Nouvelle page 1
القـــرار
بقلم: أحمد زيادي

 

شارفت باب المقبرة الشامخ فطالعتني صفوف السيارات وقد فاضت على الساحة الكبيرة، فتراكمت في الأزقة المجاورة، وعبثا حاولت البحث عن سيارة صديقي وسط هذا الزحام. كنا على طرفي نقيض، ولكننا كنا أكثر انسجاما من الشقيقين .

على مقربة من الباب المقوس المخصص للراجلين ترامت إليَّ تراتيل المقرئين، فغمرتني رهبة الموت، وتبدت لي صورة الفقيد في عشرات الأوضاع تحجبها عني أستار شفافة من دفقات البخور وأكاليل الرياحين، ورأيته في أكثر من صورة يبتسم ابتسامة الرضا، تلك البسمة التي لم تفارقه طيلة حياته، وكنت أحس وأنا أراها مرتسمة على محياه المشرق وكأنها امتداد للأفق الرحب، فتشملني بسحرها، وأجدني مغمورا بأحاسيس من الانبساط والسكينة.

لكن، وأنا أخطو خطواتي الأخيرة نحو العتبة، داهمتني أفواج مندفعة كالخيل الشاردة، تاركة وراءها سحائب من الضجة والصياح والضحك والغبار، احتميت بالجدار وأنا أرقب باستغراب واندهاش أقواما يعودون من تشييع الجنازة ضاحكين عابثين، وهالتني أكثر حركة اندفاعهم إلى السيارات ثم انطلاقهم بقوة عائدين من حيث أتوا.

دخلت المقبرة، فجرت على لساني آيات وأدعية، ولما حاذيت صفوف القبور المترامية، تبين لي أن ما بين مسقط الرأس ومنتهى المسير أكداس من الدوائر والخطوط اللولبية لا تستقيم حتى لو شد آخرها بأبعد نجم، لكن ما أقصر اللحظات التي قضاها الإنسان في رسمها.

ما أن سرت قليلا حتى بدا لي سعيد مطأطئ الرأس وسط ثلة من المقرئين والمشيعين، وبدا لي كما لو كان قد نزل في محطة قفراء وأعياه انتظار آخر قطار، وتذكرن ما قاله لي ذات يوم وهو يمزح:

-ألا تلاحظ يا علي أننا نحقق فيما بيننا توازنا لم تقو على تحقيقه الدول الكبرى..فأنا مندفع نحو ما أنت ممتنع عنه، وأنت مقبل على ما أنا عنه معرض.

وأخذ نفسا من سيجارته ثم أضاف:

-إن سر نجاحنا هو تفردنا وعدم تكرار أحدنا للآخر!

قلت له وأنا أحاول أن أجعل المزاح جدا:

-بل إن سر نجاحنا هو حرصنا معا على احترام بعضنا البعض وعلى إحاطة صداقتنا بهالة من التقديس والتضحية والإخلاص والمحبة والنصيحة، أما تعليقك فيجعلنا كراكبي قطارين متوازيين، لا يلتقيان عبر المسافات البعيدة إلا في محطة واحدة. فما رأيك أن نركب قطارا واحدا لنحظى برفقة السفر الطويل.

-أي القطارين ؟ !

-القطار المتجه نحو المحطة الحق:

فضحك حتى كاد يقهقه وقال:

-فاركب معي فعلا، وتبينت لي ضلالته، وأنت تعلم ذلك، لكنك تماطل لأنك تعتقد أن محطات النزول والركوب لا حصر لها وأن تغيير قطار بقطار ينبغي أن يكون في آخر مراحل السفر وكأنك تمسك دليل السفر بين يديك.

فأطرق، ولم أشأ أن أقتلعه من إطراقه، لأنني كنت على يقين بأن إطراقاته محطات للمراجعة والقرار.

اقتربت أكثر فأسرعت الخطو وأنا أحاول تهيىء، جملة أعزيه بها، لكنني لما عانقته ازدحمت في نفسي العبارات والمشاعر فاضطرب لساني وفاضت عيناي. وإذا سعيد يربت على كتفي وهو ينتحب، وبعد قليل قال يحاول استخلاص كلماته من بين غصات دموعه.

-هذا ما تبقى من والدي...شاهد وكومة تراب.

قلت له مواسيا:

-بل بقيت أنت وأعماله النبيلة وذكرياته الطيبة في نفوس أحبابه.وانبعث من رشات السقاء شذا ذرات الطين ممتزجا برائحة الحفر. وتقدم شيخ القراء إلى سعيد معزيا وداعيا للفقيد، فنفحه بعض المال. ثم ألقينا نظرة أخيرة على القبر وسرنا متباطئين نحو باب المقبرة.

