Nouvelle page 1

النزعة الإنسانية وآليات اشتغالها في شعر محمد الحلوي

احمد بلحاج أية وارهام

 

الدنو من شجرة اسمها الحلوي:

بوفاة الشاعر المغربي الكبير محمد الحلوي (1922 م- يناير 2005 م) خسر الشعر المغربي والشعرية العربية قامة إبداعية كبيرة قَلَّمَا يأتي الزمان بمثلها في أناقتها اللغوية، وامتلاءاتها التراثية، ومُنَافَحَاتهَا الفذة عن نصاعةِ القصيدِ وتجديدِ دمائه الرؤيوية من داخل تقاليده.

 

فقد كان منذ الأربعينيات من القرن الماضي فارسَ الشعر، وحامل لوائه في المحَافِل والمنتديات، يَتَقَحَّمُ به الأشواق الدينية والوطنية والقومية والإنسانية، ويُباري به المشاهدَ الشعرية الجديدة والمتجددةَ وكأنه يحمل طاقات أسلافه من أمثال ابن الرومي والبُحتري والمتنبي وابن زيدون وابنِ سهلٍ وشوقي والشابي، لا تأخذه في اتجاهه الشعري المنحوت على سَنَنِ الأوائل لومةُ لائم.

 

ولكم أثارت شعريته في الساحة الثقافية من نُقُوعٍ نقدية؛ هي على أية حال مُؤَسِّسَة؛ وبخاصة فيما يخص زَجَّهُ بالقصيدة في سجن الأغراض المستهلكَةِ والولاءات التي تخنق أُفُقَ الشعر وتمتصُّ نسغَ جسده... ورغم كل هذا؛ فإن الحلوي يبقى شاعرا عف اللسان، إذ ليس بين دواوينه الثلاثة : " أنغام وأصداء " و"شموع" وديوان " أوراق الخريف" قصيدة هجاء واحدة، مما يثبت صفاء طويته، ونقاء سريرتِه، ونظرتَهُ إلى الحياة والإنسان نظرَةَ جمالٍ وكمالٍ .

 

ومن هذه الزاوية ارتأينا أن نتناول النزعة الإنسانيةَ في شعره مُستظهرين ملامحها وآلياتِ اشتغالها، دون أن نُغْفِلَ جوانب أخرى لها صلة بهذا المنحى وتُجلِّي في نفس الوقت وجهه الكلاسيكي الجديد والمعاصر.

 

1-اخضرار شعريته بمباهج التراث

 

يَتوَقََّلُ الحلوي في الزمن الشعري المغربي المعاصر ذِرْوَةَ القول الأنصعِ، فهو صاحب مكانةٍ رفيعة لدى أدباء المغرب، لا يتطلعُ إليها إلا أبعدُ الناس أملاً في نباهة الذكر. فشهرته مستفاضةٌ، إذ هو من الذين رُزقوا من الحظْوة وذيوع الصيت ما جَلْجَلَ صداه في الوقت المغربي والعربي، لأنه أعمقُ تأثيرا وأكثرُ أنصارًا، نظرًا لديباجته الناصعة، وسلاسته المترقرقة، ووضوح معانيه وضوحا يصلُ بها إلى أعماق القلوب بمجرد النظرة الأولى. ولطالما تَخَيَّلْت سُموقهُ الشعري مُضَاهيا لِسُمُوق البحتري صنيعاً وإيقاعًا، ولذلك كانت نصوصه حدائق في ذاكرة المقررات التعليمية منذ الاستقلال إلى الآن، يقطف منها الدارجون في أسلاك التعليم ما لذ وطاب لغةً وتخييلاً وبناءً.

ولم تتحقق هذه المكانة للحلوي إلا بخروجه من الذات لأجل تحقيقها أنطلوجيا. ومعلومٌ أن تحقيق الذات كماهية في الوجود لا يتم إلا بالخروج من الذات، والاتصال بالأشياء وبالآخرين الموجودين خارجها، والتعامل معهم في أفق يُهيمن عليه التواصل والتفاهم والحوارُ والمكاشفة، لأن هذا الخروج هو الأداة الحيوية التي تؤهل الذات للدخول إلى العالم وفهمه واعتناقه، والإفادةِ منه، والانتفاعِ به، وتسخير ممكناته لحرية الإنسان المُلِحَّةِ والحيوية للتواصل مع الغير، تتحرك القصيدة حاملةً أعماق الخوالج وشحنات من حرارة الحضور وذَكَاوَةِ الإحساس وعمقِ الرؤية لتمتزج بالآخرين وتستقرَّ في وجداناتهم.

 

بهذه الفطنة اقتحم الحلوي الشعرَ، ونذَرَ لَهُ ذاته وروحهُ باعتباره ضرورة إنسانية عُليا، واستجابةً لحاجات كونية مُلِحَّة لابد من وجودها لكي يكون الإنسان إنسانًا. فهو يربط مواجد الإشراق النفسي في قلب الإنسان وطموحاته الإنسانية والكونية بخيطٍ من القيم المُشتركة الرفيعة، ويعقدَ مصيره على معارجَ من السمو الذاتي والإشراق الروحي. وبهذه الرؤية نظر الشاعر التركي ناظم حكمت إلى الشعر فقال: " على القصيدة أن تكون المركبَ الذي يحمل الناس من ضفاف اليأس والليل والإذعان والسكون إلى ضفاف الفجر والعمل من أجل مجد الإنسان والحرية " والتسامي بالحياة، وتلك عملية تمارسها الحياة كما يمارسها الإنسانُ والشاعر من خلال البحثِ عن الجمال والتمثُّلِ به، والاندماج فيه بتلقائية دافعة، واستحثاث مُدْهِشٍ. وتحسُّس الجمال ليس إلا إعلانا عن أشواق محرقة وتوق مُمِضٍّ إلى ارتياد الكمال، وتأكيداً لإرادةٍ عميقةٍ في الارتقاء بالوجود وفي الوجود، والصعود في ملكوت الحق والجمال والصفاوة الروحية.

