت عنهم فقيل متكلة

صوفية للقضاء صابرةساكنة تحت حكمه بزله

فقلت إذ ذاك هؤلاء هم الــناس ومن دون هؤلاء رزله

فلم أزل خادما لهم زمناحتى تبينت أنهم سفله

أن أكلوا كان أكلهم سرفاأو لبسوا كان شهرة مثله

سل شيخهم والكبير محتبراعن فرضه لا تخاله عقله

واسأله عن وصف شادن غنجمدلل لا تراه قد جهله

علمهم بينهم إذا جلسواكعلم راعي الرعاع والرذلة

الوقت والحال والحقيقة والـبرهان والعكس عندهم مثله

فدلبسوا الصوف كي يروا صلحاوهم أشرار الذباب والحفلة

وجانبوا الكسب والمعاش لكييستأصلوا الناس شرها أكله

وليس من عفة ولا دعةلكن تعجيل راحة العلطة

فقل لمن مال باختداعهمإليهم تب فإنهم بطله

واستغفر الله من كلامهمولا تعاود لعشرة الجهلة

قال الصوري وأنشدني بعض شيوخنا :

أهل التصوف قد مضواصار التصوف مخرقة

صار التصوف صيحةوتواجدا ومطبقة

كذبتك نفسك ليس ذاسنن الطريق الملحقة

حتى تكون بعين منمنه العيون المحدقة

تجري عليك صروفهوهموم سرك مطرقة

أنشدنا محمد بن ناصر قال أنشدنا أبو زكريا التبريزي لأبي العلاء المعري :

زعموا بأنهم صفوا لمليكهمكذبوك ما صافوا ولكن صافوا

شجر الخلاف قلوبهم ويح لهاغرضي خلاف الحق لا الصفصاف

أنشدنا ابن ناصر أبو بكر قال أنشدنا أبو اسحاق الشيرازي الفقيه لبعضهم :

أرى جيل التصوف شر جيلفقل لهم وأهون بالحلول

أقال الله حين عشقتموهكلوا أكل البهائم وارقصوا لي

 

