Nouvelle page 1

مسرحية : الجوع والكلمة  تأليف: الدكتور عماد الدين خليل

دراسة بقلم: محمد رشدي عبيد

 

تقديم:

هناك حقيقة لا جدال في صحتها بين المهتمين بالأدب الإسلامي المعاصر، تذوقا أو نقداً أو تنظيراً، وهي أن هذا الأدب الذي تعجبنا اليوم ثمراته، ويسرنا البحث فيه، لم يظهر من فراغ في جدار الزمن، ولم يقفز من عدم، ولم ينزل من سماء أحلام مرفرفة، إنما هو بناء معمور على عين الله، وحصيلة تجربة روحية أصيلة، وحالة وجدانية عامرة ثرية بالعواطف الموجبة، ونتيجة معاناة صادقة أصيلة، .. ولولا عقول دافقة بالحيوية، نابضة بالأصالة، رافضة للشائع المألوف المبتذل،آنفة من الجمود السلبي على الموروث، ...لما ظهر أدب إسلامي معاصر، يحمل معنى الأدب بفنيته وجماليته وإبداعه، ويستبطن قيم الإسلام بكل عمقها وسعتها وشمولها وخصوبة معانيها.

وإذا كان للرواد دائما فضل السبق، وتميز المنظور، وثبات الثقة بالنفس والاتجاه، فإن الدكتور عماد الدين خليل له هذه الأفضال جميعا في مجال الأدب الإسلامي المعاصر، وبخاصة في المسرح الإسلامي، فله في مجال هذا الفن الوليد فضل الريادة، والتأصيل، والبناء، والتطوير.

فمنذ مسرحيات(علي أحمد باكثير) المتوفي سنة 1969 والتي حاول من خلالها معالجة«مشكلة الطموح الإنساني، والقلق لدى الإنسان-المعاصر» ،باستيحاء التأريخ، أو الأسطورة، والتركيز على بعدي النفس والمجتمع... فإن ساحة الأدب الإسلامي كانت خالية من أدب مسرحي إسلامي، يملك من قوة التحليل، وعمقه، وروعته، وجمال التصوير، ورقة التعبير، وتماسك الحدث وعضويته، ما يجعله قادرا على تلمس الأبعاد العميقة لقلق الإنسان واغترابه بعيدا عن الكتاب والحكمة، فضلا عن أن يتقدم بخطوات راسخة إلى واقع الأمة لتحليله، واستكشاف نقاط قوته وضعفه، واستخدام الحدث المسرحي لرفد الحاضر الراهن بتجربة الماضي وحكمته، وقيادة خطى اليوم إلى أعتاب غد أفضل يستشرف برؤيته الجديدة، دون ارتهانٍ في أسر المحلية الضيقة، أو انشداد سطحي أو مغرض للاهتمامات الإقليمية المحدودة، أو استكانة إلى المذهب الواقعي المستسلم لقهر الحتميات المزعومة، أو انسحاق إرادي تحت وطأة الشر في النفس، وسطوته في الحياة.   

ولعل تصوير الدكتور- عماد(لفوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر)كان بمثابة وحي خفي للأدباء الغيارى ليحولوا دون  تخبط شباب هذه الأمة في مثل هذه الفوضى في الفكر والسلوك بفعل تأثرهم  بهذا المسرح المقروء والمرئي، ولعله  كان إشارة خضراء تعلن عن ضرورة حضور(مسرح   إسلامي معاصر) يؤصل  رؤية الإسلام  للذات والحياة والعالم  في الأشكال المسرحية،  ويقدمها على خشبة المسرح حوارا وشخوصا استلهمت   هذه الرؤية وتعمقها عسى أن تمنح إنساننا المعاصر  خصوبة روحية، وتوازنا نفسيا، وحياة  باطنية ثرية، أو تشحذ له عزيمة راكدة،  أو تصحح له منظورا أو مسارا خاطئا ...فينجو من الاغتراب، والضنى، والفوضى.

