كتاب تلبيس إبليس
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام
ابن تيمية
1
(
الباب الأول ) في الأمر بلزوم السنة والجماعة .
(
الباب الثاني ) في ذم البدع والمبتدعين .
(
الباب الثالث ) في التحذير من فتن إبليس ومكايده .
(
الباب الرابع ) في معنى التلبيس والغرور .
(
الباب الخامس ) في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات .
(
الباب السادس ) في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم .
(
الباب السابع ) في ذكر تلبيسه على الولاة والسلاطين .
(
الباب الثامن ) في ذكر تلبيسه على العباد في فنون العبادات .
الباب
الأول :- الأمر بلزوم السنة والجماعة
أخبرنا هبة
الله بن محمد نا الحسن بن علي التيمي نا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن
أحمد حدثني أبي عن ابن إسحاق نا ابن المبارك ثنا محمد بن سوقة عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خطب بالجابية فقال : قام فينا
رسول الله صضص فقال : "من أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، فإن
الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد" أخبرنا أحمد وحدثنا جرير عن عبد الله
بن عمير عن جابر بن سمرة . قال : خطب عمر الناس بالجابية ، فقال إن رسول الله صضص
قام في مثل مقامي هذا ، فقال : "من أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم
الجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد" .
قال
الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي المديني
نا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبدان ثنا أبو محمد بن صاعد
ثنا سعيد بن يحيى الأموي ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عمر
بن الخطاب قال قال رسول الله صضص : "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ،
فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد" .
حدثنا عبد
الأول بن عيسى نا أبو القصار بن يحيى ثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز أنبأنا أبو
عبيد نا النضر بن إسماعيل عن محمد بن سوقة عن عبد الله بن دينار عن عمر ، قال قال
رسول الله صضص : "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان
مع الواحد وهو من الإثنين أبعد" أخبرنا عبد الأول نا أبو عبد الله محمد بن
عبد العزيز الفارسي نا عبد الرحمن بن أبي شريح ثنا ابن صاعد ثنا إبراهيم بن سعد
الجوهري ثنا معاوية عن يزيد بن مرادنبه عن زياد بن علاقة عن عرفجة ، قال سمعت رسول
الله صضص يقول : "يد الله على الجماعة ، والشيطان مع من يخالف الجماعة"
.
أخبرنا
محمد بن عمر الأرموي والحسين بن علي المقري نا عبد الصمد بن المأمون نا علي بن عمر
الدارقطني ثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول حدثني أبي ثنا محمد بن يعلى ثنا
سليمان العامري عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال سمعت رسول الله
صضص يقول : "يد الله على الجماعة ، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما
يختطف الذئب الشاة من الغنم" . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن
جعفر ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي أنبأنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن عاصم عن
أبي وائل عن عبد الله ، قال : خط رسول الله صضص خطا بيده ، ثم قال : "هذا
سبيل الله مستقيما" قال ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال : "هذه السبل ليس
منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه" ثم قرأ " وأن هذا صراطي مستقيما
فاتبعوه ولا تتبعوا السبل " وبالإسناد قال أحمد وثنا روح ثنا سعيد عن قتادة
قال ثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، أن رسول الله صضص قال :
"إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ، يأخذ الشاة القاصية والناحية"
فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد . حدثنا أحمد ثنا أبو اليمان ثنا
ابن عياش عن أبي البحتري بن عبيد بن سليمان عن أبيه عن أبي ذر عن النبي صضص ، أنه
قال : "اثنان خير من واحد ، وثلاثة خير من اثنين ، وأربعة خير من ثلاثة .
فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لم يجمع أمتي إلا على الهدى" .
أخبرنا عبد
الملك بن القاسم الكروخي قال أخبرنا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العروجي قالا أخبرنا
المحبوبي ثنا الترمذي ثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن عبد
الرحمن بن زياد الإفريقي عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر قال قال رسول الله صضص :
"ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل ، حذو النعل بالنعل حتى إن كان
منهم من أتى أمه علانية ، لكان في أمتي من يصنع ذلك ، وإن بني إسرائيل تفرقت على
ثنتين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة ،
قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال ما أنا عليه وأصحابي" . قال الترمذي هذا
حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه .
وروى أبو
داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان ، أنه قام فقال : ألا إن رسول الله صضص
قام فينا فقال : "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين
ملة ، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في
الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب
بصاحبيه" .
أخبرنا أبو
البركات بن علي البزار نا أحمد بن علي الطريثيثي نا هبة الله بن الحسين الحافظ نا
محمد بن الحسين الفارسي نا يوسف بن يعقوب بن إسحاق ثنا العلاء بن سالم ثنا معاوية
ثنا الأعمش بن مالك بن الحارث عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله ، قال :
الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة . أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا
أحمد بن الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا محمد بن أحمد بن الحسين ثنا بشر بن موسى
ثنا محمد بن سعيد ثنا ابن المبارك عن الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال :
عليكم بالسبيل والسنة ، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من
خشية الله فتمسه النار .
وإن
اقتصادا في سبيل وسنة ، خير من اجتهاد في إخلاف . أخبرنا سعد الله بن علي نا
الطرثيثي نا هبة الله بن الحسين نا عبد الواحد بن عبد العزيز نا محمد بن أحمد
الشرقي ثنا عثمان بن أيوب نا إسحاق بن إبراهيم المرزوي . قال ثنا أبو إسحاق الأقرع
قال سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي
الله عنهما ، قال : النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهي عن البدعة
عباده .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم قال نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الأصبهاني ثنا محمد بن أحمد
بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي قال أنبأنا سفيان بن عيينة ، قال : سمعت
عاصما الأحول يحدث أبي العالية ، قال : عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن
يفترقوا - قال عاصم فحدثت به الحسن ، فقال : قد نصحك والله وصدقك . أخبرنا محمد بن
عبد الباقي نا أحمد بن أحمد قال نا أحمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن أحمد
بن الحسن أنبأنا بشر بن موسى نا معاوية بن عمرو نا أبو إسحاق الفزاري . قال قال
الأوزاعي اصبر نفسك على السنة ، وقف حيث وقف القوم ، وقل بما قالوا ، وكف عما كفوا
عنه ، واسلك سبيل سلفك الصالح ، فإنه يسعك ما وسعهم . أخبرنا محمد بن أبي القاسم
نا أحمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن عبد الله بن أسلم
أنبأنا محمد بن منصور الهروي ثنا عبد الله بن عروة ، قال : سمعت يوسف بن موسى
القطان يحدث عن الأوزاعي ، قال : رأيت رب العزة في المنام ، فقال لي يا عبد الرحمن
، أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، فقلت : بفضلك يا رب . وقلت يا رب
أمتني على الإسلام ، فقال : وعلى السنة .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم أنبأنا أحمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا إبراهيم
بن أبي عبد الله ثنا محمد بن إسحاق سمعت أبا همام السكوني يقول : حدثني أبي قال
سمعت سفيان يقول : لا يقبل قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية ، ولا
يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة . أخبرنا محمد نا أحمد أبو نعيم أنبأنا
محمد بن علي ثنا عمرو بن عبدويه ثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الرحمن بن عفان قال ثنا
يوسف بن أسباط . قال قال سفيان : يا يوسف إذا بلغك عن رجل بالمشرق أنه صاحب سنة
فابعث إليه بالسلام ، وإذا بلغك عن آخر بالمغرب أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام ،
فقد قل أهل السنة والجماعة .
أخبرنا سعد
الله بن علي نا أحمد بن علي الطريثيثي نا هبة الله بن الحسين الطبري نا محمد بن
عبد الرحمن نا البغوي نا محمد بن زياد البلدي ثنا أبو أسامة عن حماد بن زيد قال
أيوب : إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي . وبه قال الطبري
وأخبرنا الحسين بن أحمد ثنا عبد الله اليزدجري ثنا عبد الله بن وهب ثنا إسماعيل بن
أبي خالد قال ثنا أيوب بن سويد عن عبد الله بن شوذب عن أيوب . قال قال : إن من
سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة .
قال الطبري
وأخبرنا أحمد بن محمد بن حنون ثنا جعفر بن محمد بن نضير ثنا أحمد بن محمد بن مسروق
ثنا محمد بن هارون أبو نشيط ثنا أبو عمير بن النحاس ثنا ضمرة عن ابن شوذب . قال :
إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك ، أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها . قال الطبري
وأخبرنا عيسى بن علي ثنا البغوي ثنا محمد بن هارون ثنا سعيد بن شبيب ، قال : سمعت
يوسف بن أسباط ، يقول : كان أبي قدريا وأخوالي روافض فأنقذني الله بسفيان . قال
الطبري وأخبرنا أحمد بن محمد بن حفص نا عبد الله بن عدي ثني أحمد بن العباس
الهاشمي ثنا محمد بن عبد الأعلى . قال : سمعت معتمر بن سليمان يقول : دخلت على أبي
وأنا منكسر فقال لي مالك ؟ قلت مات صديق لي فقال مات على السنة ؟ قلت : نعم ؟! قال
تحزن عليه : قال الطبري وأخبرنا أحمد بن عبد الله نا محمد بن الحسين ثنا أحمد بن
زهير ثنا يعقوب بن كعب ثنا عبدة ثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري ، قال :
استوصوا بأهل السنة خيرا ، فإنهم غرباء .
أخبرنا أبو
منصور بن حيرون نا إسماعيل بن أبي الفضل الإسماعيلي نا حمزة بن يوسف السهمي نا عبد
الله بن علي الحافظ نا أبو عوانة ثنا جعفر بن عبد الواحد قال : قال لنا ابن أبي
بكر بن عياش : السنة في الإسلام ، أعز من الإسلام في سائر الأديان .
سمعت أبا
عبد الله الحسين بن علي المقري يقول : سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء يقول : سمعت
أبا عبد الله محمد بن عبد الله الإسكندراني يقول : سمعت أبا منصور محمد الأزدي
يقول : سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن فراشة يقول : سمعت أحمد بن منصور يقول :
سمعت الحسن بن محمد الطبري يقول : سمعت محمد بن المغيرة يقول : سمعت يونس بن عبد
الأعلى يقول : سمعت الشافعي يقول : إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث ، فكأنتي رأيت
رجلا من أصحاب النبي صضص .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم نا أحمد أبو نعيم أخبرني جعفر الخلدي في كتابه ، قال سمعت
الجنيد يقول : الطرق كلها مسدودة على الخلق ، إلا من اقتفى أثر الرسول صضص واتبع
سنته ولزم طريقته ، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه . أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر
بن محمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا علي بن عبد الله بن جهضم نا محمد بن حابان
، قال : سمعت حامد بن إبراهيم يقول قال الجنيد بن محمد : الطريق إلى الله عز وجل
مسدودة على خلق الله تعالى ، إلا على المقتفين آثار رسول الله صضص والتابعين لسنته
. كما قال الله عز وجل : "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" .
الباب الثاني :- في ذم البدع والمبتدعين
أخبرنا أبو
القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الشيباني قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن
المذهب نا أبو بكر أحمد بن حمدان نا أبو عبد الله بن حنبل قال : أخبرني أبي ثنا
يزيد عن إبراهيم بن سعد أخبرني أبي وأخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن الماوردي وأبو
سعد البغدادي قالا نا المطهر بن عبد الواحد نا أبو جعفر أحمد بن محمد المرزبان نا
محمد بن إبراهيم الحروزي ثنا لوين ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صضص : "من أحدث في أمرنا
ما ليس فيه فهو رد" .
أخبرنا
موهوب بن أحمد نا علي بن أحمد البسري ثنا محمد بن عبد الرحمن المخلص ثنا عبد الله
بن محمد البغوي ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي وإسحاق بن إبراهيم المروزي قالا ثنا
إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة . قالت قال رسول الله صضص :
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" . قال البغوي وحدثنا عبد
الأعلى بن حماد ثنا عبد العزيز عن عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم عن
القاسم عن عائشة رضي الله عنها . أن النبي صضص قال : "من فعل أمرا ليس عليه
أمرنا فهو رد" أخرجاه في الصحيحين .
أخبرنا هبة
الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي
ثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن ومغيرة الضبي عن مجاهد عن عبد الله بن عمر عن
النبي صضص ، أنه قال : "من رغب عن سنتي فليس مني" - انفرد بإخراجه
البخاري - . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد
حدثني أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد ثنا خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن
بن عمرو السلمي وحجر بن حجر . قالا : أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه :
"ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم" . فقال عرباض : صلى بنا رسول الله
صضص الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ،
ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد
إلينا ، فقال :"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا ، فإنه من
يعيش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من
بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة
وكل بدعة ضلالة" .
قال
الترمذي هذا حديث حسن صحيح . أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن مالك
ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الله بن الوليد ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي
وائل وعن ابن مسعود ، قال قال رسول الله صضص : "أنا فرطكم على الحوض ،
وليختلجن رجال دوني ، فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"
- أخرجاه في الصحيحين - .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن محمد نا أبو نعيم ثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الله
بن سليمان ثنا محمد بن يحيى ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو
الشيباني عن عبد الله بن محرز قال : يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبد الله البقال نا أبو الحسين بن بشران ثنا
عثمان بن أحمد الدقاق ثنا حنبل قال : حدثني أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ثنا
عبد الرزاق ثنا معمر . قال : كان طاوس جالساً وعنده ابنه . فجاء رجل من المعتزلة
فتكلم في شيء فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه . وقال : يا بني أدخل أصبعك في أذنيك حتى
لا تسمع من قوله شيئاً فإن هذا القلب ضعيف . ثم قال : أي بني أسدد - فما زال يقول
أسدد حتى قام الآخر - . قال حنبل وحدثنا محمد بن داود ثنا عيسى بن علي الضبي . قال
: كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم . فبلغ إبراهيم أنه قد دخل في الإرجاء فقال له
إبراهيم إذا قمت من عندنا فلا تعد . قال حنبل وحدثنا محمد بن داود الحدائي ، قال :
قلت لسفيان بن عيينة : إن هذا يتكلم في القدر - يعني إبراهيم بن أبي يحيى - ، فقال
سفيان : عرفوا الناس أمره وسلوا الله لي العافية . قال حنبل وحدثنا سعدويه ثنا
صالح المري . قال : دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد ، ففتح بابا من أبواب القدر
فتكلم فيه . فقال ابن سيرين : إما أن تقوم وإما أن نقوم . أخبرنا المحمدان ابن
ناصر وابن عبد الباقي قالا نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد الله بن
محمد بن جعفر ثنا أبو بكر بن راشد ثنا إبراهيم بن سعيد بن عامر عن سلام بن أبي
مطيع . قال : قال رجل من أهل الأهواء لأيوب أكلمك بكلمة ؟ قال : لا ولا نصف كلمة .
قال ابن
راشد وحدثنا أبو سعيد الأشج ثنا يحيى بن يمان عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن
أيوب السختياني قال : ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله عز وجل بعدا .
أخبرنا أبو
البركات بن علي البزار نا الطرثيثي نا هبة الله بن الحصين نا عيسى بن علي نا
البغوي نا أبو سعيد الأشج نا يحيى بن اليمان قال سمعت سفيان الثوري قال البدعة أحب
إلى إبليس من المعصية المعصية يثاب منها والبدعة لا يثاب منها أخبرنا ابن أبي
القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو النعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسين بن
علي ثنا محمود بن غيلان ثنا مؤمل بن إسماعيل . قال : مات عبد العزيز بن أبي داود
وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا فصف الناس وجاء الثوري . فقال الناس : جاء
الثوري - فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه فجاوز الجنازة ولم يصل عليه لأنه
كان يرمي بالإرجاء .
أخبرنا
المبارك بن أحمد الأنصاري نا عبد الله بن أحمد السمرقندي نا أحمد بن أحمد بن روح
النهرواني ثنا طلحة بن أحمد الصوفي ثنا محمد بن أحمد بن أبي مهزول قال سمعت أحمد
بن عبد الله يقول : سمعت شعيب بن حرب يقول : سمعت سفيان الثوري يقول : من سمع من
مبتدع لم ينفعه الله بما سمع ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة . أخبرنا محمد
بن ناصر نا أحمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الأصفهاني ثنا إسماعيل بن أحمد نا
عبد الله بن محمد ثنا سعيد الكريري . قال : مرض سليمان التيمي فبكى في مرضه بكاء
شديداً فقيل له ما يبكيك ؟ أتجزع من الموت . قال : لا ولكني مررت على قدري فسلمت
عليه فأخاف أن يحاسبني ربي عليه . أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا
: أخبرنا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر بن عبدان نا محمد بن الحسين البائع ثني
أبي ثنا محمد بن بكر قال سمعت فضل بن عياض يقول : من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه .
أخبرنا ابن
عبد الباقي نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن النضر ثنا
عبد الصمد بن يزيد ، قال : سمعت فضيل بن عياض يقول : من أحب صاحب بدعة أحبط الله
عمله وأخرج نور الإسلام من قبله . أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا أحمد بن عبد الله
الحافظ ثنا محمد بن علي ثنا عبد الصمد . قال سمعت الفضيل يقول : إذا رأيت مبتدعاً
في طريق فخذ في طريق آخر ، ولا يرفع الصاحب البدعة إلى الله عز وجل عمل ، ومن أعان
صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام . وسمعت رجلا يقول للفضيل من زوج كريمته من
فاسق فقد قطع رحمها . فقال له الفضيل : من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها ومن
جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة ، وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب
بدعة رجوت أن يغفر الله له سيآته .
قال المصنف
: وقد روي بعض هذا الكلام مرفوعا وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صضص
: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام . وقال محمد بن النضر الحارثي : من
أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه . وقال إبراهيم سمعت أبا
جعفر محمد بن عبد الله القابني يقول : سمعت علي بن عيسى يقول : سمعت محمد بن إسحاق
يقول : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : قال صاحبنا - يعني الليث بن سعد - لو رأيت
صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته . فقال الشافعي : إنه ما قصر لو رأيته يمشي على
الهواء ما قبلته . وعن بشر بن الحارث أنه قال : جاء موت هذا الذي يقال له المريسي
وأنا في السوق فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكرا - الحمد لله الذي أماته .
هكذا قولوا .
قال المصنف
: حدثت عن أبي بكر الخلال عن المروزي عن محمد بن سهل البخاري قال : كنا عند
القرباني فجعل يذكر أهل البدع فقال له رجل لو حدثتنا كان أعجب إلينا فغضب وقال
كلامي في أهل البدع أحب إلي من عبادة ستين سنة .
ذم البدع والمبتدعين
فإن قال
قائل قد مدحت السنة وذممت البدعة فما السنة وما البدعة فإنا نرى أن كل مبتدع في
زعمنا يزعم أنه من أهل السنة ( فالجواب ) أن السنة في اللغة الطريق ، و لا ريب في
أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله صضص وآثار أصحابه هم أهل السنة لأنهم
على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث : وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله
صضص وأصحابه .
والبدعة :
عبارة عن فعل لم يكن فابتدع والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة
وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان . فإن ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب
التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان
جائزاً حفظاً للأصل وهو الاتباع . وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر رضي الله
عنهما ، حين قالا له اجمع القرآن : كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صضص ؟
وأخبرنا
محمد بن علي بن أبي عمر قال أخبرنا علي بن الحسين نا ابن شاذان نا أبو سهل نا أحمد
البرني ثنا أبو حذيفة ثنا سفيان عن ابن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة ، أن سعد بن
مالك سمع رجلاً يقول : لبيك ذا المعارج . فقال : ما كنا نقول هذا على عهد رسول
الله صضص .
وأخبرنا
محمد بن أبي القاسم بإسناد يرفعه إلى أبي البحتري . قال : أخبر رجل عبد الله بن
مسعود أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا .
وسبحوا الله كذا وكذا . واحمدوا الله كذا وكذا قال عبد الله : فإذا رأيتهم فعلوا
ذلك فأتني فأخبرتي بمجلسهم فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود
فجأة ، وكان رجلا حديدا ، فقال : أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره
لقد جئتم ببدعة ظلما ولقد فضلتم أصحاب محمد صضص علما . فقال عمرو بن عتبة : أستغفر
الله . فقال عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا .
أنبأنا أبو
بكر بن أبي طاهر عن أبي محمد الجوهري عن أبي عمر بن أبي حياة ثنا أحمد بن معروف
ثنا الحسين بن فهم ثنا محمد بن سعد ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا ابن عوف ،
قال : كنا عند إبراهيم النخعي فجاء رجل فقال : يا أبا عمران ادع الله أن يشفيني
فرأيت أنه أكرهه كراهية شديدة حتى عرفنا كراهية ذلك في وجهه . وذكر إبراهيم السنة
فرغب فيها وذكر ما أحدثه الناس فكرهه . وقال فيه : أخبرنا المحمدان : ابن ناصر ،
وابن عبد الباقي نا أحمد نا أبو نعيم سمعت
محمد بن إبراهيم يقول : سمعت محمد بن ريان يقول : سمعت ذا النون - وجاءه أصحاب
الحديث فسألوه عن الخطرات والوساوس - فقال : لا أتكلم في شيء من هذا فإن هذا محدث
، سلوني عن شيء في الصلاة أو الحديث . ورأى ذو النون علي خفا أحمر ، فقال : انزع
هذا يا بني فإنه شهرة ، ما لبسه رسول الله صضص ، إنما لبس أسودين ساذجين .
لزوم طريق أهل السنة
قال الشيخ
أبو الفرج رحمه الله . قد بينا أن القوم كانوا يحذرون من كل بدعة وإن لم يكن بها
بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها فلم
يروا بفعلها بأساً كما روى أن الناس كانوا يصلون في رمضان وحدانا وكان الرجل يصلي
فيصلي بصلاته الجماعة فجمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب رضي الله عنهما فلما
خرج فرآهم قال : نعمت البدعة هذه - لأن صلاة الجماعة مشروعة . وإنما قال الحسن في
القصص : نعمت البدعة ، كم من أخ يستفاد ، ودعوة مستجابة . لأن الوعظ مشروع ومتى
أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم .
فأما إذا
كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة . وإن كانت مضادة فهي أعظم . فقد بان
بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئاً لم يكن قبل
ولا مستند له ولهذا استتروا ببدعتهم . ولم يكتم أهل السنة مذهبهم فكلمتهم ظاهرة
مشهور والعاقبة لهم . أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن
جعفر ثنا عبد الله بن أحمد قال ثني أبي ثنا يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل عن قيس عن
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صضص : لا يزال نا سمن أمتي
ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون - في الصحيحين :
أخبرنا هبة
الله الحسن بن علي نا ابن الملك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي قال ثنا يوسف ثنا
حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان ، قال : قال رسول الله
صضص : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي
أمر الله وهم كذلك" انفرد به مسلم . وقد روى هذا المعنى عن النبي صضص معاوية
وجابر بن عبد الله وقرة أخبرنا الروخي النورجي والأزدي قالا نا الحراجي ثنا
المحبوبي ثنا الترمذي قال : قال محمد بن إسماعيل ، قال علي بن المديني : هم أصحاب
الحديث .
انقسام أهل البدع
في بيان
انقسام أهل البدع أخبرنا عبد الملك الكروخي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر النورجي
قالا نا الحراجي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا الحسين بن حريث ثنا الفضل بن موسى
عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صضص
: "تفرقت اليهود عن إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين ، والنصارى مثل ذلك
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" - قال الترمذي : هذا حديث صحيح .
قال المصنف
: وقد ذكرنا هذا الحديث في الباب الذي قبله وفيه : "كلهم في النار إلا ملة
واحدة ، قالوا من هي يا رسول الله ؟ قال ما أنا عليه وأصحابي" . أخبرنا ابن
الحسين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد قال : ثني أبي ثنا حسن
ثنا ابن لهيعة خالد بن زيد عن سعيد بن أبي هلال عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن
رسول الله صضص قال : "إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون
فرقة وخلصت فرقة واحدة ، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة ، يهلك إحدى
وسبعون وتخلص فرقة . قالوا يا رسول الله ، ما تلك الفرقة ؟ قال الجماعة" .
قال الشيخ
أبو الفرج رحمه الله : فإن قيل ، وهل هذه الفرق معروفة ؟ فالجواب ، إنا نعرف
الافتراق وأصول الفرق وإن كل طائفة من الفرق قد انقسمت إلى فرق وإن لم نحط بأسماء
تلك الفرق ومذاهبها ، وقد ظهر لنا من أصول الفرق الحرورية والقدرية ، والجهمية ،
والمرجئة ، والرافضة ، والجبرية . وقد قال بعض أهل العلم : أصل الفرق الضالة هذه
الفرق الستة ، وقد انقسمت كل فرقة منها على اثنتي عشرة فرقة ، فصارت اثنتين وسبعين
فرقة .
وانقسمت
الحرورية ، اثنتي عشرة فرقة : فأولهم الأزرقية قالوا : لا نعلم أحدا مؤمنا وكفروا
أهل القبلة إلا من دان بقولهم . والأباضية قالوا : من أخذ بقولنا فهو مؤمن ، ومن
أعرض عنه فهو منافق . والثعلبية قالوا : إن الله لم يقض ولم يقدر . والحازمية
قالوا : ما ندري ما الإيمان ، الخلق كلهم [معذورون] . والخلفية زعموا أن من ترك
الجهاد من ذكر وأنثى فقد كفر . والمكرمية قالوا : ليس لأحد أن يمس أحدا لأنه لا يعرف
الطاهر من النجس ، ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل . والكنزية قالوا : لا ينبغي
لأحد أن يعطي ماله أحداً لأنه ربما لم يكن مستحقاً بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل
الحق . والشمراخية قالوا : لا بأس بمس النساء الأجانب لأنهن رياحين . والأخنسية
قالوا : لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر . والمحكمية قالوا : إن من حاكم إلى
مخلوق فهو كافر . والمعتزلة من الحرورية قالوا : اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن
نتبرأ من الفريقين . والميمونية قالوا : لا إمام إلا برضا أهل محبتنا .
وانقسمت
القدرية اثنتي عشرة فرقة : الأحمرية وهي التي زعمت أن شرط العدل من الله أن يملك
عباده أمورهم ويحول بينهم وبين معاصيهم ، والثنوية وهي التي زعمت أن الخير من الله
والشر من إبليس . والمعتزلة هم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا الرؤية .
والكيسانية هم الذين قالوا لا ندري هذه الأفعال من الله أم من العباد ولا نعلم
أيثاب الناس بعد الموت أو يعاقبون . والشيطانية قالوا إن الله لم يخلق شيطانا .
والشريكية قالوا إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر . والوهمية قالوا ليس لأفعال
الخلق وكلامهم ذات ولا للحسنة والسيئة ذات . والراوندية قالوا : كل كتاب أنزل من
الله فالعمل به حق ناسخا كان أو منسوخا . والبترية زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل
توبته ، والناكثية زعموا أن من نكث بيعة رسول الله صضص فلا إثم عليه . والقاسطية
فضلوا طلب الدنيا على الزهد فيها . والنظامية تبعوا إبراهيم النظام في قوله من زعم
أن الله شيء فهو كافر .
وانقسمت
الجهمية اثنتي عشرة فرقة : المعطلة زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق
، ومن ادعى أن الله يرى فهو كافر . والمريسية قالوا : أكثر صفات الله مخلوقة .
والملتزمة جعلوا الباري سبحانه وتعالى في كل مكان . والواردية قالوا : لا يدخل
النار من عرف ربه ومن دخلها لم يخرج منها أبدا . الزنادقة قالوا : ليس لأحد أن
يثبت لنفسه ربا لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس وما يدرك فليس بإله وما
لا يدرك ، لا يثبت . والحرقية زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة ثم يبقى
محترقا أبدا لا يجد حر النار . والمخلوقية زعموا أن القرآن مخلوق . والفانية زعموا
أن الجنة والنار تفنيان ، ومنهم من قال إنهما لم تخلقا . والمغيرية جحدوا الرسل
فقالوا إنما هم حكام . والواقفية قالوا : لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق .
والقبرية ينكرون عذاب القبر والشفاعة . واللفظية قالوا لفظنا بالقرآن مخلوق .
وانقسمت
المرجئة اثنتي عشرة فرقة : التاركية قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى
الإيمان به فمن آمن به وعرفه فليفعل ما شاء . والسائبية قالوا : إن الله تعالى سيب
حلقه ليعملوا ما شاءوا ، والراجية قالوا : لا نسمي الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا
لأنا لا ندري ما له عند الله . والشاكية قالوا : إن الطاعات ليست من الإيمان .
والبيهسية قالوا : الإيمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو
كافر . والمنقوصية قالوا الإيمان لا يزيد ولا ينقص . والمستثنية نفوا الاستثناء في
الإيمان . والمشبهة يقولون لله بصر كبصري ويد كيدي . والحشوية جعلوا حكم الأحاديث
كلها واحدا فعندهم إن تارك النفل كتارك الفرض . والظاهرية وهم الذبن نفوا القياس .
والبدعية أول من ابتدع الأحداث في هذه الأمة .
وانقسمت
الرافضة اثنتي عشرة فرقة : العلوية قالوا : إن الرسالة كانت إلى علي وإن جبريل
أخطأ . والأمرية قالوا : إن عليا شريك محمد صضص في أمره . والشيعة قالوا : إن عليا
رضي الله عنه وصي رسول الله صضص ووليه من بعده وإن من الأمة كفرت بمبايعة غيره .
والإسحاقية قالوا : إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة وكل من يعلم علم أهل البيت
فهو نبي . والناووسية قالوا : إن عليا أفضل الأمة فمن فضل غيره عليه فقد كفر .
والإمامية قالوا : لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين وإن الإمام
يعلمه جبرائيل فإذا مات بدل مكانه مثله . واليزيدية قالوا : إن ولد الحسين كلهم
أئمة في الصلوات فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيره برهم وفاجرهم .
والعباسية
زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره . والمتناسخة قالوا : إن الأرواح
تتناسخ فمتى كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق تسعد بعيشه ، ومن كان مسيئا دخلت
روحه في خلق تشقي بعيشه . والرجعية زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا وينتقمون
من أعدائهم . واللاعنية الذين يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى
وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم . والمتربصة تشبهوا بزي النساك ونصبوا في كل عصر رجلا
ينسبون الأمر إليه يزعمون أنه مهدي هذه الأمة فإذا مات نصبوا رجلا آخر .
وانقسمت
الجبرية اثنتي عشرة فرقة فمنهم : المضطربة قالوا لا فعل للآدمي بل الله عز وجل
يفعل الكل . والأفعالية قالوا : لنا أفعال ولكن لا استطاعة لنا فيها وإنما نحن
كالبهائم نقاد بالحبل ، والمفروغية قالوا كل الأشياء قد خلقت والآن لا يخلق شيء .
والنجارية زعمت أن الله يعذب الناس على فعله لا على فعلهم . والمتانية قالوا :
عليك بما خطر بقلبك فافعل ما توسمت به الخير .والكسبية قالوا : لا يكسب العبد
ثوابا ولا عقابا . والسابقية قالوا : من شاء فليعمل ومن شاء لا يعمل فإن السعيد لا
تضره ذنوبه والشقي لا ينفعه بره . والحبية قالوا : من شرب كأس محبة الله عز وجل
سقطت عنه الأركان والقيام بها . والخوفية قالوا : إن من أحب الله سبحانه وتعالى لم
يسعه أن يخافه لأن الحبيب لا يخاف حبيبه . والفكرية قالوا : إن من ازداد علما سقط
عنه بقدر ذلك من العبادة . والخسية قالوا : الدنيا بين العباد سواء لا تفاضل بينهم
فيما ورثهم أبوهم آدم . والمعية قالوا : منا الفعل ولنا الاستطاعة .
الباب الثالث :- في التحذير من فتن إبليس
ومكايده
قال الشيخ
أبو الفرج : اعلم أن الآدمي لما خلق ركب فيه الهوى والشهوة ليجتلب بذلك ما ينفعه .
ووضع فيه الغضب ليدفع به ما يؤذيه . وأعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب
ويجتنب ، وخلق الشيطان محرضا على الإسراف في اجتلابه واجتنابه ، فالواجب علىالعاقل
أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد ابان عدواته من زمن آدم عليه الصلاة والسلام
وقد بذل عمره ونفسه في فساد أحوال بني آدم . وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال
سبحانه وتعالى : " لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم
بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " وقال تعالى :
"الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء" وقال تعالى : " ويريد
الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا" وقال : "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم
العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم
منتهون" وقال تعالى : "إنه عدو مضل مبين" وقال : "إن الشيطان
لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" وقال تعالى :
"ولا يغرنكم بالله الغرور" وقال تعالى : " ألم أعهد إليكم يا بني
آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين " وفي القرآن من هذا كثير .
التحذير من فتن إبليس ومكايده
قال الشيخ
أبو الفرج رحمه الله : وينبغي أن تعلم أن إبليس شغله التلبيس أول ما التبس عليه
الأمر فأعرض عن النص الصريح على السجود فأخذ يفاضل بين الأصول فقال : "خلقتني
من نار وخلقته من طين" ثم أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم ، فقال :
"أرأيتك هذا الذي كرمت علي" والمعنى أخبرني لم كرمته علي ، غرر ذلك
الاعتراض أن الذي فعلته ليس بحكمة ثم أتبع ذلك بالكبر فقال : "أنا خير
منه" . ثم امتنع عن السجود فأهان نفسه التي أراد تعظيمها باللعنة والعقاب .
فمتى سول
للإنسان أمرا فينبغي أن يحذر منه أشد الحذر وليقل له حين أمره إياه بالسوء إنما
تريد بما تأمر به نصحي ببلوغي شهوتي . وكيف يتضح صواب النصح للغير لمن لا ينصح
نفسه كيف أثق بنصيحة عدو فأنصرف فما في لقولك منفذ فلا يبقى إلا أنه يستعين بالنفس
لأنه يحث على هواها فليستحضر العقل إلى بيت الفكر في عواقب الذنب لعل مدد توفيق
يبعث جند عزيمته فيهزم عسكر الهوى والنفس .
أخبرنا عبد
الوهاب بن المبارك نا عاصم بن الحسن نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل ثنا
زكريا بن يحيى ثنا شامة بن سوار ثني المغيرة عن مطرف بن الشخير عن عياض بن حمار
قال : قال رسول الله صضص : "يا أيها الناس إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم ما
جهلتم مما علمني في يومي هذا إن كل مال نحلته عبدي فهو حلال ، وإني خلقت عبادي
حنفاء كلهم فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم
أنزل به سلطاناً ، وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا
بقايا من أهل الكتاب" .
أخبرنا ابن
الحصين قال : أخبرنا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي
يحيى بن سعيد ثنا هاشم ثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار ، أن النبي صضص خطب ذات
يوم فقال في خطبته : "إن ربي - إلى آخر الحديث المتقدم" .
أخبرنا ابن
الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو
معاوية ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال
رسول الله صضص : "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه
منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئاً ، قال ثم
يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته ، قال فيدنيه منه (أو قال
فيلتزمه) ويقول : نعم أنت" . وبه قال أحمد وحدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن أبي
الزبير عن جابر رضي الله عنه يرفعه قال : "إن إبليس قد يئس أن يعبده المصلون
ولكن التحريش بينهم" قال المصنف : انفرد به البخاري ، والذي قبله مسلم . وفي
لفظ حديثه قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب .
أنبأنا
إسماعيل السمرقندي نا عاصم بن الحسن نا ابن بشران نا ابن صفوان نا أبو بكر القرشي
ثني الحسين بن السكن ثنا المعلى بن أسد ثني عدي بن أبي عمارة ثنا زياد النميري عن
أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه ، قال: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن
آدم فإن ذكر الله خنس . وإن نسي الله التقم قلبه" .
أخبرنا
محمد بن أبي منصور نا عبد القادر نا الحسن بن علي التميمي نا أبو بكر بن ملك ثنا
عبد الله بن أحمد ثنا أبي ثنا عبد الرحمن عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن
عمرو بن ميمون عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : إن الشيطان طاف بأهل مجلس الذكر
ليفتنهم فلم يستطع أن يفرق بينهم ، فأتى حلقة يذكرون الدنيا فأغرى بينهم حتى
اقتتلوا فقام أهل الذكر فحجزوا بينهم فتفرقوا . قال وحدثني علي بن مسلم ثنا سيار
ثنا حبان الحريري ثنا سويد القناوي عن قتادة رضي الله عنه قال : إن لإبليس شيطانا
يقال له قبقب يجمه أربعين سنة فإذا دخل الغلام في هذا الطريق قال له دونك إنما كنت
أجمك لمثل هذا ، اجلب عليه وافتنه .
قال سيار :
وحدثنا جعفر ثنا ثابت البنانبي رضي الله عنه قال : بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن
زكريا عليهما السلام ، فرأى عليه معاليق من كل شيء ، فقال يحيى : يا إبليس ما هذه
المعاليق التي أرى عليك ، قال : هذه الشهوات التي أصيد بهن ابن آدم ، قال : فهل لي
فيها من شيء ، قال : ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وثقلناك عن الذكر ، قال : فهل
غير ذلك قال لا والله قال لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدا ، قال إبليس :
ولله علي أن لا أنصح مسلما أبدا . قال عبد الله بن أحمد ثنا أبي ثنا وكيع ثنا
الأعمش عن حثيمة عن الحارث بن قيس رضي الله عنه ، قال : إذا أتاك الشيطان وأنت
تصلي فقال إنك ترائي فزدها طولا .
أنبأ
إسماعيل السمرقندي نا عاصم بن الحسن نا علي بن محمد نا أبو علي بن صفوان نا أبو بكر بن عبيد نا عبد الرحمن
بن يونس نا سفيان بن عيينة . قال : سمع عمرو بن دينار عروة بن عامر سمع عبيد بن
رفاعة يبلغ به النبي صضص يقول : "كان راهب في بني إسرائيل فأخذ الشيطان جارية
فخنقها وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب ، فأتي بها الراهب فأبى أن يقبلها
فما زالوا به حتى قبلها فكانت عنده فأتاه الشيطان فسول له إيقاع الفعل بها فأحبلها
- ثم أتاه فقال له الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها فإن أتوك فقل ماتت ، فقتلها
ودفنها ، فأتى الشيطان أهلها فوسوس لهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها
ودفنها فأتاه أهلها يسألونه عنها ، فقال : ماتت فأخذوه فأتاه الشيطان . فقال : أنا
الذي ضربتها وخنقتها وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها وأنا الذي أوقعتك في هذا
فأطعني تنج ، اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين ، فهو الذي قال عز وجل : "كمثل
الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب
العالمين"" .