 الباب الحادي عشر في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات

قد بينا فيما تقدم أن إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه وكلما كثر العلم قل تمكنه منه . ومن العباد من يرى ضوءا أو نورا في السماء فإن كان رمضان قال : رأيت ليلة القدر وإن كان في غيره قال قد فتحت لي أبواب السماء . وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة وربما كان اتفاقا وربما كان اختبارا وربما كان من خدع إبليس . والعاقل لا يساكن شيئا من هذا ولو كان كرامة . وقد ذكرنا في باب الزهاد عن مالك بن دينار وحبيب العجمي أنهما قالا : إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز ولقد استعوى بعض ضعفاء الزهاد بأن أراه ما يشبه الكرامة حتى ادعى النبوة . فروي عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال : ثنا محمد بن المبارك بن مسلم عن عبد الرحمن بن حسان قال : كان الحارث الكذاب من أهل دمشق وكان مولى لأبي الجلاس وكان له أب بالغوطة تعرض له إبليس وكان متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرأيت عليه زهادة وكان إذا أخذ في التحميد لم يصغ السامعون إلى كلام أحسن من كلامه قال : فكتب إلى أبيه يا أبتاه اعجل علي فإني رأيت أشياء أتخوف منها أن تكون من الشياطين . قال : فزاده أبوه غيا وكتب له : يا بني أقبل على ما أمرت به ، إن الله يقول : " هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم " ولست بأفاك ولا أثيم فامض لما أمرت به . وكان يجيء إلى أهل المساجد رجلا رجلا فيذكر له أمره ويأخذ عليهم العهود والمواثيق إن هو رأى يرضى قبل وإلا كتم عليه ، وكان يريهم الأعاجيب . كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح . وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول : اخرجوا حتى أريكم الملائكة . فيخرجهم إلى دير المران فيريهم رجالا على خيل ، فتبعه بشر كثير وفشى الأمر وكثر أصحابه حتى وصل خبره إلى القاسم بن مخيمرة فقال له : إني نبي . فقال له القاسم : كذبت يا عدو الله . فقال له أبو إدريس : بئس ما صنعت إذ لم تلن له حتى تأخذه . الآن يفر . وقام من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره فبعث عبد الملك في طلبه فلم يقدر عليه . وخرج عبد الملك حتى نزل العنيبرة فاتهم عامة عسكرة بالحارث أن يكونوا يرون رأيه وخرج الحارث حتى أتى بيت المقدس واختفى وكان الصحابة يخرجون يلتمسون الرجال يدخلونهم عليه وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فأدخل على الحارث فأخذ في التحميد وأخبره بأمره وأنه نبي مبعوث مرسل . فقال : إن كلامك لحسن ولكن لي في هذا نظر . قال فانظر . فخرج البصري ثم عاد إليه فرد عليه كلامه فقال : إن كلامك لحسن وقد وقع في قلبي وقد آمنت بك وهذا هو الدين المستقيم . فأمر أن لا يحجب عنه متى أراد الدخول فأقبل البصري يتردد إليه ويعرف مداخله ومخارجه وأين يهرب حتى صار من أخبر الناس به . ثم قال له : ائذن لي . فقال : إلى أين ؟ قال إلى البصرة فأكون أول داع لك بها . قال : فاذن له فخرج مسرعا إلى عبد الملك وهو بالصنيبرة . فلما دنا من سرادقه صاح : النصيحة النصيحة . فقال أهل العسكر : وما نصيحتك ؟ قال : نصيحة لأمير المؤمنين . فأمر الخليفة عبد الملك أن يأذنوا له بالدخول عليه . فدخل وعنده أصحابه . قال : فصاح : النصيحة . قال : وما نصيحتك ؟ قال : اخلني لا يكن عندك أحد . فأخرج من في البيت وقال له : ادنني . قال : ادن . فدنا وعبد الملك على السرير . قال : ما عندك ؟ قال : الحارث . فلما ذكر الحارث طرح عبد الملك نفسه من أعلى السرير إلى الأرض ثم قال : أين هو ؟ قال : يا أمير المؤمنين ببيت المقدس ، قد عرفت مداخله ومخارجه . وقص عليه قصته وكيف صنع به . فقال : أنت صاحبه وأنت أمير بيت المقدس وأميرنا ههنا فمرني بما شئت . قال : يا أمير المؤمنين ، ابعث معي قوما لا يفهمون الكلام . فأمر أربعين رجلا من فرغانة فقال : انطلقوا مع هذا فما أمركم به من شيء فأطيعوه . قال : وكتب إلى صاحب بيت المقدس أن فلانا هو الأمير عليك حتى يخرج ، فأطعه فيما أمرك به . فلما تقدم بيت المقدس أعطاه الكتاب فقال : مرني بما شئت . فقال : اجمع لي كل شمعة تقدر عليها ببيت المقدس وادفع كل شمعة إلى رجل ورتبهم على أزقة بيت المقدس وزواياه ، فإذا قلت : أسرجوا أسرجوا جميعا فرتبهم في أزقة بيت المقدس وزواياه بالشمع . وتقدم البصري إلى منزل الحارث فأتى الباب ، فقال للحاجب : استأذن لي على نبي الله . قال : في هذه الساعة ؟ ما يؤذن عليه حتى يصبح . قال : أعلمه أني ما رجعت إلا شوقا إليه قبل أن أصل . فدخل عليه وأعلمه بكلامه فأمره بفتح الباب . قال : ثم صاح البصري : أسرجوا الشموع . فأسرجت حتى كانت كأنها النهار ثم قال : من مر بكم فاضبطوه كائنا من كان . دخل هو إلى الموضع الذي يعرفه فطلبه فلم يجده فقال أصحاب الحارث هيهات تريدون تقتلون نبي الله قد رفع إلى السماء . قال : فطلبه في شق قد هيأه سربا ، فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا هو بثوبه فاجتره فأخرجه إلى خارج ، ثم قال للفرغانيين : اربطوه . فربطوه . فبينما هم يسيرون به على البريد إذ قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله . فقال رجل من الفرغانيين أولئك العجم هذا كرامتنا فهات كرامتك أنت . وساروا به حتى أتوا به عبد الملك فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت فصلبه وأمر بحربة وأمر رجلا فطعنه فلما صار إلى ضلع من أضلاعه فانكفأت الحربة عنه فجعل الناس يصيحون ويقولون : الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح . فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة ثم مشى إليه وأقبل يتجسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها فأنفذها فقتله . قال الوليد : بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية دخل على عبد الملك بن مروان فقال : لو حضرتك ما أمرتك بقلته . قال : ولم ؟ قال : إنما كان به المذهب فلو جوعته ذهب عنه . وروى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء : فلما حمل الحارث على البريد وجعلت في عنقه جامعة من حديد وجمعت يده إلى عنقه فأشرف على عقبة بيت المقدس تلى هذه الآية : " قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي " . فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض فوثب الحرس الذين كانوا معه فأعادوها عليه ثم ساروا به فلما أشرفوا على عقبة أخرى قرأ آية فسقطت من رقبته ويده على الأرض فأعادوها عليه فلما قدموا على عبد الملك حبسه وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويخوفوه الله ويعلموه أن هذا من الشيطان فأبى أن يقبل منهم فصلب . وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت فتكلم الناس وقالوا ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل . ثم أتاه حرسه برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه ثم هزه وأنفذه . وسمعت من قال : قال عبد الملك للذي ضربه بالحربة لما انثنت : أذكرت الله حين طعنته ؟ قال : نسيت . قال : فاذكر الله ثم اطعنه . ذكر الله ثم طعنه فأنفذها .