 

ولن يتأتى هذا إلا بمخزون ثقافي زَخَّارٍ تتلاقى فيه أمواج الموروث الغائب بأمواج المتشكِّل الحاضر. ولذا دأب الحلوي كغيره من شعراء مغرب الأربعينيات وما بعدها على ترسم خطى النماذج العُليا من الشعر العباسي والأندلسي، وشعر تيار الإحياء ومدرستي الديوان وأبولو ومدرسة المهجر، وعلى معانقة الحرية، ومحاولة الصعود إلى حقيقة الإنسان والكون برانيًّا وجوانيًّا. ففي متنه الشعري تَتَنَسَّمُ نفحاتٍ تُذَكرُكَ بهذا الشاعر العربي أو ذاك، وبهذه القصيدة أو تلك، وتجعلُ ذاكرتك مضاءةً بجغرافيات شعريةٍ آهلاتٍ بأرقى ما يكون التخييلُ والتصويرُ، ومِخْيَالكَ مُعَافًى نابضًا بالرغبة في احتضان جَوْهَرِ الجوهر.

 

1-1-مفهومه للشعر وغاياته:

 

ولا يُوصل إلى جوهر الجوهر هذا إلاَّ الشعر، فهو معرفةٌ عليا خارجَ المعارف المتداولة تَتَجَدَّدُ وتتطور حسب درجات الاحتراق التخييلي عند الشعراء، ولذلك نجد كل شاعر له تصورٌ خاص عن الشعر ملازمٌ له كبصمته الصوتية والوجدانية. والشاعر الحلوي لا يخرج عن هذا الفلك، فهو يَرَى أنه لولا الشعرُ لَمَا كان الإنسانُ إنسانًا، وبخاصة في هذا العصر المُتَفجر الذي أصبح فيه الكائن الإنساني دائرا في دوامة تبتلع نفسه، وتضع قلبه في أرجوحةٍ لا ينعم فيها بسكينة ولا استقرار، فقد" استحال في زحمة الحياة الآلية إلى آلة صماء، تدور لاهثة الأنفاس معصوبة العينين لا تحسُّ أن في الحياة من القيم والمشاعر ما يجب أن يفتح القلب، ولا تُدرك أن التنكر لهذه القيم يرجع بها القَهْقَرَى إلى عهود الغابوية، وينزل بها إلى مستوى تَفقد معه الإحساس بأنها إنسان" (1) فالإنسان رغم ما حققه من تقدُّم مادي عظيم ومدهش تبقى خسارته في الجانب الإنساني والروحي خسارةً لا يعادلها كل ما انتهى إليه من رُقي، مادام هذا الرقي لم يُجنب الإنسان ويلات الحروب المُبيدة، والكوارث والمجاعات الفظيعة، والأوبئة الفتاكة، والأنانيات المقيتة، و" لعلَّ الوقت حان كي يسترجع الإنسان إنسانيته، ويتعهد روحه بما يغذيها ويُنمي حُبَّ الخير والجمال فيها، ويومئذ يجد الإنسان نفسه التي ضل عنها، ويرفع الشعر رأسه كغذاء روحي للإنسان، وكإشعاع يهدي النفوس ويهذبها، ويُنمي فيها روح الفضيلة ويُقومها :

 

وَ لَوْلاَ خِلاَلٌ سَنَّهَا اُلشِّعْرُ مَا دَرَى

بُنَاةُ اُلْمَعَالِي كَيْفَ تُبْنَى اُلْمَكَارِمُ

 

وما من شك في أن أرواحنا جائعة متطلعة في نهم إلى ما يُغذيها، ولن تعثر على  غذائها في المصارف والأبناك، ولا في المعامل وهزيم الآلات، ولكن غذاءها في ارتوائها من الجمال وتحليقها في أجواء من الفن والصفاء الروحي،غذاؤها في كل ما يذكرها بإنسانيتها ويرفعها بعيدًا عن وثنية الآلة وعبادة المادة...غذاؤها في شعر يُغني لمواكب الإنسانية أهازيج الحب والصفاء ويرفعها بألحانه إلى قدسية السماء." (2). ولا غروَ أن تصور الحلوي هذا للشعر يدخله في عداد التصورات الرومانسية الواعية بغايات الشعر ومقاصده، والتي تنحصر في كونه :

 
أ-يغذي الروح ويَهدي النفوس ويسمو بها

ب-يُذكر الإنسان بإنسانيته ويرفعه من مقام الوحشية إلى مقام الإخاء الإنساني والكوني مع مكونات الوجود.

 

وإذا تناولنا متنه الشعري بهذه النظرة التي يرنو بها إلى الشعر فإننا سنُلفي كثيرا منه واقعًا في سجن الأغراض الشعرية التي عفىَّ عليها الزمن، وفي شرك الولاءات التي تدفع بالقصيدة إلى أفق مسدود تمتصُّ فيه جسدها وتُفْقِرُ زمنها... غير أن الحلوي بشاعريته المرهفة، وشفوفه الروحي، وحسه البصائري استطاع أن يراوغ سجن التقاليد الفنية وإغراء الولاءات فأنتج نصوصًا خارجة من الجزئي إلى الكلي، ومن الخاص إلى العام، ومن التقوقع في الأغراض الموروثة إلى فضاءات إنسانية رحبة.

 

هذا على مستوى الرؤية، أما على مستوى التقنية الجمالية والصنعة الإبداعية فإن متنه الشعري كله يظل مسكونا بمنظومة الموروث الإيقاعي والبلاغي والذوقي والجمالي، إذْ لا مَلْمَحَ فيه لإطار جمالي متطور خارج طقوس القصيدة العربية المألوفة، يمكن أن يُعتبر خطوة في التحرر من هياكل: الإيقاع الخليلي والنمطية البلاغية والعتاقة اللغوية إلى انفساحية الإيقاع، ومرونة الكلمة، ودفءِ العمقِ الكوني.

 

ومع ذلك؛ فإن شعره سيبقى دريئةً ومجنًّا يعصم اللغة والبلاغة من الانخلاع الشعري والثقافي اللذين توشوشُ بهما الدُّرَجُ (=الموضات) المحسوبة على الشعر والثقافة تحت ضغط التعوْلُم المنفلت من كل عقال عقلي أو إنساني إلا عقال السوق والاستهلاك الراكضين بجنونٍ كجنون النار. فهذه الدُّرَجُ تظن أنه إذا سقطت "العمودية" في الشعر فإن " الأفقية" ستكون شرطه الذاتي والموضوعي والكوني، وستُغني عن أبعاده الوجدانية والإيقاعية والإنسانية المتجلية في السموِّ بالدواخل البشرية ورفعها إلى آفاق الحب والحرية والجمال، وفتحِ عيونها على مباهج الوجود.