ولم يعف د. عماد نفسه من ا لمسؤولية  الأدبية، ولم   يكتف بالتنظير  والتلميح، ...   فرسمت ريشته  في الستينات  مسرحية (المأسورون) ذات أربعة فصول، وصدر له في السبعينات (خمس مسرحيات إسلامية) و(معجزة في الضفة الغربية) وهما مجموعة مسرحيات ذات فصل واحد، و(الشمس والدنس) ذات أربعة فصول... وقد جُمع عدد من المسرحيات الصغيرة في كتاب أنيق يحمل عنوان إحدى هذه المسرحيات (الجوع والكلمة)... أما المسرحيات الأدبية الأخرى فهي (الديدان) و(صرخة عند المسجد الأقصى) و(معجزة في الضفة الغربية)و(شيء عن الموت) ... الكتاب يقع في (109) صفحات، وقد طبعته مطبعة الزهراء بالموصل.

وسأكتفي بعرض ثلاث مسرحيات منها، ... مساهمة متواضعة في بلورة هذا الفن الحديث(إسلاميا)، وإنضاجه، مع اعتذار مسبق عن خطأ نقدي، أو رأي فني غير ناضج.«وما لا يدرك كله لا يترك جله» .

 

مسرحية: الديدان البشرية:

الديدان البشرية: صنف بشري يماثل الديدان الحشرية في الشره والنهاقه، والزحف على أرضية المتاع الأدنى، والاستنامة إلى شدة الطين وجذب الشهوات، وكراهية الارتقاء، وانعدام التأمل في المبدأ والمصير والقيم، واستثقال الالتزام بما يحدّ من حرية الحركة... لكن يباين الديدان في الشكل والمظهر. فديدان البشر كائنات (إنسانية)، لكنها مسطحة جدا، وهي متمايزة عن بعضها بأشكالها الهندسية السطحية، مربعات، دوائر، مستطيلات، متوازيات، إلا أن قاسما مشتركا يجمع بينها، هو افتقارها إلى العمق الداخلي، والبعد الباطني، ... إنها جميعا جسوم هشة تكاد تطيرها الرياح في اتجاهاتها المتنوعة، فإذا ما هبت ريح اتجهت معها، وحسبت نفسها كائنات راقية ماجدة لا تقنع بالسفوح والقواعد، تطير وتحلق وتنظر إلى الآخرين(الصغار)(العاجزين عن التحليق معها)نظرة ملؤها التعالي والاستصغار.

إنه جيل الأشياء والزخرف، جيل سحقه الاهتمام والولع المفرط بالمستحدث من المتاع، بدءا من السيارة، وانتهاء بطقم الأثاث والأرائك ! فالسيارة الآن تحاول بزهو صياغة الإنسان من جديد، وتعلمه كيف يعيد الآلة ممثلة في هذا (المتألّه) النزق، فيطوف حوله، ويشغل وجدانه في عمارته، وصبغه، ويبدد وقته مع سبق الاصرار في الجدل حول ألوانه المقبولة، وتصاميمه المبتكرة،... وها هي مشغلة ومشكلة هذا الجمع من الأصدقاء(المسرحيين) الذين يناقشون تفاصيل صغيرة عن هذا الاله المزعوم، السيارة المرتقبة، الحلم، ... وهو الشباب ذاته الذي يجدّ في تحديد درجة حرارة (الكازينو) الذي يجلسون فيه، وبدقة لا تضاهيها دقة علماء الفضاء في تحديد درجة حرارة مركبة جديدة إلى كوكب المريخ!

إنه شباب مخدر لا يحمل فكرا، ولا يصطرع في وجدانه طموح معنوي هادر، ولا يراود قلبه تعشق متحمس لمثل أعلى يتعلق به مصير الإنسان أو العالم، أو يتصل بقضايا الأمة وهي في طور نهوضها وبنائها الروحي والمادي، ... بل ليس له نسب محتذّ إلى اهتمامات الذات العليا، كحب الجمال قيمة، وإرادة الخير، والتقاط الحكمة.

إن من يفكر ب: «الفن والعمل...والسياسة... والغزو الفكري... الأصالة العقائدية...والرواد الأوائل الذين صنعوا تاريخنا... ومخططات الهدم والتخريب الأخلاقي» يسبب لشخوص المسرحية «الكثير من المضايقات» لأنه يفضل الحديث عن الأشياء إلا بعد مدى من حاجاتنا اليومية الغربية» لذلك ينفى عن المسرح لأنه غير معقول !... شخوص المسرحية حريصة إلى حد الغيرة على التجديد في (علم الأشياء)، لكنها لا تبالي بخطورة «الترقيع في عالم الأفكار» ... أما مفهومها للصداقة فهو مفهوم عظيم اللفظ هبائي الدلالة، إذ يبدي أحدهم استعداده للمكوث في الكازينو حتى الساعة«الثالثة أو الرابعة» للبث في مشكلة تبديل طقم أثاث صديقه وانتقاء بديله المناسب لكنه يستفظع أن يقدم لهذا الصديق «قرضا لمدة شهرين» .