وقد روي
هذا الحديث على صفة أخرى عن وهب بن منبه رضي الله عنه . أن عابدا كان في بني
إسرائيل وكان من أعبد أهل زمانه ، وكان في زمانه ثلاثة أخوة لهم أخت وكانت بكرا
ليس لهم أخت غيرها . فخرج البعث على ثلاثتهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم ولا من
يأمنون عليها ولا عند من يضعونها . قال : فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني
إسرائيل . وكان ثقة في أنفسهم ، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده فتكون في كنفه
وجواره إلى أن يقفلوا . من غزاتهم ، فأبى ذلك وتعوذ بالله عز وجل منهم ومن أختهم
قال : فلم يزالوا به حتى أطاعهم فقال أنزلوها في بيت حذاء صومعتي ، قال : فأنزلوها
في ذلك البيت ثم انطلقوا وتركوها ، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا ينزل إليها
بالطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة ثم يغلق بابه ويصعد إلى صومعته ثم يأمرها
فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام قال : فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه
في الخير ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها فلو
مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم لأجرك قال : فلم يزل به حتى مشي
إليها بطعامها ووضعه على باب بيتها ولم يكلمها ، قال : فلبث على هذه الحالة زمانا
. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والأجر وحضه عليه ، وقال : لو كنت تمشي إليها
بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك قال : فلم يزل به حتى مشى إليها بالطعام
ثم وضعه في بيتها ، فلبث على ذلك زمانا ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه ،
فقال :لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك فإنها قد استوحشت وحشة شديدة ، قال :
فلم يزل به حتى حدثها زماناً يطلع إليها من فوق صومعته ، قال : ثم أتاه إبليس بعد
ذلك فقال لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد هي على باب بيتها
فتحدثك كان آنس لها ، فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها وتحدثه
وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها ، قال : فلبثا زمانا يتحدثان .
ثم جاءه
إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها وقال : لو خرجت من باب صومعتك ثم جلست
قريباً من باب بيتها فحدثتها كان آنس لها ، فلم يزل به حتى فعل ، قال فلبثا زمانا
. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له عند الله سبحانه وتعالى من حسن الثواب
فيما يصنع بها . وقال له : لو دنوت منها وجلست عند باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من
بيتها ففعل فكان ينزل من صومعته فيقف علىباب بيتها فيحدثها ، فلبثا على ذلك حينا .
ثم جاءه إبليس . فقال : لو دخلت البيت معها فحدثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد
كان أحسن بك ، فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدثها نهارها كله فإذا مضى النهار
صعد إلى صومعته ، قال : ثم أتاه إبليس بعد ذلك فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد
على فخذها وقبلها . فلم يزل به إبليس يحسنها في عينيه ويسول له حتى وقع عليها
فأحبلها ، فولدت له غلاما فجاء إبليس فقال : أرأيت إن جاء أخوة الجارية وقد ولدت
منك كيف تصنع لا آمن أن تفتضح أو يفضحوك فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه فإنها
ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها ففعل فقال له أتراها تكتم
إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها ، قال : خذها واذبحها وادفنها مع ابنها فلم يزل به
حتى ذبحها وألقاها في الحفرة مع ابنها وأطبق عليهما ضخرة عظيمة وسوى عليهما وصعد
إلى صومعته يتعبد فيها فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث حتى أقبل إخوتها من الغزو ،
فجاءوا فسألوه عنها فنعى لهم وترحم عليها وبكاها ، وقال : كانت خير امرأة وهذا
قبرها فانظروا إليه ، فأتى أخوتها القبر فبكوا أختهم وترحموا عليها فأقاموا على
قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم . فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم جاءهم
الشيطان في النوم على صورة رجل مسافر فبدأ أكبرهم فسأله عن أختهم فأخبره بقول
العابد وموتها وترحمه عليها وكيف أراهم موضع قبرها فكذبه الشيطان ، وقال : لم
يصدقكم أمر أختكم إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم
وألقاها في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله فانطلقوا
فأدخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله فإنكم ستجدونهما كما أخبرتكم هناك
جميعاً ، أتى الأوسط في منامه فقال له مثل ذلك ، ثم أتى أصغرهم فقال له مثل ذلك ،
فلما استيقظ القوم أصبحوا متعجبين مما رأى كل واحد منهم ، فأقبل بعضهم على بعض
يقول كل واحد منهم لقد رأيت الليلة عجبا فأخبر بعضهم بعضا بما رأى ، فقال كبيرهم
هذا حلم ليس بشيء فامضوا بنا ودعوا هذا عنكم قال أصغرهم والله لا أمضي حتى آتي إلى
هذا المكان فأنظر فيه ، قال : فانطلقوا جميعا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم
ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين
في الحفيرة كما قيل لهم ، فسألوا عنها العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما .
فاستعدوا عليه ملكهم فأنزل من صومعته وقدم ليصلب فلما أوثقوه على الخشبة أتاه الشيطان
، فقال له قد علمت أني صاحبك الذي فتنك بالمرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها فإن
أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك وصورك خلصتك مما أنت فيه ، قال : فكفر
العابد فلما كفر بالله تعالى خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه ، قال : ففيه
نزلت الآية : "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء
منك..." إلى قوله : "...جزاء الظالمين" وقد تقدم ذكرها .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم نا أبو بكر الآجري ثنا عبد الله
بن محمد العطيني ثنا إبراهيم بن الجنيد ثني محمد بن الحسين ثنا بشر بن محمد بن
أبان ثني الحسن بن عبد الله بن مسلم القرشي عن وهب بن منبه رضي الله عنه ، قال :
كان راهب في صومعته في زمن المسيح عليه السلام فأراده إبليس فلم يقدر عليه فأتاه
بكل رائدة فلم يقدر عليه . فأتاه متشبهاً بالمسيح . فناداه : أيها الراهب أشرف علي
أكلمك ، قال : انطلق لشأنك فلست أرد ما مضى من عمري ، فقال : أشرف علي فأنا المسيح
فقال : إن كنت المسيح فما لي إليك حاجة ، ألست قد أمرتنا بالعبادة ووعدتنا القيامة
انطلق لشأنك فلا حاجة لي فيك فانطلق اللعين وتركه .
أنبأنا
إسماعيل بن أحمد نا عاصم بن الحسن نا علي بن محمد بن بشران نا أبو علي البردعي ثنا
أبو بكر القرشي ثنا أبو عبد الله محمد بن موسى الحرشي ثنا جعفر بن سليمان ثنا عمرو
بن دينار ثنا سالم بن عبد الله رضي الله عنه عن أبيه قال : لما ركب نوح عليه
السلام في السفينة رأى شيخا لم يعرفه فقال له نوح ما أدخلك ، قال دخلت لأصيب قلوب
أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك ، فقال له نوح عليه السلام اخرج يا عدو الله
، فقال إبليس خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك باثنتين فأوحى الله
تبارك وتعالى إلى نوح عليه الصلاة والسلام أنه لا حاجة لك إلى الثلاث ، مره يحدثك
بالاثنتين فقال بهما أهلك الناس وهما لا يكذبان : الحسد والحرص ، فبالحسد لعنت
وجعلت شيطانا رجيما ، وبالحرص أبيح لآدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه فأخرج من
الجنة . قال ولقي إبليس موسى عليه السلام ، فقال : يا موسى أنت الذي اصطفاك الله
برسالته وكلمك تكليما ، وأنا من خلق الله تعالى أذنبت وأريد أن أتوب فاشفع لي إلى
ربي عز وجل أن يتوب علي ، فدعا موسى ربه فقيل يا موسى قد قضيت حاجتك ، فلقي موسى
إبليس فقال له قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك ، فاستكبر وغضب وقال : لم أسجد
له حيا أأسجد له ميتا ، ثم قال إبليس : يا موسى إن لك حقا بما شفعت إلى ربك
فاذكرني عند ثلاث لا أهلك فيهن اذكرني حين تغضب فأنا وحي في قلبك وعيني في عينك
وأجري منك مجرى الدم واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف
فأذكره ولده وزوجته وأهله حتى يولي . وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني
رسولها إليك ورسولك إليها .
قال القرشي
وحدثنا أبو حفص الصفار ثنا جعفر بن سليمان ثنا شعبة عن علي بن زيد عن سعيد بن
المسيب رضي الله عنه قال ما بعث الله نبيا إلا لم يأمن من إبليس أن يهلكه بالنساء
: قال القرشي وثني القاسم بن هاشم عن إبراهيم بن الأشعث عن فضيل بن عياض : قال
حدثني بعض أشياخنا أن إبليس لعنه الله جاء إلى موسى عليه الصلاة والسلام وهو يناجي
ربه تعالى ، فقال له الملك : ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحالة يناجي ربه ، قال
: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة . قال القرشي وثنا أحمد بن عبد
الأعلى الشيباني ثنا فرج بن فضالة عن عبد الرحمن بن زياد رضي الله عنه قال :
بينهما موسى عليه السلام جالس في بعض مجالسه إذ أقبل عليه إبليس وعليه برنس له
يتلون فيه ألوانا فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه وقال له السلام عليك يا
موسى : فقال له موسى عليه السلام ، من أنت : قال أنا إبليس ، قال فلا حياك الله ما
جاء بك ؟ قال : جئت لأسلم عليك لمنزلتك عند الله تعالى ومكانك منه قال : فما الذي
رأيته عليك ، قال : به أختطف قلوب بني آدم ، قال : فما الذي إذا صنعه الإنسان
استحوذت عليه ، قال إذا أعجبه نفسه . واستكثر عمله . ونسي ذنوبه . وأحذرك ثلاثا :
لا تخلون
بامرأة لا تحل لك قط ، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي
حتى أفتنه بها .
ولا تعاهد
الله عهدا إلا وفيت به ، فإنه ما عاهد الله أحد إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول
بينه وبين الوفاء به .
ولا تخرجن
صدقة إلا أمضيتها فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى
أحول بينه وبين إخراجها . ثم ولى وهو يقول : يا ويله ثلاثا علم موسى ما يحذر به
بني آدم .
قال القرشي
: وحدثني محمد بن إدريس ثنا أحمد بن يونس ثنا حسن بن صالح قال : سمعت أن الشيطان
قال للمرأة أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به ، فلا أخطئ وأنت موضع سري وأنت
رسولي في حاجتي .
قال القرشي
: وحدثنا إسحق بن إبراهيم ثني هشام بن يوسف بن عقيل بن معقل بن أخي وهب بن منبه
قال : سمعت وهباً يقول : قال راهب للشيطان وقد بدا له أي أخلاق بني آدم أعون لك
عليهم ، قال الحدة إن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة .
قال القرشي
: وحدثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن سليمان بن المغيرة عن ثابت رضي الله عنه قال :
لما بعث النبي صضص جعل إبليس لعنه الله يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي صضص فيجيئون
إليه بصحفهم ليس فيها شيء فيقول لهم مالكم لا تصيبون منهم شيئا ، فقالوا : ما
صحبنا قوما مثل هؤلاء فقال رويدا بهم فعسى أن تفتح لهم الدنيا ، هنالك تصيبون
حاجتكم منهم .
قال القرشي
: وأخبرنا أحمد بن جميل المروزي نا ابن المبارك نا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي
عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى قال : إذا أصبح إبليس بث جنوده في الأرض فيقول من
أضل مسلما ألبسته التاج . فيقول له القائل لم أزل بفلان حتى طلق امرأته ، قال يوشك
أن يتزوج . ويقول آخر لم أزل بفلان حتى عق ، قال يوشك أن يبر . ويقول آخر لم أزل
بفلان حتى زنى ، قال أنت . ويقول آخر لم أزل بفلان حتى شرب الخمر ، قال أنت ، قال
: ويقول آخر لم أزل بفلان حتى قتل ، فيقول : أنت أنت .
قال القرشي
: وسمعت سعيد بن سليمان يحدث عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال : كانت شجرة تعبد
من دون الله فجاء إليها رجل فقال لأقطعن هذه الشجرة ، فجاء ليقطعها غضبا لله فلقيه
إبليس في صورة إنسان ، فقال : ما تريد ؟ قال أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من
دون الله . قال إذا أنت لم تعبدها فما ضرك من عبدها ؟ قال لأقطعنها . فقال له
الشيطان هل لك فيما هو خير لك لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك
.
قال فمن
أين لي ذلك قال أنا لك ، فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته ثم أصبح بعد ذلك فلم
يجد شيئا ، فقام غضبا ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته وقال ما تريد ؟ قال أريد
قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى قال كذبت مالك إلى ذلك سبيل : فذهب
ليقطعها فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله قال أتدري من أنا أنا الشيطان ، جئت
أول مرة غضبا فلم يكن لي عليك سبيل . فخدعتك بالدينارين فتركتها فلما جئت غضبا
للدينارين سلطت عليك .
قال القرشي
: وحدثنا بشر بن الوليد الكندي ثنا محمد بن طلحة عن زيد بن مجاهد قال : لإبليس
خمسة من ولده قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره ، ثم سماهم : فذكر ثبر ،
والأعور ، ومسوط ، وداسم ، وزكنبور ، فأما ثبر ، فهو صاحب المصيبات الذي يأمر
بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية : وأما الأعور ، فهو صاحب الزنا
الذي يأمر به ويزينه ، فأما مسوط فهو صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيخبره
بالخبر ، فيذهب الرجل إلى القوم فيقول لهم قد رأيت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما
اسمه حدثني بكذا وكذا ، وأما داسم ، فهو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب
فيهم ويغضبه عليهم ، وأما زكنبور ، فهو صاحب السوق الذي يركز رايته في السوق .
أخبرنا
محمد بن القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن
إسحاق ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا سنيد عن مخلد بن الحسين قال : ما ندب الله
العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر : إما غلو فيه ،
وإما تقصير عنه . وبالإسناد قال محمد بن إسحاق وثنا قتيبة بن سعيد ثنا ابن لهيعة
عن أبي قبيل سمعت حياة بن شراحيل يقول : سمعت عبد الله بن عمر يقول : إن إبليس
موثق في الأرض السفلى ، فإذا هو تحرك كان كل شرقي الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه
.
قال الشيخ
: أبو الفرج رحمه الله ، قلت : وفتن الشيطان ومكايده كثيرة في غضون هذا الكتاب
منها ما يليق بكل موضع منه إن شاء الله تعالى : ولكثرة فتن الشيطان وتشبثها
بالقلوب عزت السلامة . فإن من يدع إلى ما يحث عليه الطبع كمداد سفينة منحدرة فيا
سرعة انحدارها ، ولما ركب الهوى في هاروت وماروت لم يسمسكا ، فإذا رأت الملائكة
مؤمنا قد مات على الإيمان تعجبت من سلامته .
وأخبرنا
محمد بن أبي منصور نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي ثنا أبو بكر بن حمدان
ثنا عبد الله بن أحمد ثني ابن سريج قال : ثنا عتبة بن عبد الواحد عن مالك بن مغول
عن عبد العزيز بن رفيع قال : إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة سبحان
الله الذي نجى هذا العبد من الشيطان ، يا ويحه كيف نجا .
ذكر الإعلام بأن مع كل إنسان شيطانا
أخبرنا أبو
الحصين الشيباني نا أبو علي المذهب نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن
حنبل ثني هارون ثنا عبد الله بن وهب أخبرني أبو صخر عن ابن قسيط أنه حدثه أن عروة
بن الزبير حدثه أن عائشة زوج النبي صضص حدثته أن رسول الله صضص خرج من عندها ليلا
قالت فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع ، فقال : "مالك يا عائشة أغرت ؟ فقلت :
ومالي لا يغار مثلي على مثلك ؟ فقال : أو قد جاء شيطانك ؟ قالت : يا رسول الله أو
معي شيطان ! قال « نعم » ، قلت : ومع كل إنسان ؟ قال « نعم » ، قلت : ومعك يا رسول
الله ؟ قال « نعم ، ولكن ربي عز وجل أعانني عليه حتى أسلم" - انفرد به مسلم .
ويجيء بلفظ آخر : « أعانني عليه فأسلم » . قال الخطابي : عامة الرواة يقولون : فأسلم
على مذهب الفعل الماضي إلا سفيان بن عيينة فإنه يقول فأسلم من شره وكان يقول
الشيطان لا يسلم .
قال الشيخ
: وقول ابن عيينة حسن وهو يظهر أثر المجاهدة لمخالفة الشيطان إلا حديث ابن مسعود
كأنه يرد قول ابن عيينة ، وهو ما أخبرنا به ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر
بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا يحيى عن سفيان ثني منصور عن سالم بن أبي الجعد
عن أبيه عن ابن مسعود يرفعه : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن
وقرينه من الملائكة ، قالوا وإياك يا رسول الله قال : وإياي ، ولكن الله عز وجل
أعانني عليه فلا يأمرني إلا بحق" . وفي رواية « فلا يأمرني إلا بخير » . قال
الشيخ : انفرد به مسلم واسم أبي الجعد رافع وظاهره إسلام الشياطين ، ويحتمل القول
الآخر .
بيان أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم
أخبرنا هبة
الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد ثني عبد الرزاق
ثنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي زوج النبي ، قالت :
"كان رسول الله صضص معتكفاً فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي
ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - ، فمر رجلان من الأنصار ، فلما رأيا
رسول الله صضص أسرعا ، فقال النبي صضص : « على رسلكما إنها صفية بنت حيي ، فقالا :
سبحان الله يا رسول الله ! قال : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني
خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا - أو قال شيئا - " - الحديث في الصحيحين . قال
الخطابي : وفي هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه
مما تجري به الظنون ، ويخطر بالقلوب ، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة
من الريب ، ويحكى في هذا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : خاف النبي صضص أن يقع
في قلوبهما شيء من أمر فيكفرا ، وإنما قاله صضص شفقة منه عليهما لا على نفسه .
ذكر التعوذ من الشيطان الرجيم
قال الشيخ
أبو الفرج رحمه الله : قد أمر الله تعالى بالتعوذ من الشيطان الرجيم عند التلاوة
فقال تعالى : "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم" وعند
السحر ، فقال : "قل أعوذ برب الفلق" إلى آخر السورة : فإذا أمر بالتحرز
من شره في هذين الأمرين فكيف في غيرهما .
أخبرنا هبة
الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد ثنا أبي ثنا
سيار ثنا جعفر ثنا أبو التياح ، قال : قلت لعبد الرحمن بن حنيش : أدركت النبي صضص
؟ قال : نعم ، قلت : كيف صنع رسول الله صضص ليلة كادته الشياطين ؟ فقال : « إن
الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله صضص من الأودية والشعاب وفيهم شيطان بيده
شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله صضص » . فهبط إليه جبريل عليه السلام ،
فقال : يا محمد قل ، قال : « ما [ أ ]قول » ؟ قال : قل أعوذ بكلمات الله التامات
من شر ما خلق وذرأ وبرأ ، ومن شر ما ينزل من السماء ، ومن شر ما يعرج فيها ، ومن
شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ، قال : « فطفئت
نارهم ، وهزمهم الله تعالى » .
أنبأنا
إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عاصم بن الحسن نا أبو الحسين بن بشران نا ابن صفوان
ثنا أبو بكر القرشي حدثني أبو سلمة المخزومي ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صضص قال : "إن
الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من خلقك ؟ فيقول الله تبارك وتعالى ، فيقول : فمن خلق
الله ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله فإن ذلك يذهب عنه" .
قال القرشي
ثنا هناد بن السري ثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمذاني عن ابن مسعود
رضي الله عنه يرفعه ، قال : "إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأما
لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق
بالحق ، فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنه من الله ، فليحمد الله . ومن وجد الأخرى
فليتعوذ من الشيطان . ثم قرأ : "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء"
- الآية -" .
قال الشيخ
رحمه الله : وقد رواه جرير عن عطاء فوقفه على ابن مسعود . أخبرنا هبة الله بن محمد
نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الرزاق نا
سفيان عن منصور عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال : "كان رسول الله صضص يعوذ الحسن والحسين فيقول : « أعيذكما بكلمات الله
التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة » . ثم يقول : هكذا كان أبي إبراهيم
صلى الله عليه وآله وسلم يعوذ إسماعيل وإسحق" - أخرجاه في الصحيحين - . قال
أبو بكر بن الأنباري : الهامة واحد الهوام ، ويقال : هي كل نسمة تهم بسوء . واللامة
الملمة ، وإنما قال لامة ليوافق لفظ هامة فيكون ذلك أخف على اللسان .
أخبرنا
محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا إبراهيم بن عمر البرمكي نا أبو الحسن
عبد الله بن إبراهيم الزبيبي ثنا محمد بن خلف ثنا عبد الله بن محمد ثنا فضيل بم
عبد الوهاب ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت قال : قال مطرف . نظرت فإذا ابن آدم ملقى
بين يدي الله عز وجل وبين إبليس فمن شاء أن يعصمه عصمه ، وإن تركه ذهب به إبليس .
وحكي عن
بعض السلف أنه قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟ قال : أجاهده
، قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده ، قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال : هذا يطول
، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور ما تصنع ؟ قال : أكابده وأرده
جهدي . قال : هذا يطول عليك ، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك .
قال الشيخ
، رحمه الله : واعلم أن مثل إبليس مع المتقي والمخلط كرجل جالس بين يديه طعام ،
فمر به كلب فقال له : اخسأ ، فذهب فمر بآخر بين يديه طعام ولحم فكلما أخساه لم
يبرح ، فالأول مثل المتقي يمر به الشيطان فيكفيه في طرده الذكر ، والثاني مثل
المخلط لا يفارقه الشيطان لمكان تخليطه ، نعوذ بالله من الشيطان .
الباب الرابع :- في معنى التلبيس والغرور
قال المصنف
: التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق ، والغرور نوع جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحا
والرديء جيدا ، وسببه وجود شبهة أوجبت ذلك . وإنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما
يمكنه ويزيد تمكنه منهم ويقل على مقدار يقظتهم وغفلتهم وجهلهم وعلمهم . واعلم أن
القلب كالحصن ، وعلى ذلك الحصن سور ، وللسور أبواب ، وفيه ثلم وساكنه العقل ،
والملائكة تتردد إلى ذلك الحصن ، وإلى جانبه ربض في ه الهوى والشياطين تختلف إلى
ذلك الربض من غير مانع ، والحرب قائم بين أهل الحصن وأهل الربض والشياطين لا تزال
تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم .
فينبغي
للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وكل بحفظه وجميع الثلم ، وأن لا يفتر عن
الحراسة لحظة . فإن العدو ما يفتر . قال رجل للحسن البصري : أينام إبليس ؟ قال :
لو نام لوجدنا راحة ، وهذا الحصن مستنير بالذكر مشرق بالإيمان ، وفيه مرآة صقيلة
يتراءى فيها صور كل ما يمر به ، فأول ما يفعل الشيطان في الربض إكثار الدخان فتسود
حيطان الحصن ، وتصدأ المرآة وكمال الفكر يرد الدخان ، وصقل الذكر يجلو المرآة ،
وللعدو حملات فتارة يحمل فيدخل الحصن ، فيكر عليه الحارس فيخرج ، وربما دخل فعاث
وربما أقام لغفلة الحارس ، وربما ركدت الريح الطاردة للدخان فتسود حيطان الحصن
وتصدأ المرآة فيمر الشيطان ولا يدري به ، وربما جرح الحارس لغفلته وأسر واستخدم
وأقيم يستنبط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته ، وربما صار كالفقيه في الشر .
قال بعض
السلف . رأيت الشيطان فقال لي قد كنت ألقى الناس فأعلمهم فصرت ألقاهم فأتعلم منهم
. وربما هجم الشيطان على الذكي الفطن ومعه عروس الهوى قد جلاها فيتشاغل الفطن
بالنظر إليها فيستأسره ، وأقوى القيد الذي يوثق به الأسرى الجهل ، وأوسطه في القوي
الهوى ، وأضعفه الغفلة ، وما دام درع الإيمان على المؤمن ، فإن نبل العدو لا يقع
في مقتل .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ نا أبو محمد ابن حيان ثنا
أحمد بن محمد بن يعقوب ثنا محمد بن يوسف الجوهري ثنا أبو غسان النهدي قال : سمعت
الحسن بن صالح رحمه الله يقول : إن الشيطان ليفتح للعبد تسعة وتسعين بابا للخير
يريد به بابا من الشر . أنبأنا علي بن عبد الله نا محمد النديم نا عمي عبد الواحد
بن أحمد ثني أبي أحمد بن الحسين العدل ثنا أبو جعفر محمد بن صالح ثنا حيان بن
الفلس الجماني ثنا حماد بن شعيب عن الأعمش قال : حدثنا رجل كان يكلم الجن ، قالوا
: ليس علينا أشد ممن يتبع السنة ، وأما أصحاب الأهواء ، فإنا نلعب بهم لعبا .
الباب الخامس :- في ذكر تلبيسه في العقائد
والديانات ذكر تلبيسه على السوفسطائية
قال الشيخ
: هؤلاء قوم ينسبون إلى رجل يقال له سوفسطا : زعموا أن الأشياء لا حقيقة لها وأن ما
يستبعده يجوز أن يكون على ما نشاهده ، ويجوز أن يكون على غير ما نشاهده . وقد أورد
العلماء عليهم ، بأن قالوا لمقالتكم هذه حقيقة أم لا ؟ فإن قلتم لا حقيقة لها
وجوزتم عليها البطلان فكيف يجوز أن تدعوا إلى ما لا حقيقة له ؟ فكأنكم تقرون بهذا
القول أنه لا يحل قبول قولكم ، وإن قلتم لها حقيقة ، فقد تركتم مذهبكم .
وقد ذكر
مذهب هؤلاء أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الآراء والديانات ، فقال :
رأيت كثيرا من المتكلمين قد غلطوا في أمر هؤلاء غلطا مبينا . لأنهم ناظروهم
وجادلوهم وراموا بالحجاج والمناظرة الرد عليهم وهم لم يثبتوا حقيقة ولا أقروا
بمشاهدة ، فكيف تكلم من يقول : لا أدري أيكلمني أم لا ؟ وكيف تناظر من يزعم أنه لا
يدري أموجود هو أم معدوم ؟! وكيف تخاطب من يدعي أن المخاطبة بمنزلة السكوت في
الإبانة وأن الصحيح بمنزلة الفاسد ؟ قال : ثم إنما يناظر من يقر بضرورة أو يعترف
بأمر ، فيجعل ما يقر سببا إلى تصحيح ما يجحده . فأما من لا يقر بذلك فمجادلته
مطروحة . قال الشيخ : وقد رد هذا الكلام أبو الوفاء بن عقيل فقال : إن أقواما
قالوا كيف نكلم هؤلاء وغاية ما يمكن المجادلة أن يقرب المعقول إلى المحسوس ويستشهد
بالشاهد فيستدل به على الغائب ، وهؤلاء لا يقولون بالمحسوسات فبم يكلمون ؟ قال :
وهذا كلام ضيق العطن ، ولا ينبغي أن يوئس من المعالجة هؤلاء فإن ما اعتراهم ليس
بأكثر من الوسواس ولا ينبغي أن يضيق عطننا عن معالجتهم فإنهم قوم أخرجتهم عوارض
انحراف مزاج وما مثلنا ومثلهم إلا كرجل رزق ولدا أحول فلا يزال يرى القمر بصورة
قمرين ، حتى إنه لم يشكل أن في السماء قمرين : فقال له أبوه القمر واحد ، وإنما
السوء في عينيك ، غض عينك الحولاء وانظر ، فلما فعل قال : أرى قمرا واحدا لأني
عصبت إحدى عيني فغاب أحدهما فجاء من هذا القول شبهة ثانية ، فقال له أبوه : إن كان
ذلك كما ذكرت فغض الصحيحة ففعل فرأى قمرين ، فعلم صحة ما قال أبوه .
أنبأنا
محمد بن ناصر نا الحسن بن أحمد بن البنا ثنا دودان نا أبو عبد الله المرزباني ثني
أبو عبد الله الحكيمي ثني يموت بن المزرع ثني محمد بن عيسى النظام قال : مات ابن
لصالح بن عبد القدوس فمضى إليه أبو الهذيل ومعه النظام وهو غلام حدث كالمتوجع له .
فرآه
منحرفا فقال أبو الهذيل : لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع ، فقال له
صالح يا أبا الهذيل ، إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك ، فقال له أبو
الهذيل : وما كتاب الشكوك ؟ قال هو كتاب وضعته ، من قرأه يشك فيما قد كان حتى
يتوهم أنه لم يكن ، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان ، فقال له النظام : فشك أنت
في موت ابنك واعمل على أنه لم يمت ، وإن كان قد مات فشك أيضا في أنه قد قرأ الكتاب
وإن كان لم يقرأه . وحكى أبو القاسم البلخي أن رجلا من السوفسطائية كان يختلف إلى
بعض المتكلمين فأتاه مرة فناظره فأمر المتكلم بأخذ دابته فلما خرج لم يرها فرجع
فقال سرقت دابتي ، فقال ويحك لعلك لم تأت راكبا ، قال بلى ، قال فكر ، قال هذا أمر
أتيقنه . فجعل يقول له تذكر ، فقال ويحك ما هذا موضع تذكر ، أنا لا أشك أنني جئت
راكبا ، قال : فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء وإن حال اليقظان كحال النائم ؟ فوجم
السوفسطائي ورجع عن مذهبه .
ذكر تلبيس الشيطان على فرق الفلاسفة
قال
النوبختي قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها ، بل
حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها ، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء
مرا . ويجده غيره حلوا . قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه ، محدث عند
من اعتقد حدوثه . واللون جسم عند من اعتقده جسما ، وعرض عند من اعتقده عرضا .
قالوا فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد . وهؤلاء من جنس
السوفسطائية فيقال لهم أقولكم صحيح ؟ فسيقولون هو صحيح عندنا ، باطل عند خصمنا .
قلنا
دعواكم صحة قولكم مردودة وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم ومن شهد
على قولهم بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه ، ومما يقال لهم : أتثبتون
للمشاهدة حقيقة ؟ فإن قالوا لا ، لحقوا بالأولين ، وإن قالوا حقيقتها حسب الاعتقاد
فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها وصار الكلام معهم كالكلام مع الأولين .
قال
النوبختي : ومن هؤلاء من قال : إن العالم في ذوب وسيلان قالوا ولا يمكن الإنسان أن
يتفكر في الشيء الواحد مرتين . لتغير الأشياء دائما فيقال لهم : كيف علم هذا وقد
أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم ، وربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمه .
ذكر تلبيسه على الدهرية
قال المصنف
: قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع . وأن هذه الأشياء بلا مكون ،
وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه . وهل يشك
ذو عقل في وجود صانع فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا
مبنيا علم أنه لا بد له من بان بناه ، فهذا المهاد الموضوع ، وهذا السقف المرفوع ،
وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة ، أما تدل على صانع ، وما
أحسن ما قال بعض العرب : إن البعرة تدل على البعير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ،
ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على اللطيف الخبير ، ثم لو تأمل الإنسان نفسه
لكفت دليلا ، ولشفت غليلا فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب . ومن
تأمل تحديد الأسنان لتقطع ، وتقريض الأضراس لتطحن . واللسان يقلب الممضوغ وتسليط
الكبد على الطعام ينضجه ، ثم ينفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء ،
وهذه الأصابع التي هيئت فيها العقد لتطوى وتنفتح ، فيمكن العمل بها ، ولم تجوف
لكثرة عملها إذ لو جوفت لصدمها الشيء القوي فكسرها ، وجعل بعضها أطول من بعض
لتستوي إذا ضمت ، وأخفي في البدن ما فيه قوامه ، وهي النفس التي إذا ذهبت فسد
العقل الذي يرشد إلى المصالح ، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي أفي الله شك ؟ وإنما
يخبط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحس ، ومن الناس من جحده ، لأنه لما أثبت وجوده من
حيث الجملة لم يدركه من حيث التفصيل فجحد أصل الوجود ، ولو أعمل هذا فكره لعلم أن
لنا أشياء لا تدرك إلا جملة كالنفس والعقل .
ولم يمتنع
أحد من إثبات وجودهما . وهل الغاية إلا إثبات الخلق جملة ، وكيف يقال كيف هو أو ما
هو ولا كيفية له ولا ماهية . ومن الأدلة القطعية على وجوده أن العالم حادث بدليل
أنه لا يخلو من الحوادث وكل ما لا ينفك عن الحوادث حادث ولا بد لحدوث هذا الحادث
من مسبب وهو الخالق سبحانه . وللملحدين اعتراض يتطاولون به على قولنا : لا بد
للصنعة من صانع فيقولون إنما تعلقتم في هذا بالشاهد وإليه نقاضيكم فنقول كما أنه
لا بد للصنعة من صانع فلا بد للصورة الواقعة من الصانع من مادة تقع الصورة فيها
كالخشب لصورة الباب والحديد لصورة الفأس . قالوا فدليلكم الذي تثبتون به الصانع
يوجب قدم العالم . فالجواب أنه لا حاجة بنا إلى مادة بل نقول إن الصانع اخترع
الأشياء اختراعاً فإنا نعلم أن الصور والأشكال المتجددة في الجسم كصورة الدولاب
ليس لها مادة . وقد اخترعها ولا بد لها من مصور فقد أريناكم صورة وهي شيء جاءت لا
من شيء ولا يمكنكم أن ترونا صنعة جاءت لا من صانع .
ذكر تلبيسه على الطبائعيين
قال المصنف : لما رأى إبليس قلة موافقته على جحد
الصانع لكون العقول شاهدة بأنه لا بد للمصنوع من صانع حسن لأقوام أن هذه المخلوقات
فعل الطبيعة وقال ما من شيء يخلق إلا من اجتماع الطبائع الأربع فيه . فدل على أنها
الفاعلة ، وجواب هذا ، نقول اجتماع الطبائع على وجودها لا على فعلها ثم قد ثبت أن
الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها . وذلك يخالف طبيعتها ، فدل على أنها
مقهورة . وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة ومعلوم أن الفعل المنسق
المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم ، فكيف يفعل من ليس عالما وليس قادرا ، فإن
قالوا ولو كان الفاعل حكيما لم يقع في بنائه خلل . ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة
فعلم أنه بالطبع .
قلنا ينقلب
هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن
طبع . فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع والعقوبة ، أو في طيه
منافع لا نعلمها ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في نيسان على أنواع من الحبوب
فترطب الحصرم والخلالة وتنشف البرة وتيبسها ولو فعلت طبعا لأيبست الكل أو رطبته
فلم يبق إلا أن الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يبس هذه للادخار ، والنضج في
هذه للتناول ، والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكنة لا يلقى جرمها والذي رطبها
يلقى جرمها ، ثم إنها تبيض ورد الخشخاش وتحمر الشقائق وتحمض الرمان وتحلي العنب ،
والماء واحد ، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله ( تسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على
بعض في الأكل ) .
ذكر تلبيسه على الثنوية
وهم قوم
قالوا صانع العالم اثنان : ففاعل الخير نور ، وفاعل الشر ظلمة ، وهما قديمان لم
يزالا ولن يزالا قويين حساسين ، سميعين بصيرين ، وهما مختلفان في النفس والصورة ،
متضادان في الفعل والتدبير ، فجوهر النور فاضل حسن نير صاف نقي طيب الريح حسن
المنظر ، ونفسه نفس خيرة كريمة حكيمة نفاعة منها الخير واللذة والسرور والصلاح .
وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر وجوهر الظلمة على ضد ذلك من الكدر والنقص ونتن
الريح وقبح المنظر ونفسه نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضرارة منها الشر والفساد .
كذا حكاه النوبختي عنهم ، قال : وزعم بعضهم أن النور لم يزل فوق الظلمة .
وقال بعضهم
: بل كل واحد إلى جانب الآخر . وقال أكثرهم : النور لم يزل مرتفعاً في ناحية
الشمال ، والظلمة منحطة في ناحية الجنوب . ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه ،
قال النوبختي : وزعموا أن كل واحد منهما له أجناس خمسة ، أربعة منها أبدان وخامس
هو الروح ، وأبدان النور أربعة : النار والريح ، والتراب ، والماء ، وروحه الشبح .
ولم تزل
تتحرك في هذه الأبدان ، وأبدان الظلمة أربعة : الحريق ، والظلمة ، والسموم ،
والضباب ، وروحها الدخان وسموا أبدان النور ملائكة ، وسموا أبدان الظلمة شياطين
وعفاريت . وبعضهم يقول الظلمة تتوالد شياطين والنور يتوالد ملائكة . وأن النور لا
يقدر على الشر ولا يجوز منه ، والظلمة لا تقدر على الخير ولا تجوز منه . وذكر لهم
مذاهب مختلفة فيما يتعلق بالنور والظلمة . ومذاهب سخيفة . فمنها أنه فرض عليهم ألا
يدخرون إلا قوت يوم ، وقال بعضهم : على الإنسان صوم سبع العمر ، وترك الكذب والبخل
والسحر ، وعبادة الأوثان والزنى والسرقة ، وأن لا
يؤذي ذا روح ، في مذاهب طريفة اخترعوها بواقعاتهم الباردة . وذكر يحيى بن بشر
النهاوندي أن قوما منهم يقال لهم ( الديصانية ) زعموا أن طينة العالم كانت طينة
خشنة وكانت تحاكي جسم الباري الذي هو النور زمانا ، فتأذى بها ، فلما طال عليه ذلك
قصد تنحيتها فتوحل فيها واختلط بها فتركب منها هذا العالم النوري والظلمي ، فما
كان من جهة الصلاح فمن النور ، وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة ، وهؤلاء يغتالون
الناس ويخنقونهم ويزعمون أنهم يخلصون بذلك النور من الظلمة ، مذاهب سخيفة .
والذي
حملهم على هذا أنهم رأوا في العالم شرا واختلافا ، فقالوا لا يكون من أصل واحد
شيئان مختلفان : كما لا يكون من النار التبريد والتسخين . وقد رد العلماء عليهم في
قولهم إن الصانع اثنان ، فقالوا لو كان اثنين لم يخل أن يكونا قادرين أو عاجزين ،
أو أحدهما قادر والثاني عاجز ، لا يجوز أن يكونا عاجزين لأن العجز يمنع ثبوت
الألوهية ، ولا يجوز أن يكون أحدهما عاجزا ، فبقي أن يقال هما قادران فتصور أن
أحدهما يريد تحريك هذا الجسم في حالة يريد الآخر فيها تسكينه ، ومن المحال وجود ما
يريدانه ، فإن تم مراد أحدهما ثبت عجز الآخر ، وردوا عليهم في قولهم : إن النور
يفعل الخير ، والظلمة تفعل الشر . فإنه لو هرب مظلوم فاستتر بالظلمة فهذا خير قد
صدر من شر ولا ينبغي مد النفس في الكلام مع هؤلاء فإن مذهبهم خرافات .
ذكر تلبيسه على الفلاسفة وتابعيهم
إنما تمكن
إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم . وتكلموا
بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء . فمنهم من قال بقول الدهرية أن لا صانع
للعالم ، حكاه النوبختي وغيره عنهم . وحكى النهاوندي أن أرسطا طاليس وأصحابه زعموا
أن الأرض كوكب في جوف هذا الفلك وأن في كل كوكب عوالم كما في هذه الأرض وأنهارا
وأشجارا وأنكروا الصانع وأكثرهم أثبت علة قديمة للعالم ثم قال بقدم العالم ، وأنه
لم يزل موجودا مع الله تعالى ومعلولا له ومساويا غير متأخر عنه بالزمان مساواة
المعلول للعلة والنور للشمس بالذات والرتبة لا بالزمان ، فيقال لهم لم أنكرتم أن
يكون العالم حادثا بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه ؟ فإن قالوا
فهذا يوجب أن يكون بين وجود الباري وبين المخلوقات زمان . قلنا الزمان مخلوق وليس
قبل الزمان زمان . ثم يقال لهم : كان الحق سبحانه قادرا على أن يجعل سمك الفلك
الأعلى أكثر مما هو بذراع أو أقل مما هو بذراع . فإن قالوا لا يمكن فهو تعجيز ،
ولأن ما لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن ،
والواجب يستغني عن علة وقد ستروا مذهبهم بأن قالوا الله عز وجل صانع العالم ، وهذا
تجوز عندهم لا حقيقة . لأن الفاعل مريد لما يفعله وعندهم أن العالم ظهر ضروريا لا
أن الله فعله ، ومن مذاهبهم أن العالم باق أبدا كما لا بداية لوجوده فلا نهاية .