 

 

1-2-نفوره من القصيدة الحديثة

 

فالحلوي قامة شعرية مغربية مُتشربة بالتراث وبالسَّنَنِ الشعري الموروث عن السلف، منقوعٌ في كلاسيكيته التي لا يرى طريقا شعريا سالكا غيرها، ولذا نراه يتشبث بها، وينفر من الشعر الجديد واصمًا إياه بأشنع الصفات؛ أخفُّها تهديمُه الشعرية العربية الأصيلة والمألوفة :

 

وَ مُهَدِّمٍ خُلِقَتْ يَـدَاهُ لِهـَدْمِ مـَا شَـادَتْ جُدُودُهْ

أَوْهَـتْ صُــرُوحُ اُلْمَجْدِ قَرْنَيْهِ فَلَمْ تُثْمِرْ جُهُـودُهْ

لَمْ يُنْسِنَــا أَدَبَ اُلشُُّيُوخِ وَ كُلََّ ثَرْوَتِنَـا جَدِيـدُهْ

هَـذَا اُلْجَدِيدُ اُبْنُ اُلْقَدِيـمِ فَكَيْفَ عَقَّ أَبًـا وَ لِيدُهُ؟

مَا أَكْفــَرَ اُلْإِنسَانَ يَفْـصِلُهُ عَنِ اُلْمَاضِي جُحُودُهْ !

وَ لِسَـانُـهُ مِنْـهُ اُسْتَـوَى وَ عَلَى قَوَاعِدِهِ قُعُودُهْ (3)

 

ثم يقول مفاخرا باتجاهه الشعري:

 

لَــمْ يَضْرْنِي أَنِّي قَدِيمٌ إِذَا  كَـا

نَ قَـدِيمـِي يَمْتَـاحُ مِـنْ وِجْدَانِي

رُبَّ ثَـوْبٍ يَكْسُوكَ وَ هْوَ مُعَارٌ

أَنْـتَ فِـيـهِ لِلنَّـاسِ كَاُلْعُــرْيَانِ

فَكَأَنِّي بِغـَيْرِ شِعْـرٍ كـِتَـابٌ

تَـرَكُـوهُ عَـمْدًا بِـلا عُنْــوَانِ

وَ كَــأَنَّ اُلْـحَيَاةَ مِـنْ غَيْـرِ أَوْزَا

نِ قَـصِيـدٍ دُنْـيَا بِـلاَ مِيــــزَانِ  (4)

 

 

1-3- نزوعه إلى الكونية:

 

و إذا كانت الحياة تساوي الشعر؛ فإنها لا تتسق إلا بميزان شامل بجميع مكوناتها، وهذا الميزان يتمثل في الشاعر ورؤيته إلى الكون. والحلوي شاعرٌ نَزَّاعٌ إلى الكونية رغم صيغته الشخصية الفردية، لإدراكه بأنه صورة مصغرة من الجنس البشري بأكمله، فرؤيته للعالم رؤيةٌ تمييزية تفرقُ بين الإنسان وبين جسده، فالجسد علامةٌ ومكانُ اختلافٍ وتميز، والإنسانُ فيه وحدةٌ لا تلفي مواطنتها إلا في العالم، والعالم زمنٌ تنسجه القصيدة.

فكيف إذن نسج الحلوي هذا العالم شعريا؟

 

إن زمن قصيدته خيطيٌّ وبسيط، يجذب إلى مداره المتلقي بسهولة، وهذا مؤشر دالٌّ بقوة على كلاسيكيته ورؤيته التراثية، عكس القصيدة الحديثة التي أصبح زمنها شبكيا كثيفا شاقوليًّا تسري فيه توترات كثيرة.. توتُّرات الأنا الذي هو الآخر، وتوترات الآخر الذي هو الأنا، ومن خلال هذه التوترات يعرف المتلقي ما هو مختبئ في الآخر، فيلتحم بالطرفين، ويكون التلاقي في وطنٍ شعري تُعْلِيه اللغة، وتكون "الأنا" وبخاصة في الشعر مختلفة وكونية (5)

 

وهذا الوطن الشعري الكوني الذي يُعليه الحلوي لا يقلل من أهميته الزمنُ الراشح بالبساطة والبداهة، لأنه لا يقوم على مداميكَ تعوضُ ذلك، من قبيل اللغة الفذة؛ التي في أعمق أعماقها تختزن خلايا زمنيةً متراكبة؛ والخيالِ المتوهج بما لم تتوقعه الذاكرة والكتابة، فهو وطن مغامرةٍ لا تخلو من مخاطرة تتغيا توزيع آفاق الانتظار عن طريق قدرة اللغة على خلق الحياة من جديد، وبالتالي على تخليدها، فالقصيدة لديه – وإن كانت تخضع لشكل ثابت- تتجدد من داخلها باستمرار.

 

2-النزعة الإنسانية في شعره:

افتحاصُ المتن الشعري للحلوي يَضَعُنَا في قلب النزعة الإنسانية لديه، والمتمثلة في الدعوة إلى اللقاء والحوار حول المشترك الإنساني الكوني القائم على :

3                               الإخاء الآدمي

3                               التعاطف  والتعاون في المُلمَّات.

3                               نشر الأمن والسلام والطمأنينة في الأرض

3                               رفض الحروب تحت أي ذريعة من الذرائع، لأن الإنسان أسمى وأعلى من كل الأشياء المتنازع عليها.

3                               معانقة الجمال في الطبيعة والكون والكائن.

3                              القبول بالآخر بوصفه امتدادًا للذات لا نقيضا لها.

3                               كمال الإنسان بكمال إنسانيته وقبوله بالاختلاف على صعيد الحياة والوجود.

3                               الانفتاح على الهويات للاغتناء بتعدُّدها، بدلا من الانغلاق على هوية الأنا.

3                               البِرُّ بالكون و بالكوائن باعتبارهما بُعْدًا جماليا استيراتيجيا تُخصب التصورات الصادرة عنه الذات، وتمنح الوجود تناغما وتناسقا لا قيام له إن افتقدهما.

وسنُلم بهذه المرتكزات الإنسانية التي يتضمنها خطابه الشعري كدالٍّ إفصاحيٍّ وكفضاءِ رؤية محكومة بشرطها الثقافي الخاص والعام.