وعلى رأس لحظة صمت قال سعيد:

-تصور.. لقد صليت اليوم.. ! !

فانفلت من بين شفتي.. سؤال مباغت:

-أحقا ما تقول ؟

-أقسم لك..

ثم أردف موضحا:

-أدخلنا النعش إلى المسجد...فأحسست لأول مرة بقيمة المشاركة الجماعية في تخفيف الألم، فلم أقو على الجلوس وحدي منظترا في السيارة. وتراءى لي كما لو أن والدي يطل علي من وراء الكفن والعباءة ليقول لي ولآخر مرة بصوته الخافت: «لا تتخل عني يا ولدي»، فدخلت وصليت معهم...

فحمدت الله ودعوت له في نفسي.

ولما قاربنا الباب تذكرت الحشود التي داهمتني قبل لحظة وفكرت في سؤال سعيد عنها، لكنه صرفني عن ذلك بابتسامه وقوله بحماسة:

-وقد حدث شيء غريب ...غريب حقا ! !

-ماذا ؟ !

-إنني- كما تعلم- لا أؤمن بالخوارق والكرامات، ولكني رأيت اليوم ما غير رأيي!

وكنا قد وصلنا إلى السيارة، فجلس سعيد أمام المقود وفتح لي الباب وفتح الباب الخلفي لرجلين كانا يمشيان وراءنا، وبينما كان يتهيأ للسياقة التفت إلى الرجلين وعزيتهما.. وقال لي سعيد وهو يدير المحرك:

-يا علي ... اسأل خالي عن آخر أمنية للولد؟

نحنح أكبر الرجلين وقال:

-ما رأيته اليوم لا يصدق..لقد استجاب له ربه..كنا نجلس حوله في الصباح-رحمه الله-فقال:«يا رب لقد نشأت يتيما، وعشت فقيرا، وإني أموت مغمورا، فاجعل لي جنازة لا يدرك آخرها أولها، تكون عبرة للمشيعين وذكرى للغافلين» فلبى الله أمنيته.

-أجل...جهزناه وأحضرنا السيارة، وسرنا خلفها وحدنا كما ترانا الآن، فالعائلة في أقصى سوس، وأقرب أصدقائه إليه طرحى الفراش أو مسافرون، وأنت لم أتمكن من إخبار الدكان المجاور لك إلا بصعوبة. وفي المسجد وقعت المعجزة، دخلنا قلة وخرجنا فوجدنا في انتظارنا حشودا وجماعات، وما أن انطلقت السيارة حتى تبعتها عشرات وعشرات السيارات والحافلات والباضعات..

وتذكرت ما كانت عليه الساحة عند وصولي إلى المقبرة فقلت:

-أجل أجل، لقد رأيت ذلك بنفسي.

وفكرت مرة أخرى في سؤال سعيد عن سر انفضاض تلك الجموع، لكن طلائع موكب جنائزي أنستني سؤالي، وشدتنا جميعا إليها، وصاح في الخلف أصغر الرجلين:

-ها هم آتون، أنظروا إنهم نفس المشيعين.

توقف سعيد بجانب الطريق ورحنا نتتبع مسيرة الموكب الطويل بخشوع، وفجأة توقفت إحدى السيارات، وأطل سائقها صائحا:

-هيه...لقد أخطأنا...تركنا نعشنا في المسجد وتبعنا نعشكم، يرحم الله الجميع...

فنظرنا بعضنا إلى بعض دون أن ننبس ببنت شفة، ثم استأنفنا المسير.

وحين توقفنا أمام البيت نزل الرجلان، وأطرق سعيد ساهما، وقرأت في إطراقه حيرته في تفسير ما حدث، وتردده بين اعتباره استجابة لأمنية والده الصالح، واعتباره إكراما له هو لأنه أقدم على حضور الصلاة التي لم يفكر فيها يوما، حين آثر مشيعو النعش الثاني، الانتظار خارج المسجد؟

ولما عاينت منه السكينة أدركت أنه انتهى إلى اعتباره إكراما لهما معا فأدرت مقبض الباب، فالتفت إلى التفاتة المستنجد، فقلت له:

-         سآتي بعد الصلاة.

-         فحملق في، ثم قال بعد تردد، بصوت خافت، على عادته عند اتخاذ القرارات الحاسمة في حياته:

-         - سوف ألحق بك.

-         فشددت على يده بحب وأنا ألمح طيف البسمة العريضة يرتسم على محياهُ السمح.