Nouvelle page 1

رؤيــــــا  ( قصيدة خاصة بالمشكاة، لم تنشر من قبل)

نبيلة الخطيب

 

شاهدتك بين الناس مُسجّى

ورأيتُ نساءً وحشيّات

مزّقنَ ثيابك

لُذتَ إلى كفنك

فتَسرّبَ بين أصابعهنّ ثقوبا

ورأيتُ الناسَ يغنّون ويبكون معاً

هذا يأكل من لحمك

هذا يشربُ من دمِك المسفوح

هذي ترقصُ فوق النعش

تلك ترشّ على شبان الحفلة ِ

من بـاقي عطـرك..

واصطفّ الملكُ

 وأنت تئنّ على أرصفة الماضي

ناداك الأول:

قم يا سكران

فاستجمعتَ بقايا الصحو

المهدور على عتبات اللحظات الثكلى

يا جندي الله..

لستُ بسكرانٍ من خمر

هذي سكرات الموت..

وانطلقتْ تنهيدتك

تُفَرّقُ بين حروف الكلمات

وكأني بك أطبقتَ الجفنَ على الجفن

أقسمُ أني للتوّ صحوت !

 

ناداك الملكُ الثاني:

يا عبد الله

أبَررتَ بأمك وأبيك؟

فأجبتَ: نعم..

هذا عمري يشهد أني

أحببتُهما أكثر من ولدي

ووسائدُ نومي تشهد أني

ما من ليلٍ أرّقَ أحدهما

إلا وهجرتُ المضجعَ بعضَ هزيع

واحتدمتْ نـارٌ في كبدي

وتقدّمَ أحدُ جنود الله وقال:

يا عبد الله..

حمّلكَ الله أمانات

أعطاك من الدنيا زينتها

صبياناً وبنات

ماذا خلّفتَ لهم قبل رحيلك عنهم

والعمرُ كما تعلم ميقات؟

 

 

يا جندي الله..

ما نحنُ بأهل الدنيا بل رحّالون

هاهم أولادي..

أفنيتُ لهم عمري

وجعلتُ مساكنهم قلبي وشرايين دمي

مَن بات على أرصفة الطرقات غريباً

ليؤمّن مسكنهم؟!

مَن ظمئ وجاع ليسقيهم وليطعمهم..؟!

أشواك الغربة ما زالت في قدميّ

ورياح الغربة ما زالت

تصفرُ في أرجائي

آهات شتاتٍ تتردد في صدري تعزفني

كنتُ أئنّ على جرحي

أبكي كالطفل الفاقد أمه

مجهول في أروقة الظلمات غريب

لا بيت أخٍ لي يؤويني

لا صدر حبيب

واستُلّتْ من بين ضلوعك آه

فاختزلتْ آلامَ الحرمان

رفتْ واحتدمتْ وانطفأتْ

في بحر الخذلان

وابنتك الكبرى انتفضت

وانتزعت ما وشّحَ كتفيها

ألقته عليك

ثم انتصبت رافعة كفيها

يا ألله..

لمّا كان البحرُ يهيج

وكانت تتلاطم فيه الأمواج

عبدك هذا كان الشاطئ

لمّا كان البردُ ينخّرُ صلب العظم

والريح تزمجر في العتم

عبدك هذا كان الصدر الدافئ

ثم اقتربتْ صُغراك

وانكفأت تسكب قبلات في فوديك

وانهمرت من أعين أهلك أنهار دموع

نذروا أن يبكوا حتى تغسل أدمعهم

كل خطاياك

حتى لو كانت آثامك يا عبد الله

كزبد البحر

حتى لو بقيت أعينهم تذرف

يا عبد الله

لأجلك طول العمر

لكني أومأتُ لهم أن كُفوا أدمعكم

وأعينوا الراقدَ بالصلوات

وأعينوا أنفسكم بالصبر

حينئذٍ دوّى صوتٌ مصدره أنت

وراح يناديك..

هو ذاك ضميرك

قد جاء يؤذّن فيك:

يا عبد الحق

أشهدُ بالحق..

رغم الآثام الماثلة على صفحة أعمالك

 أنك إنسان

كان فؤادك يختلج بصدرك

كنت أحس بطيبة قلبك

أتلمّس دفء شعورك

كنتَ تحاول أن تجمع أفراحك

من بين جراحات العمر الدامي

لكنك يا مسكين..

أدركتَ على شاطئ تعبك

أنك لم تجمع غير قلادة أحزان

قم يا صاحِ معي

نركع في باب الرحمن

نسأله الرحمة والغفران

ووقفتُ أنادي في الناس

حيّ على سكب الدمع

 لنغسله في ليلة عرسه

ضحكت إحداهن وقالت:

يا ساذجة الإحساس

هل ظنُك أنّا

سنكون به أرحم مما كان بنفسه؟!

 

نادتك امرأة كانت تتربع عرشاً

من تسعين خريفا

يا ولدي..