2-1-التفاؤل والامتلاء بالحياة:

 

الشاعر الحلوي تسكنه لحظات رومانسية، ولكنها غير مغرقة في اليأس والتشاؤم والعزلة والعدمية. فهو شاعر التفاؤل والامتلاء بالحياة رغم مكارهها و مكاربها، نَسَقُه الروحي يُقربُكَ شعريا من نسق إيليا أبي ماضي ويُبعدك عن نسق الشعراء الرومانسيين الناظرين إلى الوجود بمنظار القتامة والتشاؤم، لأنه يؤمن بأن كل ما يسبب الآلام والتعاسة في الحياة ليس أبديا، وبأن الأباطيل والتعسفات آيلةٌ للزوال :

 

فَاُنْتِصَارُ اُلضَّلاَلِ وَ اُلْبَاطِلِ اُلــزَّا

هِقِ شَــيْءٌ يُقَارِبُ اُلْأَحْلاَمَـا

إِنَّ لِلْـحَقِّ جوَْلـَةً تَصْرَعُ اُلْبـَغْـ

يَ فَـتُمْسِي أَعْوَامُـهُ أَيَّـامَـا (6)

 

وَ بأن الحياة منفتحة للذين يخوضون غمارها بروح إنسانية ومشيئة لا تعرف الخنوع :

 

أَ يُّهَـا اُلسَّـادِرُ اُلْمُوَلَّـهُ فِي بَحْـ

رٍ مِنَ اُلْـهَمِّ وَ اُلْأَسَـى زَخَّـار

مُظْلِــمَ اُلْقَلـْبِ قَاتِمَ اُلْهَمِّ أَعْمَى

حَائِــرًا ضَـلَّ فِي ضِيَاءِ اُلنَّهَارِ

لِــمَ هذَا؟ وَ مَا شُرُودُكَ فِي اُلْكَوْ

نِ؟ أَبَحْــثًا عَنْ عَـالَمٍ مُخْتَارِ ؟

لِمَ تَحْيَا مِنْ قَاتِـمِ اُلْيـَأْسِ فِي لَيْـ

لٍ وَ هَـذِي اُلْحَيَـاةُ فِي أَنْوَارِ ؟

خُضْ غِمَـارَ اُلْحَيَاةِ طَلْـقَ اُلْمُحَيَّا

رَافِـعَ اُلـرَّأْسِ، وَاُقْتَحِمْ كُلَّ نَارِ

وَ اُمْشِ فِي مَوْكِب اُلحَيَاةِ كَمَا شَـا

ء هَوَاهَا، واُنْسَـقْ مَعَ اُلتـَّيَّارِ

إِنَّ هَذِي اُلْحَيَاةَ هَوْلٌ وَ إِعْصَــا

رٌ، فَسِرْ دَائِمًا مَعَ اُلْإِعْصَارِ (7)

 

ولنلاحظ ما في الأبيات من قوة ودعوة إلى الإقبال على الحياة بأعاصيرها وأهوالها، تمثلهما بنيتُها اللغوية وصيغَها الأسلوبية الندائية والاستفهامية والأمرية والتأكيدية، زيادة على دلالة التكرار، فقد وردت كلمة (الحياة) فيها أربع مرات مكونة تناغماً وتجاذبًا وتعالقا مع حرف الحاءِ المتكرر كخيطٍ ناظمٍ للإيقاع الداخلي وبؤرة المقول الشعري.

 

والتعلق بالحياة وتمجيدُها هو الجذر الأصلي في شجرة الإنسانية، وما شُذَّ عن ذلك ليس إلا انحرافا عن هذا الجذر لعوامل سيكولوجية أو سوسيولوجية أو فوبيا Phobie ناشئة عن لا جمالية الواقع، وعن تعلقٍ باستيهاماتٍ لا طبيعيةٍ، وإلا فإنَّ رسالة الإنسانية هي إعمارُ الحياة وتجديد شبابها:

 

قَدْ يَشِيبُ اُلزَّمَانُ وَهْوَ وَلِيد       مِنْ شَبَابِ اُلْحَيَاةِ فِي رَيْعَانِ (8)

 

إن تعلق الحلوي بالحياة وإعجابه بها ليس تعلق لهوٍ وانتهابٍ للذات بقدر ما هو نزوعٌ مؤشر على إنسانيته، وملمحٌ من ملامح رومانسيته التي يشترك فيها مع عدد من مُجَايِليه. وهذه النزعة راجعة إلى أجواء نفسيةٍ خاصةٍ وحالاتِ احتقان اجتماعية وثقافية وكونية. وأبرزُ جوٍّ ظهر فيه هذا الصبغ الشعري في المغرب كان بعد الحرب الكونية الثانية، وما تلاها من انكسارات وانجراحات، فقد استشعر الشعراء آنذاك تمكُّنَ الشر من نفس الإنسان، وحرصهُ الدائب على مصالحه دون اعتبار لأخيه الإنسان، ودون مراعاةٍ لأي ميثاق من مواثيق حقوقه، فكان لذلك أن اجتمعت الخيبة العامة التي خلفتها الحرب بالخيبة الخاصة، فاُمتلأت نفوس الشعراء بالمرارة، وانطووا على ذواتهم يسبرون أغوارها ويعكسون مشاعرها على أحداث بلادهم وعلى العالم، وانقسمت نظرتهم إلى الحياة، فمنهم من نَزَعَ إلى إعلان اليأس القاتل من الحياة ومن إنسانها، لأنه شرير يسعى إلى الخراب والتدمير، كالشاعر إدريس بن جلون في قصيدته " يأس " المنشورة في (رسالة المغرب) سنة 1952م، ومنهم مَنْ نزعَ إلى تصوير نتائج الحرب وأهوالها ناصحا بالعودة إلى الإخاء الإنساني وإلى السلام كالشاعر عبد المجيد بن جلون في قصيدته "صلوا للسلام" المنشورة في ديوانه "براعم"، والشاعر محمد الحلوي في قصيدته "نداء" المنشورة في ديوانه (أنغام وأصداء)، ومنهم فئة ثالثة ركنت إلى الطبيعة تناغيها و تحاورها عن مصيرها الخاص، وعن مصير العالم.(9) وهذا الموقف من شعراء المغرب يُماثله موقف الشاعر ت.س.إليوت صاحب قصيدتي "الأرض الخراب"  و "الرجالُ الجُوف" الشهيرتين بمعلقتي القرن العشرين، وإنْ مِنْ منظور مُخالف.

 

2-2- الاحتفاء بالجمال:

 

ومن مظاهر النزعة الإنسانية لدى الحلوي دعوته إلى الجمال وتعلُّقه به أَيَّانَ وُجِدَ، والكشف عنه في الطبيعة والإنسان، باعتباره تجليا من تجليات الألوهة في الكون، وجاذبا من جواذب الروح إلى التجدد والسمو سواء أكان ماديا أم معنويا. فأقرب صيغة للتقوى والكمال الإنساني هي تمجيد جمال الخالق في المخلوق وتأمل إبداعه اللامتناهي.