ويتفرق الأخلاء، وفي القلوب حسرة، وفي الحلوق غصة، وفي الأفواه مرارة، ويسدل الستار، وتنهزم (الأخلاق) أمام (الدنانير)، بينما مكبرات الصوت تعزف نفس اللحن المكرور، بكل ما تكراره وطوله من إرهاق للنفس والعصب، ولا معقولية وعبث، ويغادر الجمهور المسرح الذي يلفه العبث، إذ تنطبع ظلاله في أجوائه حتى بعد ترك شخوص المسرح  له ! يغادره وقد تعمق رفضه لمثل هذه الحياة الفارغة أو المفرّغة من المعنى... ليبحث عن قيم أعمق، وأكثر التصاقا بإنسانية الإنسان، وأحلى مذاقا، لترضي تطلعات عقله، ومطامح روحه.

لغة المسرحية بسيطة لتترجم هشاشة شخوصها، الحدث يمثل واقعا حياتيا يطرح بلارتوش، بلا عبارات وعظية، تنتهي المسرحية كما بدأت عبثا في عبث...  ولو أن شخوص المسرحية أطاقوا وجود ذلك الشاب الجاد الذي ألمحوا إلى سمات شخصيته في حوارهم، لاشتد الصراع الدرامي بين المتحاورين، بين الجد والعبث في النفوس، ... لكن هذه الشخوص الشيئية الرخامية لم تكن تشعر بأدنى الميل إلى استماع حرف محاور مخالف ينطق بكلمة تمس بيت العبث العنكبوتي الذي سترت به روحها ! ... كذلك لم نلحظ صراعا خارجيا بين الشخوص، فالكل همل... وصوت الحق مُغيّب، ودواخل الشخوص ضحلة وخاوية لا تحس فيها بأي أثر لتأنيب ضميري أو صراع بين الرغبة  والواجب، بين المسؤولية وهوى النفس...

إنها مأساة الإنسان، تعرض هكذا عارية عابثة تثير الضحك والبكاء معا، وإذا كان النقيض يعرف بنقيضه، والأبيض تتكشف نصاعته بمجاورة الأسود، فإن وقوف الجمهور الذكي على هذه المسألة لابد وأن يوحي إليه بأن هذه الحياة الخاوية لا تطاق، وأن الحل الحتمي هو في الضفة الأخرى ضفة الإيمان بالله واليوم الآخر، فهو الذي يجعل للحياة معنى أكبر من التهافت على الزخرف، وما سواه من المدنيات التي تتبنى المادة فكرا وسلوكا ليست منجاة من الاندثار «وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا»  ... وإذا كان المثل الصيني يقول بأن «الرجال الكبار يتناقشون في الأفكار، والمتوسطون يتناقشون في الأشخاص، والصغار يتناقشون في الأشياء» ،... وإذا كانت «صناعة التأريخ تتم تبعا لتأثير طوائف اجتماعية ثلاثة: أ)تأثير عالم الأشخاص ب( تأثير عالم الأفكار ج( تأثير عالم الأشياء» ، فإن «هذه العوالم الثلاثة لا تعمل متفرقة، بل تتوافق في عمل مشترك تأتي صورته طبقا لنماذج أيديولوجية من عالم الأفكار، يتم تنفيذها بوسائل من عالم الأشياء، من أجل غاية يحددها عالم الأشخاص» (1).

وتبقى الأشياء، مجرد أشياء، في الفكر الإسلامي، مجرد وسائل لتنفيذ أشرف غاية يتوق لها الفرد والمجتمع.

