Nouvelle page 1

قصيدة غربـــــة ودمعــــة

الدكتور عنان علي رضا النحوي

 

الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا  في دار الخلود

 

علمت «المشكاة» بنبأ التحاق الأديب الكير الدكتور عبد الرحمان رأفت الباشا  بالرفيق  الأعلى، وهي  لا تملك إلا أن ترفع  أكف  الضراعة   إلى  العلي القدير، سائلة للفقيد الرحمة والغفران،  ولذويه  ومعارفه   الصبر  والسلوان.

وتقديرا منها لمكانة الفقيد، والفراغ  الذي تركه، تحييه في  جنان الخلد،  وتنشر هذه الكلمة/الدمعة للشاعر الدكتور عدنان   علي النحوي في رثائه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كان الدكتور عبد الرحمن   رأفت الباشا- رحمه الله –فيضا من العطاء والعزيمة رغم مكابدته للمرض، أثناء مؤتمر الندوة العالمية للأدب الإسلامي المنعقد في لكنهؤ-الهند- عام 1401 هـ الموافق   1980 برئاسة    الأستاذ  الشيخ أبي الحسن   الندوي.

وكان الدكتور الباشا حينئذ نائبا لرئيس الندوة. وقد أصبح كذلك نائبا لسماحة الأستاذ الندوي رئيس رابطة الأدب الإسلامي   في مؤتمرها المنعقد في  لكنهؤ-الهند-عام 1406 هـ الموافق 1986 م.

ولقد كان آخر لقائنا معه  بعد تلك الجولات في استانبول-تركيا- في صيف   هذا  العام  1406 هـ (1986 م) التي كانت تعج بنشاط الأدب الإسلامي حيث وافاه الأجل.

وما  أن سمعت بنبأ وفاته  عندما   عدت  إلى الرياض  حتى  سكبت عليه  هذه   الدمعة:

 

 