 

والجمال جمالات؛ فهناك:

 

œ                                                        أ- جمال الطبيعة : بجميع مُكوناتها وألوانها، وقد ندب له الحلوي قسطًا وافرا من شعره، حيث أبرز مباهجه وقدر عطاءاته، وجلى أسراره، وحاوره حوار مكاشفة ومؤانسة، حتى أنك لترى الطبيعة في هذا الشعر كائنا يميسُ بهاءً وصباحةً، ويعانقك بمودة ووفاء في كل الفصول، وخاصة في الربيع الذي شكله جنة شعرية تنطق بما يُذيب الكائن فرحا وحبورا:

أَرْقَصَ اُلْكَوْنَ شَـجِــيُّ اُلنَّغَمِ

سَــارِيًـا يَقْطُـرُ مِنْ كُلِّ فَمِ

دَغْدَغَتْهُ هَبَّةٌ مِــنْ نَســـمِ

قُـدُسِـيٍّ فَـصَحَا مِنْ حُـلُمِ

وَ رَأَى اُلْأَرْضَ اُسْتَـحَالَـتْ جَنَّةً

تَتَـهَـادَى فِـي شُهُـورٍ حُرُمِ

أَتُـرَاهَا جَنَّــةٌ أَمْ سُلْـــوَةٌ

عَــنْ فَـرَادِيسِ أَبِيـنَا آدَمِ ؟!

                   *                             *

حَـمَلَـتْ أَصْــدَاءَهَا أَجْنِحَـةٌ

مِنْ ضِيَاءٍ تُنْعِشُ اٌلْقَلْبَ اُلْكَـــسِيرْ

قَـسَمًـا بِاُلزَّهْـرِ رَفَّافِ اُلْكَمَائِمْ

وَ فَــرَاشِ اُلّرََّوْضِ رَشَّافِ اُلْعَصِيـرْْ

وَ أَمَـانِـي اُلْغِيدِ فِي شَمِّ اُلنَّسَائِمْ

بَاسِـمَاتٍ يَتَـــرَقَّبْنَ اُلْمَــصِيرْ

لَـمْ يَـضِعْ مِنْ عُمْرِكَ اُلْغَالِي رَبِيعْ

مَـا اُرْتَوَى رُوحُكَ مِنْ دُنْيَا اُلرَّبِيعْ (10)

 

فالربيع خاصة، والطبيعة عامة هما اللذان يُحرران الكائن من سجن الكون المادي، ويُحلقان به في فضاءات الكون الروحي بأجنحتهما الجمالية، فيرى هويته وإنسانيته اللتين عَمِيَ عنهما من قبل.

 

œ                                                       ب - جمال المكان : سواء أكانَ وطنا أم عبقا بالتاريخ والذكريات. فالمكان ذاكرة وعطرٌ في الزمن يتناسل مع وجدان الشاعر ونبضه، ويقود خطاه الشعرية إلى سراديب الطفولة والحياة والموت والميلاد، إذ الأمكنة هي الأوعية التي فيها وتتشكل فينا من خلال إكسير الوقت، فتتناسج صورها لتصير حديقة حية من النور، كقوله من قصيدة " أطلال بني مرين" : 

فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْكِ صَوْتٌ خَافـِتٌ

وَ بِكُلِّ وَجْــهٍ مِنْكِ وَجْهٌ بَـادِي

وَ يُرَى فَضَاؤُكِ أَيْدِيًا مُمْتـــدَّةً

فِي لَهْفَةٍ تَسْعَى إِلَى اُلْوُفَّــــادِ

يَـا مَـنْ رَأَى اُلْأَحْجَارَ تَهْدِي أُمَّةً

وَ تَهِيـجُ ذِكْرَى مَجْدِهَا كَاُلْحَادِي

بَكْمَاءُ مُعْرِبَةٌ بِأَسْمَـــى مَنْطِقٍ

وَقْعًـا وَ أَبْـيَنَ مِنْ لِسَانِ اُلضَّـادِ

يَـا وَمْضَـةً مِنْ ذَلِكَ اُلنُّورِ اُلَّذِي

غَـشَّى اُلْـوُجُودَ وَ بَرْزَخَ اُلْأَجْدَادِ (11)

 

ويدخل في الاحتفاء بجمالية المكان، وقراءة ذاكرته، واستشفاف أسراره مقطوعته "مفاتن تطوان" :

مَفَاتِـنُ تِطْوَانَ جَلَبْنَ لَنَا اُلذِّكْرَى

ذَكَرْنَا بِهَا فَاسًا وَ فِتْنَتَهَا اُلْكُبْــرَى

مَفَاتِـنُ ضَاعَ اُلْقَلْبُ وَ اُلْعَقْلُ بَيْنَهَا

إِذَا قُلْتُ هَـذِي فِتْنَةٌ طَلَعَتْ أُخْـرَى

فَإِنْ تَكُ فَاسُ فِي اُلْمَحَاسِنِ بَاقَـةً

فَتِطْوَانُ قَـدْ ضَمَّتْ إِلَى اُلْبَاقَةِ اُلْعطْرَا

(ذَهَـبْنَا عَلَى أَنَّ اُلْمُقَامَ ثَلاَثَــةً

فَطَابَ لَنَـا حَتَّى أَقَمْنَا بِهَا عَشْرَا (12)

         

   فهذه الأبيات الأربعة حين نشرت في مجلة "دعوة الحق" أثارت جدلا وعافية نقدية، وحركت أقلام محبي الشعر، فمنهم من أشاد بروعتها وفرادتها، ومنهم من اتهم صاحبها بالغارة على أبى نواس وانتحال معانيه. والذي يظهر هو أن الشاعر الحلوي تواجد مع تطوان بالمعنى الصوفي، فقام بتناص مع الحسن بن هانيء، رفع به المكان إلى سمو القداسة، بينما أبو نواس نزل به إلى سراديب اللهو والمجون، وشتان بين المكانين والتصورين. ولولا  تضمين الحلوي لبيت أبي نواس لما اشتعل كل ذلك الوطيس النقدي، وأحبب به من سجال مخصب للثقافة وللشعر وللحاسة النقدية.