مسرحية الجوع والكلمة:

في مسرحية (الجوع والكلمة) صراع حركي بارز في نفس البطل (يونس عبد الرحمان) بين كرامة الذات وضرورات الحياة، بين نداء القيم الروحية وبين غريزة البقاء وعاطفة الأبوة والمودة الزوجية... إنه يخاطب ذاته في مونولوج داخلي مؤثر:«أية كرامة هذه؟ إنك تخطو في أصداء الكون منقبا عن وقائع المصادفة والنظام... وفي بيتك... وعلى بعد خطوات منك تفتك الفوضى بأهلك وأطفالك» ...ويستسلم البطل على مضض لإغراء الغريزة ومناجاة العاطفة، ويقبل العاطفة، ويقبل عرض الباحث عن الشهرة بامتهان السرقة الأدبية(حسن عبد الحميد)، الذي استولى عليه حبّ الجاه الأدبي وأسكره، فأحرق كل المراحل، وتخفف من (أثقال القيم)في مسيرته البلهاء إلى المجد المزعوم... وأخذ يلح على المفكر الصامت «الفقير الذي لا يملك شيئا» ، والذي يبدع «بحوثا عميقة متماسكة»، ليتنازل له عن بحثه العميق في «المصادفة والنظام» ليطبعه باسمه، ويخلد به ! وحين يستسلم البطل فإن مشاعر الذنب لا تفارقه: «وكأنه يريد أن يفر من الهلاك إلى الهلاك ! » .

في المشهد الثاني يستعرض (حسن عبد الحميد ) أمام ضيوفه مقدمة كتابه المزعوم، ويصور قلم الدكتور شخصيته الهزيلة بشكل يثير السخرية والضحك من حيرته وارتباكه: «أرجو أن يكون يونس قد شكل كل كلمة صعبة فيه... اللعنة على النحو... إن أشباحه تطاردني في الليل والنهار... تصور أنني في الليلة الماضية وجدتني فيما يرى النائم أحمل سكينا وأنا في غاية الهياج والعصبية وأنقض بها على الجاحظ...

إسماعيل (مقاطعا): سيبويه

حسن: نعم سيبويه... ولكن كيف عرفت؟

إسماعيل (بتأدب مبالغ فيه): هذه هي المرة الثالثة التي تقص على فيها رؤياك خلال يوم واحد» !

أما (يونس» فإن الصارع لا يزال يسكنه، ويستفزه حوار هذا الدعى معه، حتى «بلغ حد كبير من التوتر» و «زاد انفعاله» ...«فيشتد توتره» ، لكنه يتحين الفرصة المناسبة لكشف الزيف الذي كان يكرهه دائما... ويبلغ التوتر أخيرا حده الأقصى فيرمي(حسنا) بقوله: «بكل تأكيد إنك تاجر» .وحين يرد  عليه حسن بهذا التبكيت «ولكنك بعت واشتريت» ، فإنه يجيبه «وكأنه يستل خنجرا داميا من قلبه الذي ينزف؟» ، مما يشي بحدة الصراع في نفسه... ثم يواجه الجميع بخلاصة مركزه لبحثه: «إن الجهد البشري العظيم لا يمكن أن يتبدد أو يضيع... ليس الشعر أو المنطق أو العلم أو التصوف أو التجريب سوى قطارات مشروعة تركها في طريقنا إلى البوابات الكبرى...«اليقين» » ، وتبلغ الدراما قمة تأثيرها حين يقذف المبلغ الذي استلمه من حسن ثمن تنازله له عن كتابه، في وجهه وكأنه ينتزع السمّ من دمه، والدمار عن أعصابه، والشوك عن لحمه وهو يهدد: «إن انتزاع فكر الإنسان لا يقل ألما وصفاقة عن قتل زوجته وأطفاله، وإن اليد التي تنقل الفكر هي كاليد التي تستل الروح ! » .