 

 المغترين بما يشبه الكرامات

وكم اغتر قوم بما يشبه الكرامات فقد روينا بإسناد عن حسن عن أبي عمران قال : قال لي فرقد : يا أبا عمران قد أصبحت اليوم وأنا مهتم بضريبتي وهي ستة دراهم وقد أهل الهلال وليست عندي فدعوت فبينما أنا أمشي على شط الفرات إذا أنا بستة دراهم فأخذتها فوزنتها فإذا هي ستة لا تزيد ولا تنقص . فقال : تصدق بها فإنها ليست لك . قلت : أبو عمران هو إبراهيم النخعي فقيه أهل الكوفة . فانظروا إلى كلام الفقهاء وبعد الاغترار عنهم . وكيف أخبره أنها لقطة ولم يلتفت إلى ما يشبه الكرامة . وإنما لم يأمره بتعريفها لأن مذهب الكوفيين أنه لا يجب التعريف لما دون الدينار . وكأنه إنما أمره بالتصدق بها لئلا يظن أنه أكرم بأخذها وإنفاقها .

وبإسناد عن إبراهيم الخراساني أنه قال : احتجت يوما إلى الوضوء فإذا أنا بكوز من جوهر وسواك من فضة رأسه ألين من الخز فاستكت بالسواك وتوضأت بالماء وتركتهما وانصرفت . قلت : في هذه الحكاية لا يوثق بروايته فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز ولكن قل علمه فاستعمله .

وإن ظن أنه كرامة والله تعالى لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعا إلا أن أظهر له ذلك على سبيل الامتحان وذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ قال حدثني أبي قال : كان السرمقاني المقري يقرأ على علي بن العلاف وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة وقد نزل إلى دجلة وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابه وجعل يأكله فشق ذلك عليه وأتى إلى رئيس الرؤساء فأخبره بحاله فتقدم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الذي يأتي إليه السرمقاني أن يعمل لبابه مفتاحا من غير أن يعلمه ففعل وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزا سميدا ومعها دجاجة وحلوى سكرا ففعل الغلام ذلك وكان يحمله على الدوام . فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحا في القبلة ورأى الباب مغلقا فتعجب وقال في نفسه : هذا من الجنة ، ويجب كتمانه وأن لا أتحدث به فإن من شرط الكرامة كتمانها وأنشدني :

من أطلعوه على سر فباح بهلم يأمنوه على الأسرار ما عاشا

فلما استوت حالته وأخصب جسمه سأله ابن العلاف عن سبب ذلك وهو عارف به وقصد المزاح معه . فأخذ يوري ولا يصرح ، ويكني ولا يفصح . ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجده في المسجد كرامة إذ لا طريق لمخلوق عليه . فقال له ابن العلاف : يجب أن تدعو لابن المسلمة فإنه هو الذي فعل ذلك . فنغص عيشه بأخباره وبانت عليه شواهد الانكسار .

 

 تحذير العقلاء بما يشبه الكرامات

ولما علم العقلاء شدة تلبيس إبليس حذروا من أشياء ظاهرها الكرامة وخافوا أن تكون من تلبيسه . روينا بإسناد عن أبي الطيب يقول : سمعت زهرون يقول : كلمني الطير وذاك أني كنت في البادية فتهت فرأيت طائرا أبيض فقال لي زهرون أنت تائه . فقلت : يا شيطان غرغيري . فقال لي : أنت تائه . فقلت : يا شيطان غرغيري . فوثب في الثالثة فصار على كتفي . وقال : ما أنا بشيطان ، أنت تائه أرسلت إليك ثم غاب عني .