 œ                                                       ج- جمال الإنسان : باعتباره أرقى الكائنات، وأبدعها للحضارات، وأبصرها لأعماق الكون وأسراره. فاحتفاء الحلوي بجمال الكائن الإنساني هو من صميم نزعته الإنسانية التي تتغيا وجودا جميلا يسعد البصر والبصيرة، ويفتح للمخيال ملكوتا من البهاء والطمأنينة. يقول عن فاتنة في قصيدته "عذراء" :

  

كَأَنَّهَا أُعْطِيَتْ فِي اُلْحُسْنِ مُعْجِزَةً

تُحْيِي بِهَا كُلَّ قَلْــبٍ بِاُلْهَوَى كَفَرَا

خُلِقْتُ بِاُلْحُسْنِ مَفْتُونًا وَ هَامَ بِهِ

قَلْبِي، وَ لاَ شَيْءَ إِلاَّ اُلْوَصْفَ وَ اُلنَّظَرَا

مَجَّدْتُ رَبِّي اُلَّذِي أَعْطَى رَوَائِعَهُ

حَوَّاءَ فَاُسْتَعْبَدَتْ فِي أَرْضِهِ اُلبَشَـرَا

لَوْ أَنَّ آدَمَ لَمْ تُخْلَقْ بِـجَانِـبِهِ

حَوَّاؤُهُ لَغَدَتْ جَنَّاتُــهُ سَـقـَرَا (13)

 

ويقول أيضا مصورا فتنةَ الحركة لدى حسناء:

 

تَرَاهَا حِينَ تُـدْبِرُ فِي جَمَـالٍ

يَصُـوغُ لِخَلْفِـهَا وَجْهًا جَدِيدَا

فَماَ تَدْرِي أَمُقْبِلَةً خُطَـاهَــا

عَلَيْنَا أَمْ مُوَلِّيَةً صُــــدُودَا (14)

 

ويقول كذلك مُبرزا تأثير الجمال الإنساني حتى في الجماد:

 

خَشَعَ اُلرَّمْلُ فَسَوَّى خَدَّهُ

مَوْطِـئًا يَلْثِمُ أَقْدَامَ اُلْجَمَـالِ

مُتْعَةٌ تُصْبِي وَ كَوْنٌ حَالِمٌ

وَ هَوًى يُصْمِي وَ سِلْمٌ فِي قِتَالِ (15)

انظر إلى موشحه "سافرة" الذي عارض به موشح ابن سهلٍ الإسرائلي الأندلسي؛ المنسوب خطأ إلى بن المعتز؛ و مطلعه :

أيُّهَا اُلسَّاقِي إِلَيْكَ اُلْمُشْتَكَى          قَدْ دَعَوْنَاكَ وَ إِنْ لَمْ تَسْمَعِ

حَيْثُ يقول :

غَادَةٌ كَاُلشَّمْسِ تَرْقَى اُلْفَلَكَا         تَخْلُفُ اُلشَّمْسَ إِذَا لَمْ تَطْلُعِ (16)

معبرا عن أعلى درجات الحسن والوضاءة الكاسحة لكل ما سواها وما زلت أتذكر تلك الصرخة النقدية التي دارت حول هذا البيت في صفحات مجلة "دعوة الحق" من طرف ناقد حصيف. فقد أنكر على الشاعر مبالغته وعدم واقعيته، وغلوه في التصوير، كأنه لا يعرف أن المرأة في بلاده من لحم ودمٍ، وأنها تحتطب وترعى، وتحرث وتحصد، وتغزل وتسقي، وتتسوق كباقي النساء، وهذا سر جمالها، أما تلك الواردة في البيت والنائبة عن الشمس في الضياء فلا وجود لها إلا في وهم الشاعر ومثاليته الميتافيزيقية.

فالتغني بالجمال أينما كان وكيفما تجلى سمة من سمات شعر الحلوي؛ إذ حتى في قصائده التي تتناول أغراضا أخرى تجده يبث بين طياتها أبياتا توميء إلى موضوعة الجمال وتدعو إليه كمتنفس من توترات الحياة وشجونها وانجراحاتها، وكحافز على الحيوية والإبداع، فالقلب المتذوق للجمال هو القلب المبدع، وهو القلب الذي يسع الإنسانية كلها بشتى شياتها. أليس منظر فاتنة غريرة تسبح مما يبعث السرور في النفس، ويشرع لها آفاق التملي في جماليات مُحايثة تنتظم في عقد الكون، وتعطيه نسقا ربانيا لا أبهى منه ولا أروع؟ :

 

جُنَّتِ اُلْبِرْكَةُ لَمَّــا طَفَـرَتْ

وَ مَشَتْ تَسْعَى إِلَيْهَا ضِفَّتَاهَا

مَنْ رَآهَا وَ هْيَ تَحْتَ اُلْمَاءِ لَمْ

تَبْدُ لِلْأَعْيُــنِ إِلاَّ مُقْلـتَاهَا

أَبْصَـرَ اُلْفِتْنَةَ فِي مَنْبَــعِـهَا

وَ رَأَى اُلرَّوْعَةَ تَعْدُو مُنْتَهَاهاَ

أَسْلَسَ اُلْمَاءُ لَهَا فَاُنْسَابَ فِـي

رِقَّةٍ مُنْدَفِعًا حَسْبَ هَــوَاهَا

كُلَّمَا ضَمَّتْ يَـدَاهَـا وَجْهَهُ

ضَمَّهَا ضَمًّا رَفِيقًا وَ اُحْتَوَاهَا

وَ مَشَتْ وَاُلْمَاءُ مَشْبُوبُ اُلْهَوَى

ظَامِيءٌ تَلْثُمُ أَفْوَاهَهُ فَــاهَا (17)

  

أرأيت إلى ظمأ الماء وكيف تحول إلى أفواه تلثم هذه السابحة فيه؟ وإلى شبوب هواه وجنونه بها، وإلى سعي ضفتيه إليها؟ إنها لوحة من أبرع وأخلد لوحات الحلوي الشعرية في تصوير الجمال تصويرا فنيا لا ابتذال فيه، ولا شهوانية مظلمة تشعل الحواس بالغواية. فهي مثال للسمو الشعري نسجا وتخييلا وإيقاعا وصورا، تنشدها وأنت مطمئن المشاعر لخلوها من طينة الحسية المسعورة، وتتأملها وكأنك تصعدُ في مجرة النقاء المدهش.