قالوا لأنه معلول علة قديمة . وكان المعلول مع العلة .
ومتى كان
العالم ممكن الوجود لم يكن قديما ولا معلولا . وقد قال جالينوس لو كانت الشمس مثلا
تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في هذه المدة الطويلة فيقال له قد يفسد الشيء بنفسه
بغتة لا بالذبول ، ثم من أين له أنها لا
تذبل ؟ فإنها عندهم بمقدار الأرض مائة وسبعين مرة أو نحو ذلك ، فلو نقص منها مقدار
جبل لم يبن ذلك للحس . ثم نحن نعلم أن الذهب والياقوت يقبلان الفساد وقد يبقيان
سنين ولا يحس نقصانهما ، وإنما الإيجاد والإعدام بإرادة القادر والقادر لا يتغير
في نفسه ولا تحدث له صفة وإنما يتغير الفعل بإرادة قديمة .
وحكى
النوبختي في كتاب الآراء والديانات أن سقراط كان يزعم أن أصول الأشياء ثلاثة : علة
فاعلة ، والعنصر ، والصورة . قال : والله تعالى هو الفعال والعنصر الموضوع الأول
للكون والفساد ، والصورة جوهر للجسم ، وقال آخر منهم : الله هو العلة الفاعلة ،
والعنصر المنفعل ، وقال آخر منهم العقل رتب الأشياء هذا الترتيب ، وقال آخر منهم
بل الطبيعة فعلته .
وحكى يحيى
بن بشير بن عمير النهاوندي أن قوما من الفلاسفة قالوا لما شاهدنا العالم مجتمعا
ومتفرقا ومتحركا وساكنا علمنا أنه محدث ولا بد له من محدث ثم رأينا أن الإنسان يقع
في الماء ولا يحسن السباحة فيستغيث بذلك الصانع المدبر فلا يغيثه ، أو في النار
فعلمنا أن ذلك الصانع معدوم . قال واختلف هؤلاء في عدم الصانع المدبر على ثلاث فرق
: فرقة زعمت أنه لما أكمل العالم استحسنه فخشي أن يزيد فيه أو ينقص منه فيفسد ،
فأهلك نفسه وخلا منه العالم ، وبقيت الأحكام تجري بين حيواناته ومصنوعاته على ما
اتفق ، وقالت الفرقة الثانية : بل ظهر في ذات الباري تولول ، فلم يزل تنجذب قوته
ونوره حتى صارت القوة والنور في ذلك التولول وهو العالم ، وساء نور الباري وكان
الباقي منه نور .
وزعموا أنه
سيجذب النور من العالم إليه حتى يعود كما كان ، ولضعفه عن مخلوقاته أهمل أمرهم
فشاع الجور .
وقالت
الفرقة الثالثة : بل الباري لما أتقن العالم تفرقت أجزاؤه فيه فكل قوته في العالم
فهي من جوهر اللاهوتية . قال الشيخ رحمه الله : هذا الذي ذكره النهاوندي نقلته من
نسخة بالنظامية قد كتبت منذ مائتين وعشرين سنة ، ولولا أنه قد قيل و نقل في ذكره
بيان ما قد فعل إبليس في تلبيسه ، لكان الأولى
الإضراب عن ذكره تعظيما لله عز وجل أن يذكر بمثل هذا ، ولكن قد بينا وجه
الفائدة في ذكره .
وقد ذهب
أكثر الفلاسفة إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئا ، وإنما يعلم نفسه ، وقد ثبت أن
المخلوق يعلم نفسه ويعلم خالقه ، فقد زادت مرتبة المخلوق على رتبة خالق .
قال المصنف
: وهذا أظهر فضيحة أن يتكلم عليه ، فانظر إلى ما زينه إبليس لهؤلاء الحمقاء مع
ادعائهم كمال العقل ، وقد خالفهم أبو علي بن سيناء في هذا فقال بل يعلم نفسه ،
ويعلم الأشياء الكلية ولا يعلم الجزئيات ، وتلقف هذا المذهب منهم المعتزلة ،
وكأنهم استكثروا المعلومات ، فالحمد الله الذي جعلنا ممن ينفي على الله الجهل
والنقص ، ونؤمن بقوله "ألا يعلم من خلق" وقوله : " ويعلم ما في
البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها " وذهبوا إلى أن علم الله وقدرته هو
ذاته ، فرارا من أن يثبتوا قديمين ، وجوابهم أن يقال إنما هو قديم موجود واحد
موصوف بصفات الكمال .
قال المصنف
: وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد ، ورد الأرواح إلى الأبدان ووجود جنة ونار
جسمانيين وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس ليفهموا الثواب والعقاب الروحانيين
، وزعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديا أبدا ، إما في لذة لا توصف وهي
الأنفس الكاملة ، أو ألم لا يوصف وهي النفوس المتلوثة ، وقد تتفاوت درجات الألم
على مقادير الناس ، وقد ينمحي عن بعضها الألم ويزول ، فيقال لهم نحن لا ننكر وجود
النفس بعد الموت ، ولذلك سمي عودها إعادة ، ولا أن لها نعيما وشقاء ، ولكن ما
المانع من حشر الأجسام ؟ ولم ننكر اللذات والآلام الجسمانية في الجنة والنار ، وقد
جاء الشرع بذلك فنحن نؤمن بالجمع بين السعادتين ، وبين الشقاوتين الروحانية
والجسمانية ، وأما الحقائق في مقام الأمثال فتحكم بلا دليل ، فإن قالوا الأبدان
تنحل وتؤكل وتستحيل . قلنا القدرة لا يقف بين يديها شيء ، على أن الإنسان إنسان
بنفسه .
فلو صنع له
البدن من تراب غير التراب الذي خلق منه لم يخرج عن كونه هو هو ، كما أنه تتبدل
أجزاؤه من الصغر إلى الكبر وبالهزال والسمن فإن قالوا لم يكن البدن بدنا حتى يرقى
من حالة إلى حالة إلى أن صار لحما وعروفا قلنا قدرة الله سبحانه وتعالى لا تقف على
المفهوم المشاهد ثم قد أخبرنا نبينا صضص أن الأجسام تنبت في القبور قبل البعث .
وأخبرنا
أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار نا أبو محمد الجوهري نا عمر بن محمد بن الزيات
ثنا قاسم بن زكريا المطرز ثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة قال : قال رسول الله صضص "ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا
هريرة أربعون يوما ؟ قال أبيت ، قالوا أربعون شهرا ؟ قال أبيت ، قالوا أربعون سنة
قال أبيت ، قال ثم ينزل الله ماء من السماء فينبتون كما ينبت البقل ، قال وليس من
الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ، منه خلق ، ومنه يركب الخلق
يوم القيامة" - أخرجاه في الصحيحين -
.
مذهب الفلاسفة
وقد لبس
إبليس على أقوام من أهل ملتنا فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنتهم فأراهم أن
الصواب اتباع الفلاسفة لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية
الذكاء وكمال الفطنة كما ينقل من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطا طاليس
وجالينوس وهؤلاء كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورا
خفية إلا أنهم لما تكلموا في الإلهيات خلطوا ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في
الحسيات والهندسيات وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم .
وسبب
تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك العلوم إلا جملة والرجوع فيها إلى الشرائع ( وقد حكي
) لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع ويدفعون
الشرائع ويعتقدونها نواميس وحيلا فصدقوا فيما حكي لهم عنهم ورفضوا شعار الدين
وأهملوا الصلوات ولابسوا المحذورات واستهانوا بحدود الشرع وخلعوا ربقة الإسلام
فاليهود والنصارى أعذر منهم لكونهم متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات ، والمبتدعة
في الدين أعذر منهم لأنهم يدعون النظر في الأدلة وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم
بأن الفلاسفة كانوا حكماء أتراهم ما علموا أنت الأنبياء كانوا حكماء وزيادة .
( وما قد
حكى ) لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال : فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا
ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها وشذ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت
أفهامهم بالمرة وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف
إلاالتحير فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام بل فيهم من يصوم رمضان ويصلي
ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات ويتكلم في إنكار بعث الأجساد ولا
يكاد يرى منهم أحد إلا ضربه الفقر فأضر به فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار
والاعتراض على المقدر حتى قال لي بعضهم أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك وكان يقول
أشعارا كثيرة في هذا المعنى فمنها قوله في صفة الدنيا قال :
أتراها
صنعة من غير صانعأم تراها رمية من رام
وقوله :
واحيرتا من
وجود ما تقدمهمنا اختيار ولا علم فيقتبس
كأنه في
عماء ما يخلصنامنه ذكاء ولا عقل ولا شرس
ونحن في
ظلمة ما إن لها قمرفيها يضيء ولا شمس ولا قبس
مدلهين
حيارى قد تكنفناجهل يجهمنا في وجهه عبس
فالفعل فيه
بلا ريب ولا عملوالقول فيه كلام كله هوس
ولما كانت
الفلاسفة قريبا من زمان شريعتنا والرهبنة كذلك مذ بعض أهل ملتنا يده إلى التمسك
بهذه وبعضهم مد يده إلى التمسك بهذه فترى كثيرا من الحمقى إذا نظروا في باب
الاعتقاد تفلسفوا وإذا نظروا في باب التزهد ترهبنوا فنسأل الله ثباتا على ملتنا
وسلامة من عدونا إنه ولي الإجابة .
ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل
وهم قوم
يقولون إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية هيكلا أعني جرما من الأجرام السماوية
هو هيكله ونسبته إلى الروحاني المختص به نسبة أبداننا إلى أروحنا فيكون هو مدبره
والمتصرف فيه فمن جملة الهياكل العلوية السيارات والثوابت ، قالوا : ولا سبيل لها
إلى الروحاني بعينة . فيتقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان . ( وقال آخرون منهم )
لكل هيكل سماوي شخص من الأشخاص السفلية على صورته وجوهره فعمل هؤلاء الصور ونحتوا
الأصنام وبنوا لها بيوتا .
وقد ذكر
يحيى بن بشر النهاوندي أن قوما قالوا الكواكب السبعة وهي زحل ، والمشتري ، والمريخ
، والشمس ، والزهرة ، وعطارد ، والقمر . هي المدبرات لهذا العالم وهي تصدر عن أمر
الملأ الأعلى . ونصبوا لها الأصنام على صورتها ، وقربوا لكل واحد منها ما يشبهه من
الحيوان . فجعلوا لزحل جسما عظيما من الآنك أعمى يقرب إليه بثور حسن يؤتى به إلى
بيت تحته محفور وفوقه الدرابزين من حديد على تلك الحفرة فيضرب الثور حتى يدخل
البيت ويمشي على ذلك الدرابزين من الحديد فتغوص رجلاه ويداه هنالك ثم توقد تحته
النار حتى يحترق . ويقول له المقربون مقدس أنت أيها الإله الأعمى المطبوع على الشر
الذي لا يفعل خيرا قربنا لك ما يشبهك فتقبل منا واكفنا شرك وشر أرواحك الخبيثة :
ويقربون للمشتري صبيا طفلا وذلك أنهم يشترون جارية ليطأها السدنة للأصنام السبعة
فتحمل وتترك حتى تضع ويأتون بها والصبي على يدها ابن ثمانية أيام فينخسونه بالمسل
والإبر وهو يبكي على يد أمه فيقولون له أيها الرب الخير الذي لا يعرف الشر قد
قربنا لك من لم يعرف الشر يجانسك في الطبيعة فتقبل قرباننا وارزقنا خيرك وخير
أرواحك الخيرة ويقربون للمريخ رجلا أشقر أنمش أبيض الرأس من الشقرة يأتون به فيدخلون
في حوض عظيم ويشدون قيوده إلى أوتاد في قعر الحوض ويملأون الحوض زيتا حتى يبقى
الرجل قائما فيه إلى حلقه ويخلطون بالزيت الأدوية المقوية للعصب والمعفنة للحم حتى
إذا دار عليه الحول بعد أن يغذى بالأغذية المعفنة للحم والجلد قبضوا على رأسه
فملخوا عصبه من جلده ولفوه تحت رأسه وأتوا به إلى صنمهم الذي هو على صورة المريخ
فقالوا أيها الإله الشرير ذو الفتن والجوائح قربنا إليك ما يشبهك فتقبل قرباننا
واكفنا شرك وشر أرواحك الخبيثة الشريرة .
ويزعمون أن
الرأس تبقى فيه الحياة سبعة أيام وتكلمهم بعلم ما يصيبهم تلك السنة من خير وشر
ويقربون للشمس تلك المرأة التي قتلوا ولدها للمشتري و يطوفون بصورة الشمس ويقولون
مسبحة مهللة أنت أيتها الآلة النورانية قربنا إليك ما يشبهك فتقبلي قرباننا و
ارزقينا من خيرك و أعيذينا من شرك . ويقربون للزهرة عجوزا شمطاء ماجنة يقدمونها
بين يديها وينادون حولها أيتها الآلهة الماجنة أتيناك بقربان بياضه كبياضك و
مجانته كمجانتك وظرفه كظرفك فتقبليها منا . ثم يأتون بالحطب فيجعلونه حول العجوز
ويضرمون فيه النار إلى أن يحترق فيحثون رمادها في وجه الصنم .
ويقربون
لعطارد شابا أسمر حاسبا كاتبا متأدبا يأتون به بحيلة وكذلك يفعلون بالكل يخدعونهم
ويبنجونهم ويسقونهم أدوية تزيل العقل وتحرس الألسنة فيقدمون هذا الشاب إلى صنم
عطارد ويقولون أيها الرب الظريف أتيناك بشخص ظريف وبطبعك اهتدينا فتقبل منا ثم
ينشر الشاب نصفين ويربع ويجعل على أربع خشبات حوله ويضرم كل خشبة النار حتى تحترق ويحترق
الربع معها ويحثون رماده في وجهه .
ويقربون
للقمر رجلا آدم كبير الوجه ويقولون له يا بريد الآلهة وخفيف الأجرام العلوية .
ذكر تلبيسه على عباد الأصنام
قال المصنف
كل محنة لبس بها إبليس على الناس فسببها الميل إلى الحس والأعراض عن مقتضى العقل
ولما كان الحس يأنس بالمثل دعا إبليس لعنه الله خلقا كثيرا إلى عبادة الصور وأبطل
عند هؤلاء عمل العقل بالمرة . فمنهم من حسن له أنها الآلهة وحدها ومنهم من وجد فيه
قليل فطنة فعلم أنه لا يوافقه على هذا فزين له أن عبادة هذه تقرب إلى الخالق
فقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى .
ذكر بداية تلبيسه على عباد الأصنام
أخبرنا عبد
الوهاب بن المبارك الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو جعفر بن أحمد بن
السلم نا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني نا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد
الله الجوهري ثنا أبو علي الحسن بن عليل العنزي : ثنا أبو الحسن علي بن الصباح بن
الفرات قال أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الحلبي قال أخبرني أبي قال أول ما عبدت
الأصنام كان آدم عليه السلام لما مات جعله بنوشيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي
أهبط عليه آدم بأرض الهند ويقال للجبل بوذ وهو أخصب جبل في الأرض .
قال هشام
فأخبرني أبي عن أبي الصالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال فكان بنو شيث بن آدم
عليه الصلاة والسلام يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه فقال رجل من
بني قابيل يا بني قابيل إن لبني شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه وليس لكم شيء فنحت
لهم صنما فكان أول من عملها قال : وأخبرني أبي أنه كان ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق
، ونسر ، قوما صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم أقاربهم فقال رجل من بني قابيل يا
قوم هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم غير أنني لا أقدر أن أجعل فيها
أرواحا ، فقالوا نعم . فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم فكان الرجل منهم
يأتي أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الأول . وعملت على
عهد يزد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد
تعظيم من القرن الأول .
ثم جاء من
بعدهم القرن الثالث فقالوا ما عظم الأولون هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله
عز وجل ، فعبدوهم وعظموا أمرهم واشتد كفرهم فبعث الله سبحانه وتعالى إليهم إدريس
عليه الصلاة والسلام فدعاهم فكذبوه فرفعه الله مكانا عليا ، ولم يزل أمرهم يشتد
فيما قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حتى أدرك نوح فبعثه الله نبيا وهو يومئذ
ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعاهم إلى عبادة الله عز وجل مائة وعشرين سنة فعصوه
وكذبوه فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك فعملها وفرغ منها وركبها وهو ابن ستمائة
سنة وغرق من غرق ومكث بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين وسنة . فكان بين آدم ونوح ألفا
سنة ومائتا سنة فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة
فلما نضبت الماء بقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها .
قال الكلبي
: وكان عمرو بن لحي كاهنا وكان يكنى أبا ثمامة له رئي من الجن . فقال له عجل
المسير والظعن من تهامة ، بالسعد والسلامة ، ائت صفا جده ، تجد فيها أصناما معدة .
فأوردها تهامة ولا تهب ، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب . فأتى نهر جدة فاستثارها
ثم حملها حتى ورد بها تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة ، فأجابه عوف
بن عذرة بن زيد اللات فدفع إليه ودا فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل وسمي
ابنه عبد ود فهو أول من سمي به . وجعل عوف ابنه عامرا سادنا له فلم يزل بنوه
يدينون به حتى جاء الله بالإسلام .
قال الكلبي
: حدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا . قال وكان أبي يبعثني باللبن إليه ويقول اسق
إلهك فأشربه . قال ثم رأيت خالد بن الوليد بعد كسره فجعله جذاذا وكان رسول الله
صضص بعثه من غزوة تبوك لهدمه فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود وبنو عامر فقاتلهم
فقتلهم وهدمه وكسره وقتل يومئذ رجلا من بني عبد ود يقال له قطن بن سريح فأقبلت أمه
( وهو مقتول ) وهي تقول :
ألا تلك
المودة لا تدومولا يبقى على الدهر النعيم
ولا يبقى
على الحدثان عفرله أم بشاهقة رؤوم
ثم قالت :
يا جامعا
جمع الأحشاء والكبديا ليت أمك لم تولد ولم تلد
ثم أكبت
عليه فشهقت وماتت .
قال الكلبي
: فقلت لمالك بن حارثة صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه . قال : كان تمثال رجل أعظم
ما يكون من الرجال قد دير أي نفس ، عليه حلتان متزر بحلة مرتد بأخرى ، عليه شيف قد
تقلده وتنكب قوسا وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل يعني جعبتها .
قال :
وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار فدفع إلى رجل من هذيل يقال له الحارث بن تميم بن
سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر سواعا ، وكان بأرض يقال لها رهاط من بطن
نخلة يعبده من يليه من مضر . فقال رجل من العرب :
تراهم حول
قبلتهم عكوفاكما عكفت هذيل على سواع
يظل حياته
صرعى لديهغنائم من ذخائر كل راعي
وأجابته
مذحج فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث ، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن
والاها .
وأجابته
همدان فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم يعوق ، وكان بقرية يقال لها جوان تعبده همدان
ومن والاها من اليمن .
وأجابته
حمير فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له معدي كرب نسرا وكان بموضع من أرض سبأ يقال
له بلخع تعبده خمير ومن والاها . فلم يزالوا يعبدونه حتى هودهم ذو نواس ولم تزل
هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله محمدا صضص فأمر بهدمها .
قال ابن
هشام وحدثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صضص
: رفعت لي النار فرأيت عمرو بن لحي قصيرا أحمر أزرق يجر قصبه في النار قلت من هذا
قيل هذا عمرو بن لحي أول من بحر البحيرة ووصل الوصيلة وسيب السائبة وحمى الحام
وغير دين إسماعيل ودعا العرب إلى عبادة الأوثان .
قال هشام
وحدثني أبي وغيره أن إسماعيل عليه الصلاة والسلام لما سكن مكة وولد له فيها أولادا
فكثروا حتى ملؤا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقست بينهم
الحروب والعداوات فأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد والتمسوا المعاش فكان الذي
حملهم على عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا
من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصيانة لمكة فحيث ما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم
بالكعبة تيمنا منهم بها وصيانة للحرم وحبا له وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون
ويعتمرون على أثر إبراهيم وإسماعيل ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه
واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما
كانت عليه الأمم من قبلهم واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح وفيهم على ذلك بقايا من
عهد إبراهيم وإسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة
والوقوف بعرفة والمزدلفة وإهداء البدن والإهلال بالحج والعمرة وكانت نزار تقول إذا
ما أهلت ( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك
لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ) .
وكان أول
من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وسيب السائبة ووصل الوصيلة عمرو بن ربيعة وهو لحي
بن الحارثة وهو أبو خزاعة وكانت أم عمرو بن لحي فهيرة بنت عامر بن الحارث وكان
الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة فلما بلغنا عمرو بن لحي نازعه في الولاية وقاتل
جرهم بن إسماعيل فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة وتولى حجابة البيت
من بعدهم ثم أنه مرض مرضا شديدا فقيل له أن بالبلقاء من أرض الشام حمة إن أتيتها
برئت فأتاها فاستحم بها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال ما هذه فقالوا نستسقي
بها المطر ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها
حول الكعبة واتخذت العرب الأصنام .
وكان
أقدمها مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المسلك بقديد بين مكة والمدينة
وكانت العرب جميعا تعظمه والأوس والخزرج ومن نزل المدينة ومكة وما والاها ويذبحون
له ويهدون له .
قال هشام :
وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عامر بن
يسار قال : كانت الأوس والخزرج ومن يأخذ مأخذهم من العرب من أهل يثرب وغيرها يحجون
فيقفون مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا أتوه فحلقوا عنده
رؤوسهم وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك وكانت مناة لهذيل وخزاعة فبعث
رسول الله صضص عليا رضي الله عنه فهدمها عام الفتح .
ثم اتخذت
اللات بالطائف وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مرتفعة وكانت سدنتها من ثقيف وكانوا قد
بنوا عليها بناء وكانت قريش وجميع العرب تعظم وكانت العرب تسمي زيد اللات وتيم
اللات وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم فلم يزالوا كذلك حتى أسلمت
ثقيف فبعث رسول الله صضص المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار .
ثم اتخذوا
العزى وهي أحدث من اللات اتخذه ظالم بن أسعد وكانت بوادي نخلة الشامية فوق ذات عرق
وبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منه الصوت .
قال هشام :
وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت العزى شيطانة تأتي
ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله صضص مكة بعث خالد بن الوليد فقال ائت
بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعتضد الأولى فأتاها فعضدها . فلما جاء إليه قال :
هل رأيت شيئا ؟ قال لا . قال فاعضد الثانية فأتاها فعضدها . ثم أتى النبي صضص فقال
هل رأيت شيئا قال لا قال فاعضد الثالثة فأتاها فإذا هو بجنية نافشة شعرها واضعة
يديها على عاتقها تصر بأنيابها وخلفها ديبة السلمي وكان سادنها . فقال خالد :
يا عز
كفرانك لا سبحانكإني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها
ففلق رأسها فإذا هي حممة ثم عضد الشجرة وقتل ديبة السادن ثم أتى النبي صضص فأخبره
فقال تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب .
قال هشام :
وكان لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وأعظمها عندهم هبل . وكان فيما بلغني من
عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من
ذهب . وكان أول من نصبه خذيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان في جوف الكعبة وكان
قدامه سبعة أقداح مكتوب في أحدها صريح وفي الآخر ملصق فإذا شكو في مولود أهدوا له
هدية ثم ضربوا بالقدح فإن خرج صريح ألحقوه وإن خرج ملصقا فدفعوه . وكانوا إذا
اختصموا في أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده . وهو الذي
قال له أبو سفيان يوم أحد : أعل هبل أي علا دينك . فقال رسول لله صضص لأصحابه ألا
تجيبونه فقالوا وما نقول . قال قولوا لله أعلى وأجل . وكان لهم أساف ونائلة قال
هشام فحدث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن أساف رجل من جرهم يقال له أساف بن
يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم وكان يتعشقها في أرض اليمن فأقبلا حجاجا فدخلا البيت
فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها في البيت فمسخا فأصبحوا فوجدوهما
ممسوخين فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما فعبدتة خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب
. قال هشام لما مسخا حجرين وضعا عند البيت ليتعظ الناس بهما فلما طال مكثهما وعبدت
الأصنام عبدا معها . وكان أحدهما ملصقا بالكعبة و الآخر في موضع زمزم فنقلت قريش
الذي كان ملصق بالكعبة إلى الآخر فكان ينحرون و يذبحون عندهما .
وكان من
تلك الأصنام ذو الخلصة وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج وكانت بتبالة بين
مكة و المدينة على مسيرة سبع ليالي من مكة وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم و بجيلة .
فقال رسول لله صضص لجرير رضي لله عنه : "ألا تكفني ذا الخلصة فوجهه إليه فسار
بأحمس فقابلته خثعم وباهلة فظفر بهم وهدم بنيان ذي الخلصة وأضرم فيه النار ، وذو
الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة" .
و كان لدوس
صنم يقال له ذو الكفين . فلما أسلموا بعث رسول لله صضص الطفيل بن عمرو فحرقه .
وكان لبني
الحارث بن يشكر صنم يقال له ذو الثرى .
وكان
لقضاعة ولخم وجذام و عاملة و غطفان صنم في مشارف الشام يقال له الأقيصر .
وكان
لمزينة صنم يقال له فهم و به كانت تسمى عبد فهم .
وكانت
لعنزة صنم يقال له سعير .
وكانت لطيء
صنم يقال له الفلس . وكان لأهل كل واد من مكة صنم في دارهم يعبدونه فإذا أراد
أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به وإذا قدم من السفر كان أول ما
يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به . ومنهم من اتخذ بيتا ومن لم يكن له صنم ولا بيت
نصب حجرا مما استحس به ثم طاف به وسموها الأنصاب .
وكان الرجل
إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعله ثالثة
الأثافي لقدره فإذا ارتحل تركه . فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك ولما ظهر رسول
الله صضص على مكة دخل المسجد والأصنام منصوبة حول الكعبة فجعل يطعن بسية قوسه في
عيونها ووجوهها ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ثم أمر بها فكفئت
على وجوهها ثم أخرجت من المسجد فحرقت . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : في
زمان يزد برد عبدت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام .
أخبرنا
إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبيد الله نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد
الدقاق ثنا جميل ثنا حسن بن الربيع ثنا مهدي بن ميمون . قال سمعت أبا رجاء
العطاردي يقول : لما بعث رسول الله صضص فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب ، ولحقنا
بالنار ، وكنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذاك
ونأخذه وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا
به .
أخبرنا
محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا أحمد نا أحمد الحداد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله
ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا أبو عباس السراج ثنا أحمد بن الحسن بن خراش ثنا مسلم بن
إبراهيم ثنا عمارة المعولي . قال سمعت أبا رجاء العطاردي يقول : كنا نعمد إلى
الرمل فنجمعه فنحلب عليه فنعبده . وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم
نلقيه . أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا عبد العزيز بن علي الوراق
نا أحمد بن إبراهيم ثنا يوسف بن يعقوب النيسابوري نا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يزيد
بن هارون نا الحجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان النهدي قال : كنا في الجاهلية
نعبد حجرا فسمعنا مناديا ينادي يا أهل الرحال إن ربكم قد هلك فالتمسوا لكم ربا
غيره . قال : فخرجنا على كل صعب وذلول فبينما نحن كذلك نطلب ، إذا نحن بمناد ينادي
إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه قال : فجئنا فإذا حجر فنحرنا عليه الجزر . أنبأنا محمد
بن أبي طاهر نا أبو إسحاق البرمكي نا أبو عمر بن حيويه نا أحمد بن معروف نا الحسين
بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا محمد بن عمرو ثني الحجاج بن صفوان عن ابن أبي حسين عن
شهر حوشب عن عمرو بن عنسبة قال : كنت امرءا ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم
آلهة فيخرج الحي منهم فيأتي بأربعة أحجار . فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها
يعبد . ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره .
أنبأنا عبد
الوهاب بن المبارك نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو الحسن العتيقي نا عثمان بن
عمرو بن الميثاب نا أبو محمد عبد الله بن سليمان الفامي ثني أبو الفضل محمد بن أبي
هارون الوراق ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي عن شيخ ساكني مكة . قال : سئل سفيان
بن عيينة كيف عبدت العرب الحجارة والأصنام . فقال أصل عبادتهم الحجارة إنهم قالوا
البيت حجر فحيث ما نصبنا حجرا فهو بمنزلة البيت . وقال أبو معشر : كان كثير من أهل
الهند يعتقد الربوبية ويقرون بأن لله تعالى ملائكة إلا أنهم يعتقدونه صورة كأحسن
الصور وأن الملائكة أجسام حسان وأنه سبحانه وتعالى وملائكته محتجبون بالسماء
فاتخذوا أصناما على صورة الله سبحانه عندهم وعلى صور الملائكة فعبدوها وقربوا لها
لموضع المشابهة على زعمهم .
وقيل
لبعضهم : إن الملائكة والكواكب والأفلاك أقرب الأجسام إلى الخالق فعظموها وقربوا
لها ثم عملوا الأصنام .
وبنى جماعة
من القدماء بيوتا كانت للأصنام فمنها بيت على رأس جبل بأصبهان كانت فيه أصنام
أخرجها كوشتاسب لما تمجس وجعله بيت نار . والبيت الثاني والثالث في أرض الهند .
والرابع بمدينة بلخ بناه بنو شهر فلما ظهر الإسلام خربه أهل بلخ . والخامس بيت
بصنعاء بناه الضحاك على اسم الزهرة فخربه عثمان بن عفان رضي الله عنه . والسادس
بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانة فخربه المعتصم .
وذكر يحيى
بن بشير بن عمير النهاوندي : أن شريعة الهند وضعها لهم رجل برهمي ، ووضع لهم
أصناما وجعل لهم أعظم بيوتهم بيتا بالميلتان . ( وهي مدينة من مداين السند ) .
وجعل فيه صنمهم الأعظم الذي هو كصورة الهيولي الأكبر . وهذه المدينة فتحت أيام
الحجاج وأرادوا قلع الصنم فقيل لهم : إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثلث ما
يجتمع له من مال .
فأمر عبد
الملك بن مروان بتركه فالهند تحج إليه من ألفي فرسخ ولا بد للحاج أن يحمل معه
دراهم على قدر ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا ولا أكثر ومن لم
يحمل معه ذلك لم يتم حجه . فيلقيه في صندوق عظيم هناك ويطوفون بالصنم . فإذا ذهبوا
قسم ذلك المال فثلثه للمسلمين وثلثه لعمارة المدينة وحصونها وثلثه لسدنة الصنم
ومصالحه .
[ قال
الشيخ أبو الفرج رحمه الله ] فانظر كيف تلاعب الشيطان بهؤلاء وذهب بعقولهم فنحتوا
بأيديهم ما عبدوه وما أحسن ما عاب الحق سبحانه وتعالى أصنامهم فقال : " ألهم
أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون
بها " . وكانت الإشارة إلى العباد أي أنتم تمشون وتبطشون وتبصرون وتسمعون
والأصنام عاجزة عن ذلك وهي جماد وهم حيوان فكيف عبد التام الناقص . ولو تفكروا
لعلموا أن الإله يصنع الأشياء ولا يصنع ، ويجمع وليس بمجموع ، وتقوم الأشياء به
ولا يقوم بها ، وإنما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه لا ما صنعه . وما خيل إليهم
أن الأصنام تشفع فخيال ليس فيه شبهة يتعلق بها .
ذكر تلبيسه على عابدي النار والشمس والقمر
قال المصنف
: قد لبس إبليس على جماعة فحسن لهم عبادة النار وقالوا هي الجوهر الذي لا يستغني
العالم عنه ومن ههنا زين عبادة الشمس .
وذكر أبو
جعفر بن جرير الطبري : أنه لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه
إبليس . فقال له : إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدم النار
ويعبدها فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك . فبنى بيت نار فهو أول من نصب النار
وعبدها ، قال الجاحظ : وجاء زرادشت من بلخ وهو صاحب المجوس فادعى أن الوحي ينزل
إليه على جبل سيلان فدعى أهل تلك النواحي الباردة الذين لا يعرفون إلا البرد وجعل
الوعيد بتضاعف البرد ، وأقر بأنه لم يبعث إلا إلى الجبال فقط . وشرع لأصحابه
التوضؤ بالأبوال وغيشان الأمهات ، وتعظيم النيران ، مع أمور سمجة . قال ومن قول
زرادشت كان الله وحده ، فلما طالت وحدته فكر فتولد من فكرته إبليس . فلما مثل بين
يديه وأراد قتله امتنع منه فلما رأى امتناعه ودعه إلى مدة .
قال الشيخ
أبو الفرج رحمه الله : وقد بنى عابدو النار لها بيوتا كثيرة . فأول من رسم لها
بيتا أفريدون فاتخذ لها بيتا بطرطوس وآخر ببخارى . واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان .
واتخذ لها أبو قباذ بيتا بناحية بخارى . وبنيت بعد ذلك بيوت كثيرة لها . وقد كان
زرادشت وضع نارا زعم أنها جاءت من السماء فأكلت قربانهم . وذلك أنه بنى بيتا وجعل
في وسطه مرآة ولف القربان في حطب وطرح عليه الكبريت فلما استوت الشمس في كبد
السماء قابلت كوة قد جعلها في ذلك البيت فدخل شعاع الشمس فوقع على المرآة فانعكس
علىالحطب فوقعت فيه النار . فقال لا تطفؤا هذه النار .
فصل
قال المصنف
: وقد حسن إبليس لعنه الله لأقوام عبادة القمر ولآخرين عبادة النجوم . قال ابن
قتيبة وكان قوم في الجاهلية عبدوا الشعرى العبور وفتنوا بها . وكان أبو كبشة الذي
كان المشركون ينسبون إليه رسول الله صضص أول من عبدها . وقال قطعت السماء عرضا ولم
يقطع السماء عرضا غيرها وعبدها وخالف قريشا فلما بعث رسول الله صضص ودعا إلى عبادة
الله وترك الأوثان قالوا هذا ابن أبي كبشة أي شبهه ومثله في الخلاف كما قالت بنو
إسرائيل لمريم يا أخت هارون أي يا شبيهة هارون في الصلاح وهما شعريان إحداهما هذه
والشعرى الأخرى هي الغميضاء وهي تقابلها وبينها المجرة - والغميضاء من الذراع
المبسوط في جبهة الأسد وتلك في الجوزاء .
وزين إبليس
لعنه الله لآخرين عبادة الملائكة وقالوا : هي بنات الله تعالى . تعالى عن ذلك .
وزين للآخرين عبادة الخيل والبقر . وكان السامري من قوم يعبدون البقر فلهذا صاغ
عجلا . وجاء في التعبير أن فرعون كان يعبد تيسا وليس في هؤلاء من أعمل فكره ولا استعمل
عقله في تدبير ما يفعل نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة .
ذكر تلبيسه على الجاهلية
قال المصنف
: ذكرنا كيف لبس عليهم في عبادة الأصنام . ومن أقبح تلبيسه عليهم في ذلك تقليد
الآباء من غير نظر في دليل كما قال الله عز وجل " وإذا قيل لهم اتبعوا ما
أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا
ولا يهتدون " المعنى أتتبعونهم أيضا .
وقد لبس
إبليس على طائفة منهم فقالوا بمذاهب الدهرية وأنكروا الخالق وجحدوا البعث ، الذين
قال الله سبحانه فيهم : " ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا
الدهر " . وعلى آخرين منهم : فأقروا بالخالق لكنهم جحدوا الرسل والبعث . وعلى
آخرين منهم : فزعموا أن الملائكة بنات الله . وأمال آخرين منهم إلى مذهب اليهود
وآخرين إلى مذهب المجوس ، وكان في بني تميم منهم زرارة بن جديس التميمي وابنه حاجب
.
وممن كان
يقر بالخالق والابتداء والإعادة والثواب والعقاب عبد المطلب بن هاشم ، وزيد بن
عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة ، وعامر بن الظرب - وكان عبد المطلب إذا رأى ظالما لم
تصبه عقوبة قال تالله أن وراء هذه الدار لدارا يجزي فيها المحسن والمسيء . ومنهم
زهير بن أبي سلمى وهو القائل :
يؤخر فيوضع
في كتاب فيدخرليوم الحساب أو يعجل فينقم
ثم أسلم
ومنهم زيد الفوارس بن حصن ، ومنهم القلمس بن أمية الكناني . كان يخطب بفناء الكعبة
وكانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتى يعظها ويوصيها فقال يوما : يا معشر العرب
أطيعوني ترشدوا قالوا : وما ذاك . قال إنكم تفردتم بآلهة شتى إني لأعلم ما الله
بكل هذا راض وإن الله رب هذه الآلهة وإنه ليحب أن يعبد وحده . فتفرقت عنه العرب
لذلك ولم يسمعوا مواعظه . وكان فيهم قوم يقولون من مات فربطت على قبره دابته وتركت
حتى تموت حشر عليها ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا وممن قاله عمرو بن زيد الكلبي .
قال المصنف
: وأكثر هؤلاء لم يزل عن الشرك وإنما تمسك منهم بالتوحيد ورفض الأصنام القليل كقس
بن ساعدة وزيد وما زالت الجاهلية تبتدع البدع الكثيرة . فمنها النسيء وهو تحريم
الشهر الحرام وذلك أن العرب كانت قد تمسكت من ملة إبراهيم صلوات الله عليه بتحريم
الأشهر الأربعة فإذا احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب أخروا تحريمه إلى صفر ثم
يحتاجون إلى صفر ثم كذلك حتى تتدافع السنة . وإذا حجوا قالوا : لبيك لا شريك لك ،
إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . ومنها توريث الذكر دون الأنثى . ومنها أن أحدهم
كان إذا مات ورث نكاح زوجته أقرب الناس إليه ومنها البحيرة وهي الناقة تلد خمسة
أبطن فإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها وحرمت على النساء . والسائبة من الأنعام
كانوا يسيبونها ولا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا . والوصيلة الشاة تلد
سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا أو أنثى قالوا وصلت أخاها فلا تذبح وتكون منافعها
للرجال دون النساء فإذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء .
والحام
الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن فيقولون قد
حمى ظهره فيسيبونه لأصنامهم ولا يحمل عليه . ثم يقولون أن الله عز وجل أمرنا بهذا
فذلك معنى قوله تعالى : "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام
ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب" . ثم الله عز وجل رد عليهم فيما
حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وفيما أحلوه بقولهم "خالصة
لذكورنا ومحرم على أزواجنا" قال الله تعالى : " قل آلذكرين حرم أم
الأنثيين " المعنى إن كان الله تعالى حرم الذكرين فكل الذكور حرام وإن كان
حرم الأنثيين فكل الإناث حرام وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فإنها
تشتمل على الذكور والإناث فيكون كل جنين حراما . وزين لهم إبليس قتل أولادهم
فالإنسان منهم يقتل ابنته ويغذو كلبه .