الحوار في المسرحية متساوق، واللغة أنيقة، خط المسرحية خطّ الواقعية الإسلامية التي تتعامل مع الإنسان ذي النفس اللوامة التي تعاتب البطل في المسرحية على خضوعه لقانون الغريزة في لحظة ضعف، فينقطع عن الخطأ والإثم ويرفض الزور والتزييف، إنه لا يستمرىء الهبوط، ولا يتنصل من مسؤولية سقوطه باللجوء إلى التبرير والإسقاط على الظروف أو القدر، بل يواجه المواقف بشجاعة إيمانية متميزة، ولولا لأن المسرحية ذات فصل واحد لكان بالإمكان مدّ البطل بطاقة إضافية من المقاومة والصراع، وإبراز شخصيات أخرى على المسرح كزوجته، أو صديق له، ليشخصوا له فداحة ما يعانيه من آلام هو وأسرته في حالة إصراره على الرفض، وحلاوة ما سوف يناله في حالة تجارته بفكره من متع... وبذلك يخوض البطل صراعا أشذّ، إذ تتعاظم قوى الترغيب والترهيب المسلطة عليه من الداخل والخارج، ثم تكتسب ردود فعله درامية أشد تبعا لمساحة الفعل المسلط عليه وثقله... وينبري في داخله الإنسان الخالص أكثر مقاومة وضراوة، ويتلقى الضربات ويردّ عليها تحت غطاء من الدين والضمير أو الحكمة أو الفلسفة أو الواجب الأخلاقي... فكلما تعمق الصراع الدرامي، وتدخلت شخوص عميقة أو مثيرة لتأجيجه ازداد توتر البطل، وخصب حواره الداخلي مع ذاته نقدا أو تبريرا... ثم إن هذه الشخوص سوف تنقل الصراع من داخل نفس البطل إلى ساحةالمسرح، فلا تدعه ينفرد بنفسه، إذ يضطر إلى شحذ فكره واستبطان روحه ليرد عنه هجمة هذه الشخوص التي تلح عليه ليهجر قيمه، وكل ذلك سيثري المضمون المسرحي ويجعله أقوى إثارة.

مسرحية : شيء عن الموت :

مسرحية نفسية فلسفية تعرض مواقف بشرية متغايرة من ظاهرة الموت، يتميز بينها موقف البطل الإيجابي الذي تمرّس بمجابهة الموت في ميادين الشرف، واكتسب طاقة إضافية من الجلد تحول بينه وبين الارتعاب أمام شبح الغرق الوشيك... إنه بطل واع لمصيره، فشجاعته ليست مجازفة أو مغامرة أو لا مبالاة، إنما هي ثمرة يقين صلب بحتمية الموت، وثبات ميعاده، وإيمان صميمي بحياة ما ورائية تفك لغز معاناة الطيبين وتكشف لهم جدوى جهدهم وكدهم الفريد... يمثل دور هذا البطل د. رباح الجزائري، ومجاهدو جبهة التحرير من ركاب السفينة «كاردينيا»  المتوجهة من «الجزائر» إلى «مارسيليا» ... والمشرفة على الغرق... إذ «لم تغادر الابتسامة شفاههم» ، وكانوا «يؤدون صلاة العشاء بشكل جماعي مؤثر ! » .. وأبدوا استعدادهم للتضحية في محاولة لانقاد السفينة وحبذا لو عبر أحدهم عن إيمانه «العفوي المتدفق » في مواجهة  هذا الخطر المحدق مناقضا تماما ما عبر به الشاب الضائع عن نفسه الهالعة.

أما الشاب المغربي فقد مثل موقف المخدوع بظاهر العلم، والمبهوت بنتائج المختبر، مع أنه يسافر إلى أوروبا للتخصص في علم يعجز  المختبر عن إعطاء قرارا ثابت موضوعي فيه، إنه علم الاجتماع، مجال بحثه الإنسان اجتماعيا، هذا الإنسان المتفرد عن غيره، المتغير بين لحظات الزمان ووحدات المكان. بكل قواه الخفية والمرئية، وأبعاده المنظورة والغيبيّة، بكل ما يكشفه للمجربين، وبكل ما يستره عنهم...وحين بوغت هذا النموذج بخطر الموت نسي(العلم) الذي تباهى به أمام الدكتور، وأخذ يضع خطواته «في دائرة الخرافة» وينسب ما يحدث له إلى عثر حظه وشؤم طالعه، إنه نموذج إنسان هذا العصر الشائع الذي بدأ محاولة جديدة قديمة لفك رموز معادلة الغيب وهتك أفكاره، لاجئا إلى (السحر) تارة، وقارئا للأبراج تارة أخرى، وعاكفا على تحضير الأرواح أو استنطاق النجوم ... هذا الشاب لم يتعلم من الموت سوى ظلال باهتة من «الثقة والأمل » بكل ما تحمله هاتان الكلمتان من تجريد، الثقة بماذا ومن الأمل فيمن، وفيما ؟ ... إن هزة المفاجأة وبغتتها لم تثر في وجدانه الإيمان الفطري بالله، ولم تشحنه بدفقة حارّة من الرجاء الشفيف باليسر الذي يعقب العسر، ولم توقفه على حقيقة خلود جهد البشر وجدواه، حتى إنه حين استشهد بهذا الحديث النبوي:«إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها ... فليغرسها» نسي أن يتمة ب «فله بذلك أجر» ، إلى أن ذكره بها د. رباح، مع أن هذا المقطع هو بمثابة التبرير المعقول والوحيد لمثل تلك المبادرة الزراعية، إذ ما قيمة نبات يقلعه هول الساعة؟ وما مردوده المادي في حياة الإنسان الأرضية؟