 أيْـنَ  الـهَــزارُ وأيــنَ الَّلحْـن والـوَتـــرَُ

أَينَ الشذا والندى...! والأَيكُ وَالشَجَرُ

كانَـتْ تَـمـوجُ فَـطَوَّاهَـا الـرَّدَى فَنَأتْ

وعَـادَ مِـنْـهـا لـنَـا الأصْـداءُ والـصُّــوَرُ

أبـا يَـمـانِ...! وكــم خَـلَّفْـتَ رَابِيَـــةً

تَلَفَّـتْ الشُّـوقُ فيهَـا والهَـوَى خَضِـرُ

هُنَـا الرِّيـاضُ التـي سَامَرَتْهـا زَمَنـاً

حَـنَّ النَّـدِيُّ بهـاَ وَالشَّــدْوُ والسَّمَــرُ

وَكَـمْ رَحَـلَـتْ إلــى أَفْيــاءِ حَانِيـــةٍ

زَكَـا الجِهـادُ بـهـا والـصَّبْـرُ والـذِّكْــــرُ

وكَـمْ رَحَـلَـتْ عَلـى شَـوْكٍ تُـكـابِدُهُ

فَـرَقَّ مِنْـكَ علـى أَشْـواكِـهِ السَّفَــرُ

عَـزْمٌ علـى مَـرَضٍ، صَبْـرٌ علـى مِحَـنٍ

بَلْـوَى عَلـى وَطـنٍ، يَمْضي بِكَ القَدَرُ

تَكَـادُ تَقْتَحـمُ الأحْـداثَ فـي لُجَــــحٍ

مَـاصَـدَّهُ حِــذَرُ أو رَاعَـــهُ خَـطَـــــرُ

حتَّـى بَلَغْـتَ مِـنَ الأيَّــامِ غَـايَتَهـــا

كَمَــا تَـبَلَّــغ مِــنْ أيَّامِـــهِ الـحَـــذَرُ

غَرَسْـتَ فـي كُـلِّ نـادٍ غَـرْسَةً نَبَتَتْ

طَيبــاً فَفَـوَّحَ منْهـا العُـودُ والزَّهَـــرُ

سَكَبْتَ مِنْ عُودِكَ الفَوَّاحِ دَفْقَ هَوَىً

فطَابَ مِنْهُ وَمِنْ طِيبِ الهَوَى العُمُرُ

وَقُمْـتَ تَجْمَـعُ مِنْ رَوْضِ الهُـدَى أَدَبـاً

يُفَتِّــحُ الـوَرْدَ أو تَزْهُـو بِـهِ الــغُـــرَرُ

وإِنَّ أطْــيــبَ مــا يَلْقَــاهُ مُـرْتحِــلُ

أهْـلَ إِذَا غَـابَ عَـنْ مَيْدَانِهِـمْ ذَكَـرُوا

 

 

يـا يَوْمَ «لَكْنُو»  عَلى سَاحَاتِهِ ائتلقت

دُنْيَـا ومَاجَـتْ علَـى مَيْدانِهَـا البَشَـرُ

أنْــوارُ فِتْيَانِـهَـا نُــورُ الـشُّيـوخ بِهِـــمْ

وَبَيْـنَ سَاحَاتِـهـا الأزْمَــانُ تَخْتَصِـــرُ

علَـى رِعَايَتِهـمْ يُجْلَـى البَيَـانُ هُـدًى

وَنَفْحَـةً مِـنْ يَـقيـنِ الـحَـقِّ تَنْتَشِــرُ

تَأَلّـَقَ الحَشْـدُ حتَّـى كُـنْـتَ بَيْنَهُـــمْ

صَفَـوا الـودَادِ أخـاً مَـا مَسَّـهُ كَـــدَرُ

جَـادُ البَيَـانُ علَـى مَـا صُغْـتَ مِنْ دُرَرٍ

وَمِـنْ سَجَايَـاكَ شَعَّـتْ بَيْنَهَـا الــدُّرَرُ

 

 