ومن جملة ما
لبس عليهم إبليس أنهم قالوا لو شاء الله ما أشركنا أي لو لم يرض شركنا لحال بيننا
وبينه فتعلقوا بالمشيئة وتركوا الأمر ومشيئة الله تعم الكائنات وأمره لا يعم
مراداته فليس لأحد أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر ومذاهبهم السخيفة التي
ابتدعوها كثير لا يصلح تضييع الزمان بذكرها ولا هي مما يحتاج إلى تكلف ردها .
ذكر تلبيس إبليس على
جاحدي النبوات
قال المصنف
: قد لبس على البراهمة والهندوس وغيرهم فزين لهم جحد النبوات ليسد طريق ما يصل من
الإله . وقد اختلف أهل الهند فمنهم دهرية ومنهم ثنوية ومنهم على مذاهب البراهمة
ومنهم من يعتقد نبوة آدم وإبراهيم فقط وقد حكى أبو محمد النوبختي في كتاب الآراء
والديانات أن قوما من الهند من البراهمة أثبتوا الخالق والرسل والجنة والنار
وزعموا أن رسولهم ملك أتاهم في صورة البشر من غير كتاب له أربعة أيد واثنتا عشر
رأسا من ذلك رأس إنسان ورأس أسد ورأس فرس ورأس فيل ورأس خنزير وغير ذلك من رؤوس
الحيوانات وأنه أمرهم بتعظيم النار ونهاهم عن القتل والذبائح إلا ما كان للنار
ونهاهم عن الكذب وشرب الخمر وأباح لهم الزنا وأمرهم أن يعبدوا البقر ومن ارتد منهم
ثم رجع حلقوا رأسه ولحيته وحاجبيه وأشفار عينيه ثم يذهب فيسجد للبقر في هذيانات
يضيع الزمان بذكرها .
قال المصنف
: وقد ألقى إبليس إلى البراهمة ست شبهات .
الشبهة
الأولى : استبعاد اطلاع بعضهم على ما خفي عن بعض فقالوا : "ما هذا إلا بشر
مثلكم" والمعنى وكيف طلع على ما خفي عنكم . وجواب هذه الشبهة أنهم لو ناطقوا
العقول لأجازت اختيار شخص بشخص لخصائص يعلو بها جنسه فيصلح بتلك الخصائص لتلقف
الوحي إذ ليس كل أحد يصلح لذلك وقد علم الكل أن الله سبحانه وتعالى ركب الأمزجة
متفاوتة وأخرج إلى الوجود أدوية تقاوم ما يعرض من الفساد البدني فإذا أمد النبات
والأحجار بخواص لإصلاح أبدان خلقت للفناء ههنا وللبقاء في دار الآخرة لم يبعد أن
يخص شخصا من خلقه بالحكمة البالغة والدعاية إليه إصلاحا لمن يفسد في العالم بسوء
الأخلاق والأفعال ومعلوم أن المخالفين لا يستنكرون أن يختص أقوام بالحكمة ليسكنوا
فورات الطباع الشريرة بالموعظة فكيف ينكرون إمداد الباري سبحانه بعض الناس برسائل
ومصالح ووصايا يصلح بها العالم ويطيب أخلاقهم ويقيم بها سياستهم وقد أشار عز وجل
إلى ذلك في قوله عز وجل : " أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر
الناس " .
الشبهة
الثانية : قالوا هلا أرسل ملكا فإن الملائكة إليه أقرب ومن الشك فيهم أبعد
والآدميون يحبون الرياسة على جنسهم فيوقع هذا شكا وجواب هذا من ثلاثة أوجه :
أحدهما أن
في قوى الملائكة قلب الجبال والصخور فلا يمكن إظهار معجزة تدل على صدقهم لأن
المعجزة تدل على صدقهم لأن المعجزة ما خرقت العادة وهذه العادة الملائكة وإنما
المعجزات الظاهرة ما ظهرت على يد بشر ضعيف ليكون دليلا على صدقه .
والثاني أن
الجنس إلى الجنس أميل فصح أن يرسل إليهم من جنسهم لئلا ينفروا وليعقلوا عنه ثم
تخصيص ذلك الجنس بما عجز عنه دليل على صدقه : والثالث أنه ليس في قوى البشر رؤية
الملك وإنما الله تعالى يقوي الأنبياء بما يرزقهم من إدراك الملائكة ولهذا قال
الله تعالى : "ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا" أي لينظروا إليه ويأنسوا
به ويفهموا عنه ثم قال : "وللبسنا عليهم ما يلبسون" أي لخلطنا عليهم ما
يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرون أملك هو أم آدمي .
الشبهة
الثالثة : قالوا نرى ما تدعيه الأنبياء من علم الغيب والمعجزات وما يلقى إليهم من
الوحي يظهر جنسه على الكهنة والسحرة فلم يبق لنا دليل نفرق بين الصحيح والفاسد .
والجواب أن نقول : إن الله تبارك وتعالى بين الحجج ثم بث الشبهة وكلف العقول الفرق
فلا يقدر ساحر أن يحيي ميتا ولا أن يخرج من عصا حيا وأما الكاهن فقد يصيب ويخطئ
بخلاف النبوة التي لا خطأ فيها بوجه .
الشبهة
الرابعة : قالوا لا يخلو ما أن تجيء الأنبياء بما يوافق العقل أو بما يخالفه فإن
جاءوا بما يخالفه لم يقبل وإن جاءوا بما يوافقه فالعقل يغني عنه . والجواب أن نقول
: قد ثبت أن كثيرا من الناس يعجزون عن سياسات الدنيا حتى يحتاجون إلى متمم
كالحكماء والسلاطين فكيف بأمور الإلهية والأخروية .
الشبهة
الخامسة : قالوا قد جاءت الشرائع بأشياء ينفر منها العقل فكيف يجوز أن تكون صحيحة
من ذلك إيلام الحيوان . والجواب أن العقل ينكر إيلام الحيوان بعضه لبعض فأما إذا
حكم الخالق بالإيلام لم يبق للعقل اعتراض وبيان ذلك أن العقل قد عرف حكمة الخالق
سبحانه وتعالى وأنه لا خلل فيها ولا نقص فأوجبت عليه هذه المعرفة التسليم لما خفي
عنه ومتى اشتبه علينا أمر في فرع لم يجز أن نحكم على الأصل بالبطلان ثم قد ظهرت
حكمة ذلك فإنا نعلم أن الحيوان يفضل عن
الجماد ثم الناطق أفضل مما ليس بناطق بما أوتي من الفهم والفطنة والقوى النظرية
والعملية وحاجة هذا الناطق إلى إبقاء فهمه ولا يقوم في إبقاء القوى مقام اللحم شيء
ولا يستطرف تناول القوى الضعيف وما فيه فائدة عظيمة لما قلت فائدته . وإنما خلق
الحيوان البهيم للحيوان الكريم فلو لم يذبح لكثر وضاق به المرعى ومات فيتأذى
الحيوان الكريم بجيفته فلم يكن لإيجاده فائدة .
وأما ألم
الذبح فإن يستر وقد قيل أنه لا يوجد أصلا لأن الحساس للألم أغشية الدماغ لأن فيه
الأعضاء الحساسة ولذلك إذا أصابها آفة من صرع أو سكتة لم يحس الإنسان بألم فإذا
قطعت الأوداج سريعا لم يصل ألم الجسم إلى محل الحس ولهذا قال عليه الصلاة والسلام
: "إذا ذبح أحدكم فليحد شفرته وليرح ذبيحته" .
الشبهة
السادسة : قالوا ربما يكون أهل الشرائع قد ظفروا بخواص من حجارة وخشب . والجواب أن
هذا كلام ينبغي أن يستحي من إيراده فإنه لم يبق شيء من العقاقير والأحجار إلا وقد
وضحت خواصها وبان سترها فلو ظفر واحد منهم بشيء وأظهر خاصيته لوقع الإنكار من
العلماء بتلك الخواص وقالوا ليس هذا منك إنما هذه خاصية في هذا . ثم إن المعجزات
ليست نوعا واحدا بل هي بين صخرة خرجت منها وعصا انقلبت حية وحجر تفجر عيونا وهذا
القرآن الذي له منذ نزل دون الستمائة سنة فالأسماع تدركه والأفكار تتدبره والتحدي
به على الدوام ولم يقدر أحد على مداناة منه فأين هذا والخاصة والسحر الشعبذة .
قال أبو
الوفاء علي بن عقيل رضي الله عنه : صبئت قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحق وثبوت
الشرائع بين الخلق والامتثال لأوامرها كابن الراوندي ومن شاكله كأبي العلاء . ثم مع ذلك لا يرون لمقالتهم
نباهة ولا أثرا بل الجوامع تتدفق زحاما والأذانات تملأ أسماعهم بالتعظيم لشأن النبي
صضص والإقرار بما جاء به ، وإنفاق الأموال والأنفس في الحج مع ركوب الأخطار
ومعاناة الأسفار ومفارقة الأهل والأولاد . فجعل بعضهم يندس في أهل النقل فيضع
المفاسد على الأسانيد ويضع السير والأخبار وبعضهم يروي ما يقارب المعجزات من ذكؤ
خواص في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنة
والمنجمين ويبالغ في تقرير ذلك حتى قالوا أن سطيحا قال في الخبيء الذي خبئ له :
حبة بر ، في إحليل مهر .
والأسود
كان يعظ ويقول الشيء قبل كونه . وههنا اليوم معزمون يكلمون الجني الذي في باطن
المجنون فيكلمهم بما كان ويكون وما شاكل ذلك من الخرافات فمن رأى مثل هذا قال بقلة
عقله وقلة تلمحه لقصد هؤلاء الملحدة وهل ما جاءت النبوات إلا مقارب هذا ، وليس قول
الكاهن . حبة بر في إحليل مهر ، وقد أخفيت كل الإخفاء بأكثر من قوله :
"وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم" وهل بقي لهذا وقع في القلوب
وهذا التقويم ينطق بالمنع من الركوب اليوم وهل ترك تلمح هذا إلا النبي والله ما
قصدوا بذلك إلا قصداً ظاهرا ولمحوا إلا لمحا جليا فقالوا تعالوا نكثر الجولان في
البلاد والأشخاص والنجوم والخواص فلا يخلو مع الكثرة من مصادفة الاتفاق لواحدة من
هذه . فيصدق بها الكل ويبطل أن يكون ما جاء به الأنبياء خرقا للعادات . ثم دس قوم
من الصوفية أن فلانا أهوى بإنائه إلى دجلة فامتلأ ذهبا فصار هذا كالعادة بطريق
الكرامات من المتصوفين . وبطريق العادات في حق المنجمين .
وبطريق
الخواص في حق الطبايعين . وبطريق الكهانة في حق المعزمين . والعرافين فأي حكم بقي
لقول عيسى عليه السلام : "وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم" وأي
خرق بقي للعادات وهل العادات إلا استمرار الوجود . وكثرة الحصول . فإذا نبههم
العاقل المتدين على ما في هذا من الفساد قال الصوفي ، أتنكر كرامات الأولياء ،
وقال أهل الخواص . أتنكر المغناطيس الذي يجذب الحديد والنعامة تبلغ النار فتسكت عن
جحد ما لم يكن لأجل ما كان فويل للمحق معهم هذا والباطنية من جانب والمنجمون من
جانب مع أرباب المناصب لا يحلون ولا يعقدون إلا بقولهم فسبحان من يحفظ هذه الملة
ويعلى كلمتها حتى أن كل الطوائف تحت قهرها إقبالا من الله عز وجل على حراسة
النبوات وقمعا لأهل المحال .
الكلام على جاحدي النبوات
ومن الهند
البراهمة قوم قد حسن لهم إبليس أن يتقربوا بإحراق
نفوسهم فيحفر للإنسان منهم أخدود وتجتمع الناس فيجيء مضمخا بالخلوق والطيب
وتضرب المعازف والطبول والصنوج ويقولون طوبى لهذه النفس التي تعلق إلى الجنة ويقول
هو ليكن هذا القربان مقبولا ويكون ثواب الجنة ثم يلقى نفسه في الأخدود فيحترق فإن
هرب نابذوه ونفوه وتبرأوا منه حتى يعود ومنهم من يحمى له الصخر فلا يزال يلزم صخرة
صخرة حتى يثقب جوفه ويخرج معاه فيموت ومنهم من يقف قريبا من النار إلى أن يسيل
ودكه فيسقط . ومنهم من يقطع من ساقه وفخذه قطعا ويلقيها إلى النار والناس يزكونه
ويمدحونه ويسألون مثل مرتبته حتى يموت : ومنهم من يقف في اخثاء البقر إلى ساقه
ويشعل النار فيحترق . ومنهم من يعبد الماء ويقول هو حياة كل شيء فيسجد له . ومنهم
من يجهز له أخدود قريب من الماء فيقع في الأخدود حتى إذا التهب قام فانغمس في
الماء ثم رجع إلى الأخدود حتى يموت فإن مات وهو بينهما حزن أهله وقالوا حرم الجنة
وإن مات في أحدهما شهدوا له بالجنة 0 ومنهم من يزهق نفسه بالجوع والعطش فيسقط أولا
عن المشي ثم عن الجلوس ثم ينقطع كلامه ثم تبطل حواسه ثم تبطل حواسه ثم تبطل حركته
ثم يخمد . ومنهم من يهيم في الأرض حتى يموت : ومنهم من يغرق نفسه في النهر . ومنهم
من لا يأتي النساء ولا يواري إلى العورة ولهم جبل شاهق تحته شجرة وعندها رجل وبيده
كتاب يقرأ فيه يقول : طوبى لمن ارتقى هذا الجبل وبعج بطنه وأخرج أمعاءه بيده .
ومنهم من يأخذ الصخور فيرض بها جسده حتى يموت : والناس يقولون طوبى لك وعندهم
نهران فيخرج أقوام من عبادهم يوم عيدهم وهناك رجال فيأخذون ما على العباد من
الثياب ويبطحونهم فيقطعونهم نصفين ثم يلقون أحد النصفين في نهر والنصف الآخر في
نهر ويزعمون انهما يجريان إلى الجنة .
ومنهم من
يخرج إلى براح ومعه جماعة يدعون له ويهنئونه بنيته فإذا أضجر جلس وجمع له سباع
الطير من كل جهة فيتجرد من ثيابه ثم يمتد والناس ينظرون إليه فتبتدره الطير فتأكله
فإذا تفرقت الطير جاءت الجماعة فأخذوا عظامه وأحرقوها وتبركوا بها ، في أفعال
طويلة قد ذكرها أبو محمد النوبختي يضيع الزمان في كتابتها والعجب أن الهند قوم
تؤخذ الحكمة عنهم ويؤخذ عنهم دقائق الحكمة وتلهم دقائق الأعمال فسبحان من أعمى
قلوبهم حتى قادهم إبليس هذا المقادم قال وفيهم من زعم أن الجنة ثنتان وثلاثون
مرتبة وأن مكث أهل الجنة في أدنى مرتبة منها أربع مائة ألف سنة وثلاثة وثلاثون ألف
سنة وستمائة وعشرون سنة وكل مرتبة أضعاف ما دونها . وأن النار اثنتان وثلاثون
مرتبة منها ست عشر مرتبة فيها الزمهرير وصنوف عذابه وست عشرة مرتبة فيها الحريق
وصنوف عذابه .
ذكر تلبيسه على اليهود
قال المصنف
. قد لبس عليهم في أشياء كثيرة نذكر منها نبذه
ليستدل بها على تلك . فمن ذلك تشبيههم الخالق بالخلق ولو كان تشبيههم حقا
لجاز عليه ما يجوز عليهم وحكى أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا . أن اليهود تزعم
أن الإله المعبود رجل من نور على كرسي من نور على رأسه تاج من نور وله أعضاء كما
للآدميين ومن ذلك قولهم عزير ابن الله ولو فهموا أن حقيقة البنوة لا تكون إلا
بالتبعيض والخالق ليس بذي أبعاض لأنه ليس بمؤلف لم يثبتوا بنوة . ثم أن الولد في
معنى الوالد وقد كان عزير لا يقوم إلا بالطعام والإله من قامت به الأشياء لا من قام
بها والذي دعاهم إلى هذا مع جهلهم بالحقائق أنهم رأوه قد عاد بعد الموت وقرأ
التوراة من حفظه فتكلموا بذلك من ظنونهم الفاسدة ويدل على أن القوم كانوا في بعد
من الذهن أنهم لما رأوا أثر القدرة في فرق البحر لهم ثم مروا على أصنام طلبوا
مثلها فقالوا : " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " فلما زجرهم موسى عليه
السلام عن ذلك بقي في نفوسهم فظهر المستور بعبادتهم العجل والذي حملهم على هذا
شيئان ، أحدهما جهلهم بالخالق والثاني أنهم أرادوا ما يسكن إليه الحس لغلبة الحس
عليهم وبعد العقل عنهم ولولا جهلهم بالمعبود ما اجترأوا عليه بالكلمات القبيحة
كقولهم "إن الله فقير ونحن أغنياء" وقولهم "يد الله مغلولة"
تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
ومن تلبيسه
عليهم أنهم قالوا : لا يجوز نسخ الشرائع . وقد علموا أن من دين آدم جواز نكاح
الأخوات ، وذوات المحارم ، والعمل يوم السبت ، ثم نسخ ذلك بشريعة موسى قالوا إذا
أمر الله عز وجل بشيء كان حكمه فلا يجوز تغييره . قلت قد يكون التغيير في بعض
الأوقات حكمة فإن تقلب الآدمي من صحة إلى مرض ومن مرض إلى موت كله حكمة وقد حظر
عليكم العمل يوم السبت وأطلق لكم العمل يوم الأحد وهذا من جنس ما أنكرتم وقد أمر
الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه قم نهاه عن ذلك .
ومن تلبيسه
عليهم أنهم قالوا : "لن تمسنا النار إلا أياما معدودة" وهي الأيام التي
عبد فيها العجل وفضائحهم كثيرة ثم حملهم إبليس على العناد المحض فجحدوا ما كان في
كتابهم من صفة نبينا صضص وغيروا ذلك وقد أمروا أن يؤمنوا به ورضوا بعذاب الآخرة
فعلماؤهم عاندوا وجهالهم قلدوا ثم العجب أنهم غيروا ما أمروا به وحرفوا ودانوا بما
يريدون فأين العبودية ممن يترك الأمر ويعمل بالهوى ثم أنهم كانوا يخالفون موسى
عليه السلام ويعيبونه حتى قالوا أنه آدر واتهموه بقتل هارون واتهموا داود بزوجة أوريا
.
أخبرنا
محمد بن عبد الباقي البزار نا الحسن بن علي الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا ابن
معروف نا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن سعد نا علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن
محمد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
"أتى رسول الله صضص بيت المدارس فقال أخرجوا إلي أعملكم فخرج إليه عبد الله
بن صوريا فخلا به فناشده الله بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المن والسلوى
وظللهم به من الغمام أتعلمون أني رسول الله ؟ قال : اللهم نعم . وأن القوم ليعرفون
ما أعرف وإن صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكنهم حسدوك . قال : فما يمنعك أنت .
قال : أكره خلاف قومي وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم" .
أخبرنا هبة
الله بن محمد بن عبد الواحد قال : أخبرنا الحسن بن علي قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن
حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ثنا يعقوب قال ثنا أبي عن ابن
إسحاق قال حدثني صالح بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد عن سلمة بن سلامة بن
وقش . قال : كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل فخرج علينا يوما من بيته قبل
مبعث النبي صضص حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل قال سلمة : وأنا يومئذ أحدث من
فيهم سنا علي بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان
والجنة والنار فقال ذلك لقوم أهل شرك وأصحاب أوثان لا يرون بعثا كائنا بعد الموت .
فقال له ويحك : يا فلان أترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها
جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به يود أحدهم أن له لحظة من تلك
النار بأعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجو من تلك
النار غدا قال له ويحك وما آية ذلك قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد وأشار بيده
نحو مكة واليمن قالوا ومتى نراه قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا أن يستنفذ هذا
الغلام عمره يدركه قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صضص
وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا فقلنا له ويلك يا فلان ألست الذي
قلت لنا فيه ما قلت قال بلى ولكن ليس به .
ذكر تلبيسه على النصارى
قال المصنف
: تلبيسه عليهم كثير فمن ذلك أن إبليس أوهمهم أن الخالق سبحانه جوهر فقال
اليعقوبية أصحاب يعقوب والملكية أهل دين الملك والنسطورية أصحاب نسطورس : أن الله
جوهر واحد أقانيم ثلاثة فهو واحد في الجوهرية ثلاثة في الأقنومية فأحد الأقانيم
عندهم الأب والآخر الابن والآخر روح القدس فبعضهم يقول : الأقانيم خواص . وبعضهم
يقول : صفات وبعضهم يقول أشخاص وهؤلاء قد نسوا أنه لو كان الإله جوهرا لجاز عليه
ما يجوز على الجوهر من التحيز بمكان والتحرك والسكون والأوان ثم سول لبعضهم أن
المسيح هو الله .
قال أبو
محمد النوبختي زعمت الملكية واليعقوبية أن الذي ولدته مريم هو الإله وسول الشيطان
لبعضهم أن المسيح هو ابن الله وقال بعضهم المسيح جوهران أحدهما قديم والآخر محدث
ومع قولهم هذا في المسيح يقرون بحاجته إلى الطعام ولا يختلفون في هذا وفي أنه صلب
ولم يقدر على الدفع عن نفسه ويقولون إنما فعل هذا بالناسوت فهلا دفع عن الناسوت ما
فيه من اللاهوت . ثم لبس عليهم أمر نبينا محمد صضص حتى جحدوه بعد ذكره في الإنجيل
ومن الكتابيين من يقول عن نبينا أنه نبي إلا أنه مبعوث إلى العرب خاصة وهذا تلبيس
من إبليس استغفلهم فيه لأنه متى ثبت أنه نبي فالنبي لا يكذب وقد قال بعثت إلى
الناس كافة وقد كتب إلى قيصر وكسرى وسائر ملوك الأعاجم .
ومن تلبيس إبليس على اليهود والنصارى
أنهم قالوا
لا يعذبنا الله لأجل أسلافنا فمنا الأولياء والأنبياء فأخبرنا الله عز وجل عنهم
بذلك : "نحن أبناء الله وأحباؤه" . أي منا ابنه عزير وعيسى . وكشف هذا
التلبيس إن كان شخص مطالب بحق الله عليه فلا يدفعه عنه ذو قرابته ولو تعدت المحبة
شخصا إلى غيره لموضع القرابة لتعدي البعض وقد قال نبينا صضص لابنته فاطمة لا أغنى
عنك من الله شيئا وإنما فضل المحبوب بالتقوى فمن عدمها عدم المحبة ثم أن الله عز
وجل للعبد ليست بشغف كمحبة الآدميين بعضهم بعضا إذ لو كانت كذلك لكان الأمر يحتمل
.
ذكر تلبيسه على الصابئين
قال المصنف
: أصل هذه الكلمة أعني الصابئين من قولهم صبأت إذا خرجت من شيء إلى شيء وصبأت
النجوم إذا ظهرت وصبأ به إذا خرج والصابئون الخارجون من دين إلى دين وللعلماء في مذاهبهم
عشرة أقوال :
أحدها أنهم
قوم بين النصارى والمجوس رواه سالم عن سعيد بن جبير وليث عن مجاهد :
والثاني
أنهم بين اليهود والمجوس رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد .
والثالث
أنهم بين اليهود والنصارى . رواه القاسم بن أبي بزة عن مجاهد :
والرابع :
أنهم صنف من النصارى ألين قولا منهم رواه أبو صالح عن ابن عباس .
والخامس :
أنهم قوم من المشركين لا كتاب لهم رواه القاسم أيضا عن مجاهد .
والسادس :
أنهم كالمجوس قاله الحسن .
والسابع :
أنهم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور قاله أبو العالية .
والثامن
أنهم : قوم يصلون إلى القبلة ويعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور قاله قتادة ومقاتل .
والتاسع :
أنهم طائفة من أهل الكتاب قاله السدي .
والعاشر :
أنهم كانوا يقولون لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول لا إله
إلا الله قاله ابن زيد .
قال المصنف
: هذه أقوال المفسرين مثل ابن عباس والقاسم والحسن وغيرهم فأما المتكلمون فقالوا
مذهب الصابئين مختلف فيه فمنهم من يقول أن هناك هيولى كان لم يزل يصنع العالم من
ذلك الهيولى وقال أكثرهم العالم ليس بمحدث وسموا الكواكب ملائكة وسماها قوم منهم
آلهة وعبدوها وبنوا لها بيوت عبادات وهم يدعون أن بيت الله الحرام واحد منها وهو
بيت زحل وزعم بعضهم أنه لا يوصف الله عز وجل إلا بالنفي دون الإثبات ويقال ليس
بمحدث ولا موات ولا جاهل ولا عاجز قالوا لئلا يقع تشبيه ولهم تعبدات في شرائع منها
أنهم زعموا أن عليهم ثلاث صلوات في كل يوم أولها ثمان ركعات وثلاث سجدات في كل ركعة
وانقضاء وقتها عند طلوع الشمس والثاني خمس ركعات والثالثة كذلك وعليهم صيام شهر
أوله الثمان ليال يمضين من آذار وسبعة أيام أولها التسع يبقين من كانون الأول
وسبعة أيام أولها الثمان ليال يمضين من شباط ويختمون صيامهم بالصدقة والذبائح
وحرموا لحم الجزور في خرافات يضيع لزمان بذكرها وزعموا أن الأرواح الخيرة تصعد إلى
الكواكب الثابتة وإلى الضياء وأن الشريرة تنزل إلى أسفل الأرضين وإلى الظلمة .
وبعضهم
يقول هذا العالم لا يفنى وأن الثواب والعقاب في الناسخ ومثل هذه المذاهب لا يحتاج
إلى تكلف في ردها إذ هي دعاو بلا دليل وقد حسن إبليس لأقوام من الصابئين أنهم رأوا
الكمال في تحصيل مناسبة بينهم وبين الروحانيات العلوية باستعمال الطهارات وقوانين
ودعوات واشتغلوا بالتنجيم والتسخير وقالوا لا بد من متوسط بين الله وبين خلقه في
تعريف المعارف والإرشاد للمصالح إلا أن ذلك المتوسط ينبغي أن يكون روحانيا لا
جسمانيا قالوا فنحن نحصل لأنفسنا مناسبة قدسية بيننا وبينه فيكون ذلك وسيلة لنا
إليه وهؤلاء لا ينكرون بعث الأجساد .
ذكر تلبيس إبليس على المجوس
قال يحيى
بن بشر بن عمير النهاوندي كان أول ملوك المجوس كومرث فجاءهم بدينهم ثم تتابع مدعو
النبوة فيهم حتى اشتهر بها زرادشت وكانوا يقولون أن الله تعالى عن ذلك الشخص
روحاني ظهر فظهرت معه الأشياء روحانية تامة فقال لا يتهيأ لغيري أن يبتدع مثل هذه
التي ابتدعها فتولد من فكرته هذه ظلمة إذ كان فيها جحود لقدرة غيره فقامت الظلمة
تغالبه . وكان مما سنه زرادشت عبادة النار والصلاة إلى الشمس يتأولون فيها أنها
ملكة العالم وهي التي تأتي بالنهار وتذهب بالليل وتحيي النبات والحيوانات وترد
الحرارات إلى أجسادها .
وكانوا لا
يدفنون موتاهم في الأرض تعظيما له وقالوا لأن به حياة كل شيء إلا أن يستعملوا بول
البقر ونحوه ولا يبزقون فيه ولا يرون قتل الحيوانات ولا ذبحها وكانوا يغسلون
وجوههم ببول البقر تبركا به وإذا كان عتيقا كان أكثر بركة ويستحلون فروج الأمهات
قالوا الابن أحرى بتسكين شهوة أمه وإذا مات الزوج فابنه أولى بالمرأة فإن لم يكن
له ابن اكترى رجلا من مال الميت ويجيزون للرجل أن يتزوج بمائة وألف وإذا أرادت
الحائض أن تغتسل دفعت دينارا إلى الموبذ ويحملها إلى بيت النار ويقيمها على أربع
وينظفها بسبابته وأظهر هذا الأمر مزدك في أيام قباذ وأباح النساء لكل من شاء ونكح
نساء قباذ لتقتدي به العامة فيفعلون في النساء مثله فلما بلغ إلى أم أنو شروان قال
لقباذ أخرجها إلي فإنك إن منعتني شهوتي لم يتم إيمانك فهم بإخراجها فجعل أنو شروان
يبكي بين يدي مزدك ويقبل رجله بين أبيه قباذ ويسأله أن يهب له أمه فقال قباذ لمزدك
: ألست تزعم أن المؤمن لا ينبغي أن يرد شهوته قال بلى قال فلم ترد أنو شروان عن
شهوته قال قد وهبتها له ثم أطلق الناس في أكل الميتة فلما ولي أنو شروان أفنى
المزدكية هو ومن أقوال المجوس أن الأرض لا نهاية لها أسفلها وأن السماء جلد من
جلود الشياطين والرعد إنما هو حركة خرخرة العفاريت المحبوسة في الأفلاك المأسورة
في حرب والجبال من عظامهم والبحر من أبوالهم ودمائهم ( ونبغ للمجوس ) رجل في زمان
انتقال دولة بني أمية إلى بني العباس واستغوى خلقا وجرت له قصص يطول الأمر بذكرها
فهو آخر من ظهر للمجوس وذكر بعض العلماء أنه كان للمجوس كتب يدرسونها وأنهم أحدثوا
دينا فرفعت كتبهم .
ومن أظرف
تلبيس إبليس عليهم . أنهم رأوا في الأفعال خيرا وشرا فسول لهم أن فاعل الخير لا
يفعل الشر فأثبتوا إلهين وقالوا أحدهما نور حكيم لا يفعل إلا الخير والآخر شيطان
هو ظلمة لا يفعل إلا الشر على نحو ما ذكرنا عن الثنوية .
قال المصنف
: وقد سبق ذكر شبههم وجوابها وقال بعضهم . الباري قديم فلا يكون منه إلا الخير
والشيطان محدث فلا يكون منه إلا الشر فيقال لهم إذا أقررتم أن النور خلق الشيطان
فقد خلق رأس الشر وزعم بعضهم أن الخالق هو النور ففكر فكرة رديئة فقال أخاف أن
يحدث في ملكي من يضادني وكانت فكرته رديئة فحدث منها إبليس فرضي إبليس أن ينسب إلى
الرداءة بعد إثبات أنه شريك وحكى النوبختي أن بعضهم قال أن الخالق شك في شيء فكان
الشيطان من ذلك الشك : قال وزعم بعضهم أن الإله والشيطان جسمان قديمان كان بينهما
فضاء وكانت الدنيا سليمة من آفة والشيطان بمعزل عنها فاحتال إبليس حتى خرق السماء
بجنوده فهرب الرب عز وجل من فعلتهم وتقدس عن قولهم فاتبعه إبليس حتى حاصره وحاربه
ثلاثة آلاف سنة لا هو يصل إليه ولا الرب عز وجل يدفعه ثم يصالحه على أن يكون إبليس
وجنوده في الدنيا سبعة آلاف سنة ورأى الرب أن الصلاح في احتمال مكروه إبليس إلى أن
ينقضي الشرط فالناس في بلايا إلى انقضائه ثم يعودون إلى النعيم وشرط إبليس عليه أن
يمكنه من أشياء رديئة فوضعها في هذا العالم وأنهما لما فرغا من شرطهما أشهدا عدلين
ودفعا سيفيهما إلى العدلين وقالا من نكث فاقتلاه في هذيانات كثيرة يضيع الوقت
لذكرها فتنكبناها لذلك ونذكر ما انتهى تلبيس إبليس إليه ما آثرنا ذكر شيء من هذا
التخليط ( والعجب ) أنهم يجعلون الخالق خيرا ثم يجعلون أنه حدثت منه فكرة رديئة
فعلى قولهم يجوز أن تحدث من فكرة إبليس ملك ثم يقال لهم أيجوز أن يفي الشيطان بما
ضمن : فإن قالوا لا قيل لهم فلا يليق بالحكمة استبقاؤه وإن قالوا نعم فقد أقروا
بوجود الوفاء المحمود من الشرير : وكيف أطاع الشيطان العدلين وقد عصى ربه وكيف
يجوز الأفتيات على الإله : وهذه الخرافات لولا التفرج فيما صنعه إبليس بالعقول ما
كان لذكرها فائدة ولا معنى .
ذكر تلبيس إبليس على
المنجمين وأصحاب الفلك
قال أبو
محمد النوبختي ذهب قوم إلى أن الفلك قديم لا صانع له : وحكى جالينوس عن قوم أنهم
قالوا زحل وحده قديم . وزعم قوم أن الفلك طبيعة خالصة ليست فيها حرارة ولا برودة
ولا رطوبة ولا يبوسة وليس بخفيف ولا ثقيل . وكان بعضهم يرى أن الفلك جوهر ناري
وأنه اختطف من الأرض بقوة دورانه : وقال بعضهم الكواكب من جسم تشابه الحجارة :
وقال بعضهم هي من غيم تطفأ كل يوم وتستنير بالليل مثل الفحم يشتعل وينطفئ . وقال
بعضهم جسم القمر مركب من نار وهوى . وقال آخرون الفلك من الماء والريح والنار وأنه
بمنزلة الكرة وأنه يتحرك بحركتين من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق قالوا
وزحل يدور الفلك في نحو من ثلاثين سنة والمشتري في نحو من اثنتي عشرة سنة والمريخ
في نحو من سنتين والشمس والزهرة وعطارد في سنة والقمر في ثلاثين يوما : وقال بعضهم
أفلاك الكواكب سبعة فالذي يلينا فلك القمر ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك
الشمس ثم فلك المريخ ثم فلك المشتري ثم فلك زحل ثم فلك الكواكب الثابتة : واختلفوا
في مقادير أجرام الكواكب فقال أكثر الفلاسفة أعظمها جرما الشمس وهو نحو من مائة
وست وستين مرة مثل الأرض . والكواكب الثابتة مقدار كل واحد منها نحو من أربعة
وتسعين مرة مثل الأرض .
والمشتري
نحو من اثنتين وثمانين مرة مثل الأرض والمريخ نحو من مرة ونصف مثل الأرض . قالوا
ومن كل موضع من أعلى الفلك إلى أن يعود إليه مائة فرسخ وألف فرسخ وأربعة وستون
فرسخا . وقال بعضهم الفلك حي والسماء حيوان وفي كل كوكب نفس قال قدماء الفلاسفة
النجوم تفعل الخير والشر وتعطي وتمنع على حسب طبائعها من السعود والنحوس وتؤثر في
النفوس وأنها حية فعالة .
ذكر تلبيس إبليس على جاحدي البعث
قال المصنف
: قد لبس على خلق كثير فجحدوا البعث واستهولوا الإعادة بعد البلاء وأقام لهم
شبهتين إحداهما أنه أراهم ضعف المادة والثانية اختلاط الأجزاء المتفرقة في أعماق
الأرض قالوا وقد يأكل الحيوان الحيوان فكيف يتهيأ إعادته وقد حكى القرآن شبهتهم
فقال تعالى في الأولى " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون
* هيهات هيهات لما توعدون " .
وقال في
الثانية : " أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد " .
وهذا كان
مذهب أكثر الجاهلية قال قائلهم :
يخبرنا
الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام وقال آخر ( هو أبو العلاء المعري ) :
حياة ثم
موت ثم بعثحديث خرافة يا أم عمرو
( والجواب
) عن شبهتهم الأولى : أن ضعف المادة في الثاني وهو التراب يدفعه كون البداية من
نطفة ومضغة وعلقة : ثم أصل الآدميين وهو آدم من تراب على أن الله سبحانه وتعالى لم
يخلق شيئا مستحسنا إلا من مادة سخيفة . فأنه أخرج هذا الآدمي من نطفة ، والطاووس
من البيضة المدرة والطرفة الخضراء من الحبة العفنة .
فالنظر
ينبغي أن يكون إلى قوة الفاعل وقدرته لا إلى ضعف المواد . وبالنظر إلى قدرته يحصل
جواب الشبهة الثانية ثم قد أرانا كالأنموذج في جمع التمزق فإن سحالة الذهب
المتفرقة في التراب الكثير إذا ألقى عليها قليل من زئبق اجتمع الذهب مع تبدده فكيف
بالقدرة الإلهية التي من تأثيرها خلق كل شيء لا من شيء على أنا لو قدرنا أن نحيل هذا
التراب ما استحالت إليه الأبدان لم يصر بنفسه لأن الآدمي بنفسه لا ببدنه فإنه ينحل
ويسمن ويهزل ويتغير من صغر إلى كبر وهو هو : ومن أعجب الأدلة على البعث أن الله عز
وجل قد أظهر على يدي أنبيائه ما هو أعظم من البعث وهو قلب العصا حية حيوانا وأخرج
ناقة من صخرة وأظهر حقيقة البعث على يدي عيسى صلوات الله وسلامه عليه . قال المصنف
: وقد زدنا هذا شرحا في الرد على الفلاسفة .
مبدأ عبادة الأصنام
وقد لبس
إبليس على أقوام شاهدوا قدرة الخالق سبحانه وتعالى ثم اعترضت لهم الشبهتان اللتان
ذكرناهما فترددوا في البعث فقال قائلهم : "ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها
منقلبا" وقال العاص بن وائل : "لأوتين مالا وولدا" وإنما قالوا هذا
لموضع شكهم وقد لبس إبليس عليهم في ذلك .
فقالوا إن
كان بعث فنحن على خير : لأن من أنعم علينا في الدنيا بالمال لا يمنعنا في الآخرة .
قال المصنف
: وهذا غلط منهم لأنه لم لا يجوز أن يكون الإعطاء استدراجا أو عقوبة والإنسان قد
يحمي ولده ويطلق في الشهوات عبده .
ذكر تلبيسه على القائلين بالتناسخ
قال المصنف
: وقد لبس إبليس على أقوام فقالوا بالتناسخ وأن أرواح أهل الخير إذا خرجت دخلت في
أبدان خيرة فاستراحت وأرواح أهل الشر إذا خرجت تدخل في أبدان شريرة فيتحمل عليها
المشاق وهذا المذهب ظهر في زمان فرعون موسى ( وذكر أبو القاسم البلخي ) أن أرباب
التناسخ لما رأوا ألم الأطفال والسباع والبهائم استحال عندهم أن يكون ألمها يمتحن
به غيرها أو ليتعوض أولا لمعنى أكثر من أنها مملوكة فصح عندهم أن ذلك لذنوب سلفت
منها قبل تلك الحال ( وذكر يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي ) أن الهند يقولون
الطبائع أربع هيولى مركبة ونفس وعقل وهيولى مرسلة .
فالمركبة
هي الرب الأصغر والنفس هي الهيولى الأصغر والعقل الرب الأكبر والهيولي هو أيضا
أكبر وأن الأنفس إذا فارقت الدنيا صارت إلى الرب الأصغر وهو الهيولى المركبة فإن
كانت محسنة صافية قبلها في طبعه فصفاها حتى يخرجها إلى الهيولي الأصغر وهو النفس
حتى تصير إلى الرب الأكبر فيتخلصه إلى الهيولي المركب الأكبر . فإن كان محسنا تام
الإحسان أقام عنده في العالم البسيط وإن كان محسنا غير تام أعاده إلى الرب الأكبر
ثم يعيده الرب الأكبر إلى الهيولي الأصغر ثم يعيده الهيولي الأصغر إلى الرب الأصغر
فيخرجه مازحا لشعاع الشمس حتى ينتهي إلى بقلة خسيسة يأكلها الإنسان فيتحول إنسانا
ويولد ثانية في العالم وهكذا تكون حاله في كل موتة يموتها .