أما أكثر النماذج تهافتا فهو الشاب «المتأنق » الذي يغطي خواءه الروحي بأناقة مصطنعة وثياب صارخة الألوان... إنه حين يبهته الموت لم يفكر في مصير أو مبدأ، ولم يحاول إنقاد نفسه أو غيره، ولم ينطق بغير رسم حبيبته «سيمون» سواء في حالة رعبه أو اطمأنانه بعد إعلان كابتن السفينة زوال الخطر، إنه «نمط آخر من الناس وهو أكثرها عددا...أولئك الذين لا يتعلمون شيئا من الموت»، نمط يشابه إلى حد ما النموذج القرآني المسافر عبر البحار، غير أن نموذج القرآن يدعو الله في هذه الحالة اليائسة، لكن ليعود صراعا مع هذا النموذج المسرحي إلى حياة اللهو، والمسرحية متماسكة البناء، متلاحمة الجسد العضوي تجمع إلى رشاقة اللفظ ورهافة التعبير النثر وغنائيته، وعمق المضمون والدلالة الروحية وشدة إيحاء المعنى، إنها تعبير عن التوتر الخالد الذي يعتمل في الوجدان البشري في مواجهة الموت، إذ تثور الهواجس والمخاوف في النفس، وتقفز الآلام والآمال والتمنيات فوق سطح الشعور وتفصح العواطف الإيجابية والسلبية عن ذاتها، في صراع عنيف بالغ ذروة الإثارة، قائم على أساس التوتر المثير بين غريزة البقاء وسطوة الحدث القدري الصارم...ولو قدر لهذه المسرحية، أن تتنامى وتتبلور وتصبح فصولا متعددة، لأزداد تعبيرها عن هذه الصور الداخلية المعتملة في الوعي والروح تألقا وغنى، وتلونت اللوحة التي ترسم عليها حياة الباطن الإنساني بما فيها من رؤى وذكريات ثائرة ومشاعر دفينة قامت قيامتها وخواطر تفتحت أكمامها، ألوانا أكثر غرابة وطرافة، وسوريالية،...

وإذا كان الشاب المتأنق سطحي الاهتمام قد انعدم الصراع في ذاته وهو يواجه هذه اللحظة المثيرة فلم يفكر إلا بوجه حبيبته سيمون... فإن غيره من الركاب : إيجابيين  أو سلبيين، واقعيين أم خياليين، مؤمنين ومشركين، متفائلين متشائمين، شباب وشيوخا، ورجالا ونساء، مثقفين وأميين لتثور في داخلياتهم أشرطة من الصور والأفكار والمشاعر ، متتابعة تتابعا غريبا، منفكة الترابط الدلالي حينا، ومتلاحمة متعلقة ببعضها حينا آخر، ملونة وفقا لمزاج الشخص ومعتقده وقواه الفكرية والروحية والشعورية... حتى المؤمن (1) لا تخلو مشاعره من شكل من أشكال التوتر والتأثر والأسى، والقلق على ذاته وهو يخوض تجربة المصير، «الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون» ...أو على ما لم يتم إنجازه من مشاريع مادية أو معنوية، فردية أو أسرية أو مجتمعية أو إنسانية، «وجاءت سكرة الموت ذلك ما كنت عنه تحيد» ...أو معاناة الألم في نزعه من هذه الحياة التي ألفها وأحيها – على ما فيها من منغصات-، و «كلنا يكره الموت» .

وتراثنا التأريخي غني زاخر بأشكال هذا التوتر ممثلا في تعبيرات ووصايا الأنبياء والصالحين، الشهداء والمتعبدين، والعصاة والآثمين... وهم على أعتاب الدخول إلى عالم البرزخ.

هذا ما يتسع له مجال عرض موجز للكتاب، لا يغني القارئ عن قراءته، ولا الناقد المسرحي عن تحليله وتقويمه.