2-3-التعاطف مع المحرومين

Í                   أ - المعذبون في الأرض :

للشاعر الحلوي حس إنساني مرهف وشفاق. فالإنسانية كلها تكاد تكون وطنه المتعالي عن الجغرافيات والإثنيات واللغات والمعتقدات، إنه حس جامع نابض بأتراح الإنسان وأقراحه، بانبساطاته وأفراحه، كلما ألمت ملمة به كان إلى جانبه مؤاسيا ومبلسما، ومجرحا من كان وراء عذابه. فعن المعذبين في الأرض يقول:

 

مَنْ هَؤُلاَءِ يَلُفُّهُـمْ جُنْحُ اُلدُّجَى

غَرْثَى عَـرَايَا فَـوْقَ أَرْصِفَةِ اُلدُّرُوبْ ؟

جُثَـثًا هَزِيلاتٍ عَلَى بُسُطِ اُلتُّرا

بِ تَئِنُّ مِنْ فَرْطِ اُلتَّعَاسَةِ و اُللُّغـُوبْ

لاَ نَـارُ مِـدْفَأَةٍ تُـخَفِّفُ نَارُهَا

مِنْ زَمْهَرِيرِ اُلْبَرْدِ فِي تِلْكَ اُلْقُلــوبْ

أَلْـقَى عَلَيْهَا اُللَّيْلَُ أَسْدَالَ الظَّلاَ

مِ فَأَغْمَضَـتْ أَجْفَانَهَا قَبْلَ اُلْغُـرُوبْ!

أَلثَّلْجُ يُلْحِفُهَا غِطَـاءً مُرْعِشـا

وَ اُلْأَرْضُ تَفْتِكُ بِاُلْمَفَاصِلِ وَ اُلْجنُوبْ

وَ اُلْجُوعُ مَوْتٌ مُبْطِيءٌ يَمْشِي بِهَا

لِلْقَبْرِ أَشْبَاحًــا تُـشَيِّعُهَا اُلْكُرُوبْ

         *                                                 *

 

مَاذَا أَفَادَ اُلْعِلْمُ فِي جَوْلاَتِـــهِ

عَبْرَ اُلْفَضَاءِ مُحَاوِلاً كَشْفَ اُلْغُيُوبْ؟

أَلْجَهْلُ فَوْقَ اُلْأَرْضِ يَنْـشُرُ ظِلَّهُ

وَ اُلْفَقْرُ وَ اُلْأَمْرَاضُ تَفْتِكُ بِاُلشُّعُوبْ

أَفَيَسْتَطِيعُ اُلْعِلْمُ إِسْعَادِي هُـنَـا

كَ وَ قَدْ شَقِيتُ بِهِ هُنَا بَيْنَ اُلْحُرُوبْ ؟

مـَا لِلْجِيَـاعِ وَ لِلْفَضَا يَكْفِيهِمُ

مِنْكُمْ لُقَيْمَاتٌ وَ أَوْسَاخُ اُلْجـيـوبْ؟

لاَ خَيْـرَ فِي مَالٍ وَلاَ عِلْمٍ وَ لَوْ

مَلَكَ اُلْفَضَاءَ إِذَا تَحَجَّرَتِ اُلْقُلُوبْ ! (18)

 

وتسري نغمة التعاطف هاته في معظم قصائده كقصيدة "ماسح الأحذية" في ديوان "أنغام وأصداء" و قصيدة "حضارة" في ديوان"أوراق الخريف". وسنكتفي بإشارات تمثيلية لهذا المنحى كقوله عن "أعمى" :

 

مَنْ لِأَعْمَى يَدِبُّ فِي فَاحِمِ اُللَّيْـــ

لِ وَحِيـدًا يَـقُـودُهُ وَ يَــمُونُـهْ ؟

لَـمْ يَـجِدْ بَـيْنَ عَالَمِ اُلـنَّاسِ إِلاَّ

سَــاخِرًا مِـنْهُ أَوْ غَـنِيًّـا يُـهِينُهْ

تَـائِهًا كَـاُلْـغَرِيقِ فِي جُـنْحِ لَيْلٍ

يُـوحِـشُ اُلنَّـفْسَ صَمْتُـهُ وَسُكُونُهْ

كَاتِمًـا فِي دُجَاهُ أَنْفَـاسَ مـَحْـرُ

مٍ طَـوَاهُ اُلْأَسَــى وَ لَـجَّ أَنِيــنُهْ

فَـهْوَ أَعْـمَى لَمْ تُبْصِرِ اُلـنُّورَ عَيْنَا

هُ وَ لَـمْ تَـرْنُ لِلْجَـمَالِ جُفُونُــهْ

أَيُّ طَـرْفٍ يَـرَاهُ فِي سَحْـنَةِ اُلذُّلِّ

مَهِـيـنًا وَ لاَ تَـفِيـضُ شُـؤُونُـهْ ؟ (19)

 

فالتساؤل هنا انفتاح على جرح إنساني مفجع يلقي به الشاعر على مسامع الكون في مستهل النص، وبعد تشريح محنة الكائن الضرير يختم بتساؤل آخر يسبر فيه إنسانية المبصرين ويستفزها. وعلى وتيرة ذلك التعاطف يسير حين يتحدث بلسان "بئيس"  مازجا مأساته بمأساة الكون المتحول إلى غاب لا لغة إنسانية فيه إلا لغة القوة والاستكبار والنار والدمار:

 

وَ أَنَـا اُلْبَائِسُ اُلَّذِي يَسْمَعُ اُللَّحْـ

نَ نَحِيبًا وَ يَجْـرَعُ اُلْكَـأَسَ صَـابَــا

وَ يُعَانِي مِنَ اُلزَّمَانِ وَ أَهْلـــيـ

ــهِ شَقَـاءً وَ مِحْنَــةً وَ عَــذَابَـا

فِـي حَيَاةٍ كَأَنَّمَا مَسَــخَ اُللَّـ

ــهُ بَنِِـيـهَا كَوَاســِرًا وَ ذِئَــابَا

صَنَعُـواْ اُلنَّـارَ وَ اُلدَّمَارَ وَ خَاضُو

هَـا جَحِيـمًا وصَيَّـرُواْ اُلْكَـوْنَ غَـابَا

وَ اُسْتَـخَفُّواْ بِاُلْعَاجِزِينَ وَ سَاقُــو

هُـمْ عَبِـيدًا وَ اُسْتَكْبَرُواْ أَرْبَــابَــا

تِـلْكَ دُنْيَايَ مَـا سَعِدْتُ بِهَـا مُـنـْ

ذُ اُزْدِيَادِي وَ مَا عَـدِمْتُ اُكْتِـئـابَـا (20)

 

أَهو شقاء وجودي إذن؟

أم هو موت الحاسة الإنسانية والضمير الأخلاقي كما عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت؟ !