( وأما
المسيئون ) فإنهم إذا بلغت نفوسهم إلى الهيولى الأصغر انعكست فصارت حشائش تأكلها
البهائم فتصير الروح في بهيمة ثم تنسخ من بهيمة في أخرى عند موت تلك البهيمة فلا
يزال منسوخا مترددا في العلل : ويعود كل ألف سنة إلى صورة الأنس . فإن أحسن في
صورة الأنس لحق بالمحسنين .
قال المصنف
: قلت فانظر إلى هذه التلبيسات التي رتبها لهم إبليس على ما عن له لا يستند إلى شيء . أنبأنا محمد بن
أبي طاهر البزار قال أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال حدثني أبو الحسن علي بن
نظيف المتكلم قال كان يحضر معنا ببغداد شيخ الإمامية يعرف بأبي بكر بن الفلاس
فحدثنا أنه دخل على بعض من كان يعرفه بالتشيع .
ثم صار
يقول بمذهب التناسخ قال فوجدته بين يديه سنور أسود وهو يمسحها ويحك بين عينيها
ورأيتها وعينها تدمع كما جرت عادة السنانير بذلك وهو يبكي بكاءا شديدا فقلت له لم
تبك فقال ويحك أما ترى هذه السنور تبكي كلما مسحتها هذه أمي لا شك وإنما تبكي من
رؤيتها إلي حسرة قال وأخذ يخاطبها خطاب من عنده أنها تفهم منه وجعلت السنور تصيح
قليلا قليلا فقلت له فهي تفهم عنك ما تخاطبها به فقال نعم فقلت أتفهم أنت صياحها
قال لا قلت فأنت المنسوخ وهي الإنسان .
ذكر تلبيس إبليس على أمتنا في العقائد والديانات
قال المصنف
: دخل إبليس على هذه الأمة في عقائدها من طريقين : أحدهما التقليد للآباء والأسلاف
. والثاني : الخوض فيما لا يدرك غوره ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه فأوقع أصحاب
هذا القسم في فنون من التخليط فأما الطريق الأول فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة
قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم : وقد ضل هذا الطريق خلق كثير وبه هلاك
عامة الناس فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم فضلوا وكذلك أهل الجاهلية
واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه
والصواب يخفى وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال .
وقد ذم
الله سبحانه وتعالى الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم فقال عز وجل : " قال
مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أو لو جئتكم بأهدى
مما وجدتم عليه آباءكم " المعنى أتتبعونهم وقد قال عز وجل : " إنهم
ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون " .
قال المصنف
: أعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما
خلق للتأمل والتدبر . وقبيح بمن أعطى شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة .
واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما
قال : وهذا عين الضلال لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل كما قال
علي رضي الله عنه للحرث بن حوط وقد قال له أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على
باطل فقال له يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال أعرف الحق تعرف أهله
، وكان أحمد بن حنبل يقول : من ضيق علم الرجل أن يقلد في اعتقاده رجلا ولهذا أخذ
أحمد بن حنبل يقول : زيد في الجد وترك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : « فإن
قال قائل » فالعوام لا يعرفون الدليل فكيف لا يقلدون فالجواب - إن دليل الاعتقاد
ظاهر على ما أشرنا إليه في ذكر الدهرية ومثل ذلك لا يخفى على عاقل وأما الفروع
فإنها لما كثرت حوادثها واعتاص على العامي عرفانها وقرب لها أمر الخطأ فيها كان
أصلح ما يفعله العامي التقليد فيها لمن قد سبر ونظر إلا أن اجتهاد العامي في
اختيار من يقلده .
قال المصنف
: وأما الطريق الثاني : فإن إبليس لما تمكن من الأغبياء فورطهم في التقليد وساقهم
سوق البهائم . ثم رأى خلقا فيهم نوع من ذكاء وفطنة فاستغواهم على قدر تمكنه منهم
فمنهم من قبح عنده الجمود على التقليد وأمره بالنظر ثم استغوى كلا من هؤلاء بفن
فمنهم من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز . فساقهم إلى مذهب الفلاسفة ولم يزل
بهؤلاء حتى أخرجهم عن الإسلام وقد سبق ذكرهم في الرد على الفلاسفة . ومن هؤلاء من
حسن له أن لا يعتقد إلا ما أدركته حواسه . فيقال لهؤلاء بالحواس علمتم صحة قولكم
فإن قالوا نعم كابروا لأن حواسنا لم تدرك ما قالوا إذ ما يدرك بالحواس لا يقع فيه
خلاف وإن قالوا بغير الحواس . ناقضوا قولهم : ومنهم من نفره إبليس عن التقليد وحسن
له الخوض في علم الكلام والنظر في أوضاع الفلاسفة ليخرج بزعمه عن غمار العوام .
وقد تنوعت أحوال المتكلمين وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك وببعضهم إلى الإلحاد .
ولم تسكت
القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزا ولكنهم رأوا أنه لا يشفي غليلا ثم يرد
الصحيح عليلا فأمسكوا عنه ونهوا عن الخوض فيه . حتى قال الشافعي رحمه الله : لئن
يبتلي العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام . قال
وإذ سمعت الرجل يقول الإسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد أنه من أهل الكلام ولا
دين له . قال وحكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر
والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك المتاب والسنة وأخذ في الكلام : وقال أحمد بن حنبل
لا يفلح صاحب الكلام أبدا علماء الكلام زنادقة .
قال المصنف
: قلت وكيف لا يذم الكلام وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنهم قالوا إن الله عز وجل يعلم
جمل الأشياء ولا يعلم تفاصيلها . وقال جهم بن صفوان علم الله وقدرته وحياته محدثة
. وقال أبو محمد النوبختي عن جهم أنه قال إن الله عز وجل ليس بشيء .
وقال أبو
علي الجبائي وأبو هاشم ومن تابعهما من البصريين المعدوم شيء وذات ونفس وجوهر وبياض
وصفرة وحمرة وإن الباري سبحانه وتعالى لا يقدر على جعل الذات ذاتا ولا العرض عرضا
ولا الجوهر جوهرا وإنما هو قادر على إخراج الذات من العدم إلى الوجود . وحكى
القاضي أبو يعلى في كتاب المقتبس قال : قال لي العلاف المعتزلي لنعيم أهل الجنة
وعذاب أهل النار أمر لا يوصف الله بالقدرة على دفعه ولا تصح الرغبة حينئذ إليه ولا
الرهبة منه لأنه لا يقدر إذ ذاك على خير ولا شر ولا نفع ولا ضر . قال ويبقى أهل
الجنة جمودا سكوتا لا يفضون بكلمة ولا يتحركون ولا يقدرون هم ولا ربهم على فعل شيء
من ذلك . لأن الحوادث كلها لا بد لها من آخر تنتهي إليه لا يكون بعده شيء تعالى الله
عن ذلك علوا كبيرا .
قال المصنف
: قلت وذكر أبو القاسم عبد الله بن محمد البلخي في كتاب المقالات . إن أبا الهذيل
اسمه محمد بن الهذيل العلاف وهو من أهل البصرة من عبد القيس مولى لهم وانفرد بأن
قال أهل الجنة تنقضي حركاتهم فيصيرون إلى سكون دائم وأن لما يقدر الله عليه نهاية
لو خرج إلى الفعل ولن يخرج استحال أن يوصف الله عز وجل بالقدرة على غيره . وكان
يقول إن علم الله هو الله وإن قدرة الله هي الله .
وقال أبو
هاشم من تاب عن كل شيء إلا أنه شرب جرعة من خمر فإنه يعذب عذاب أهل الكفر أبدا .
وقال النظام إن الله عز وجل لا يقدر على شيء من الشر وإن إبليس يقدر على الخير
والشر . وقال هشام القوطي أن الله لا يوصف بأنه عالم لم يزل وقال بعض المعتزلة
يجوز على الله سبحانه وتعالى الكذب إلا أنه لم يقع منه . وقالت المجيرة لا قدر
للآدمي بل هو كالجماد مسلوب الاختيار والفعل . وقالت المرجئة إن من أقر بالشهادتين
وأتى بكل المعاصي لم يدخل النار أصلا وخالفوا الأحاديث الصحاح في إخراج الموحدين
من النار قال ابن عقيل ما أشبه أن يكون واضع الأرجاء زنديقا فإن صلاح العالم
بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء ، فالمرجئة لما لم يمكنهم جحد الصانع لما فيه من
نفور الناس ومخالفة العقل أسقطوا فائدة الإثبات وهي الخشية والمراقبة وهدموا سياسة
الشرع فهم شر طائفة على الإسلام .
قال المصنف
: قلت وتبع أبو عبد الله بن كرام فاختار من المذاهب أردأها ومن الأحاديث أضعفها
ومال إلى التشبيه وأجاز حلول الحوادث في ذات الباري سبحانه وتعالى . وقال إن الله
لا يقدر على إعادة الأجسام والجواهر إنما يقدر على ابتدائها . قالت السالمية إن
الله عز وجل يتجلى يوم القيامة لكل شيء في معناه فيراه الآدمي آدميا . والجنى جنيا
. وقالوا الله سر لو أظهره لبطل التدبير .
قال المصنف
: قلت أعوذ بالله من نظر وعلوم أوجبت هذه المذاهب القبيحة : وقد زعم أرباب الكلام
أنه لا يتم الإيمان إلا بمعرفة ما رتبوه وهؤلاء على خطأ لأن الرسول صضص أمر
بالإيمان ولم يأمر ببحث المتكلمين ودرجة الصحابة الذين شهد لهم الشارع بأنهم خير
الناس على ذلك . وقد ورد ذم الكلام على ما قد أشرنا إليه . وقد نقل إلينا أقلاع
منطقي المتكلمين عما كانوا عليه لما رأوا من قبح غوائله .
فأخبرنا
أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أبو منصور محمد عيسى بن
العزيز البزار ثنا صالح الوفاة بن أحمد بن محمد الحافظ ثنا أحمد بن عبيد بن
إبراهيم ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال سمعت أحمد بن سنان قال : كان الوليد
بن أبان الكرابيسي خالي فلما حضرته الوفاة قال لبنيه : تعلمون أحدا أعلم بالكلام
مني ؟ قالوا ، لا ، قال : فتتهموني ، قالوا : لا قال فإني أوصيكم أتقبلون قالوا
نعم قال عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم وكان أبو المعالي
الجويني يقول لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي
نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربا من التقليد والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة
الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز
ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني . وكان يقول
لأصحابه يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما
تشاغلت به .
وقال أبو
الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض
فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر
وعمر فبئس ما رأيت . قال وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد
تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به
الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك مع عند الله من الحكمة التي انفرد
بها ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور قال : وقد بالغت في
الأول طول عمري ثم عدت القهقرى إلى مذهب الكتب وإنما قالوا أن مذهب العجائز أسلم
لأنهم لما انتهوا إلى غاية التدقيق في النظر لم يشهدوا ما ينفي العقل من التعليلات
والتأويلات فوقفوا مع مراسم الشرع وجنحوا عن القول بالتعليل وأذعن العقل بأن فوقه
حكمة إلهية فسلم .
وبيان هذا
أن نقول أحب أن يعرف أراد أن يذكر فيقول قائل هل شغف باتصال النفع هل دعاه داع إلى
إفاضة الإحسان : ومعلوم أن للداعي عوارض على الذات وتطلبات من النفس وما تعقل ذلك
إلا الذات يدخل عليها داخل من شوق إلى تحصيل ما لم يكن لها وهي إليه محتاجة فإذا
وجد ذلك العرض سكن الشغف وفتر الداعي وذلك الحاصل يسمى غني والقديم لم يزل موصوفا
بالغني منعوتا بالاستقلال بذاته الغنية عن استزادة أو عارض ثم إذا نظرنا في إنعامه
رأينا مشحونا بالنقص والآلام وأذى الحيوانات فإذا رام العقل أن يعلل بالإنعام جاء
تحقيق النظر فرأى أن الفاعل قادر على الصفاء ولا صفاء ورآه منزها بأدلة العقل عن
البخل الموجب لمنع ما يقدر على تحصيله . وعن العجز عن دفع ما يعرض لهذه الموجودات
من الفساد فإذا عجز عن التعليل كان التسليم أولى : وإنما دخل الفساد من أن الخلق
اقتضاؤه الفوائد ودفع المضار على مقتضى قدرته : ولو مزجوا في ذلك العلم بأنه
الحكيم لاقتضت نفوسهم له التسليم بحسب حكمته فعاشوا في بحبوحة التفويض بلا اعتراض
.
تلبيس إبليس على أمتنا في العقائد
وقد أوقف
أقوام مع الظواهر فحملوها على مقتضى الحس فقال بعضهم إن الله جسم تعالى الله عن
ذلك : وهذا مذهب هشام بن الحكم وعلي منصور ومحمد بن الخليل ويونس بن عبد الرحمن .
ثم اختلفوا
فقال بعضهم جسم كالأجسام . ومنهم من قال لا كالأجسام . ثم اختلفوا فمنهم من قال هو
نور ومنهم من قال هو على هيئة السبيكة البيضاء . هكذا كان يقول هشام بن الحكم وكان
يقول إن إله سبعة أشبار بشبر نفسه « تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا » وأنه يرى ما
تحت الثرى بشعاع متصل منه بالمرئي قلت ما أعجب إلا من حده سبعة أشبار حتى علمت أنه
جعله كالآدميين والآدمي طوله سبعة أشبار بشبر نفسه وذكر أبو محمد النوبختي عن
الجاحظ عن النظام أن هشام بن عبد الحكم قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل
قطع في آخرها أن معبوده أشبر نفسه سبعة أشبار : فإن قوما قالوا أنه على هيئة
السبيكة وأن قوما قالوا هو على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة التي من
حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة وقال هشام : هو متناهي الذات حتى قال إن الجبل
أكبر منه قال وله ماهية يعلمها هو .
قال المصنف
: وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضا وذلك ينقض القول بالتوحيد وقد استقرأه الماهية
لا تكون إلا لمن كان ذا جنس وله نظائر فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها والحق
سبحانه ليس بذي جنس ولا مثل له ولا يجوز أن بوصف بأن ذاته أرادته ومتناهية لا على
معنى أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية : إنما المراد أنه ليس بجسم ولا جوهر فتلزمه
النهاية قال النوبختي وقد حكى كثير من المتكلمين أن مقاتل بن سليمان ونعيم بن حماد
وداود الحواري يقولون إن الله صورة وأعضاء .
قال المصنف
: أترى هؤلاء كيف يثبتون له القدم دون الآدميين ولم لا يجوز عليه عندهم ما يجوز
على الآدميين من مرض أو تلف : ثم يقال لكل من ادعى التجسيم بأي دليل أثبت حدث الأجسام
فيدلك بذلك على أن الإله هو الذي اعتقدته جسما محدثا غير قديم . ومن قول المجسمة
أن الله عز وجل يجوز أن يمس ويلمس : فيقال له فيجوز على قولكم أن يمس ويلمس ويعانق
وقال بعضهم أنه جسم هو فضاء والأجسام كلها فيه . وكان بيان بن سمعان يزعم أن
معبوده نور كله وأنه على صورة رجل وأنه يهلك جميع أعضائه إلا وجهه فقتله خالد بن
عبد الله وكان المغيرة بن سعد العجلي يزعم أن مبعوده رجل من نور على رأسه تاج من
نور وله أعضاء وقلب تنبع منه الحكمة وأعضاؤه على صورة حروف الهجاء .
وكان هذا
يقول بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن وكان زرارة بن أعين يقول : لم يكن
الباري قادرا حيا عالما في الأزل حتى خلق لنفسه هذه الصفات تعالى الله عن ذلك .
وقال داود الحواري هو جسم لحم ودم وله جوارح وأعضاء وهو أجوف من فمه إلى صدره
ومصمت ما سوى ذلك : ومن الواقفين مع الحس أقوام قالوا هو العرش بذاته على وجه
المماسة فإذا نزل انتقل وتحرك وجعلوا لذاته نهاية وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة
والمقدار واستدلوا على أنه على العرش بذاته بقول النبي صضص ينزل الله إلى سماء
الدنيا : قالوا ولا ينزل إلا من هو فوق .
وهؤلاء
حملوا نزوله على الأمر الحسي الذي يوصف به الأجسام : وهؤلاء المشبهة الذين حملوا
الصفات على مقتضى الحس وقد ذكرنا جمهور كلامهم في كتابنا المسمى بمنهاج الوصول إلى
علم الأصول . وربما تخيل بعض المشبهة في رؤية الحق يوم القيامة لما يراه في
الأشخاص فيمثله شخصا يزيد حسنه على كل حسن : فتراه يتنفس من الشقوق إليه ويمثل
الزيادة فيزداد توقع ويتصور رفع الحجاب فيقلق ويتذكر الرؤية فيغشى عليه . ويسمع في
الحديث أنه يدني عبده المؤمن إليه فيخايل القرب الذاتي كما يجالس الجنس وهذا كله
جهل بالموصوف . ومن الناس من يقول لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته لقوله عز وجل
ويبقى وجه ربك وله يد وله أصبع لقول رسول الله صضص يضع السموات على أصبع وله قدم
إلى غير ذلك مما تضمنته الأخبار وهذا كله إنما استخرجوه من مفهوم الحس : وإنما
الصواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير ولا كلام فيها وما يؤمن هؤلاء أن يكون
المراد بالوجه الذات لا أنه صفة زائدة وعلى هذا فسر الآية المحققون فقالوا ويبقى
ربك وقالوا في قوله يريدون وجهه يريدونه وما يؤمنهم أن يكون أراد بقوله قلوب
العباد بين إصبعين أن الأصبع لما كانت هي المقبلة للشيء وأن ما بين الأصبعين يتصرف
فيه صاحبها كيف شاء ذكر ذلك لا أن ثم صفة زائدة .
قال المصنف
: والذي أراه السكوت عن هذا التفسير أيضا إلا أنه يجوز أن يكون مرادا ولا يجوز أن
يكون ثم ذات تقبل التجزيء والانقسام ومن أعجب أحوال الظاهرية قول السالمية أن
الميت يأكل في القبر ويشرب وينكح لأنهم سمعوا بنعيم ولم يعرفوا من النعيم إلا هذا
ولو قنعوا بما ورد في الآثار من أن أرواح المؤمنين وتجعل في حواصل طير تأكل من شجر
الجنة لسلموا لكنهم أضافوا ذلك إلى الجسد .
قال ابن
عقيل : ولهذا المذهب مرض يضاهي الاستشعار الواقع للجاهلية وما كانوا يقولونه في
الهام والصدا والمكالمة لهؤلاء ينبغي أن تكون على سبيل المداراة لاستشعارهم لا على
وجه المناظرة فإن المقاومة تفسدهم . وإنما لبس إبليس على هؤلاء لتركهم البحث عن
التأويل المطابق لأدلة الشرع والعقل . فإنه لما ورد النعيم والعذاب للميت علم أن
الإضافة حصلت إلى الأجساد والقبور تعريفا كأنه يقول صاحب هذا القبر الروح التي
كانت في هذا الجسد منعمة بنعيم الجنة معذبة بعذاب النار .
قال المصنف
: فإن قال قائل قد عبت طريق المقلدين في الأصول وطريق المتكلمين فما الطريق السليم
من تلبيس إبليس . فالجواب أنه ما كان عليه رسول الله عليه وآله وسلم وأصحابه
وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات
والأخبار من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه وأن القرآن كلام الله
غير المخلوق . قال علي كرم الله وجهه : والله ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن
وأنه المسموع قوله عز وجل "حتى يسمع كلام الله" وأنه في المصاحف لقوله
عز وجل "في رق منشور" ولا نتعدى مضمون الآيات ولا نتكلم في ذلك برأينا .
وقد كان أحمد بن حنبل ينهى أن يقول الرجل لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لئلا
يخرج عن الاتباع للسلف إلى حدث .
والعجب ممن
يدعي اتباع هذا الإمام ثم يتكلم في المسائل المحدثة . أخبرنا سعد الله بن علي البزار
نا أبو بكر الطرثيثي نا هبة الله بن الحسن الطبري نا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر
الفقيه نا عمر بن أحمد الواعظ ثنا محمد بن هارون الحضرمي ثنا القاسم بن العباس
الشيباني ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : أدركت تسعة من أصحاب رسول
الله صضص يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر . وقال مالك بن أنس من قال القرآن
مخلوق فيستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه .
أخبرنا أبو
البركات بن علي البزار نا أحمد بن علي الطرثيثي نا هبة الله الطبري ثنا محمد بن
أحمد القاسم ثنا أحمد بن عثمان ثنا محمد بن ماهان ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان
عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل وسأله عن الأهواء فقال : عليك
بدين الصبى في الكتاب والإعرابي واله عما سواهما . قال ابن المهدي وثنا عبد الله
بن المبارك عن الأوزاعي قال : قال عمر بن عبد العزيز إذا رأيت قوما يتناجون في
دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا محمد بن أحمد بن الحسن
ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى عن سفيان الثوري قال : بلغني عن عمر أنه كتب إلى
بعض عماله : أوصيك بتقوى الله عز وجل ، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه وسلم ، وارتك ما أحدث المحدثون بعده بما قد كفوا مؤنته ، واعلم أن من سن
السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق فإن السابقين الماضين عن علم
توقفوا وتبصر ناقد قد كفوا . وفي رواية أخرى عن عمر : وأنهم كانوا على كشف الأمور أقوى
وما أحدث أي من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم لقد قصر دونهم أقوام فخفوه وطمح
عنهم آخرون فعلوه .
أخبرنا
محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا سليمان بن
أحمد ثنا بشر بن موسى ثنا عبد الصمد بن حسان قال : سمعت سفيان الثوري يقول : عليكم
بما عليه الحمالون والنساء في البيوت والصبيان في الكتاب من الإقراء والعمل .
قال المصنف
: فإن قال قائل هذا مقام حجر لا مقام الرجال فقد أسلفنا جواب هذا ، وقلنا أن
الوقوف على العمل ضرورة لأن بلوغ ما يشفي العقل من التعليل لم يدركه من عاص من
المتكلمين في البحار فلذلك أمروا بالوقوف على الساحل كما ذكرنا عنهم .
ذكر تلبيس إبليبس على الخوارج
قال المصنف
: أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد
بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد بن فضيل ثنا عمارة بن القعقاع عن
ابن أبي يعمر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بعث علي رضي الله عنه من
اليمن إلى رسول الله صضص بذهبة في أديم مقروظ لم تخلص من ترابها فقسمها رسول الله
صضص بين أربعة : بين زيد الخيل والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو
عامر بن الطفيل شك عمارة فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم فقال رسول الله
صضص : " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء
" ثم أتاه رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبهة كث اللحية مشمر الأزار
محلوق الرأس فقال : اتق الله يا رسول الله . فرفع رأسه إليه فقال : " ويحك ،
أليس أحق الناس أن يتقي الله أنا " ثم أدبر فقال خالد : يا رسول الله ، ألا
أضرب عنقه ؟ فقال رسول الله صضص : فلعله يصلي . فقال : إنه رب مصل يقور بلسانه ما
ليس في قلبه . فقال رسول الله صضص : "إني لم أؤمر أن أنقبل عن قلوب الناس ولا
أشق بطونهم" . ثم نظر إليه النبي صضص وهو مقف فقال : "إنه سيخرج من ضئضئ
هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
الرمية" .
قال المصنف
: هذا الرجل يقال له ذو الخويصرة التميمي وفي لفظ أنه قال له اعدل ، فقال : ويلك
ومن يعدل إذا لم أعدل . فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه
ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صضص ، وأتباع هذا الرجل هم الذاين
قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . وذلك أنه لما طالت الحرب بين معاوية وعلي
رضي الله عنهما رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى ما فيها وقال .
تبعثون منكم رجلا ونبعث منا رجلا . ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله عز
وجل : فقال الناس قد رضينا ، فبعثوا عمرو بن العاص فقال أصحاب علي ابعث أبا موسى
فقال علي : لا أرى أن أولي أبا موسى ، هذا ابن عباس قالوا : لا يزيد رجلا منك فبعث
أبا موسى وأخر القضاء إلى رمضان . فقال عروة بن أذينة : تحكمون في أمر الله الرجال
لا حكيم إلا لله . ورجع علي من صفين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج فأتوا
حروراء فنزل بها منهم إثنا عشر ألفا وقالوا : لا حكم إلا لله . وكان ذلك أول
ظهورهم ونادى مناديهم أن أمير القتال شبيب بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله
بن الكوا اليشكريظ . وكانت الخوارج تتعبد
إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذا مرض صعب .
أخبرنا
إسماعيل بن أحمد نا محمد بن هبة الله الطبري نا محمد بن الحسين بن الفضل نا عبد الله
بن جعفر بن درستويه نا يعقوب بن سفيان ثني موسى بن مسعود ثنا عكرمة بن عمار عن
سماك بن رميل قال : قال عبد الله بن عباس إنه لما اعتزلت الخوارج دخلوا دارا وهم
ستة آلاف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب فكان لا يزال يجيء إنسان
فيقول يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك فيقول دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى
يقاتلوني وسوف يفعلون . فلما كان ذات يوم أتيته صلاة الظهر فقلت له يا أمير
المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم . فقال إني أخاف عليك .
فقلت كلا وكنت رجلا حسن الخلق لا أؤذي أحدا فأذن لي فلبست حلة من أحسن ما يكون من
اليمن وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا .
جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن الإبل . وعليهم قمص مرحضة مشمرين مسهمة
وجوههم من السهر فسلمت عليهم فقالوا مرحبا بابن عباس ما جاء بك . فقلت أتيتكم من
عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله صضص وعليهم نزل القرآن وهم أعلم
بتأويله منكم : فقالت طائفة منهم لا تخاصموا قريشا فإن الله عز وجل يقول :
"بل هم قوم خصمون" فقال اثنان أو ثلاثة لنكلمنه : فقلت هاتوا ما نقمتم
على صهر
رسول الله
صضص والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد : وهم أعلم بتأوله
.
قالوا
ثلاثا : قلت هاتوا : قالوا أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله . وقد قال الله
عز وجل : "إن الحكم إلا لله" فما شأن الرجال والحكم بعد الله عز وجل .
فقلت هذه واحدة وماذا : قالوا وأما الثانية فإنه قاتل و قتل ولم يسب ولم يغتنم فإن
كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم وقتلهم ولم يحل لنا سبيهم وأما الثالثة قالوا فإنه
محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين .
قلت هل عندكم غير هذا . قالوا كفانا هذا . قلت لهم أما قولكم حكم لرجال في أمر
الله أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا . فإذا نقض قولكم أترجعون قالوا نعم
قلت فإن الله قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب وتلى هذه الآية :
"لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم" إلى آخر الآية وفي المرأة وزوجها "وإن
خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها" إلى آخر الآية
فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وفي حقن دمائهم أفضل أم
حكمهم في أرنب وبضع امرأة فأيهما ترون أفضل . قالوا بل هذه . قلت خرجت من هذه .
قالوا نعم . وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم فتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى
عنها . فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام. ووالله لئن قلتم
لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام . فأنتم بين ضلالتين
لأن الله عز وجل قال : " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم
" أخرجت من هذه . قالوا نعم . قلت وأما قولكم محا عن نفسه أمير المؤمنين فأنا
آتيكم بمن ترضون أن النبي صضص يوم الحديبية صالح المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل
بن عمرو . فقال لعلي رضي الله عنه : "اكتب لهم كتابا فكتب لهم علي : هذا ما
اصطلح عليه محمد رسول الله . فقال المشركون : والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم
أنك رسول الله ما قاتلناك . فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : «
اللهم إنك تعلم أني رسول الله ، امح يا علي » . اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن
عبد الله فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه . قال فرجع منهم ألفان وخرج
سائرهم فقتلوا" . أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا
ولاد بن علي الكوفي نا محمد بن علي بن دحم الشيباني ثنا أحمد بن حازم ثنا أحمد بن
عبد الرحمن يعني ابن أبن أبي ليلى ثنا سعيد بن جثيم عن القعقاع بن عمارة عن أبي
الخليل عن أبي الشائعة عن جندب الأزدي قال : لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن
أبي طالب كرم الله وجهه قال فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من
قراءة القرآن .
قال المصنف
: وفي رواية أخرى أن عليا رضي الله عنه لما حكم أتاه من الخوارج زرعة بن البرج
الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فدخلا عليه فقالا له لا حكم إلا لله . فقال علي لا
حكم إلا لله فقال له حرقوص تب من خطيئتك وارجع عن قضيتنا واخرج بنا إلى عدونا
نقاتلهم حتى نلقى ربنا ولئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل لأقاتلنك
أطلب بذلك وجه الله . واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسي فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون
هذه الدنيا التي إيثارها عناء آثر عنده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول
بالحق فأخرجوا بنا .
فكتب إليهم
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . أما بعد فإن هذين الرجلين اللذين ارتضيا حكمين
فقد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما ونحن على الأمر الأول . فكتبوا إليه إنك لم
تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما
بيننا وبينك . وإلا فقد بذناك على سواء والسلام ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله
بن خباب فقالوا هل سمعت من أبيك حديثا تحدثه عن رسول الله صضص تحدثناه قال نعم
سمعت أبي يحدث عن رسول الله صضص أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم
فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله
المقتول . قالوا أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله قال نعم فقدموه إلى شفير
النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل . وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها
وكانت حبلى ونزلوا تحت نخل مواقير بنهروان فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في
فيه . فقال أحدهم أخذتها بغير حدها وبغير ثمنها فلفظها من فيه . واخترط أحدهم سفيه
فأخذ يهزه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه به يجربه فيه فقالوا هذا فساد في الأرض
فلقى صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه . قال فبعث إليهم علي رضي الله عنه أخرجوا إلينا
قاتل عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول .
فقال علي رضي الله عنه لأصحابه دونكم القوم . فما لبثوا أن قتلوهم وكان وقت القتال
يقول بعضهم لبعض تهيأ للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة ، وخرج على علي رضي الله
عنه بعدهم جماعة منهم فبعث إليهم من قاتلهم ثم اجتمع عبد الرحمن بن ملجم بأصحابه
وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا والله ما قنعنا بالبقاء في الدنيا شيء
بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلوا أنا شرينا أنفسنا لله
والتمسنا غير هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم إخواننا وأرحنا منهم العباد .
أخبرنا
محمد بن أبي طاهر البزار نا أبو محمد الجوهري نا ابن حياة نا أبو الحسن بن معروف
نا الحسين بن الفهم نا محمد بن سعد عن أشياخ له . فقالوا انتدب ثلاثة نفر من
الخوارج عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي فاجتمعوا
بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا لنقتلن هؤلاء الثلاثة عليا ومعاوية وعمرو بن العاص ونريح
العباد منهم فقال ابن ملجم أنا لكم بعلي وقال البرك أنا لكم بمعاوية وقال عمر وأنا
لكم بعمرو فتواثقوا ألا ينقض رجل منهم رجلا عن صاحبه ، فقدم ابن ملجم الكوفة فلما
كانت الليلة التي عزم على قتل علي رضي الله عنه فيها خرج علي رضي الله عنه لصلاة
الصبح فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه . فقال علي رضي الله عنه لا
يفوتنكم الرجل فأخذ : فقالت أم كلثوم يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين بأس قال فلم
تبكين إذن ثم قال والله لقد سمعته يعني فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه .
فلما مات
علي رضي الله عنه أخرج ابن ملجم ليقتل فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع
ولم يتكلم . في عينيه بمسمار محمي فلم يجزع فجعل يقرأ : " اقرأ باسم ربك الذي
خلق * خلق الإنسان من علق " حتى ختمها وإن عينيه لتسيلان فعولج على قطع لسانه
فجزع . فقيل له لم تجزع فقال أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله وكان رجلا
أسمر في جبهته أثر السجود لعنة الله عليه .
قال المصنف
: قلت ، ولما أراد الحسن رضي الله عنه أن يصالح معاوية خرج عليه من الخوارج الجراح
بن سنان . وقال أشركت كما أشرك أبوك ثم طعنه في أصل فخذه . وما زالت الخوارج تخرج
على الأمراء ولهم مذاهب مختلفة . وكان أصحاب نافع بن الأزرق يقولون نحن مشركون ما
دمنا في دار الشرك فإذا خرجنا فنحن مسلمون . قالوا ومخالفونا في المذهب مشركون .
ومرتكبوا الكبائر مشركون والقاعدون عن موافقتنا في القتال كفرة وأباح هؤلاء قتل
النساء والصبيان من المسلمين وحكموا عليهم بالشرك وكان تجدة بن عامر الثقفي من
القوم فخالف نافع بن الأزرق وقال بتحريم دماء المسلمين وأموالهم . وزعم أن أصحاب
الذنوب من موافقيه يعذبون في غير نار جهنم وأن جهنم لا يعذب بها إلا مخالفوه في
مذهبه : وقال إبراهيم الخوارج قوم كفار وتحل لنا مناكحتهم وموارثتهم كما كان الناس
في بدء الإسلام . وكان بعضهم يقول لو أن رجلا أكل من مال يتيم فلسين وجبت له النار
. لأن الله عز وجل أوعد على ذلك النار .
قال المصنف
: ولهم قصص تطول ومذاهب عجيبة لهم لم أر التطويل بذكرها وإنما المقصود النظر في
حيل إبليس وتلبيسه على هؤلاء الحمقى الذين عملوا بواقعاتهم واعتقدوا أن عليا بن
أبي طالب كرم الله وجهه على الخطأ ومن معه من المهاجرين والأنصار على الخطأ وأنهم
علىالصواب . واستحلوا دماء الأطفال ولم يستحلوا أكل ثمرة بغير ثمنها وتعبوا في العبادات
وسهروا وجزع ابن ملجم عند قطع لسانه من فوات الذكر . واستحل قتل علي كرم الله وجهه
.
ثم أشهروا
السيوف على المسلمين ولا أعجب من اقتناع هؤلاء بعلمهم واعتقادهم أنهم أعلم من علي
رضي الله عنه ، فقد قال ذو الخويصرة لرسول الله صضص اعدل فما عدلت وما كان إبليس
ليهتدي إلى هذه المخازي نعوذ بالله من الخذلان .
أخبرنا ابن
الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن ملك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي قال
قرأت على عبد الرحمن بن ملك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم قال سمعت رسول
الله صضص يقول : "يخرج قوم فيكم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم
وأعمالكم مع أعمالهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم
من الرمية" . أخرجاه في الصحيحين .
أخبرنا سعد
الله بن علي نا أبو بكر الطرثيثي ثنا هبة الله بن الحسن الطبري نا أحمد بن عبيد
ثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا أحمد بن سنان ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن الأعمش
عن عبد الله بن أبي أوفى وقال سمعت رسول الله صضص يقول الخوارج كلاب أهل النار .
رأي الخوارج
قال المصنف
: ومن رأي الخوارج أنه لا تختص الإمامة بشخص إلا أن يجتمع فيه العلم والزهد فإذا
اجتمعا كان إماما نبطيا ومن رأى هؤلاء أحدث المعتزلة في التحسين والتقبيح إلى
العقل وأن العدل ما يقتضيه ثم حدث القدرية في زمن الصحابة وصار معبد الجهني وغيلان
الدمشقي والجعد بن درهم إلى القول بالقدر ونسج على منوال معبد الجهني واصل بن عطاء
وانضم إليه عمرو بن عبيد . وفي ذلك الزمان حدثت سنة المرجئة حين قالوا لا يضر مع
الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة .
ثم طالعت
المعتزلة مثل أبي الهذيل العلاف والنظام ومعمر والجاحظ كتب الفلاسفة في زمان
المأمون واستخرجوا منها ما خلطوه بأوضاع الشرع مثل لفظ الجوهر والعرض والزمان
والمكان والكون . وأول مسألة أظهروها القول بخلق القرآن . وحينئذ سمي هذا الفصل
فصل علم الكلام . وتلت هذه المسألة مسائل الصفات مثل العلم والقدرة والحياة والسمع
والبصر . فقال قوم هي معاني زائدة على الذات ونفتها المعتزلة وقالوا عالم لذاته
قادر لذاته . وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي ثم انفرد عنه إلى مثبتي
الصفات . ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول
والله الهادي لما يشاء .
ذكر تلبيسه على الرافضة
قال المصنف
: وكما لبس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب . حمل آخرين على
الغلو في حبه . فزاده على الحد فمنهم من كان يقول هو الإله ، ومنهم من يقول هو خير
من الأنبياء ، ومنهم من حمله على سب أبي بكر وعمر حتى إن بعضهم كفر أب بكر وعمر
إلى غير ذلك من المذاهب السخيفة التي يرغب عن تضييع الزمان بذكرها . وإنما نشير
إلى بعضها .
أخبرنا عبد
الرحمن بن محمد نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال حدث أبو يعقوب إسحاق بن محمد
النخعي عن عبيد الله بن محمد بن عائشة وأبي عثمان المازني وغيرهما وسمعت عبد
الواحد بن علي بن برهان الأسدي يقول إسحاق بن محمد النخعي الأحمر كان يقول : إن
عليا هو الله : تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا : وبالمدائن جماعة من الغلاة يعرفون
الإسحاقية ينسبون إليه : قال الخطيب ووقع إلي كتاب لأبي محمد الحسن بن يحيى
النوبختي من تصنيفه في الرد على الغلاة : وكان النوبختي هذا من متكلمي الشيعة
الأمامية : فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال وقد كان ممن جرد الجنون في الغلو
في عصرنا إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر كان يزعم أن عليا هو الله عز وجل : وأنه
يظهر في كل وقت فهو الحسن في وقت وكذلك هو الحسين : وهو الذي بعث محمدا صضص .
قال المصنف
: قلت : وقد اعتقد جماعة من الرافضة أن أبا بكر وعمر كانا كافرين : وقال بعضهم ارتدا
بعد موت رسول الله صضص : ومنهم من يقول بالتبرئ من غير علي . وقد روينا أن الشيعة
طالبت زيد بن علي بالتبرؤ ممن خالف عليا في إمامته فامتنع من ذلك فرفضوه فسموا
الرافضة ومنهم طائفة يقال لها : الجناحية وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد
الله بن جعفر ذي الجناحين يقولون إن روح الإله دارت في أصلاب الأنبياء والأولياء
إلى أن انتهى إلى عبد الله وأنه لم يمت : وهو المنتظر : ومنهم طائفة يقال لها
الغرابية يثبتون شركة علي في النبوة . وطائفة يقال لها المفوضة يقولون إن الله عز
وجل خلق محمدا ثم فوض خلق العالم إليه .