عَلَـى ضِفَافِـكِ يـا «بُسْفُـورُ» رَابِيَـةُ

حَنَّـتْ وَأَوْفَـتْ وأَوْفَـى عِنْدَهَـا القَـدَرُ

كَـمْ مَجْلِـسٍ ضَمَّنَـا مِنْ قَبْلِ فُرْقَتِنَـا

دَنَــا عَـلَيْنَــا لِـيَهْنَــا بَـيْنَنَــا القَـمَـــرُ

هُنـاكَ بَيْـنَ ظِـلالِ التُّــوتِ رَفْـرَفَـــةٌ

مِـنَ البَيَـانِ زَكَـا مِـنْ طِيبهَـا الثَـمَــرُ

رَفَّ الــهُـدَى وَجَـرَّتْ آيَــاتُـهُ وَدَنَــتْ

أَطْيافُـهُ وحَلـتْ فـي ذِكْـره السِّيَــرُ

نُطِـلُّ مِنْهَـا عَلـى البُسْفُـورِ نَنْفَحُـهُ

شَوْقـاً فَيَنْفَحُنَـا مِـنْ شَوْقِـهِ النَّهَــرُ

حَتَّـى مَضَيْـتَ وَخَلَّفْـتَ الدِّيَـارَ بِـهَـا

حَيْـرَى مِـنَ الوَجْـدِ يَطْويهَـا وَيَعْتَصِـرُ

هَـلاَّ رَجَعْـتَ لها ؟ أمْ هَلْ دَعاكَ هَوًى

أعْلَـى وَلجَّـتْ بِـكَ الأشْـواقُ والعِبَــرُ

أبَـا يَمـانِ...! كــأنَّ الــدَّارَ مَـا بَـرِحَـتْ

هُـنـاكَ مِــنَ وَلَــهٍ تَـهْفُــو وتَـنْتَظِـــرُ

هَــلاَّ تَـلَفَـتَ لِلـشَّهْبـــاءِ تُـوَدِعُهَــــا

لَمْحـاً مِـنَ الشَّـوْقِ أمْ لَمْ يُمْهِـلُ القَـدَرُ ؟

أمْ أنْـتِ كَفَفْـتِ مِـنْ عَيْنَيْـكِ أدْمُعَهَـا

تَسْتَـوْدِعُ اللـه مـا لَـمْ يَبْلُــغُ الـنَّظــرُ

خَلَّفْـتِ فـي الشَّـامِ أهْـلاً أم تُـرَى أمَـلاً

ودَمْعَـةً لَـمْ تَـزَلْ تَهْمِـي وَتَسْتَعِـــرُ

يَـا رَبْـوَةَ الشَّـامِ أيْـنَ الــوَرْدُ نَـقْطُفُــهُ

أمْ جَـفَّ عِنْـدَكِ مِنْـهُ العُـودُ والزَّهَـرُ

 

 

مَضَيْتَ في الدَّرْبِ كمْ ضاقَتْ بهِ سُبُـلٌ

فَوَسَّـعَ المَـوْتُ مـا قَـدْ ضَيّـَقَ البَشَرُ

تَـلْقِـى هُنـاكَ مِـنَ الـرَّحْمَـنِ جَـنَّتُـــهُ

وَتَـلْتَقِــي عِنْـدَهَا الأَجْيَــالُ والـعُصُــرُ

تَمْتَـدُ حـتَّـى كَـأَنَّ الـكَـوْنَ سَـاحَتُهــا

فـلا تَضيـقُ عَلـى سُكَّانِهَـا الـحُجَـــرُ

مِـنْ كُــلِّ يَـاقُوتَــةٍ تَزْهُــو بِسَاكِنِهَــا

وكُــلِّ حَـانِيَــةٍ يَـزْهُــو بِـهــا الـبَصَــرُ

 

 

هِــيَ الـحَيـاةُ مَمَــرٌ لا أنـكفَــاءُ لَــهُ

وزَحْمَـةٌ مَـاجَ فِيهـا الشَـوْقُ والضَّجَـرُ

وشَهْـــوَةٌ طَـحَنَــتْ أنْـيَابُهَــا جُـثَثــاً

أو مَـلْجَــأٌ رَقَّ فـيــهِ الآيُ والـسُّـــوَرُ

كُـلُّ ابـنِ آدَمَ مَـشْغُـولٌ بِـشَهْـوَتِــهِ

فَمِـنْ صَريـعٍ هَـوَى أوْ فِتْيَـةٍ ظَفَــرُوا

لاَ يَـطْمَئِــنُّ بِهــا إِلاَّ فتــى صَدَقَــتْ

لِلَّـــهِ هِـمَّتُـــهُ وَالـسَّعْــــيُ والأثَـــرُ

فَكَـمْ سُـؤالٍ عَلـى الجَفْنَيْنِ مُخْتَبِـئ

وَكَــمْ مِـنَ الظَّـنِ يُطْـوَى ثُـمَّ يُبْتَـــدَرُ

يُـفَتــحُ الـمَـوْتُ مِـنْهـا كُــلَّ مُنْغَلِــقٍ

نُــوراً تَـدَفَّــقَ يُـجْلَــى عِنْـدَهُ الـخَبَــرُ

زَخَـارِفُ الـعُمْـرِ أشْبَــاحٌ، إِذَا نَشَبَــتْ

مَـنِيَّـــةٌ وَلّـــَتْ الأَشْبـــاحُ والـصُــــوَرُ

هِــيَ الـحَيَـــاةُ ابـْتِــلاَءٌ لاَ نُـجَـــاوِزُهُ

حَـتَّــى تُـمَحِّصَنَــا الأيَــامُ والــغِيَـــــرُ

وتَخْلُـصَ النَّفْـسُ فـي مِيـزَانِ بَارِئِهَـا

لِـكُـــلِّ مَــا كَـانَــتِ الأَعْمَــالُ تُـدَّخَــرُ