وبإسناد عن محمد بن عبد الله القرشي قال حدثني محمد بن يحيى بن عمرو قال حدثتني زلفى قالت : قلت لرابعة العدوية : يا عمة ، لم لا تأذنين للناس يدخولن عليك ؟ قالت : وما أرجو من الناس إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل . قال القرشي : وزادني غير أبي حاتم أنها قالت : يبلغني أنهم يقولون إني أجد الدراهم تحت مصلاي ، ويطبخ لي القدر بغير نار . ولو رأيت مثل هذا فزعت منه . قالت : فقلت لها إن الناس يكثرون فيك القول ، يقولون إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب ، فهل تجدين شيئا فيه ؟ قالت : يا ابنة أخي لو وجدت في منزلي شيئا ما مسسته ولا وضعت يدي عليه . قال القرشي : وحدثني محمد بن إدريس قال : قال محمد بن عمرو : وحدثتني زلفى عن رابعة إنها أصبحت يوما صائمة في يوم بارد . قالت : فنازعتني نفسي إلى شيء من الطعام السخن أفطر عليه وكان عندي شحم فقلت : لو كان عندي بصل أو كراث عالجته . فإذا عصفور قد جاء فسقط على المثقب في منقاره بصلة ، فلما رأيته أضربت عما أردت وخفت أن يكون من الشيطان . وبالإسناد عن محمد بن يزيد قال : كانوا يرون لوهيب أنه من أهل الجنة ، فإذا أخبر بها اشتد بكاؤه وقال : قد خشيت أن يكون هذا من الشيطان . وبالإسناد عن أبي عثمان النيسابوري يقول : خرجنا مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور فجلسنا فتكلم الشيخ علينا فطابت أنفسنا ثم بصرنا فإذا بأيل قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ فأبكاه ذلك بكاء شديدا . فلما سكن سألناه فقلت : يا أستاذ تكلمت علينا فطابت قلوبنا ، فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك . فقال : نعم ، رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم فوقع في قلبي لو أن شاة ذبحتها ودعوتكم عليها ، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي فخيل لي أني مثل فرعون الذي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه . قلت فما يؤمنني أن يكون الله تعالى يعطيني كل حظ لي في الدنيا وأبقى في الآخرة فقيرا لا شيء لي . فهذا الذي أزعجني .

 

 الحكايات الموضوعة في الكرامات

وقد لبس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النقل . أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه قال نا محمد بن محمد الحافظ قال نا عبيد الله بن محمد الفقيه قال أحمد بن عبد الله بن الحسن الآدمي قال حدثني أبي قال : قال سهل بن عبد الله قال عمرو بن واصل كذا في الرواية والصواب قال عمرو بن واصل قال سهل بن عبد الله : صحبت رجلا من الأولياء في طريق مكة فنالته فاقة ثلاثة أيام فعدل إلى مسجد في أصل جبل وإذا فيه بئر عليها بكرة وحبل ودلو ومطهرة . وعند البئر شجرة رمان ليس فيها حمل . فأقام في المسجد إلى المغرب فلما دخل الوقت إذا بأربعين رجلا عليهم المسوح وفي أرجلهم نعال الخوص قد دخلوا المسجد فسلموا وأذن أحدهم وأقام الصلاة وتقدم فصلى بهم . فلما فرغ من صلاته تقدم إلى الشجرة فإذا فيها أربعون رمانة غضة طريفة فأخذ كل واحد منهم رمانة وانصرف . قال وبت على فاقتي فلما كان في الوقت الذي أخذوا فيه الرمان أقبلوا أجمعين فلما صلوا وأخذوا الرمان قلت : يا قوم أنا أخوكم في الإسلام ، وبي فاقة شديدة فلا كلمتموني ولا واسيتموني . فقال رئيسهم : إنا لا نكلم محجوبا بما معه فامض واطرح ما معك وراء هذا الجبل في الوادي وارجع إلينا حتى تنال ما ننال . قال فرقيت الجبل فلم تسمح نفسي برمي ما معي فدفنته ورجعت . فقال لي : رميت ما معك ؟ قلت نعم ، قال : فرأيت شيئا ؟ قلت لا ، قال : ما رميت شيئا إذن فارجع فارم به في الوادي . فرجعت ففعلت ، فإذا قد غشيني مثل الدرع نور الولاية فرجعت فإذا في الشجرة رمانة فأكلتها واستقللت بها من الجوع والعطش ولم ألبث دون المضي إلى مكة فإذا أنا بالأربعين بين زمزم والمقام فأقبلوا إلي بأجمعهم يسألوني عن حالي ويسلمون علي . فقلت : قد غنيت عنكم وعن كلامكم آخرا كما أغناكم الله عن كلامي أولا فما في لغير الله موضع .

قال المصنف رحمه الله : عمرو بن واصل ضعفه ابن أبي حاتم . والآدمي وأبوه مجهولان . ويدل على أنها حكاية موضوعة قولهم اطرح ما معك لأن الأولياء لا يخالفون الشرع ، والشرع قد نهى عن إضاعة المال . وقوله غشيني نور الولاية فهذه حكاية مصنوعة وحديث فارغ ، ومثل هذه الحكاية لا يغتر بها من شم رائحة العلم إنما يغتر بها الجهال الذين لا بصيرة لهم .

 أخبرنا محمد بن ناصر قال نا السهلكي قال : سمعت محمد بن علي الواعظ قال : وفيما أفادني بعض الصوفية حاكيا عن الجنيد قال