وطائفة
يقال لها الذمامية يذمون جبريل ويقولون كان مأمورا بالنزول على علي فنزل على محمد
: ومنهم من يقول أن أبا بكر ظلم فاطمة ميراثها . وقد روينا عن السفاح أنه خطب يوما
فقام رجل من آل علي رضي الله عنه . فقال يا أمير المؤمنين أعدني على من ظلمني قال
ومن ظلمك قال أنا من أولاد علي رضي الله عنه والذي ظلمني أبو بكر رضي الله عنه حين
أخذ فدك من فاطمة قال ودام على ظلمكم قال نعم . قال ومن قال بعده قال عمر رضي الله
عنه قال ودام على ظلمكم قال نعم ومن قام بعده قال عثمان قال ودام على ظلمكم قال
نعم . قال ومن قام بعده فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانا يهرب إليه .
قال ابن
عقيل الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة وذلك أن الذي
جاء به رسول الله صضص أمر غائب عنا وإنما نثق في ذلك بنقل السلف وجودة نظر
الناظرين إلى ذلك منهم . فكأننا نظرنا إذ نظر لنا من نثق بدينه وعقله فإذا قال
قائل أنهم أول ما بدأوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة وابنته في إرثها وما
هذا إلا لسوء اعتقاد في المتوفى . فإن الاعتقادات الصحيحة سيما في الأنبياء توجب
حفظ قوانينهم بعدهم لا سيما في أهليهم وذريتهم . فإذا قالت الرافضة أن القوم
استحلوا هذا بعده خابت آمالنا في الشرع . لأنه ليس بيننا وبينه إلا النقل عنهم
والثقة بهم .
فإذا كان
هذا محصول ما حصل لهم بعد موته خبنا في المنقول . وزالت ثقتنا فيما عولنا عليه من
اتباع ذوي العقول . ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه فراعوه مدة
الحياة وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة ولم يبق على دينه إلا الأقل من أهله . فطاحت
الاعتقادات . وضعفت النفوس . عن قبول الروايات في الأصل وهو المعجزات فهذا من أعظم
المحن على الشريعة .
قال المصنف
: وغلو الرافضة في حب علي رضي الله عنه حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله
أكثرها تشينه وتؤذيه . وقد ذكرت منها جملة في كتاب الموضوعات . منها أن الشمس غابت
ففاتت عليا صلاة العصر فردت له الشمس . وهذا من حيث النقل موضوع : لم يروه ثقة ومن
حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد فلا يرد الوقت . وكذلك وضعوا أن
فاطمة اغتسلت ثم ماتت وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل . وهذا من حيث النقل كذب . ومن
حيث المعنى قلة فهم . لأن الغسل عن حدث الموت فكيف يصح قبله ثم لهم خرافات لا
يسندونها إلى مستند . ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها وخرافات تخالف الإجماع .
فنقلت منها
مسائل من خط ابن عقيل . قال نقلتها من كتاب المرتضى فيما انفردت به الإمامية .
منها أنه لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نبات الأرض . فأما الصوف والجلود
والوبر فلا . وأن الاستجمار لا يجزئ في البول بل في الغائط خاصة . ولا يجزئ مسح
الرأس إلا بباقي البلل الذي في اليد فإن استأنف للرأس بللا مستأنفا لم يجزه حتى لو
نشفت يده من البلل احتاج إلى استئناف الطهارة . وانفردوا بتحريم من زني بها وهي
تحت زوج أبدا فلو طلقها زوجها لم تحل للزاني بها بنكاح أبدا . وحرموا الكتابيات
وأن الطلاق المعلق على شرط لا يقع وإن وجد شرطه . وأن الطلاق لا يقع إلا بحضور
شاهدين عدلين . وأن من نام عن صلاة العشاء إلى أن مضى نصف الليل وجب عليه إذا
استيقظ القضاء وأن يصبح صائما كفارة لذلك التفريط . وأن المرأة إذا جزت شعرها
فعليها الكفارة مثل قتل الخطأ . وأن من شق ثوبه في موت ابن له أو زوجة فعليه كفارة
يمين . وأن من تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم لزمه الصدقة بخمسة دراهم .
وأن شارب
الخمر إذا حد ثانية قتل في الثالثة . ويحد شارب الفقاع كشارب الخمر ، وأن قطع يد
السارق من أصول الأصابع ويبقى له الكف فإن سرق مرة أخرى قطعت الرجل اليسرى . فإن
سرق الثالثة خلد في الحبس إلى أن يموت . وحرموا السمك الجري (كذا) وذبائح أهل
الكتاب . واشترطوا في الذبح استقبال القبلة . في مسائل كثيرة يطول ذكرها خرقوا
فيها الإجماع وسول لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر ولا قياس . بل
إلى الواقعات ومقابح الرافضة أكثر من أن تحصى . وقد حرموا الصلاة لكونهم لا يغسلون
أرجلهم في الوضوء والجماعة لطلبهم إماما معصوما وابتلوا بسب الصحابة .
وفي
الصحيحين عن رسول الله صضص أنه قال لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد
ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصفيه . وقد أخبرنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي
قالا أخبرنا محمد بن أحمد بن المسلمة نا أبو ظاهر المخلص ثنا البغوي ثنا محمد بن
عباد المكي ثنا محمد بن طلحة المديني عن عبد الرحمن بن سالم بن عبد الله بن عويم
بن ساعدة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صضص : "إن الله اختارني واختار لي
أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" .
قال المصنف
: والمراد بالعدل الفريضة والصرف النافلة ، أخبرنا أبو البركات بن علي البزار نا
أبو بكر الطرثيثي نا هبة الله بن الحسن الطبري نا عبيد الله بن محمد بن أحمد نا
علي بن محمد بن أحمد بن يزيد الرياحي ثنا أبي ثنا الحسن بن عمارة عن المنهال بن
عمرو عن سويد بن غفلة قال مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر رضي الله
عنهما وينتقصونهما فدخلت على علي بن أبي طالب فقلت يا أمير المؤمنين مررت بنفر من
أصحابك يذكرون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بغير الذي هما له أهل ولولا أنهم يرون
أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترأوا على ذلك .
قال علي :
أعوذ بالله أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الذي ائتمنني النبي عليه . لعن الله من
أضمر لهما إلا الحسن الجميل أخوا رسول الله وصاحباه ووزيراه رحمة الله عليهما ثم
نهض دامع العينين يبكي قابضا على يدي حتى دخل المسجد فصعد المنبر وجلس عليه متمكنا
قابضا على لحيته وهو ينظر فيها وهي بيضاء حتى اجتمع لنا الناس : ثم قام فنشهد
بخطبة موجزة بليغة . ثم قال ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمون بما أنا
عنه متنزه . ومما قالوه بريء . وعلى ما قالوا معاقب أما والذي فلق الحبة وبرأ
النسمة لا يحبهما إلا مؤمن تقي ولا يبغضهما إلا فاجر شقي صحبا رسول الله صضص على
الصدق والوفاء يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان فما يتجاوزان فيما يصنعان رأي رسول
الله صضص ولا كان رسول الله صضص يرى غير رأيهما . ولا يحب كحبهما أحدا مضى رسول
الله صضص وهو راض عنهما . ومضيا والمؤمنون عنهما راضون . أمره رسول الله صضص على
صلاة المؤمنين فصلى بهم تسعة أيام في حياة الرسول صضص فلما قبض الله نبيه واختار
له ما عنده . ولاه المؤمنون ذلك . وفوضوا إليه الزكاة ثم أعطوه البيعة طائعين غير
مكرهين .
وأنا أول
من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره يود لو أن منا أحدا كفاه ذلك . وكان
والله خير من أبقى أرحمه رحمة وأرأفه رأفة وأسنه ورعا وأقدمه سنا وإسلاما ، شبهه
رسول الله صضص بميكائيل رافة ورحمة وبإبراهيم عفوا ووقارا فسار بسيرة رسول الله
صضص حتى مضى على ذلك رحمة الله عليه . ثم ولي الأمر بعده عمر رضي الله عنه وكنت
فيمن رضي . فأقام الأمر على منهاج رسول الله صضص وصاحبه . يتبع أثرهما كما يتبع
الفصيل أثر أمه وكان والله رفيقا رحيما بالضعفاء ناصرا للمظلومين على الظالمين .
لا يأخذه في الله لومة لائم وضرب الله الحق على لسانه وجعل الصدق من شأنه : حتى إن
كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه أعز الله بإسلامه الإسلام . وجعل هجرته للدين
قواما وألقى له في قلوب المنافقين الرهبة .
وفي قلوب
المؤمنين المحبة . شبهه رسول الله صضص بجبريل فظا غليظا على الأعداء . فمن لكم
بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضي في سبيلهما فمن أحبني فليحبهما ومن لم
يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء . ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا
اشد العقوبة إلا فمن أوتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري . إلا
وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ثم الله أعلم بالخير أين هو
. أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم .
أخبرنا سعد
الله بن علي نا الطرثيثي نا هبة الله الطبري نا محمد بن عبد الرحمن نا البغوي ثنا
سويد بن سعيد ثنا محمد بن حازم عن أبي خباب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي
كرم الله وجهه قال : يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة ينتحلون
شيعتنا وليسوا من شيعتنا وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أينما
أدركتموهم فاقتلوهم أشد القتل فإنهم مشركون .
ذكر تلبيس إبليس على الباطنية
قال المصنف
: الباطنية قوم تستروا بالإسلام ومالوا إلى الرفض وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام
بالمرة فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث ولكنهم لا
يظهرون هذا في أول أمرهم . بل يزعمون أن الله حق وأن محمدا رسول الله والدين
الصحيح لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب
مختلفة ولهم ثمانية أسماء .
الاسم
الأول الباطنية : سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والأحاديث بواطن تجري من
الظواهر مجرى اللب من القشر وأنها بصورتها توهم الجهال صورا حلية وهي عند العقلاء
رموز وإشارات إلى حقائق خفية وأن من تقاعد عقله من الغوص على الخفايا والأسرار
والبواطن والأغوار وقنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع . ومن
ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه قالوا وهم المرادون
بقوله تعالى : "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم" ومرادهم أن
ينزعوا من العقائد موجب الظواهر ليقدروا بالتحكم بدعوى الباطل على أبطال الشرائع .
الاسم
الثاني الإسماعيلية : نسبوا إلى زعيم لهم يقال له محمد بن إسماعيل بن جعفر ويزعمون
أن دور الإمامة انتهى إليه . لأنه سابع . واحتجوا بأن السموات سبع والأرضين سبع
وأيام الأسبوع سبعة . فدل على أن دور الأئمة يتم بسبعة . وعلى هذا فيما يتعلق
بالمنصور فيقولون العباس ثم ابنه عبد الله ثم ابنه علي ثم ابنه محمد بن علي ثم
إبراهيم ثم السفاح ثم المنصور . وذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه قال : قال علي بن
محمد عن أبيه إن رجلا من الراوندية كان يقال له الأبلق وكان أبرص . فبكى بالعلو
ودعا الراوندية إليه وزعم أن الروح التي كانت في عيسى بن مريم صارت إلى علي بن أبي
طالب كرم الله وجهه ثم الأئمة واحدا بعد واحد إلى أن صارت إلى إبراهيم بن محمد .
واستحلوا الحرمات فكان الرجل منهم يدعو الجماعة إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم
على امرأته . فبلغ ذلك أسد بن عبد الله فقتلهم وصلبهم . فلم يزل ذلك فيهم إلى
اليوم وعبدوا أبا جعفر وصعدوا الخضراء وألقوا نفوسهم كأنهم يطيرون فلا يبلغون
الأرض إلا وقد هلكوا وخرج جماعتهم على الناس في السلاح وأقبلوا يصيحون يا أبا جعفر
أنت أنت .
الاسم
الثالث السبعية : لقبوا بذلك لأمرين ، أحدهما اعتقادهم أن دور الإمامة سبعة سبعة
على ما بينا وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الأدوار وهو المراد بالقيامة وأن
تعاقب هذه الأدوار لا آخر له ، والثاني لقولهم أن تدبير العالم السفلي منوط
بالكواكب السبعة : زحل ثم المشتري ثم المريخ . ثم الزهرة ثم الشمس ثم عطارد . ثم
القمر .
الاسم
الرابع البابكية : قال المصنف وهو اسم لطائفة منهم تبعوا رجلا يقال له بابك الخرمي
وكان من الباطنية وأصله أنه ولد زنى فظهر في بعض الجبال بناحية أذربيجان سنة إحدى
ومائتين وتبعه خلق كثير واستفحل أمرهم واستباح المحظورات وكان إذا علم أن عند أحد
بنتا جميلة أو أختا جميلة طلبها فإن بعثها إليه وإلا قتله وأخذها ومكث على هذا
عشرين سنة فقتل ثمانين ألفا وقيل خمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان وحاربه السلطان
وهزم خلقا من الجيوش حتى بعث المعتصم أفسين فحاربه فجاء ببابك وأخيه في سنة ثلاث
وعشرين ومائتين فلما دخلا قال لبابك أخوه يا بابك قد عملت ما لم يعمله أحد فاصبر
الآن صبرا لم يصبره أحد . فقال سترى صبري فأمر المعتصم بقطع يديه ورجليه فلما
قطعوا مسح بالدم وجهه فقال المعتصم أنت في الشجاعة كذا وكذا ما بالك قد مسحت وجهك
بالدم أجزعا من الموت فقال لا . ولكني لما قطعت أطرافي نزف الدم . فخفت أن يقال
عني إنه اصفر وجهه جزعا من الموت قال فيظن ذلك بي فسترت وجهي بالدم كيلا يرى ذلك
مني . ثم بعد ذلك ضربت عنقه وأضرمت عليه النار وفعل مثل ذلك بأخيه فما فيهما من
صاح ولا تأوه ولا أظهر جزعا لعنهما الله وقد بقي من البابكية جماعة يقال أن لهم
ليلة في السنة تجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون السرج ثم يتناهضون للنساء فيثب
كل رجل منهم إلى امرأة ويزعمون أن من احتوى على امرأة يستحلها بالاصطياد لأن الصيد
مباح .
الاسم
الخامس المحمرة : قال المصنف : سموا بذلك لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيام بابك
ولبسوها .
الاسم
السادس القرامطة : قال المصنف وللمؤرخين في سبب تسميتهم بهذا قولان : أحدهما أن
رجلا من ناحية خوزستان قدم سواد الكوفة فأظهر الزهد ودعا إلى إمام من أهل بيت
الرسول صضص ونزل على رجل يقال له كرميته لقب بهذا لحمرة عينيه وهو بالنبطية حاد
العين فأخذه أمير تلك الناحية فحبسه وترك مفتاح البيت تحت رأسه ونام فرقت له جارية
فأخذت المفتاح ففتحت البيت وأخرجته وردت المفتاح إلى مكانه . فلما طلب فلم يوجد
زاد افتتان الناس به فخرج إلى الشام فسمي كرميته باسم الذي كان نازلا عليه ثم خفف
فقيل قرمط ثم توارث مكانه أهله وأولاده .
والثاني أن
القوم قد لقبوا بهذا نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط كان أحد دعاتهم في الابتداء
فاستجاب له جماعة فسموا قرامطة وقرمطية وكان هذا الرجل من أهل الكوفة وكان يميل
إلى الزهد فصادفه أحد دعاة الباطنية في فريق وهو متوجه إلى قرية وبين يديه بقر
يسوقها . فقال حمدان لذلك الراعي وهو لا يعرفه أين مقصدك فذكر قرية حمدان فقال له
اركب بقرة من هذه لئلا تتعب فقال إني لم أؤمر بذلك فقال وكأنك لا تعمل إلا بأمر
قال نعم قال وبأمر من تعمل قال بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة . فقال ذلك
إذن هو الله رب العالمين . فقال صدقت قال له فما غرضك في هذه القرية التي تقصدها
قال أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم ومن الضلالة إلى الهدى ومن الشقاء إلى
السعادة .
وأن
أستنقذهم من ورطات الذل والفقر وأملكهم ما يستغنون به عن الكد : فقال له حمدان
أنقذني أنقذك الله وأفض علي من العلم ما تحييني به فما أشد احتياجي إلى مثل هذا
فقال ما أمرت أن أخرج السر المخزون إلى كل أحد إلا بعد الثقة به والعهد إليه .
فقال اذكر عهدك فإني ملتزم به فقال له أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله
وميثاقه ألا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا نفس سري أيضا فالتزم حمدان عهده
ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه فاستجاب له ثم انتدب للدعاء وصار
أصلا من أصول هذه البدعة فسمي أتباعه القرامطة والقرمطية .
ثم لم يزل
بنوه وأهله يتوارثون مكانه وكان أشدهم بأسا رجل يقال له أبو سعيد ظهر في سنة ست
وثمانين ومائتين وقوي أمره وقتل ما لا يحصى من المسلمين وخرب المساجد وأحرق
المصاحف . وفتك بالحاج وسن لأهله وأصحابه وأخبرهم بمحالات . وكان إذا قاتل يقول
وعدت النصر في هذه الساعة . فلما مات بنوا على قبره قبة وجعلوا على رأسها طائرا من
جص .
وقالوا إذا
طار هذا الطائر خرج أبو سعيد من قبره وجعلوا عند القبر فرسا وخلعة ثياب وسلاحا وقد
سول إبليس لهذه الجماعة أنه من مات وعلى قبره فرس حشر راكبا وإن لم يكن له فرس حشر
ماشيا . وكان أصحاب أبي سعيد يصلون عليه إذا ذكروه ولا يصلون على رسول الله صضص
فإذا سمعوا من يصلي على رسول الله صضص يقولون أتأكل رزق أبي سعيد وتصلي على أبي
القاسم . وخلف بعده ابنه أبا طاهر ففعل مثل فعله وهجم على الكعبة فأخذ ما فيها من
الذخائر وقلع الحجر الأسود فحمله إلى بلده وأوهم الناس أنه الله عز وجل .
الاسم
السابع الخرمية : وخرم لفظ أعجمي ينبي عن الشيء المستلذ المستطاب الذي يرتاح
الإنسان له . ومقصود هذا الاسم تسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات كيف
كانت وطي بساط التكليف وحط أعباء الشرع عن العباد وقد كان هذا الاسم لقبا للمزدكية
وهم أهل الإباحة من المجوس الذين تبعوا في أيام قباذ وأباحوا النساء المحرمات
وأحلوا كل محظور فسموا هؤلاء بهذا الاسم لمشابهتهم إياهم في نهاية هذا المذهب وإن
خالفوهم في مقدماته .
الاسم
الثامن التعليمية : لقبوا بذلك لأن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي وإفساد تصرف العقول
ودعاء الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم وأنه لايدرك العلوم إلا بالتعليم .
نقد مذهب الباطنية
في ذكر
السبب الباعث لهم على الدخول في هذه البدعة قال المصنف اعلم أن القوم أرادوا
الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في
استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن
النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء
ممخرقون ومنمسون ورأوا أمر محمد صضص قد استطار في الأقطار وأنهم عجزوا عن مقاومته
فقالوا سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلا وأتحفهم رأيا وأقبلهم
للمحالات والتصديق بالأكاذيب وهم الروافض فنتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم
بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا
إليهم الشريعة فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا فأمكن استدراجهم إلى
الانخداع عن الدين فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك
الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد
بواطنها ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم فإذا تكثرنا بهؤلاء
سهل علينا استدراج باقي الفرق . ثم قالوا وطريقنا أن نختار رجلا ممن يساعد على
المذهب ويزعم أنه من أهل البيت وأنه يجب على كل الخلق كافة متابعته ويتعين عليهم
طاعته لكونه خليفة رسول الله صضص . والمعصوم من الخطأ والزلل من جهة الله عز وجل :
ثم لا تظهر هذه الدعوة على القرب من جوار هذا الخليفة الذي وسمناه بالعصمة : فإن
قرب الدار يهتك الأستار .
وإذا بعدت
الشقة وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب للدعوة أن يفتش عن حال الإمام أو يطلع على
حقيقة أمره . وقصدهم بهذا كله الملك والاستيلاء على أموال الناس : والانتقال منهم
لما عاملوههم به من سفك دمائهم ونهب أموالهم قديما فهذا غاية مقصودهم ومبدأ أمرهم
.
فصل
قال المصنف
: وللقوم حيل في اسذلال الناس فهم يميزون من يجوز أن يطمع في استدراجه ممن لا يطمع
فيه . فإذا طمعوا في شخص نظروا في طبعه : فإن كان مائلا إلى الزهد دعوه إلى
الأمانة والصدق وترك الشهوات . وإن كان مائلا إلى الخلاعة قرروا في نفسه أن
العبادة بله . وأن الورع حماقة وإنما الفطنة في اتباع اللذات من هذه الدنيا
الفانية . ويثبتون عند كل ذي مذهب ما يليق بمذهبه ثم يشككونه فيما يعتقدون فيستجيب
لهم أما رجل أبله أو رجل من أبناء الأكاسرة وأولاد المجوس ممن قد انقطعت دولة
أسلافه بدولة بدولة الإسلام أو رجل يميل إلا الاستيلاء ولا يساعده الزمان فيعدونه
بنيل آماله . أو شخص يجب الترفع عن مقامات العوام ويروم بزعمه الاطلاع على الحقائق
. أو رافضي يتدين بسبب الصحابة رضي الله عنهم . أو ملحد من الفلاسفة والثنوية
والمتحيرين في الدين أو من قد غلبت عليه حب اللذات . وثقل عليه التكليف .
فصل
في ذكر
نبذة من مذاهبهم . قال أبو حامد الطوسي الباطنية قوم يدعون الإسلام ويميلون إلى
الرفض . وعقائدهم وأعمالهم تباين الإسلام . فمن مذهبهم القول بإلهين قديمين لا أول
لوجودهما من حيث الزمان إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني . قالوا : والسابق لا يوصف
بوجود ولا عدم ولا هو موجود ولا هو معدوم ولا هو معلوم ولا هو مجهول . ولا هو
موصوف ولا غير موصوف وحدث عن السابق الثاني وهو أول مبدع . ثم حديث النفس الكلية .
وعندهم أن النبي عليه السلام عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة الثاني قوة
قدسية صافية . وزعموا أن جبريل عليه السلام عبارة عن العقل الفائض عليه لا أنه شخص
. واتفقوا على أنه لا بد لكل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل
الظواهر مساو للنبي عليه السلام في العصمة . وأنكروا المعاد وقالوا معنى المعاد
عود الشيء إلى أصله وتعود النفس إلى أصلها . وأما التكليف . فالمنقول عنهم الإباحة
المطلقة واستباحة المحظورات وقد ينكرون هذا إذا حكى عنهم وإنما يقرون بأنه لا بد
للإنسان من التكليف . فإذا اطلع على بواطن الظواهر ارتفعت التكاليف .
ولما عجزوا
عن صرف الناس عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها إذ لو
صرحوا بالنفي المحض لقتلوا : فقالوا معنى الجنابة مبادرة المستجيب بإفشاء المستجيب
بإفشاء السر . ومعنى الغسل . تجديد العهد على من فعل ذلك . ومعنى الزنا إلقاء نطفة
العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد : والصيام الإمساك عن كشف السر
والكعبة هي النبي . والباب علي . والطوفان طوفان العلم أعرق به المتمسكون بالشبهة
والسفينة الحرز الذي يحصن به من استجاب لدعوته . ونار إبراهيم عبارة عن غضب نمرود
لا عن نار حقيقة . وذبح إسحاق معناه أخذ العهد عليه . وعصى موسى حجته ، ويأجوج
ومأجوج هم أهل الظاهر ، وذكر غيره أنهم يقولون إن الله عز وجل لما أوجد الأرواح
ظهر لهم فيما بينهم كهم فلم يشكوا أنه واحد منهم فعرفوه فأول من عرفه سلمان
الفارسي والمقداد وأبو ذر وأول المنكرين الذي يسمي إبليس : عمر بن الخطاب . في
خرافات ينبغي أن يصان الوقت العزيز عن التضييع بذكرها : ومثل هؤلاء لم يتمسكوا
بشبهة فتكون معهم مناظرة وإنما اخترعوا بواقعاتهم ما أرادوا فإن اتفقت مناظرة
لأحدهم فليقل له أعرفتم هذه الأشياء التي تذكرونها عن ضرورة أو عن نظر أو عن نقل
عن الإمام المعصوم .
فإن قلتم
ضرورة ، فكيف حالفكم ذوو العقول السليمة . ولو ساغ للإنسان أن يهدي بدعوى الضرورة
في كل ما يهواه جاز لخصمه دعوى الضرورة في نقض ما ادعاه . وإن قلتم بالنظر فالنظر
عندكم باطل . لأنه تصرف بالعقل وقضايا العقول عندكم لا يوثق بها ، وإن قلتم عن إمام
معصوم قلنا فما الذي دعاكم إلى قبول قول بلا معجزة ، وترك قول محمد صضص مع
المعجزات . ثم ما يؤمنكم أن يكون ما سمع من الإمام المعصوم له باطن غير ظاهر . ثم
يقال لهم هذه البواطن والتأويلات يجب إخفاؤها أم إظهارها ؟ فإن قالوا يجب إظهارها
قلنا فلم كتمها محمد صضص . وإن قالوا يجب إخفاؤها قلنا ما وجب على الرسول إخفاؤه
كيف حل لكم إفشاؤه . قال ابن عقيل هلك الإسلام بين طائفتين بين الباطنية والظاهرية
فأما أهل البواطن فإنهم عطلوا ظواهر الشرع بما ادعوه من تفاسيرهم التي لا برهان
لهم عليها حتى لم يبق في الشرع شيء إلا وقد وضعوا وراءه معنى . حتى أسقطوا إيجاب
الواجب . والنهي عن المنهي . وأما أهل الظاهر فإنهم أخذوا بكل ما ظهر مما لا بد من
تأويله . فحملوا الأسماء والصفات على ما عقلوه . والحق بين المنزلتين . وهو أن
تأخذ بالظاهر ما لم يصرفنا عنه دليل . ونرفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة
الشرع .
قال المصنف
: ولو لقيت مقدم هذه الطائفة المعروفة بالباطنية لم أكن سالكا معه طريق العلم . بل
التوبيخ والازدراء على عقله وعقول أتباعه . بأن أقول أن للآمال طرقا تسلك ووجوها
توصل . ووضع الأمل في وجه اليأس حمق ومعلوم أن هذه الملل التي قد طبقت الأرض أقر
بها شريعة الإسلام التي تتظاهرون بها . وتطمعون في إفسادها قد تمكنت تمكنا يكون
الطمع في تمحيقها فضلا عن إزالتها حمقا . فلها مجمع كل سنة بعرفة ومجمع كل أسبوع
في الجوامع ومجمع كل يوم في المساجد . فمتى تحدثكم نفوسكم بتكدير هذا البحر الزاخر
وتمحيق هذا الأمر الظاهر : في الآفاق يؤذن كل يوم على ما بين ألوف منابر بأشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وغاية ما أنتم عليه حديث في خلوة : أو
متقدم في قلعة : إن نبس بكلمة يرمي رأسه وقتل الكلاب فمتى يحدث العاقل منكم نفسه
بظهور ما أنتم عليه على هذا الأمر الكلي الذي طبق البلاد فما أعرف أحمق منكم إلى
أن يجيء إلى باب المناظرة بالبراهين العقلية .
قال المصنف
: والتهبت جمرة الباطنية المتأخرين في سنة أربع وتسعين وأربعمائة فقتل جلال الدولة
برقيارق خلقا منهم لما تحقق مذهبهم فبلغت عدة القتلى ثلثمائة ونيفا وتتبعت أموالهم
فوجد لأحدهم سبعون بيتا من اللآلئ المحفور وكتب بذلك كتاب إلى الخليفة : فتقدم
بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يظن ميله
إلى ذلك المذهب : وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا . وصار كل من في نفسه شيء من
إنسان يرميه بهذا المذهب فيقصيه وينتهب ماله . وأول ما عرف من أحوال الباطنية في
أيام الملك شاه جلال الدولة أنهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في ساوة . ففطن بهم
الشحنة فأخذهم وحبسهم ثم أطلقهم . ثم اغتالوا مؤذنا من أهل ساوة فاجتهدوا أن يدخل
معهم فلم يفعل فخافوه أن ينم عليهم فاغتالوه فقتلوه فبلغ الخبر إلى نظام الملك
فتقدم يأخذ من يتهم فيقتله فقتل المتهم وكان نجارا وكانت أول فتكة لهم فتكهم بنظام
الملك . وكانوا يقولون قتلتم منا نجارا فقتلنا به نظام الملك .
واستفحل
أمرهم بأصبهان فلما مات الملك شاه وآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان ويقتلونه
ويلقونه في البئر . وكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله أيسوا منه .
وفتش الناس المواضع فوجدوا امرأة في دار لا تبرح فوق الحصير . فأزالوها فوجدوا تحت
الحصير أربعين قتيلا . فقتلوا المرأة وأحرقوا الدار والمحلة . وكان يجلس رجل ضرير
على باب الزقازق الذي فيه هذه الدار ، فإذا مر إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى
الزقاق فإذا حصل هناك جذبه من في الدار واستولوا عليه ، فجد المسلمون في طلبهم
بأصبهان وقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وأول قلعة تملكها الباطنية قلعة في ناحية يقال
لها الروزباد من نواحي الديلم وكانت هذه القلعة لقماح صاحب ملكشاه وكان يستحفظها
متهما بمذهب القوم . فأخذ ألفا ومائتي دينار وسلم إليهم القلعة في سنة ثلاث
وثمانين في أيام ملكشاه وكان مقدمتها الحسن بن الصباح وأصله من مرو وكان كاتبا
للرئيس عبد الرزاق بن بهرام إذ كان صبيا ثم إلى مصر وتلقى من دعاتهم المذاهب وعاد
داعية القوم ورأسا فيهم وحصلت له هذه القلعة وكانت سيرته في دعاته ألا يدعو إلا
غبيا لا يفرق بين يمينه وشماله مثلا ومن لا يعرف أمور الدنيا ويطعمه الجوز والعسل
والشونيز حتى ينبسط دماغه ثم يذكر له حينئذ ما تم على أهل بيت المصطفى صلوات الله
وسلامه عليه وعليهم من الظلم والعدوان حتى يستقر ذلك في نفسه ، ثم يقول إذا كانت
الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في قتال بني أمية فما سبب بخلك بنفسك في نصرة
إمامك فيتركه بهذه المقالة طعمة للسيف ، وكان ملكشاه قد أرسل إلى ابن الصباح
ويدعوه إلى الطاعة ويتهدده أن خالفه ويأمره بالكف عن بث أصحابه لقتل العلماء
والأمراء ، فقال في جواب الرسالة والرسول حاضر الجواب ما تراه ، ثم قال لجماعة
وقوف بين يديه أريد أن أنقذكم إلى مولاكم في حاجة فمن ينهض لها باشرأب كل منهم
لذلك ، فظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم ، فأومأ إلى شاب منهم فقال له
اقتل نفسك فجذب سكينه وضرب بها غلصمته فخر ميتا وقال لآخر ارم نفسك من القلعة
فألقى نفسه فتمزق ، ثم التفت إلى رسول السلطان فقال أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين
ألفا هذا حد طاعتهم لي وهذا هو الجواب ، فعاد الرسول إلى السطان ملكشاه فأخبره بما
رأى فعجب من ذلك وترك كلامهم وصارت بأيديهم قلاع كثيرة ثم قتلوا جماعة من الأمراء
والوزراء . قال المصنف : وقد ذكرنا من صفة القوم في التاريخ أحوالا عجيبة فلم نر
التطويل بها هنا .
وكم زنديق
في قلبه حقد على الإسلام خرج فبالغ واجتهد فزخرف دعاوي يلقي بها من يصحبه : وكان
غور مقصده في الاعتقاد الانسلال من ربقة الدين . وفي العمل نيل الملذات واستباحة
المحظورات . فمنهم بابك الخرمي حصل له مقصوده من اللذات ولكن بعد أن قتل الناس
وبالغ في الأذى ثم القرامطة وصاحب الزنج الذي خرج فاستغوى المماليك السودان ووعدهم
الملك : فنهب وفتك وقتل وبالغ وكانت عواقبهم في الدنيا أقبح العواقب فما وفى ما
نالوا بما نيل منهم ومنهم من لم يبرح على تعثيره ففاتته الدنيا والآخرة مثل ابن
الراوندي والمعري .
أنبأنا
محمد بن أبي طاهر عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال كان ابن
الراوندي ملازم الرافضة وأهل الإلحاد فإذا عوتب قال إنما أريد أن أعرف مذاهبهم ثم
كاشف وناظر .
قال المصنف
: من تأمل حال ابن الراوندي وجده من كبار الملحدة وصنف كتابا سماه الدامغ زعم أنه
يدمغ به هذه الشريعة فسبحان من دمغة فأخذه وهو في شرخ الشباب وكان يعترض على
القرآن ويدعي عليه التناقض وعدم الفصاحة : وهو يعلم أن فصحاء العرب تحيرت عند
سماعه فكيف بالألكن وأما أبو العلاء المعري فأشعاره ظاهرة الإلحاد : وكان يبالغ في
عداوة الأنبياء ولم يزل متخبطا في تعثيره خائفا من القتل إلى أن مات بخسرانه . وما
خلا زمان من خلف للفريقين إلا أن جمرة المنبسطين قد خبت بحمد الله . فليس إلا
باطني مستتر ومتفلسف متكاتم هو أعثر الناس وأخسأهم قدرا . وأردأهم عيشا وقد شرحنا
أحوال جماعة من الفريقين في التاريخ فلم نر التطويل بذلك والله الموفق .
الباب السادس :- في ذكر تلبيس إبليس على العلماء
في فنون العلم
قال المصنف
: اعلم أن إبليس يدخل على الناس في
التلبيس من طرق منها ظاهر الأمر . ولكن يغلب الإنسان في إيثار هواه فيغمض على علم
يذلله . ومنها غامض وهو الذي يخفى على كثير من العلماء . ونحن نشير إلى فنون من
تلبيسه يستدل بمذكورها على مغفلها إذ حصر الطرق يطول والله العاصم .
ذكر تلبيسه على القراء
فمن ذلك أن
أحدهم يشتغل بالقراآت الشاذة وتحصيلها فيفني أكثر عمره في جمعها ، وتصنيفها
والإقراء بها ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات ، فربما رأيت إمام مسجد يتصدى
للإقراء ولا يعرف ما يفسد الصلاة ، وربما حمله حب التصدر حتى لا يرى بعين الجهل
على أن يجلس بين يدي العلماء ويأخذ عنهم العلم ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ
القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر
أخلاقها ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع ، ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما
غيره الأهم ، قال الحسن البصري أنزل القرآن ليعمل به . فاتخذ الناس تلاوته عملا .
يعني أنهم اقتصروا على التلاوة وتركوا العمل به . ومن ذلك أن أحدهم يقرأ في مخرابه
بالشاذ ويترك المتواتر المشهور . والصحيح عند العلماء أن الصلاة لا تصح بهذا الشاذ
وإنما مقصود هذا إظهار الغريب لاستجلاب مدح الناس وإقبالهم عليه وعنده أنه متشاغل
بالقرآن . ومنهم من يجمع القراآت فيقول ملك مالك ملاك وهذا لا يجوز لأنه إخراج
للقرآن عن نظمه .
ومنهم من
يجمع السجدات والتهليلات والتكبيرات وذلك مكروه وقد صاروا يوقدون النيران الكثيرة
للختمة فيجمعون بين تضييع المال والتشبه بالمجوس والتسبب إلى اجتماع النساء
والرجال بالليل للفساد ويريهم إبليس أن في هذا إعزازا للإسلام . وهذا تلبيس عظيم
لأن إعزاز الشرع باستعمال المشروع . ومن ذلك أن منهم من يتسامح بادعاء القراءة على
من لم يقرأ عليه وربما كانت له إجازة منه . فقال أخبرنا تدليسا وهو يرى أن الأمر
في ذلك قريب لكونه يروي القراآت ويراها فعل خير وينسى أن هذا كذب يلزمه إثم
الكذابين . ومن ذلك أن المقرئ المجيد يأخذ على اثنين وثلاثة ويتحدث مع من يدخل
عليه والقلب لا يطيق جمع هذه الأشياء ثم يكتب خطه بأنه قد قرأ على فلان بقراءة
فلان . وقد كان بعض المحققين يقول ينبغي أن يجتمع اثنان أو ثلاثة ويأخذوا على واحد
ومن ذلك أن أقواما من القراء يتبارون بكثرة القراءة وقد رأيت من مشايخهم من يجمع
الناس ويقيم شخصا ويقرأ في النهار الطويل ثلاث ختمات فإن قصر عيب وإن أتم مدح .
وتجتمع العوام لذلك ويحسنونه كما يفعلون في حق السعاة ويريهم إبليس أن في كثرة
التلاوة ثوابا . وهذا من تلبيسه لأن القراءة ينبغي أن تكون لله تعالى لا للتحسين
بها . وينبغي أن تكون على تمهل . وقال عز وجل : "لتقرأه على الناس على
مكث" وقال عز وجل : "ورتل القرآن ترتيلا" ومن ذلك أن جماعة من
القراء أحدثوا قراءة الألحان وقد كانت إلى حد قريب .
وعلى ذلك
فقد كرهها أحمد بن حنبل وغيره ولم يكرهها الشافعي . أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو
علي الحسين بن سعد الهمذاني نا أبو بكر أحمد بن علي بن لال ثنا الفضل بن الفضل ثنا
السياحي ثنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي أما استماع الحداء ونشيد الأعراب
فلا بأس به ولا بأس بقراءة الألحان وتحسين الصوت .
قال المصنف
: وقلت إنما أشار الشافعي إلى ما كان في زمانه وكانوا يلحنون بسيرا فأما اليوم فقد
صيروا ذلك على قانون الأغاني وكلما قرب ذلك من مشابهة الغناء زادت كراهته .
فإن أخرج
عن حد وضعه حرم ذلك ومن ذلك أن قواما من القراء يتسامحون بشيء من الخطايا كالغيبة
للنظراء وربما أتوا أكبر من ذلك الذنب واعتقدوا أن حفظ القرآن يرفع عنهم العذاب
واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام . لو جعل القرآن في إهاب ما احترق . وذلك من
تلبيس إبليس عليهم لأن عذاب من يعلم أكثر من عذاب من لم يعلم إذ زيادة العلم تقوى
الحجة وكون القارئ لم يحترم ما يحفظ ذنب آخر . قال الله عز وجل : " أفمن يعلم
أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى " وقال في أزواج رسول الله صضص :
" من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين " .
وقد أخبرنا
أحمد بن أحمد المتوكلي نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو الحسن بن زرقويه نا إسماعيل
الصفار ثنا زكريا بن يحيى ثنا معروف الكرخي قال قال بكر بن حبيش : إن في جهنم
لواديا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات . وإن في الوادي لجبا يتعوذ
الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات . وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي
وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات . يبدأ بفسقة حملة القرآن فيقولون : أي رب
يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان . فقيل لهم : ليس من يعلم كمن لا يعلم . قال المصنف
فلنقتصر على هذا الأنموذج فيما يتعلق بالقراء .
ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث
من ذلك أن
قوما استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه وجمع الطرق الكثيرة وطلب
الأسانيد العالية والمتون الغريبة وهؤلاء على قسمين قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة
صحيح الحديث من سقيمه وهم مشكورون على هذا القصد إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن
يشغلهم بهذا عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم والاجتهاد في أداء اللازم
والتفقه في الحديث ( فإن قال قائل ) فقد فعل هذا خلق كثير من السلف كيحيى بن معين
وابن المديني والبخاري ومسلم فالجواب أن أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور
الدين والفقه فيه وبين ما طلبوا من الحديث وأعانهم على ذلك قصر الإسناد وقلة
الحديث فاتسع زمانهم للأمرين فأما في هذا الزمان فإن طرق الحديث طالت والتصانيف
فيه اتسعت وما في هذا الكتاب في تلك الكتب وإنما الطرق تختلف فقل أن يمكن أحدا أن
يجمع بين الأمرين فترى المحدث يكتب ويسمع خمسين سنة ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها
ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه
لسماع الحديث منه وبهؤلاء تمكن الطاعنون على المحدثين فقالوا : زوامل أسفار لا
يدرون ما معهم .
فإن أفلح
أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ وربما فهم من الحديث ما يفهم العامي
الجاهل وعمل بذلك وليس بالمراد من الحديث كما روينا أن بعض المحدثين روي عن رسول
الله صضص أنه نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره فقال جماعة ممن حضر قد كنا إذ فضل
عنا ماء في بساتيننا سرحناه إلى جيراننا ونحن نستغفر الله . فما فهم القارئ ولا
السامع ولا شعروا أن المراد وطء الحبالى من السبايا .
قال
الخطابي : وكان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي صضص نهى عن الحلق قبل الصلاة يوم
الجمعة بإسكان اللام ، قال وأخبرني : أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة
قال فقلت له إنما هو الحلق جمع حلقة وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم
والمذاكرة وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة . فقال قد فرجت علي وكان من
الصالحين . وقد كان ابن صاعد كبير القدر في المحدثين لكنه لما قلت مخالطته للفقهاء
كان لا يفهم جواب فتوى حتى أنه أخبر أبو منصور البزار نا أبو بكر أحمد بن علي بن
ثابت قال سمعت اليرقاني يقول قال أبو بكر الأبهري الفقيه قال كنت عند يحيى بن محمد
بن صاعد فجاءته امرأة فقالت : أيها الشيخ ما تقول في بئر سقطت فيه دجاجة فماتت فهل
الماء طاهر أو نجس . فقال يحيى ويحك . كيف سقطت الدجاجة إلى البئر . قالت : لم تكن
البئر مغطاة . فقال يحيى : ألا غطيتها حتى لا يقع فيها شيء . قال الأبهري فقلت يا
هذه إن كان الماء تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر .
قال المصنف
: وكان ابن شاهين قد صنف في الحديث مصنفات كثيرة أقلها جزء وأكثرها التفسير وهو
ألف جزء وما كان يعرف من الفقه شيئا وقد كان فيهم من يقدم على الفتوى بالخطأ لئلا
يرى بعين الجهل فكان فيهم من يصير بما يفتي به ضحكة فسئل بعضهم عن مسألة من
الفرائض فكتب في الفتوى تقسم على فرائض الله سبحانه وتعالى .
وأنبأنا
محمد بن أبي منصور نا أحمد بن الحسين بن حبرون نا أحمد بن محمد العتيقي نا أبو عمر
بن حياة نا سليمان بن إسحاق الحلاب ثنا إبراهيم الحربي قال بلغني أن امرأة جاءت
إلى علي بن داود وهو يحدث وبين يديه مقدار ألف نفس فقالت له : حلفت بصدقة إزاري
فقال لها بكم اشتريته قالت باثنين وعشرين درهما قال اذهبي فصومي اثنين وعشرين يوما
فلما مرت جعل يقول آه آه غلطنا والله أمرناها بكفارة الظهار .
قال المصنف
: قلت فانظروا إلى هاتين الفضيحتين فضيحة الجهل وفضيحة الإقدام على الفتوى بمثل
هذا التخليط . واعلم أن عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه
على مقتضى الحس فشبهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى
الحكم وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب منهم ويكثر السماع ولا يفهم ما حصل .
ومنهم من
لا يحفظ القرآن ولا يعرف أركان الصلاة فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفاية عن
فروض الأعيان وإيثار ما ليس بمهم على المهم من تلبيس إبليس .
القسم الثاني
قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحا ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره
بجمع الطرق وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب فطافوا البلدان ليقول أحدهم لقيت
فلانا ولي من الأسانيد ما ليس لغيري وعندي أحاديث ليست عند غيري .
وقد كان
دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث وكان يأخذ الشيخ فيقعده في الرقة وهي البستان
الذي على شاطئ دجلة فيقرأ عليه ويقول في مجموعاته حدثني فلان وفلان بالزقة ويوهم
الناس أنها البلدة التي بناحية الشام ليظنوا أنه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث .
وكان يقعد الشيخ بين نهر عيسى والفرات ويقول حدثني فلان من وراء النهر يوهم أنه
عبر خراسان في طلب الحديث . وكان يقول حدثني فلان في رحلتي الثانية والثالثة ليعلم
الناس قدر تعبه في طلب الحديث فما بورك له ومات في زمان الطلب .
قال المصنف
: وهذا كله من الإخلاص بمعزل وإنما مقصودهم الرساة والمباهاة ولذلك يتبعون شاذ
الحديث وغريبه وربما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم فأخفاه ليتفرد هو
بالرواية وقد يموت هو ولا يرويه فيفوت الشخصين وربما رحل أحدهم إلى شيخ أول اسمه
قاف أو كاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب .
ومن تلبيس
إبليس على أصحاب الحديث قدح بعضهم في بعض طلبا للتشفي ويخرجون ذلك مخرج الجرح
والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع والله أعلم بالمقاصد ودليل
مقصد خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه وما كان القدماء هكذا فقد كان علي بن المديني
يحدث عن أبيه وكان ضعيفا ثم يقول وفي حديث الشيخ ما فيه .
أخبرنا أبو
بكر بن حبيب العامري نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبو عبد الله بن باكويه ثنا بكر
أن ابن أحمد الجيلي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول : سألت حارثا المحاسبي عن الغيبة
فقال احذرها فإنها شر مكتسب وما ظنك بشيء يسلبك حسناتك فيرضى به خصماءك ومن تبغضه
في الدنيا كيف ترضى به خصمك يوم القيامة يأخذ من حسناتك أو تأخذ من سيئاته إذ ليس
هناك درهم ولا دينار فاحذرها وتعرف منبعها فإن منبع غيبة الهمج والجهال من اشفاء
الغيظ والحمية والحسد وسوء الظن وتلك مكشوفة غير خفية وأما غيبة العلماء فمنبعها
من خدعة النفس على إبداء النصيحة وتأويل ما لا يصح من الخبر ولو صح ما كان عونا
على الغيبة وهو قوله أترغبون عن ذكره اذكروه بما فيه ليحذره الناس . ولو كان الخبر
محفوظا صحيحا لم يكن فيه إبداء شناعة على أخيك المسلم من غير أن تسأل عنه وإنما
إذا جاءك مسترشد فقال أريد أن أزوج كريمتي من فلان فعرفت منه بدعة أو أنه غير
مأمون على حرم المسلمين صرفته عنه بأحسن صرف أو يجيئك رجل آخر فيقول لك أريد أن
أودع مالي فلانا وليس ذلك الرجل موضعا للأمانة فتصرفه عنه بأحسن الوجوه أو يقول لك
يا رجل أريد أن أصلي خلف فلان أو أجعله إمامي في علم فتصرفه عنه بأحسن الوجوه ولا
تشف غيظك من غيبته .
وأما منبع
الغيبة من القراء والنساك فمن طريق التعجب يبدي عوار الأخ ثم يتصنع بالدعاء في ظهر
الغيب فيتمكن من لحم أخيه المسلم ثم يتزين بالدعاء له وأما منبع الغيبة من الرؤساء
والأساتذة فمن طريق إبداء الرحمة والشفقة حتى يقول مسكين فلان ابتلى بكذا وامتحن بكذا
نعوذ بالله من الخذلان فيتصنع بإبداء الرحمة والشفقة على أخيه . ثم يتصنع بالدعاء
له عند إخوانه ويقول إنما أبديت لكم ذاك لتكثروا دعاءكم له ونعوذ بالله من الغيبة
تعريضا أو تصريحا فاتق الغيبة فقد نطق القرآن بكراهتها فقال عز وجل : "أيحب
أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه" وقد روي عن النبي صضص في ذلك أخبار
كثيرة .
ومن تلبيس
إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع وهذه
جناية منهم على الشرع ومقصودهم ترويج أحاديثهم وكثرة رواياتهم وقد قال صضص :
"من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" . ومن هذا الفن
تدليسهم في الرواية فتارة يقول أحدهم فلان عن فلان أو قال فلان عن فلان يوهم أنه
سمع منه المنقطع ولم يسمع وهذا قبيح لأنه يجعل المنقطع في مرتبة المتصل ومنهم من
يروي عن الضعيف والكذاب فينفي اسمه فربما سماه بغير اسمه وربما كناه وربما نسبه
إلى جده لئلا يعرف وهذه جناية على الشرع
لأنه يثبت حكما بما لا يثبت به فأما إذا كان المروي عنه ثقة فنسبه إلى جده أو
اقتصر على كنيته لئلا يرى أنه قد ردد الرواية عنه أو يكون المروي عنه في مرتبة
الراوي فيستحي الراوي من ذكره فهذا على الكراهة والبعد من الصواب قريب بشرط أن
يكون المروي عنه ثقة والله الموفق .
ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء
قال المصنف
: كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فمازال الأمر يتناقض حتى قال
المتأخرون يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن وأن نعتمد على الكتب المشهورة في
الحديث كسنن أبي داود ونحوها ثم استهانوا بهذا الأمر أيضا وصار أحدهم يحتج بآية لا
يعرف معناها وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا وربما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح
ولا يعلم لقلة التفاته إلى معرفة النقل وإنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة فكيف
يستخرج من شيء لا يعرفه ومن القبيح تعليق حكم على حديث لا يدري أصحيح هو أم لا
ولقد كانت معرفة هذا تصعب ويحتاج الإنسان إلى السفر الطويل والتعب الكثير حتى تعرف
ذلك فصنفت الكتب وتقررت السنن وعرف الصحيح من السقيم ولكن غلب على المتأخرين الكسل
بالمرة عن أن يطالعوا علم الحديث حتى أني رأيت بعض الأكابر من الفقهاء يقول في
تصنيفه عن ألفاظ في الصحاح لا يجوز أن يكون رسول الله صضص قال هذا ورأيته يحتج في
مسألة فيقول دليلنا ما روى بعضهم أن رسول الله قال كذا ويجعل الجواب عن حديث صحيح
قد احتج به خصمه أن يقول هذا الحديث لا يعرف وهذا كله جناية على الإسلام .
ومن تلبيس
إبليس على الفقهاء . أن جل اعتمادهم على تحصيل علم الجدل يطلبون بزعمهم تصحيح
الدليل على الحكم والاستنباط لدقائق الشرع وعلل المذاهب ولو صحت هذه الدعوى منهم
لتشاغلوا بجميع المسائل وإنما يتشاغلون بالمسائل الكبار ليتسع فيها الكلام فيتقدم
المناظر بذلك عند الناس في خصام النظر فهم أحدهم بترتيب المجادلة والتفتيش على
المناقضات طلبا للمفاخرات والمباهاة وربما لم يعرف الحكم في مسألة صغيرة تعم بها
البلوى .
ذكر تلبيسه عليهم بإدخالهم في الجدل كلام
الفلاسفة واعتمادهم على تلك الأوضاع
ومن ذلك
إيثارهم للقياس على الحديث المستدل به في المسألة ليتسع لهم المجال في النظر . وإن
استدل أحد منهم بالحديث هجن ومن الأدب تقديم الاستدلال بالحديث . ومن ذلك أنهم
جعلوا النظر جل اشتغالهم ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث
وسيرة الرسول صضص وأصحابه . ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء
المتغير . وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة . ومسائل الخلاف وإن
كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب .
ومن لم
يطلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب له لم يمكنهم سلوك طريقهم . وينبغي أن
يعلم أن الطبع لص فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم فصار مثلهم . فإذا
نظر في سير القدماء زاحمهم وتأدب بأخلاقهم وقد كان بعض السلف يقول حديث يرق له
قلبي أحب إلي من مائة قضية من قضايا شريح . وإنما قال هذا لأن رقة القلب مقصودة
ولها أسباب . ومن ذلك أنهم اقتصروا على المناظرة وأعرضوا عن حفظ المذهب وباقي علوم
الشرع فترى الفقيه المفتي يسأل عن آية أو حديث فلا يدري . وهذا عين فأين الأنفة من
التقصير . ومن ذلك أن المجادلة إنما وضعت ليستبين الصواب . وقد كان مقصود السلف
المناصحة بإظهار الحق . وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل وإذا خفي على أحدهم
شيء نبهه الآخر لأن المقصود كان إظهار الحق فصار هؤلاء إذا قاس الفقيه على أصل
بعلة يظنها . فقيل له ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة فقال هذا
الذي يظهر لي فإن ظهر لكم ما هو أولى من ذلك فاذكروه فإن المعترض لا يلزمني ذكر
ذلك .
وقد صدق في
أنه لا يلزمه ولكن فيما ابتدع من الجدل . بل في باب النصح وإظهار الحق يلزمه ومن
ذلك أن أحدهم يتبين له الصواب مع خصمه ولا يرجع ويضيق صدره كيف ظهر الحق مع خصمه .
وربما اجتهد في رده مع علمه أنه الحق . وهذا من أقبح القبيح لأن المناظرة إنما
وضعت لبيان الحق . وقد قال الشافعي رحمه الله ما ناظرت أحدا فأنكر الحجة إلا سقط
من عيني . ولا قبلها إلا هبته : وما ناظرت أحدا فباليت مع من كانت الحجة إن كانت
معه صرت إليه . ومن ذلك أن طلبهم للرياسة بالمناظرة تثير الكامن في النفس من حب
الرياسة فإذا رأى أحدهم في كلامه ضعفا يوجب قهر خصمه له خرج إلى المكابرة فإن رأى
خصمه قد استطال عليه بلفظ أخذته حمية الكبر فقابل ذلك بالسب فصارت المجادلة مخاذلة
ومن ذلك ترخصهم في الغيبة بحجة الحكاية عن المناظرة فيقول أحدهم : تكلمت مع فلان
فما قال شيئا . ويتكلم بما يوجب التشفي من غرض خصمه بتلك الحجة . ومن ذلك أن إبليس
لبس عليهم بأن الفقه وحده علم الشرع ليس ثم غيره فإن ذكر لهم محدث قالوا ذاك لا
يفهم شيئا وينسون أن الحديث هو الأصل فإن ذكر لهم كلام يلين به القلب قالوا هذا
كلام الوعاظ ومن ذلك إقدامهم على الفتوى وما بلغوا مرتبتها وربما أفتوا بواقعاتهم
المخالفة للنصوص ولو توقفوا في المشكلات كان أولى .
فقد أخبرنا
إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا محمد بن هبة الله الطبري ثنا محمد بن الحسين بن
الفضل نا عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان ثنا الحميدي ثنا سفيان
ثنا عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
. قال : أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صضص يسأل أحدهم عن المسألة
فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول قال يعقوب وثنا أبو نعيم ثنا
سفيان عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضا . يقول أدركت في
هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صضص ما منهم من يحدث حديثا
إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا .
قال المصنف
: وقد روينا عن إبراهيم النخعي أن رجلا سأله عن مسألة فقال : ما وجدت من تسأله
غيري . وعن مالك بن أنس رضي الله عنه قال . ما أفتيت حتى سألت سبعين شيخا هل ترون
لي أن أفتي . فقالوا نعم . فقيل له فلو نهوك قال لو نهوني انتهيت . وقال رجل لأحمد
بن حنبل : إني حلفت ولا أدري كيف حلفت قال ليتك إذ دريت كيف حلفت دريت أنا كيف
أفتيك .
قال المصنف
: وإنما كانت هذه سجية السلف لخشيتهم الله عز وجل وخوفهم منه ومن نظر في سيرتهم
تأدب .
ومن تلبيس
إبليس على الفقهاء . مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع
القدرة على ذلك . وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عرضاً
فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه . الأول الأمير يقول لولا أني على صواب لأنكر علي
الفقيه وكيف لا أكون مصيبا وهو يأكل من مالي . والثاني العامي أنه يقول لا بأس
بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فإن فلانا الفقيه لا يبرح عنده . والثالث
الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك .
وقد لبس
إبليس عليهم في الدخول على السلطان فيقول إنما ندخل لنشفع في مسلم وينكشف هذا
التلبيس بأنه لو دخل غيره يشفع لما أعجبه ذلك وربما قدح في ذلك الشخص لتفرده
بالسلطان . ومن تلبيس إبليس عليه في أخذ أموالهم فيقول لك فيها حق . ومعلوم أنها
إن كانت من حرام لم يحل له منها شيء وإن كانت من شبهة فتركها أولى وإن كانت من
مباح جاز له الأخذ بمقدار مكانه من الدين لا على وجه اتفاقه في إقامة الرعونة
وربما اقتدى العوام بظاهر فعله واستباحوا ما لا يستباح .
وقد لبس
إبليس على قوم من العلماء . ينقطعون على السلطان إقبالا على التعبد والدين فيزين
لهم غيبة من يدخل على السلطان من العلماء فيجمع لهم آفتين غيبة الناس ومدح النفس .
وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم لأن النية قد تحسن في أول الدخول ثم
تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم ولا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار
عليهم .
وقد كان
سفيان الثوري رضي الله عنه يقول : ما أخاف من إهانتهم لي إنما أخاف من إكرامهم
فيميل قلبي إليهم . وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء لما يظهر من جورهم
فتطلبهم الأمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات فنشأ أقوام قويت رغبتهم في
الدنيا فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها إليهم لينالوا من دنياهم . ويدلك
على أنهم قصدوا بالعلوم أن الأمراء كانوا قديما يميلون إلى سماع الحجج في الأصول
فأظهر الناس علم الكلام . ثم مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه فمال الناس
إلى الجدل . ثم بعض الأمراء إلى المواعظ فمال خلق كثير من المتعلمين إليها ولما
كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كثر القصاص وقل الفقهاء .
ومن تلبيس
إبليس على الفقهاء : أن أحدهم يأكل من وقف المدرسة المبنية على المتشاغلين بالعلم
فيمكث فيها سنين ولا يتشاغل ويقنع بما عرف أو ينتهي في العلم فى يبقى له في الوقف
حظ لأنه إنما جعل لمن يتعلم إلا أن يكون ذلك الشخص معيدا أو مدرسا فإن شغله دائم
ومن ذلك ما يحكى عن بعض الأحداث المتفقهة من الانبساط في المنهيات فبعضهم يلبس
الحرير ويتحلى بالذهب ويحال على المكث فيأخذه إلى غير ذلك من المعاصي . وسبب
انبساط هؤلاء مختلف . فمنهم من يكون فاسد العقيدة في أصل الدين وهو يتفقه ليستر
نفسه أو ليأخذ من الوقف أو ليرأس أو ليناظر .
ومنهم من
عقيدته صحيحة لكن يغلبه الهوى وحب الشهوات وليس عنده صارف عن ذلك لأن نفس الجدل
والمناظرة تحرك الكبر والعجب وإنما يتقوم الإنسان بالرياضة ومطالعة سير السلف
وأكثر القوم في بعد عن هذا وليس عندهم إلا ما يعين الطبع على شموخه فحينئذ يسرح
الهوى بلا زاد . ومنهم من يلبس عليه إبليس بأنه عالم وفقيه ومفت والعلم يدفع عن
أربابه وهيهات فإن العلم أولى أن يحاجه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حق القراء . وقد
قال الحسن البصري : إنما الفقيه من يخشى الله عز وجل . قال ابن عقيل : رأيت فقيها
خراسانيا عليه حرير وخواتم ذهب فقلت له . ما هذا فقال خلع السطان وكمد الأعداء
فقلت له بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلما لأن إبليس عدوك وإذا بلغ منك مبلغك
ألبسك ما يسخط الشرع فقد أشمته بنفسك وهل خلع السطان سائغة لنهي الرحمن يا مسكين .
خلع عليك السطان فانخلعت به من الإيمان وقد كان ينبغي أن يلخع بك السلطان لباس
الفسق ويلبسك لباس التقوى رماكم الله بخزيه حيث هونتم أمره هكذا ليتك قلت هذه
رعونات الطبع الآن تمت محنتك لأن عدوانك دليل على فساد باطنك .
ومن تلبيسه
عليهم : أن يحسن لهم ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون من هؤلاء قصاص
ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع . والقصاص لا يذمون من
حيث هذا الاسم لأن الله عز وجل قال : "نحن نقص عليك أحسن القصص" وقال :
"فاقصص القصص" وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون
ذكر العلم المفيد ثم غالبهم يخلط فيما يورده . وربما اعتمد على ما أكثره محال فأما
إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا فهو ممدوح وقد كان أحمد بن حنبل يقول : ما أحوج
الناس إلى قاص صدوق .
ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص
قال المصنف
: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء . وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله بن
عمر رضي الله عنه . وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص . ثم خست هذه الصناعة
فتعرض لها الجهال فبعد عن الحضور وعندهم المميزون من الناس وتعلق بهم العوام
والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة وتنوعت البدع في
هذا الفن .
وقد ذكرنا
آفاتهم في كتاب القصاص والمذكرين . إلا أنا نذكر هنا جملة فمن ذلك : أن قوما منهم
كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب ولبس عليهم إبليس : بأننا نقصد حث الناس على
الخير وكفهم عن الشر وهذا افتيات منهم على الشريعة لأنها عندهم على هذا الفعل
ناقصة تحتاج إلى تتمة ثم نسوا قوله صضص : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده
من النار" . ومن ذلك أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس ويطرب القلوب فنوعوا فيه
الكلام فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق .
ولبس عليهم
إبليس بأننا نقصد الإشارة إلى محبة الله عز وجل ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام
الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى فيضل القاص ويضل . ومن ذلك من يظهر من التواجد
والتخاشع زيادة على ما في قلبه وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل فتسمح النفس بفضل بكاء
وخشوع فمن كان منهم كاذبا فقد خسر الآخرة . ومن كان صادقا لم يسلم صدقة من رياء
يخالطه . ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان والألحان التي
قد أخرجوها اليوم مشابهة للغناء فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة والقارئ
يطرب والقاص ينشد الغزل مع تصفيق بيديه وإيقاع برجليه فتشبه السكر ويوجب ذلك تحريك
الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء وتمزيق الثياب لما في النفوس من دفائن
الهوى ثم يخرجون فيقولون كان المجلس طيبا ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز . ومنهم
من يجري في مثل تلك الحالة التي شرحناها لكنه ينشد أشعار النوح على الموتى ويصف ما
يجري لهم من البلاء ويذكر الغربة ومن مات غريبا فيبكي بها النساء ويصير المكان
كالمأتم وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع ، ومنهم من
يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه فليس عليه إبليس : إنك من جملة الموصوفين
بذلك لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق . وكشف هذا التلبيس أن
الوصف علم والسلوك غير العلم . ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع
ويستشهد بأشعار العشق وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد . وكم منهم
من يزوق عبارة لا معنى تحتها وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل وزليخا ويوسف ولا
يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا وتعرف
المرأة حق زوجها وتحفظ صلاتها هيهات هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم ولهذا نفقت
سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف . ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل ولا يبين
للعامة المقصود فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية أو خرج إلى جبل فبقيت
عائلته لا شيء لهم . ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب
الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي ثم يقوي ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب
الفاهرة والملابس الفاخرة فيفسد القلوب بقوله وفعله .
فصل
وقد يكون
الوعظ صادقا قاصدا للنصيحة إلا أن منهم من شرب الرئاسة في قلبه مع الزمان فيجب أن
يعظم وعلامته أنه إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك ولو صح قصده
لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق .
فصل
ومن القصاص
من يخلط في مجلسه الرجال والنساء وترى النساء يكثرن الصياح وجدا على زعمهن فلا
ينكر ذلك عليهن جمعا للقلوب عليه ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في
التلبيس لأنه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشا يستمحنون به الأمراء والظلمة والأخذ
من أصحاب المكوس والتكسب في البلدان ، وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى لفراق
الأحبة فيبكي النسوة ولا يحث على الصبر .
وقد يلبس
إبليس على الواعظ المحقق فيقول له : مثلك لا يعظ وإنما يعظ متيقظ فيحمله على
السكوت والانقطاع وذلك من دسائس إبليس لأنه يمنع فعل الخير ويقول إنك تلتذ بما
تورده وتجد بذلك سد باب الخير . وعن ثابت قال : كان الحسن في مجلس فقيل للعلاء
تكلم فقال أو هناك أنا ثم ذكر الكلام ومؤنته وتبعته . قال ثابت : فأعجبني . قال ثم
تكلم الحسن وإننا هناك يود الشيطان أنكم أخذتموها عنه فلم يأمر أحدا بخير ولم ينهه
عن شر .
ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب
قال المصنف
: قد لبس على جمهورهم فشغلهم بعلوم النحو واللغة من المهمات اللازمة التي هي فرض
عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات وما هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح
القلوب . وبما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه . فأذهبوا الزمان كله في
علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها فإن الإنسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى
العمل بها إذ هي مراده لغيرها . فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة
إلا القليل ولا من الفقه ولا يلتفت إلى تزكية نفسه وصلاح قلبه .
ومع هذا
ففيهم كبر عظيم وقد خيل لهم إبليس أنكم علماء الإسلام لأن النحو واللغة من علوم
الإسلام وبها يعرف معنى القرآن العزيز . ولعمري أن هذا لا ينكر ولكن معرفة ما يلزم
من النحو لإصلاح اللسان وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب
وهو أمر لازم وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه وإنفاق الزمان في تحصيل هذا الفاضل
وليس بمهم مع ترك المهم غلط وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن
. ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسنا . ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم
والأفضل .
فصل
ومما ظنوه
صوابا وهو خطأ ما أخبرنا به أبو الحسين بن فارس قال : قيل لفقيه العرب هل يجب على
الرجل إذا أشهد الوضوء قال : نعم . قال والإشهاد أن يمذي الرجل .
قال المصنف
: وذكر من هذا الجنس مسائل كثيرة وهذا غاية في الخطأ لأنه متى كان الاسم مشتركا
بين مسميين كان إطلاق الفتوى على أحدهما دون الآخر خطأ مثاله أن يقول : المستفتي .
ما تقول : في وطء الرجل زوجته في قرئها . فإن القرء يقع عند اللغويين على الإطهار
وعلى الحيض . فيقول الفقيه : يجوز إشارة إلى الطهر أو لا يجوز إشارة إلى الحيض خطأ
. وكذلك لو قال السائل : هل يجوز للصائم أن يأكل بعد طلوع الفجر . لم يجز على
إطلاق الجواب . فما ذكره فقيه العرب هو خطأ من وجهين أحدهما أنه لم يستفصل في
المحتملات والثاني أنه صرف الفتوى إلى أبعد المحتملات وترك الأظهر . وقد استحسنوا
هذا وقلة الفقه أوجبت هذا الزلل .
فصل
ولما كان
عموم اشتغالهم بأشعار الجاهلية ولم يجد الطبع صادا عما وضع عليه من مطالعة
الأحاديث ومعرفة سير السلف الصالح سالت بهم الطباع إلى هوة الهوى فانبثت شرع
البطالة يعبث فقل أن ترى منهم متشاغلا بالتقوى أو ناظرا في مطعم فإن النحو يغلب
طلبه على السلاطين فيأكل النحاة من أموالهم الحرام كما كان أبو علي الفارسي في ظل
عضد الدولة وغيره . وقد يظنون جواز الشيء وهو غير جائز لقلة فقههم كما جرى للزجاج
أبي إسحاق إبراهيم بن السري . قال : كنت أؤدب القاسم بن عبد الله فأقول له إن بلغت
إلى مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي : فيقول : ما أحببت . فأقول له : أن
تعطيني عشرين ألف دينار . وكانت غاية أمنيتي فما مضت إلا سنون حتى ولي القاسم
الوزارة وأنا على ملازمتي له . وقد صرت نديمة فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم
هبته . فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي : يا أبا إسحاق . لم أرك
أذكرتني بالنذر . فقلت عولت على رعاية الوزير أيده الله وأنه لا يحتاج إلى إذكار
لنذر عليه في أمر خادم واجب الحق . فقال لي : إنه المعتضد . ولولاه ما تعاظمني دفع
ذلك إليك في مكان واحد ولكن أخاف أن يصير لي معه حديث فاسمح بأخذه متفرقا . فقلت
افعل . فقال : اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار واستعجل عليها ولا تمتنع
من مسائلتي شيئا تخاطب فيه صحيحا كان أو محالا إلى أن يحصل لك مال النذر ففعلت ذلك
وكنت أعرض عليه كل يوم رقاعا فيوقع فيها
وربما قال لي كم ضمن لك على هذا فأقول كذا وكذا فيقول غبنت هذا يساوي كذا وكذا فاستزد
فاراجع القوم ولا أزال أماكسهم ويزيدونني حتى أبلغ الحد الذي رسمه . قال : فعرضت
عليه شيئا عظيما فحصل عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مدة مديدة . فقال لي بعد
شهور . يا أبا إسحاق حصل مال النذر : فقلت : لا فسكت وكنت أعرض ثم يسألني في كل
شهر أو نحوه هل حصل المال فأقول لا خوفا من انقطاع الكسب إلى أن حصل عندي ضعف
المال . وسألني يوما فاستحييت من الكذب المتصل .
فقلت : قد
حصل ذلك بسعادة الوزير فقال فرجت والله عني فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك .
قال ثم أخذ الدواة ووقع لي إلى خازنة بثلاثة آلاف دينار صلة فأخذتها وامتنعت أن
أعرض عليه شيئا ولم أدر كيف أقع منه فلما كان الغد جئته وجلست على رسمي فأومأ إلي
هات ما معك ليستدعي مني الرقاع على الرسم فقلت ما أخذت من أحد رقعة لأن النذر قد
وقع الوفاء به ولم أدر كيف أقع من الوزير فقال يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك
شيئا قد صار لك عادة وعلم به الناس وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدو ورواح إلى
بابك ولا يعلم سبب انقطاعه فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك أعرض علي رسمك
وخذ بلا حساب . فقبلت يده وباكرته من غد بالرقاع وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى
أن مات وقد تأثلت مالي هذا .
قال المصنف
: انظروا ما يصنع قلة الفقه فإن هذا الرجل الكبير القدر في معرفته النحو واللغة لو
علم أن هذا الذي جرى له لم يجز شرعا ما حكاه وتبجح به . فإن إيصال الظلامات واجب
ولا يجوز أخذ البرطيل عليها ولا على شيء مما نصب الوزير له من أمور الدولة وبهذا
تبين مرتبة الفقه على غيره .
ذكر تلبيس إبليس على الشعراء
قال المصنف
: وقد لبس عليهم فأراهم أنهم من أهل الأدب وأنهم قد خصوا بفطنة تميزوا بها عن
غيرهم . ومن خصكم بهذه الفطنة ربما عفا عن زللكم . فتراهم يهيمون في كل واد من
الكذب والقذف والهجاء وهتك الأعراض والإقرار بالفواحش وأقل أحوالهم . أن الشاعر
يمدح الإنسان فيخاف أن يهيجوه فيعطيه اتقاه شره أو يمدحه بين جماعة فيعطيه حياء من
الحاضرين . وجميع ذلك من جنس المصادرة .
وترى خلقا
من الشعراء وأهل الأدب لا يتحاشون من لبس الحرير . والكذب في المدح خارجا عن الحد
. ويحكون اجتماعهم على الفسق وشرب الخمر وغير ذلك . ويقول أحدهم : اجتمعت أنا
وجماعة من الأدباء ففعلنا كذا وكذا - هيهات هيهات ليس الأدب إلا ما الله عز وجل
باستعمال التقوى له . ولا قدر للفطن في أمور الدنيا ولا تحسن العبارة عند الله إذا
لم يتقه . وجمهور الأدباء والشعراء إذا ضاق بهم رزق تسخطوا فكفروا وأخذوا في لوم
الأقدار كقول بعضهم :
لئن سمت
همتي في الفضل عاليةفإن حظي ببطن الأرض ملتصق
كم يفعل
الدهر بي ما لا أسر بهوكم يسيء زمان جائر حنق
وقد نسي
هؤلاء أن معاصيهم تضيق أرزاقهم فقد رأوا أنفسهم مستحقين للنعم مستوجبين للسلامة من
البلاء ولم يتلمحوا ما يجب عليهم من امتثال أوامر الشرع فقد ضلت فطنتهم في هذه
الغفلة .
ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء
قال المصنف
: إن أقواما علت هممهم فحصلوا علوم الشرع من القرآن والحديث والفقه والأدب وغير
ذلك . فأتاهم إبليس يخفي التلبيس فأراهم أنفسهم بعين عظيمة لما نالوا وأفادوا
غيرهم . فمنهم من يستفزه لطول عنائه في الطلب فحسن له اللذات وقال له إلى متى هذا
التعب فأرح جوارحك من كلف التكاليف وافسح لنفسك في مشتهاها . فإن وقعت في زلة
فالعلم يدفع عنك العقوبة . وأورد عليه فضل العلماء . فإن خذل هذا العبد وقبل هذا
التلبيس يهلك وإن وفق فينبغي له أن يقول : جوابك من ثلاثة أوجه .
أحدها إنه
إنما فضل العلماء بالعمل ولولا العمل به ما كان له معنى . وإذا لم أعمل به كنت كمن
لم يفهم المقصود به ويصير مثلي كمثل رجل جمع الطعام وأطعم الجياع ولم يأكل فلم
ينفعه ذلك من جوعه .
والثاني أن
يعارضه بما ورد في ذم من لم يعمل بالعلم لقوله صضص : "أشد الناس عذابا يوم
القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وحكايته صضص عن رجل يلقى في النار فتندلق
أقتابه فيقول كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه . وقول أبي الدرداء
رضي الله عنه ويل لمن يعلم مرة وويل لمن علم ولم يعمل سبع مرات .
والثالث أن
يذكر له عقاب من هلك من العلماء التاركين للعمل بالعلم كإبليس وبلعام . ويكفي في
ذم العالم إذا لم يعمل قوله تعالى : "كمثل الحمار يحمل أسفارا" .
نقد مسالك الكاملين من العلماء
وقد لبس
إبليس على أقوام من المحكمين في العلم والعمل من جهة أخرى . فحسن لهم الكبر بالعلم
، والحسد للنظير ، والرياء لطلب الرياسة فتارة يريهم أن هذا كالحق الواجب لهم .
وتارة يقوي حب ذلك عندهم فلا يتركونه معه علمهم بأنه خطأ - وعلاج هذا لمن وفق
إدمان النظر في إثم الكبر والحسد والرياء وإعلام النفس أن العلم لا يدفع شر هذه
المكتسبات بل يضاعف عذابها لتضاعف الحجة بها . ومن نظر في سير السلف من العلماء
العاملين استقر نفسه فلم يتكبر . ومن عرف الله لم يراء ومن لاحظ جريان أقداره على
مقتضى إرادته لم يحسد .
وقد يدخل
إبليس على هؤلاء بشبهة ظريفة فيقول : طلبكم للرفعة ليس بتكبر لأنكم نواب الشرع
فإنكم تطلبون إعزاز الدين ودحض أهل البدع وإطلاقكم اللسان في الحساد غضب للشرع إذ
الحساد قد ذموا من قام به وما تظنونه رياء فليس برياء لأن من تخاشع منكم وتباكى
اقتدى به الناس كما يقتدون بالطبيب إذا اجتمى أكثر من اقتدائهم بقوله إذا وصف .
وكشف هذا
التلبيس : أن لو تكبر متكبر على غيرهم من جنسهم وصعد في المجلس فوقه أو قل حاسد
عنه شيئا لم يغضب هذا العالم لذلك كغضبه لنفسه وإن كان المذكور من نواب الشرع فعلم
أنه إنما لم يغضب لنفسه بل للعلم . وأما الرياء فلا عذر فيه لأحد ولا يصلح أن يجعل
طريقا لدعاية الناس وقد كان أيوب السختياني إذا حدث بحديث فرق ومسح وجهه وقال . ما
أشد الزكام ، وبعد هذا فالأعمال بالنيات والناقد بصير وكم من ساكت عن غيبة
المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه . وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه : أحدها الفرح
فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب ، والثاني لسروره بثلب المسلمين ، والثالث
أنه لا ينكر .
وقد لبس
إبليس على الكاملين في العلوم فيسهرون ليلهم ويدأبون نهارهم في تصانيف العلوم
ويريهم إبليس أن المقصود نشر الدين ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذكر وعلو الصيت
والرياسة وطلب الرحلة من الآفاق إلى المصنف .
وينكشف هذا
التلبيس بأنه لو انتفع بمصنفاته الناس من غير تردد إلى أو قرئت على نظيره في العلم
فرح بذلك إن كان مراده نشر العلم وقد قال بعض السلف ما من علم علمته إلا أحببت أن
يستفيده الناس من غير أن ينسب إلي . ومنهم من يفرح بكثرة الاتباع ويلبس عليه إبليس
بأن هذا الفرح لكثرة طلاب العلم وإنما مراده كثرة الأصحاب واستطارة الذكر ومن ذلك
العجب بكلماتهم وعلمهم وينكشف هذا التلبيس بأنه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممن هو
أعلم منه ثقل ذلك عليه . وما هذه صفة المخلص في التعليم لأن مثل المخلص مثل
الأطباء الذين يداوون المرضى لله سبحانه وتعالى فإذا شفي بعض المرضى على يد طبيب
منهم فرح الآخر . وقد ذكرنا آنفا حديث ابن أبي ليلى ونعيده بإسناد آخر عن عبد
الرحمن بن أبي ليلى قال أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صضص من الأنصار ما منهم
رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ولا يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه .
قال المصنف
: وقد يتخلص العلماء الكاملون من تلبيسان إبليس الظاهرة فيأتيهم بخفي من تلبيسه .
بأن يقول له : ما لقيت مثلك ما أعرفك بمداخلي ومخارجي فإن سكن إلى هذا هلك بالعجب
وإن سلم من المسألة له سلم . وقد قال السرى السقطي : لو أن رجلا دخل بستانا فيه من
جميع ما خلق الله عز وجل من الأشجار عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار
فخاطبه كل طائر بلغته وقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كأن في
أيديها أسيرا : والله الهادي لا إله إلا هو .
الباب السابع :- في تلبيس إبليس على الولاة
والسلاطين
قال المصنف
: قد لبس عليهم إبليس من وجوه كثيرة نذكر أمهاتها . فالوجه الأول أنه يريهم أن
الله عز وجل يحبهم ولولا ذلك ما ولاهم سلطانه ولا جعلهم نوابا عنه في عباده .
وينكشف هذا التلبيس بأنهم إن كانوا نوابا عنه في الحقيقة فليحكموا بشرعه وليتبعوا
مراضيه . فحينئذ يحبهم لطاعته . فأما صورة والملك والسلطنة فإنه قد أعطاها خلقا
ممن يبغضه وقد بسط الدنيا لكثير ممن لا ينظر إليه . وسلط جماعة من أولئك على
الأولياء والصالحين فقتلوهم وقهروهم فكان ما أعطاهم عليهم لا لهم .