سأقص عليك حكاية هذا الكون..

مذ أمر الله أوائل سكان القبة

أن يقعوا لأبيك سجودا

سمعوا وأطاعوا

إلا واحد..

ذاك الملعون تجرأ وعصى أمر الله

وأبى واستكبر..

قال أنا النارُ

ولن أسجد للطين وللماء

هو يدري..

أن الخضرة وثمار الأرض

وأزهار المرج وأسباب الخير

لا تنبت إلا في الطين وفي الماء

والنار إذا اندلعت

 تأكل منها الأخضر واليابس

إلا إن أطفأها الماء

أقسمَ ذاك الملعون

أن يشعلها حرباً شعواء

حتى يوم الدين

نشبت يا ولدي حربٌ

لا يطفؤها إلا الموت

وابتدأ الشيطانُ بنصْبِ مكائده

لأبيكم آدم ولكم..

أي ولدي..

حين تحس النار استعرت في صدرك

واللهب أحالك جمراً ورمادا

وتراك حريصاً ألا تطفئها..

فاعلم أن الشيطان

انتصر عليك بتلك الجولة

أي ولدي..

حين تحس بنفسك تتفلّتُ منك

وتفرّ إلى شهوتها

فاعلم وقتئذٍ أن الجولة ليست لك

وإذا رحتَ تفتّشُ عن أعذارٍ وشهود

فاعلم أنك تترافع في وقتٍ ضائع

عن حقٍ مفقود

واعلم أن الفائز خصمُك لا أنت

واحذر يا ولدي..

خصمُك ما زال يطاردك

إلى آخر رمق فيك

يا عبد الله.. يا عبد الله

لكن المرأة صمتت

وكأني بالدمع يغالب حكمتها

لولا انتفضتْ هيبتُها

لهمتْ أدمعها وبكت في عينيها الحكمة

ثم أعادت: يا عبد الله..

عندئذٍ زاغت عيناك

لملمتَ الوجع المتناثر في أرجائك

وكأنك تستنجد ساقين ترنحتا تحتك

وكأنهما ما مشتا يوماً

فوق أديم الأرض

ووقفتَ تؤذّن في الناس:

يا أهل الأرض..

لا أنكركم أني أحببتُ الدنيا

أكثر من نفسي

وقسمتُ لها

أكثر مما استبقيتُ لنفسي

كانت تطعنني وأغني

طرزتُ لها بالدمع قصائد وحكايا

لي تجربة في كل مكان وخطايا

ها قد أدركتُ الآن

أن حياتي أضيق من أن تتسع

لكل حكاياتي..

قد جُبتُ العالم

في أيام مرت كالحلم بغفلة نوم

ها أنذا يا من جئتم

 لوداعي في هذا اليوم

أقف على شرفة سكنٍ

لا يتسع لغيري

بعد قليل ستعودون جميعا

قد أرفع صوتي وأنادي

يا أولادي..

يا أم بنيّ..

يا أجمل حسناوات الدنيا

هل من خلّ يسمع صوتي؟!

أين رفاق الفرح الزائف؟!

شربوا الأقداح ورقصوا حول النار

وحدي صرت وقود النار

وحدي بتّ أعانيها

حتى إن نثرتني الريحُ رمادا

كلٌ يغمض عينيه

حتى لا أدخل فيها!

يا أحبابي في هذي الدنيا

إن واريتم هذا الجسد المهجور

فلا تبكوه..

فقد خُلقَ ليفنى

 والباقيةُ الروح

وهذي لا تبكوها أيضا

ستعود لتسبح في ملكوت الله

حيث الله..

هذا ما قدّره الله وما شاء فعل

لله الحمد..

 

ونظرتَ إلى أحد بنيك

يا ولدي..

لا تعبد جسدك

لا تعبد ولدك

لا تعبد أنثى

لا تعبد مالا

لا تركع في حضرة كرسي

لا تعشق خنجر ذبّاحك

لا تشحذ نصلاً يغرس في ظهرك

يا ولدي..

كن حرّاً..

كن سيد أمرك

 

وتلفتّ إلى من حولك

ثم نظرتَ إلى أعلى

وعلتْ وجهَكَ إشراقة بسمة

لا أدري هل كانت

ضحكة طفل أم شمساً بزغتْ

ضجّتْ أصواتٌ من حولك

الرجلُ يموت

قلتُ لهم كلا..

بل يولدُ ميلاداً لا يقهره الموت

وانتصبتْ قامتك كما الرمح

ونفضتَ غبار الدنيا ورنوت

وانطلقتْ صرختك تزلزل كل الأشياء

اليومَ ولدت

اليومَ ولدت

 

يا عبد الله..

هذا ما كان بنومي

إنْ سرّك ما بلّغتُك

فهنيئاً لك ميلادك

وإذا أوجعتك بسياطي

سامحني..

فلقد أبكيتك وبكيت.