ودخل ذلك
في قوله تعالى : "إنما نملي لهم ليزدادوا إثما" والثاني أنه يقول لهم
الولاية تفتقر إلى هيبة فيتكبرون عن طلب العلم ومجالسه العلماء بآرائهم فيتلفون
الدين والمعلوم أن الطبع يسرق من خصال المخالطين فإذا خالطوا مؤثري الدنيا الجهال
بالشرع سرق الطبع من خصالهم مع ما عنده منها ولا يرى ما يقاومها ولا ما يزجره عنها
وذلك سبب الهلاك . والثالث أنه يخوفهم الأعداء ويأمرهم بتشديد الحجاب فلا يصل
إليهم أهل المظالم . ويتوانى من جعل بصدد رفع المظالم .
وقد روى
أبو مريم الأسدي عن النبي صضص قال : "من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين
فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عز وجل دون حاجته وخلته وفقره" .
والرابع أنهم يستعملون من لا يصلح ممن لا علم عنده ولا تقوى . فيجتلب الدعاء عليهم
بظلمة الناس . ويطعمهم الحرام بالبيوع الفاسدة ويحد من لا يجب عليه الحد . ويظنون
أنهم يتخلصون من الله عز وجل مما جعلوه في عنق الوافي - هيهات إن العامل على الزكاة
إذا وكل الفساق بتفرقتها فخانوا ضمن . والخامس أنه يحسن لهم العمل برأيهم فيقطعون
من لا يجوز قطعه ويقتلون من لا يحل قتله . ويوهمهم أن هذه سياسة وتحت هذا من
المعنى أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام ونحن نتمها بآرائنا .
وهذا من
أقبح التلبيس لأن الشريعة سياسة إلهية ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه
إلى سياسة الخلق قال الله عز وجل : "ما فرطنا في الكتاب من شيء" . وقال
: "لا معقب لحكمه" . فمدعي السياسة مدعي الخلل في الشريعة . وهذا يزاحم
الكفر . وقد روينا عن عضد الدولة أنه كان يميل إلى جارية فكانت تشغل قلبه فأمر
بتغريقها لئلا يشتغل قلبه عن تدبير الملك . وهذا هو الجنون المطبق لأن قتل مسلم
بلا جرم لا يحل . واعتقاده أن هذا جائز كفر وإن اعتقده غير جائز لكنه رآه مصلحة
فلا مصلحة فيما يخالف الشرع . والسادس أنه يحسن لهم الانبساط في الأموال ظانين
أنها بحكمهم .
وهذا تلبيس
يكشفه وجوب الحجر على المفرط في مال نفسه فكيف بالمستأجر في حفظ مال غيره . وإنما
له من المال بقدر عمله فلا وجه للانبساط قال ابن عقيل : زقد روي عن حماد الراوية
أنه أنشد الوليد بن يزيد أبياتا فأعطاه خمسين ألفا وجاريتين . قال وهذا مما يروى
على وجه المدح لهم وهو غاية القدح فيهم لأنه تبذير في بيت مال المسلمين .
وقد يزين
لبعضهم منع المستحقين وهو نظير التبذير . والسابع أنه يحسن لهم الانبساط في
المعاصي ويلبس عليهم أن حفظكم للسبيل وأمن البلاد بكم يمنع عنكم العقاب . وجواب
هذا أن يقال : إنما وليتم لتحفظوا البلاد وتؤمنوا السبل . وهذا وجب عليهم . وما
انبسطوا فيه من المعاصي منهي عنه فلا يرفع هذا ذلك . والثامن أنه يلبس على أكثرهم
بأنه قد قام بما يجب من جهة أن ظواهر الأحوال مستقيمة . ولو حقق النظر لرأى
اختلالا كثيرا .
وقد روينا
عن القاسم بن طلحة بن محمد الشاهد قال : رأيت علي بن عيسى الوزير وقد وكل بدور
البطيخ رجلا برزق يطوف على باعة العنب فإذا اشترى أحد سلة عنب خمري لم يعرض له وإن
اشترى سلتين فصاعدا طرح عليها الملح لئلا يتمكن من عملها خمرا . قال : وأدركت
السلاطين يمنعون المنجمين من القعود في الطرق حتى لا يفشوا العمل بالنجوم .
وأدركنا الجند ليس فيهم أحد معه غلام أمرد له طرة ولا شعر إلى أن بدئ بحكم العجم .
والتاسع أنه يحسن لهم استجلاب الأموال واستخراجها بالضرب العنيف وأخذ كل ما يملكه
الخائن واستحلافه وإنما الطريق إقامة البينة على الخائن .
وقد روينا
عن عمر بن عبد العزيز أن غلاما كتب له : أن قوما خانوا في مال الله ولا أقدر على
استخلاص ما في أيديهم إلا أن أنا لهم بعذاب . فكتب إليه : لأن يلقوا الله بخيانتهم
أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم . والعاشر أنه يحسن لهم التصدق بعد الغضب . يريهم أن
هذا يمحو ذلك . ويقول : إن درهما من الصدقة يمحو إثم عشرة من الغضب . وإن كانت
الصدقة من الحلال لم يدفع أيضا إثم الغضب لأن إعطاء الفقير لا يمنع تعلق الذمة بحق
آخر .
والحادي
عشر : أنه يحسن لهم مع الإصرار على المعاصي زيارة الصالحين وسؤالهم الدعاء ويريهم
أن هذا يخفف ذلك الإثم . وهذا الخير لا يدفع ذلك الشر .
وفي الحديث
عن الحسين بن زياد قال سمعت منيعا يقول مر تاجر بعشار فحسبوا عليه سفينته فجاء إلى
مالك بن دينار فذكر له ذلك . فقام مالك فمشى معه إلى السشار . فلما رأوه . قالوا
يا أبا يحيى ألا بعثت إلينا حاجتك قال : حاجتي أن تخلو عن سفينة هذا الرجل . قالوا
قد فعلنا قال وكان عندهم كوز يجعلون ما يأخذون من الناس من الدراهم فيه . فقالوا :
ادع لنا يا أبا يحيى قال : قولوا للكوز يدعو لكم كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم :
أترى يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف . والثاني عشر : أن من الولاة من يعمل لمن فوقه
فيأمره بالظلم ويلبس عليهم إبليس بأن الإثم على الأمير لا عليك . وهذا باطل لأنه
معين على الظلم وكل معين على الظلم وكل معين على المعاصي عاص فإن رسول الله صضص
لعن في الخمر عشرة . ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه . ومن هذا الفن أن يجبي
المال لمن هو فوقه وقد علم أنه يبذلأ فيه ويخون فهذا معين على الظلم أيضا .
وفي الحديث
بإسناد مرفوع إلى جعفر بن سليمان قال : سمعت مالك بن دينار يقول : كفى بالمرء
خيانة أن يكون أمينا للخونة . والله الهادي إلى الصواب .
الباب الثامن :- ذكر تلبيس إبليس على العباد في
العبادات
قال المصنف
: اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل . فهو يدخل منه
على الجهال بأمان . وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة وقد لبس إبليس على كثير
من المتعبدين بقلة علمهم لأنت جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يحكم العلم . وقد قال
الربيع بن حثيم . تفقه ثم اعتزل :
فأول تلبيسه
عليهم إيثارهم التعبد على العلم والعلم أفضل من النوافل فأراهم أن المقصود من
العلم العمل . وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح وما علموا أن العمل عمل القلب
وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح قال مطرف بن عبد الله : فضل العلم خير من فضل
العبادة . وقال يوسف بن أسباط : باب من العلم تتعلمه أفضل من سبعين غزاة . وقال
المعافى بن عمران : كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة .
قال المصنف
: فلما مر عليهم هذا التلبيس وآثروا التعبد بالجوارح على العلم تمكن إبليس من
التلبيس عليهم في فنون التعبد .
ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة والحدث
من ذلك :
أنه يأمرهم بطول المكث في الخلاء وذلك يؤذي الكبد وإنما ينبغي أن يكون بمقدار .
ومنهم من يقوم فيمشي ويتنحنح ويرفع قدما ويحط أخرى وعنده أنه يستنقي بهذا وكلما
زاد في هذا نزل البول - وبيان هذا أن الماء يرشح إلى المثانة ويجمع فيها فإذا تهيأ
الإنسان للبول خرج ما اجتمع فإذا مشى وتنحنح وتوقف رشح شيء آخر فالرشح لا ينقطع
وإنما يكفيه أن يحتلب ما في الذكر بين أصبعيه ثم يتبعه الماء . ومنهم من يحسن له
استعمال الماء الكثير وإنما يجزيه بعد زوال العين سبع مرات على أشد المذاهب فإن
استعمل الأحجار فيما لم يتعد المخرج أجزأه ثلاثة أحجار إذ أنقى بهن ومن لم يقنع
بما قنع الشرع به فهو مبتدع شرعا لا متبع والله الموفق .
ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء
منهم من
يلبس عليه في النية فتراه يقول : أرفع الحدث . ثم يقول : أستبيح الصلاة ثم يعيد
فيقول : أرفع الحدث . وسبب هذا التلبيس الجهل بالشرع لأن النية بالقلب لا باللفظ
فتكلف اللفظ أمر أملا يحتاج إليه ثم لا معنى لتكرار اللفظ . ومنهم من يلبس عليه
بالنظر في الماء المتوضأ به . فيقول : من أين لك أنه طاهر ويقدر له فيه كل احتمال
بعيد . وفتوى الشرع يكفيه بأن أصل الماء الطهارة فلا يترك الأصل بالاحتمال .
ومنهم من
يلبس عليه بكثرة استعمال الماء وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة . الإسراف في الماء ،
وتضييع العمر القيم فيما ليس بواجب ولا مندوب ، والتعاطي على الشريعة إذا لم يقنع
بما قنعت به من استعمال الماء القليل . والدخول فيما نهت عنه من الزيادة على
الثلاث ، وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة أو فات أوله وهو الفضيلة أو فاتته
الجماعة .
وتلبيس
إبليس على هذا : بأنك في عبادة ما لم تصح لا تصح الصلاة . ولو تدبر أمره لعلم أنه
مخالف وتفريط ، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس ولا يبالي بمطعمه ومشربه ولا
يحفظ لسانه من غيبة فليته قلب الأمر .
وفي الحديث
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، "أن النبي صضص مر بسعد وهو يتوضأ فقال : ما
هذا السرف يا سعد ، قال : أفي الوضوء سرف ، قال نعم وإن كنت على نهر جار" ،
وفي الحديث عن أبي عن النبي صضص ، قال : للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوه ، أو
قال : فاحذروه . وعن الحسن رضي الله عنه قال : شيطان الوضوء يدعى الولهان يضحك
بالناس في الوضوء ، وبإسناد مرفوع إلى أبي نعامة إن عبد الله بن مغفل سمع ابنه
يقول اللهم إني أسألك الفردوس وأسألك ، فقال عبد الله ، سل الجنة وتعوذ من النار ،
فإني سمعت النبي صضص يقول : سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور ،
وعن أبي شوذب قال : كان الحسن يعرض بابن سيرين يقول : يتوضأ أحدهم بقربه ويغتسل
بمزادة صبا صبا ، ودلكا دلكا ، تعذيبا لأنفسهم . وخلافا لسنة نبيهم صضص ، وكان أبو
الوفاء بن عقيل يقول : أجل محصول عند العقلاء الوقت ، وأقل متعبد به الماء . وقد
قال صضص ، صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء ، وقال في المني أمطه عنك بأذخره ،
قال : وفي الحذاء طهوره بأن يدلك بالأرض ، وفي ذيل المرأة يطهره ما بعده ، وقال :
يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام . وكان يحمل ابنة أبي العاص بت الربيع في
الصلاة . ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء وما يرده .
وقال ما
أبقيت لنا طهور : وقال : يا صاحب الماء لا تخبره . وقد صالح رسول الله صضص الأعراب
وركب الحمار معروريا . وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء . وتوضأ من سقاية
المسجد . ومعلوم حال الأعراب الذين يأتي أحدهم من البادية كأنه بهيمة ، أو ما سمعت
أن أحدهم أقدم على البول في المسجد كل ذلك لتعليمنا وإعلامنا أن الماء على أصل
الطهارة ، وتوضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحناء ، فأما قوله استنزهوا البول فإن
للتنزه حدا معلوما وهو أن لا يغفل عن محل قد أصابه حتى يتبعه الماء ، فأما
الاستنثار فإنه إذا علق نما وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشرع .
قال المصنف
: وكان أسود بن سالم وهو من كبار الصالحين يستعمل ماءا كثيرا في وضوئه ثم ترك ذلك
فسأله رجل عن سبب تركه ، فقال : نمت ليلة فإذا بهاتف يهتف بي يا أسود ما هذا .
يحيى بن سعيد الأنصاري حدثني عن سعيد بن المسيب . قال : إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم
يرفع إلى السماء . قال : قلت لا أعود لا أعود ، فأنا اليوم يكفيني كف ماء .
ذكر تلبيسه عليهم في الأذان
ومن ذلك
التلحين في الأذان وقد كرهه مالك بن أنس وغيره من العلماء كراهية شديدة لأنه يخرجه
عن موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء . ومنه أنهم يخلطون أذان الفجر بالتذكير
والتسبيح والمواعظ ويجعلون الأذان وسطا فيختلط . وقد كره العلماء كل ما يضاف إلى
الأذان . وقد رأينا من يقوم بالليل كثيرا على المنارة فيعظ ويذكر . ومنهم من يقرأ سورا
من القرآن بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم ويخلط على المتهجدين قراءتهم وكل ذلك
من المنكرات .
ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة
من ذلك
تلبيسه عليهم في الثياب التي يستتر بها فترى أحدهم يغسل الثوب الطاهر مرارا وربما
لمسه مسلم فيغسله . ومنهم من يغسل ثيابه في دجلة لا يرى غسلها في البيت يجزئ ،
ومنهم من يدليها في البئر كفعل اليهود وما كانت الصحابة تعمل هذا بل قد صلوا فغي
ثياب فارس لما فتحوها واستعملوا أوطئتهم وأكسيتهم . ومن الموسوسين من يقطر عليه
قطرة ماء فيغسل الثوب كله وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة ، ومنهم من ترك الصلاة
جماعة لأجل مطر يسير يخاف أن ينتضح عليه - ولا يظن ظان أنني أمتنع من النظافة
والورع ولكن المبالغة الخارجة عن حد الشرع المضيعة للزمان هي التي ننهي عنها .
ومن ذلك
تلبيسه عليهم في نية الصلاة فمنهم من يقول أصلي صلاة كذا ثم يعيد هذا ظنا منه أنه
قد نقض النية والنية لا تنقض وإن لم يرض اللفظ . ومنهم من يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم
ينقض فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه - فليت شعري ما الذي أحضر النية حينئذ
وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يفوته الفضيلة . وفي الموسوسين من يحلف بالله لا
كبرت غير هذه المرة . وفيهم من يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق وهذه كلها
تلبيسات إبليس . والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات وما جرى لرسول الله صضص
ولا لأصحابه شيء من هذا . وقد بلغنا عن أبي حازم أنه دخل المسجد فوسوس إليه إبليس
أنك تصلي بغير وضوء فقال ما بلغ نصحك إلى هذا .
وكشف هذا
التلبيس أن يقال للموسوس : إن كنت تريد إحضار النية فالنية حاضرة لأنك قمت لتؤدي
الفريضة وهذه هي النية ومحلها القلب لا اللفظ إن كنت تريد تصحيح اللفظ فاللفظ لا
يجب ثم قد قلته صحيحا فما وجه الإعادة أفتراك تظن وقد قلت إنك ما قلت هذا مرض .
قال المصنف
: وقد حكى لي بعض الأشياخ عن ابن عقيل حكاية عجيبة أن رجلا لقيه فقال : إني أغسل
العضو وأقول ما غسلته . وأكبر وأقول ما كبرت فقال له ابن عقيل . دع الصلاة فإنها
ما تجب عليك . فقال قوم لابن عقيل : كيف تقول هذا . فقال لهم قال النبي صضص :
"رفع القلم عن المجنون حتى يفيق . ومن يكبر ويقول ما كبرت فليس بعاقل
والمجنون لا تجب عليه الصلاة" .
قال المصنف
: واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل وجهل بالتسرع . ومعلوم أن من
دخل عليه عالم فقام له وقال : نويت أن أنتصب قائما لدخول هذا العالم لأجل علمه
مقبلا عليه بوجهي : - صفة في عقله فإن هذا قد تصور في ذهنه منذ رأى العالم . فقيام
الإنسان إلى الصلاة ليؤدي الفرض أمر يتصور في النفس في حالة واحدة لا يطول زمانه
وإنما يطول زمان نظم هذه الألفاظ والألفاظ لا تلزم والوسواس جهل محض . وإن الموسوس
يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة
بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال . ولو كلف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذر عليه
فمن عرف هذا عرف النية . ثم إنه يجوز تقديمها على التكبير بزمان يسير ما لم يفسخها
. فما وجه هذا التعب في إلصاقها بالتكبير على أنه إذا حصلها ولم يفسخها فقد التصقت
بالتكبير . وعن مسور قال : أخرج إلي معن بن عبد الرحمن كتابا وحلف بالله أنه خط
أبيه وإذا فيه قال عبد الله : والذي لا إله غيره ما رأيت أحدا كان أشد على
المتنطعين من رسول الله صضص ولا رأيت بعده أشد خوفا عليهم من أبي بكر . وإني لأظن
عمر كان أشد أهل الأرض خوفا عليهم .
فصل
ومن
الموسوسين من إذا صحت له النية وكبر ذهل عن باقي صلاته كأن المقصود من الصلاة
التكبير فقط . وهذا تلبيس يكشفه أن التكبير يراد للدخول في العبادة . فكيف تهمل
العبادة وهي كالدار ويقتصر على التشاغل بحفظ الباب .
فصل
ومن
الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام وقد بقي من الركعة يسير فيستفتح ويستعيذ
فيركع الإمام . وهذا تلبيس أيضا لأن الذي شرع فيه من التعوذ والاستفتاح مسنون
والذي تركه من قراءة الفاتحة وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء فلا ينبغي أن
يقدم عليه سنة .
قال المصنف
: وقد كنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا فرآني مرة أفعل
هذا فقال : يا بني إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ولم
يختلفوا في أن الاستفتاح سنة فاشتغل بالواجب ودع السنن .
ترك السنن
وقد لبس
إبليس على قوم فتركوا كثيرا من السنن لواقعات وقعت لهم . فمنهم من كان يتخلف عن
الصف الأول ويقول إنما أراد قرب القلوب ومنهم من لم ينزل يدا على يد في الصلاة
وقال أكره أن أظهر من الخشوع ما ليس في قلبي - وقد روينا هذين الفعلين عن بعض
أكابر الصالحين .
وهذا أمر
أوجبه قلة العلم ففي الناس ما لهم في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن
يستهموا عليه لاستهموا . وفي أفراد مسلم من حديثه عن النبي صضص أنه قال :
"خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وأما وضع اليد على اليد فسنة" روى
أبو داود في سننه أن ابن الزبير قال : وضع اليد على اليد من السنة وإن ابن مسعود كان
يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي صضص فوضع يده اليمنى على اليسرى .
قال المصنف
: ولا يكبرن عليك إنكارنا على من قال : أراد قرب القلوب ولا أضع يدا على يد وإن
كان من الأكابر . فإن الشرع هو المنكر لا نحن . وقد قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله
عليه أن ابن المبارك يقول : كذا وكذا . فقال : إن ابن المبارك لم ينزل من المساء .
وقيل له قال : إبراهيم بن أدهم . فقال : جئتموني ببينات الطريق عليكم بالأصل . فلا
ينبغي أن يترك الشرع لقول معظم في النفس فإن الشرع أعظم والخطأ في التأويل على
الناس يجري . ومن الجائز أن تكون الأحاديث لم تبلغه .
فصل
وقد لبس
إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف فتراه يقول الحمد الحمد . فيخرج بإعادة
الكلمة عن قانون أدب الصلاة . وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد . وتارة في إخراج
ضاد المغضوب . ولقد رأيت من يقول المغضوب فيخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده
وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب : وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق
ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة وكل هذه الوساوس من إبليس . وعن سعيد
بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه : أنه دخل هو وأبوه على
أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر فلما سلم قال
يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة كصلاة رسول الله صضص أم شيء تنفلته . قال :
إنها لصلاة رسول الله صضص ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه أن رسول الله صضص كان يقول :
"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله
عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديورات "رهبانية ابتدعوها ما كتبناها
عليهم"" . وفي إفراد مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص قال : "قلت
لرسول الله صضص إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي . فقال رسول
الله صضص : ذاك الشيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ثلاثا واتفل عن
يسارك . ففعلت ذلك فأذهبه عني" .
فصل
وقد لبس
إبليس على خلق كثير من الجهالة المتعبدين فرأوا أن العبادة هي القيام والقعود فحسب
. وهم يدأبون في ذلك ويخلون في بعض واجباتهم ولا يعلمون وقد تأملت جماعة يسلمون
إذا سلم الإمام وقد بقي عليهم من التشهد الواجب شيء وذلك لا يحمله الإمام عنهم .
ولبس على آخرين منهم فهم يطيلون الصلاة ويكثرون القراءة ويتركون المسنون في الصلاة
ويرتكبون المكروه فيها . وقد دخلت على بعض المتعبدين وهو يتنفل بالنهار ويجهر بالقراءة
فقلت له إن الجهر بالقراءة مكروه فقال لي أنا أطرد النوم عني بالجهر فقلت له إن
السنن لا تترك لأجل سهرك ومتى غلبك النوم فنم فإن للنفس عليك حقا . وعن بريدة قال
قال رسول الله صضص من جهر بالقراءة في النهار فارجموه بالبعر .
الإكثار من صلاة الليل
وقد لبس إبليس
على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل وفيهم من يسهره كله ويفرح بقيام
الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة
. أو يقم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته .
ولقد رأيت شيخا من المتعبدين يقال له حسين القزويني يمشي كثيرا من النهار في جامع
المنصور فسألت عن سبب مشيه فقيل لي لئلا ينام . فقلت : هذا جهل بمقتضى الشرع
والعقل .
أما الشرع
فإن النبي صضص قال : "إن لنفسك عليك حقا فقم ونم" وكان يقول :
"عليكم هديا قصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه" . وعن أنس بن مالك قال
: "دخل رسول الله صضص المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال ما هذا قالوا لزينب
تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به . فقال : حلوه . ثم قال : ليصلي أحدكم نشاطه فإذا
كسل أو فتر فليقعد" . وعن عائشة قالت : "قال رسول الله صضص : إذا نعس
أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيذعب فيسب
نفسه" .
قال المصنف
: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وانفرد بالذي قبله البخاري . وأما العقل فإن
النوم يجدد القوى التي قد كلت بالسهر فمتى دفعه الإنسان وقت الحاجة إليه أقر في
بدنه وعقله فنعوذ بالله من الجهل ( فإن قال قائل ) فقد رويت لنا أن جماعة من السلف
كانوا يحيون الليل . فالجواب : أولئك تدرجوا حتى قدروا على ذلك وكانوا على ثقة من
حفظ صلاة الفجر في الجماعة . وكانوا يستعينون بالقائلة مع قلة المطعم وصح لهم ذلك
. ثم لم يبلغنا أن رسول الله صضص سهر ليلة لم ينم فيها فسنته هي المتبوعة .
فصل
وقد لبس
إبليس على جماعة من قوام الليل فتحدثوا بذلك بالنهار . فربما قال أحدهم فلان
المؤذن أذن بوقت ليعلم الناس أنه كان منتبها . فأقل ما في هذا إن سلم من الرياء أن
ينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية فيقل الثواب .
تلبيسه عليهم في القرآن
وقد لبس
على آخرين انفردوا في المساجد للصلاة والتعبد فعرفوا بذلك واجتمع إليهم ناس فصلوا
بصلاتهم وشاع بين الناس حالهم وذلك من دسائس إبليس وبه تقوى النفس على التعبد
لعلمها أن ذلك يشيع ويوجب المدح وعن زيد بن ثابت أن النبي صضص قال : "إن أفضل
صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" . قال المصنف : أخرجاه في الصحيحين
.
وكان عامر
بن عبد قيس يكره أن يروه يصلي وكان لا يتنقل في المسجد وكان يصلي كل يوم ألف ركعة
. وكان ابن أبي ليلى إذا صلى ودخل عليه داخل اضطجع .
فصل
وقد لبس
على قوم من المتعبدين وكانوا يبكون والناس حولهم وهذا قد يقع عليه فلا يمكن دفعه
فمن قدر على ستره فأظهر فقد تعرض للرياء . وعن عاصم قال كان أبو وائل إذا صلى في
بيته نشج نشيجا ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله . وقد كان أيوب
السختياني إذا غلبه البكاء قام .
فصل
وقد لبس
على جماعة من المتعبدين فتراهم يصلون الليل والنهار ولا ينظرون في إصلاح عيب باطن
ولا في مطعم : والنظر في ذلك أولى بهم من كثرة التنفل .
ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن
وقد لبس
على قوم بكثرة التلاوة فهم يهزون هزا من غير ترتيل ولا تثبت وهذه حالة ليست
بمحمودة وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن في كل يوم أو في كل
ركعة .
وهذا يكون
نادرا منهم ومن دوام عليه فإنه وإن كان جائزا إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى
العلماء وقد قال رسول الله صضص لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث .
قال المصنف
: وقد لبس إبليس على قوم من القراء فهم يقرأون القرآن في منارة المسجد بالليل
بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزء والجزأين فيجتمعون بين أذى الناس في منعهم من
النوم وبين التعرض للرياء . ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان لأنه حين اجتماع
الناس في المسجد .
قال المصنف
: ومن أعجب ما رأيت فيهم رجلا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة ثم يلتفت
فيقرأ المعوذتين ويدعو دعاء الختمة ليعلم الناس أني ختمت الختمة . وما هذه طريقة
السلف فإن السلف كانوا يسترون عبادتهم وكان عمل الربيع بن خثيم كله سرا فربما دخل
عليه الداخل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه . وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن كثيرا
ولا يدري متى يختم .
قال المصنف
: قد سبق ذكر جملة من تلبيس إبليس على القراء والله أعلم بالصواب وهو الموفق .
ذكر تلبيسه عليهم في الصوم
قال المصنف
: وقد لبس على أقوام فحسن لهم الصوم الدائم . وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام
المحرم صومها إلا أن الآفة فيه من وجهين أحدهما أنه ربما عاد بضعف القوى فأعجز
الإنسان عن الكسب لعائلته ومنعه من إعفاف زوجته . وفي الصحيحين عن رسول الله صضص
أنه قال : "إن لزوجك عليك حقا" . فكم من فرض يضيع بهذا النفل . والثاني
أنه يفوت الفضيلة فإنه قد صح عن رسول الله صضص أنه قال : "أفضل الصلاة صلاة
داود عليه الصلاة والسلام كان يصوم يوما" .
وبالإسناد
عن عبد الله بن عمرو قال : لقيني رسول الله صضص فقال : "ألم أحدث عنك أنك
تقوم الليل ، وأنت الذي تقول لأقومن الليل ولأصومن النهار . قال أحسبه قال : نعم
يا رسول الله قد قلت ذلك . فقال : فقم ونم وصم وأفطر . وصم من كل شهر ثلاثة أيام ،
ولك مثل صيام الدهر . قال : قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال : فصم يوما
وأفطر يومين ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك . قال : فصم يوما وأفطر يوما وهو أعدل
الصوم وهو صيام داود عليه السلام . قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، فقال رسول الله
صضص : لا أفضل من ذلك" أخرجاه في الصحيحين .
فإن قال
قائل : فقد بلغنا عن جماعة من السلف أنهم كانوا يسردون الصوم فالجواب ، أنهم كانوا
يقدرون على الجمع بين ذلك وبين القيام بحقوق العائلة ولعل أكثرهم لم تكن له عائلة
ولا حاجة إلى الكسب ، ثم أن فيهم من فعل هذا في آخر عمره على أن قول رسول الله صضص
، لا أفضل من ذلك قطع هذا الحديث .
وقد داوم
جماعة من القدماء على الصوم مع خشونة المطعم وقلته ومنهم من ذهبت عينه ، ومنهم من
نشف دماغه ، وهذا تفريط في حق النفس الواجب وحمل عليها ما لا تطيق فلا يجوز .
فصل
وقد يشيع
عن المتعبد أنه يصوم الدهر فيعلم بشياع ذلك فلا يفطر أصلا وإن أفطر أخفى إفطاره
لئلا ينكسر جاهه وهذا من خفي الرياء ، ولو أراد الإخلاص وستر الحال لأفطر بين يدي
من قد علم أنه يصوم ثم عاد إلى الصوم ولم يعلم به ، ومنهم من يخبر بما قد صام
فيقول اليوم منذ عشرين سنة ما أفطرت ، ويلبس عليه بأنك إنما تخبر ليقتدي بك والله
أعلم بالمقاصد .
قال سفيان
الثوري رضي الله عنه : إن العبد ليعمل العمل في السر فلا يزال به الشيطان حتى
يتحدث به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية وفيهم من عادته صوم الإثنين
والخميس فإذا دعي إلى طعام ، قال : اليوم الخميس ، ولو قال أنا صائم كانت محنة
وإنما قوله اليوم الخميس معناه أني أصوم كل خميس ، وفي هؤلاء من يرى الناس بعين
الاحتقار لكونه صائما وهم مفطرون ، ومنهم من يلازم الصوم ولا يبالي على ماذا أفطر
، ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة وقد خيل له إبليس أن
صومك يدفع إثمك وكل هذا من التلبيس .
ذكر تلبيسه عليهم في الحج
قال المصنف
: قد يسقط الإنسان الفرض بالحج مرة ثم يعود لا عن رضاء الوالدين وهذا خطأ . وربما
خرج وعليه ديون أو مظالم وربما خرج للنزهة وربما حج بمال فيه شبهة . ومنهم من يجب
أن يتلقى ويقال الحاج وجمهورهم يضيع في الطريق فرائض الطهارة والصلاة ويجتمعون حول
الكعبة بقلوب دنسة وبواطن غير نقية . وإبليس يريهم صورة الحج فيغرهم وإنما المراد
من الحج القرب بالقلوب لا بالأبدان . وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى .
وكم من
قاصد إلى مكة همته عدد حجاته فيقول لي عشرون وقفة ، وكم من مجاور قد طال مكثه ولم
يشرع في تنقية باطنه وربما كانت همته متعلقة بفتوح يصل إليه ممن كان وربما قال أن
لي اليوم عشرين سنة مجاورا . وكم قد رأيت في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب
رفقاءه على الماء ويضايقهم في الطريق .
وقد لبس
إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكة فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا ويظنون
أن الحج يدفع عنهم . وقد لبس إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها
فرأيت جماعة يتصنعون في إحرامهم فيكشفون عن كتف واحدة ويبقون في الشمس أياما فتكشط
جلودهم وتنتفخ رؤوسهم ويتزينون بين الناس بذلك .
وفي إفراد
البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : "أن النبي صضص رأى رجلا يطوف
بالكعبة بزمام فقطعه" وفي لفظ آخر "رأى رجلا يقود إنسانا بخزامة في أنفه
فقطعها بيده ثم أمر في أن يقوده بيده" .
قال المصنف
: وهذا الحديث يتضمن النهي عن الابتداع في الدين وإن قصدت بذلك الطاعة .
تلبيسه عليهم في التوكل
وقد لبس
على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ .
قال رجل للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل من غير
زاد . فقال له أحمد فاخرج في غير القافلة . قال لا إلا معهم : قال فعلى جراب الناس
توكلت ؟ فنسأل الله أن يوفقنا .
ذكر تلبيس إبليس على الغزاة
قال المصنف
: قد لبس إبليس على خلق كثير فخرجوا إلى الجهاد ونيتهم المباهاة والرياء ليقال
فلان غاز وربما كان المقصود أن يقال شجاع أو كان طلب الغنيمة وإنما الأعمال
بالنيات . وعن أبي موسى قال : "جاء إلى النبي صضص فقال : يا رسول الله أرأيت
الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله . فقال رسول الله
صضص : « من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله »" . أخرجاه في
الصحيحين . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدا أو
قتل فلان شهيدا فإن الرجل ليقاتل ليغنم ويقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه .
وبالإسناد
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صضص أنه قال : "أول الناس يقضي فيه يوم
القيامة ثلاثة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت
فيك حتى قتلت قال كذبت ولكنك قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل . ثم أمر به فسحب على
وجهه حتى ألقي في النار . ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه
فعرفها . فقال : ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن فقال كذبت
ولكنك تعملت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به
فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أصناف المال كله
فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل أنت تحبه أن
ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك . قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر
به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" . انفرد بإخراجه مسلم .
وبإسناد
مرفوع عن أبي حاتم الرازي قال سمعت عبدة بن سليمان يقول : كنا في سرية مع عبد الله
بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا
إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فطعنه
فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه الرجل
فقتله . فازدحم الناس عليه فكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو ملثم وجهه بكمه فأخذت
بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال : وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع
علينا قلت فانظروا رحمكم الله إلى هذا السيد المخلص . كيف خاف على إخلاصه برؤية الناس
له ومدحهم إياه فستر نفسه . وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل فإذا غنموا لم يأخذ
شيئا من الغنيمة ليوفر له الأجر .
فصل
وقد لبس
إبليس على المجاهد إذا غنم . فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له أخذه فأما أن يكون
قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها ولا يدري أن الغلول من الغنائم
معصية .
وفي
الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : "خرجنا مع رسول الله صضص إلى خيبر ففتح
الله علينا . فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب . ثم انطلقنا
إلى الوادي ومع رسول الله صضص عبد له فلما نزلنا قام عبد رسول الله صضص يحل رحله
فرمي بسهم فكان فيه حتفه . فلما قلنا له هنيئا له الشهادة يا رسول الله فقال كلا
والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم
تصبها المقاسم قال ففزع الناس . فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال : أصبته يوم خيبر
فقال رسول الله صضص شراك من نار أو شرا كان من نار" .
فصل
وقد يكون
الغازي عالما بالتحريم إلا أنه يرى الشيء الكثير فلا يصبر عنه . وربما ظن أن جهاده
يدفع عنه ما فعل . وها هنا يتبين أثر الإيمان والعلم . روينا بإسناد عن هبيرة بن
الأشعث عن أبي عبيدة العنبري قال : لما هبط المسلمون المداين وجمعوا الأقباض أقبل
رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما
يعدله ما عندنا ولا ما يقاربه فقال له هل أخذت منه شيئا فقال : أما والله لولا
الله ما أتيتكم به . فعرفوا أن للرجل شأنا فقالوا : من أنت ؟ فقال : والله لا
أخبركم لتحمدوني ولا أغريكم لتقرظوني ، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه . فأتبعوه
رجلا حتى انتهى إلى أصحابه ، فسأل عنه فإذا هو عامر بن قيس .
ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف والناهين عن
المنكر
وهم قسمان
عالم وجاهل ، فدخول إبليس على العالم من طريقين :
الطريق
الأول : التزيين بذلك وطلب الذكر والعجب بذلك الفعل . روينا بإسناد عن أحمد بن أبي
الحواري قال : سمعت أبا سلمان يقول : سمعت أبا جعفر المنصور يبكي في خطبته يوم
الجمعة فاستقبلني الغضب وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل ، قال
: فكرهت أن أقوم إلى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقونني بأبصارهم فيعرض لي تزين
فيأمر بي فاقتل على غير صحيح فجلست وسكت .
والطريق
الثاني : الغضب للنفس : وربما كان ابتداء ، وربما عرض في حالة الآمر بالمعروف لأجل
ما يلقى به المنكر من الإهانة فتصير خصومة لنفسه كما قال عمر بن عبد العزيز لرجل :
« لولا أني غضبان لعاقبتك » وإنما أراد أنك أغضبتني فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب
الله ولي .
فصل
فأما إذا
كان الآمر بالمعروف جاهلا فإن الشيطان يتلاعب به وإنما كان إفساده في أمره أكثر من
إصلاحه ، لأنه ربما نهى عن شيء جائز بالإجماع ، وربما أنكر ما تأول فيه صاحبه وتبع
فيه بعض المذاهب ، وربما كسر الباب وتسور الحيطان وضرب أهل المنكر وقذفهم فإن
أجابوه بكلمة تصعب عليه صار غضبه لنفسه : وربما كشف ما قد أمر الشرع بستره وقد سئل
أحمد بن حنبل عن القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طنبور ومسكر قال : إذا كان مغطى فلا
تكسره .
وقال في
رواية أخرى : اكسره . وهذا محمول على أنه يكون مغطى بشيء خفيف يصفه فيتبين والأولى
على أنه لا يتبين . وسئل عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه فقال :
ولا عليك ما غاب عنك فلا تفتش . وربما رفع هذا المنكر أهل المنكر إلى من يظلمهم وقد
قال أحمد بن حنبل : إن علمت أن السطان يقيم الحدود فارفع إليه .
فصل
ومن تلبيس
إبليس على المنكر أنه إذا أنكر جلس في مجمع يصف ما فعل ويتباهى به ويسب أصحاب
المنكر سب الخلق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرا منه لندمهم
وكبره ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لأنه يعلم من لا يعلم والستر على
المسلم واجب مهما أمكن . وسمعت عن بعض الجهلة بالإنكار أنه يهجم على قوم ما يتيقن
ما عندهم ويضربهم الضرب المبرح ويكسر الأواني وكل هذا يوجبه الجهل . فأما العالم
إذا أنكر فأنت منه على أمان .
وقد كان
السلف يتلطفون في الإنكار ورأى صلة بن أشيم رجلا يكلم امرأة فقال : إن الله يراكما
، سترنا الله وإياكما . وكان يمر بقوم يلعبون فيقول : يا أخواني ما تقولون فيمن
أراد سفرا فنام طول الليل ولعب طول النهار متى يقطع سفره . فانتبه رجل منهم فقال :
يا قوم إنما يعلمنا هذا فتاب وصحبه .
فصل
وأولى
الناس بالتلطف في الإنكار على الأمراء فيصلح أن يقال لهم : إن الله قد رفعكم
فاعرفوا قدر نعمته . فإن النعم تدوم بالشكر فلا يحسن أن تقابل بالمعاصي .
فصل
وقد لبس
إبليس على بعض المتعبدين فيرى منكرا فلا ينكره ويقول إنما يأمر وينهي من قد صلح
وأنا ليس بصالح فكيف آمر غيري . وهذا غلط لأنه يجب عليه أن يأمر وينهي ولو كانت
تلك المعصية فيه . إلا أنه متى أنكر متنزها عن المنكر أثر إنكاره وإذا لم يكن
متنزها لم يكد يعمل إنكاره فينبغي للمنكر أن ينزه نفسه ليؤثر إنكاره . قال ابن
عقيل : رأينا في زماننا أبا بكر الاقفالي في أيام القائم إذا نهض لإنكار منكر
استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم كأبي بكر الخباز شيخ صالح أضر من
اطلاعه في التنور وتبعه : وجماعة ما فيهم من يأخذ صدقة ولا يدنس بقبول عطاء صوام
النهار قوام الليل أرباب بكاء فإذا تبعه مخلط رده وقال متى لقينا الجيش بمخلط
انهزم الجيش .