 

إ ن الشعر الإنساني هو الشعر الأعلى والأبقى، وأكيد أن الحلوي له القدْحُ المعلى في هذا المضمار، فالتعاطفية مع المحرومين والمعذبين في الأرض – تحت أي ظرف من الظروف- هي القيمة المهيمنة على جل نصوصه، وهي نغمة يزيد في وقعها ذلك السبيل الفني الذي نهجه لإبراز نزعته تلك والمتجلي في تقنيات : الحكي والسرد والحوار والتشخيص؛ والتي سنلم بها ضمن الآليات الفنية، كما في قصيدته "ماسح الأحذية" :

 

قَالَ: يَا أُمُّ لاَ تَهُونِي وَقَـدْ مَــا

تَ أَبُـونَا فَـفِيكِ أَغْلَــى اُلْعَزَاءِ

لَسْتِ أُمِّي إِنْ لَمْ أَصُنْكِ وَ لَمْ أَفْـ

ـدِكِ بِاُلـرُّوحِ يَـا مِثَـالَ اُلْفِدَاءِ

 

فهو يستهل مقطعها الأول بمقول القول الذي هو نداء مشبعٌ رجولة وتعاطفًا، ثم يليه الوصف الدقيقُ في مُرَكَّبَاتِ فعلية متحركة في الزمان تأتي كضربات فرشاة تختزن هدير الأعماق، ثم ينتقل في مقطعها الثاني إلى الحكي والسرد بضمير "الأنا" الموصوف في الجزء الأول.أمَّا في المقطع الثالث فإن الشاعر هو الذي يدخل المسرح راصدًا التحرك اليومي لهذا الشخص كما عين الكاميرا:

وَ رَأَى فِي اُلْمَقْهَى ثَرِيًّا عَلَى تَخـْ

تٍ تَمـَطَّـى فِـي نَخْوَةِ اُلْأَثْرِيَاءِ

يَرْشُفُ اُلْكَأْسَ فِي دَلاَلٍ وَ يَرْنُـو

لِلنَّدَامَى بِأَعْيـــنٍ شَــزْرَاءِ

فَـتَـدَانَى إِلَيْـهِ وَهْـوَ يُمَـنِّي

نَفْـسَهُ مِنْ حُظُوظِ هَـذَا اُللِّقَاءِ (21)

 

ب-المنفيون والمضطهدون:

والنفي والاضطهاد والاختطاف والاحتجاز أفعال لا إنسانيةٌ، وعارٌ في جبين الحضارة، وتلطيخ لوجه البشرية، وإهدارٌ للآدمية التي كرمها الله، واستخفت بها الإيديولوجيات والعرقيات والأنانيات المستكبرة بقول الحلوي عن نموذج من هؤلاء :

 

يَا نَازِحًا ضَاقَتِ اُلدُّنْيَا بِنَـجْـوَاهُ

وَ بَرَّحَ اُلشَّـوْقُ وَ اُلذِّكْرَى حَنَايَاهُ

غَرِّدْ فَلَحْنُكَ صَوْتٌ لاَ أُضَيِّعُــهُ

إِذَا تَرَدَّدَ فِي قَلْـبِي فَــأَدْمَـاهُ

إِنَّ اُلْقُلُوبَ وَ إِنْ شَـذَّتْ طَبَائِعُهَا

فِيمَا تُقَاسِي مِنَ اُلـدُّنْيَا لَأَشْـبـَاهُ

يَا دَهْرُ حَسْبُكَ كَمْ رَوَّعْتَ مِنْ كَبِدٍ

حَرَّى وَ ناَزَعْتَ قَلْبًا مَا تَمَــنَّاهُ

مَتَى يَعُودُ إِلَـى شَمْلٍ فَيَجْمَعُـهُ

وَ للِسَّـلاَمِ فَـيُنْسِينَا خَـطَايَاهُ (22)

 

 

ج-المفجوعون في الأبناء:

 

ومن النزعة الإنسانية والكونية تصويره فجيعة الآباء في فقدان صغارهم، فهذا أب اخترمت المنية وليدته الصغيرة التي كان يأمل أن تكون امتدادا له وأمل غده الذي لا يخبو، ولكن القدر استخلصها منه، فأمسى يعزف جراحه ويناجي براءتها وطيفها:

مُنَايَ وَنَجْـوَايَ فِـي مَـعْبَــدِي

وَ سُـؤْلِـي اُلَّذِي أَرْتَجِي مِنْ غَدِي

فَقَـدْتُكِ مِنْ قَبْــلِ أَنْ تُفْـقـدِي

وَضَـنَّ بِـكِ اُلْغَيْبُ أَنْ تُوجَـدِي

فَـأَذْكَى أَسَايَ وَ أَصْفَى يَـــدِي    

وَ صَانَـكِ فِـي اُلْـبَرْزَخِ اُلْأَبَـدِي

فلِلَّهِ مِنْ لَـهَـفٍ مُـجْـهِـــدِ !

تَحَمَّــلْـتُـهُ قَـبْلَ أَنْ تُـولَـدِي

*                                       *

أَطِلِّـي وَ مُـدِّي يَـدًا نَـلْتَـــقـِي

بِـرُوحَـيْـنِ بَـاتَــا عَلَى رَمَــقِ

كِـلاَنَـا مَـشُـوقٌ إِلَى شـــيِّـقِ

فَـإِنّـِي أَبُـوكِ اُلْمُـعَـنَّـى اُلشَّقِـي (23)

 

إنه نص يثير الشجن والغصة والشجو، ويحرك مشاعر كل ثاكل وثكلى، وكأني بالشاعر وقد كتبه ليرقص به طفلته، ويشكو لها لوعته، متصورا إياها في مخياله بلثغتها وسذاجتها كأن لم تغب عنه. ولست أعلم لماذا يعروني حزن ذابح كلما أعدت قراءة هذا النص؟ ولماذا يذكرني –وفي سياق مخالف- بالشاعر المهجري زكي قنصل الذي يقول عن صغيرته وهي في غرفة الجراحة مخاطبا مبضع الجراح:

رِفْقًا بِهَـا يَـا مِبْضَعَ اُلْجَرَّاحِ        جَـرَّحْتَ قَلْبَ اُلْوَالِدِ اُلْمُلْتَاحِ

هل لأن (أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض)؟ أم لأن الطفولة الساكنة في دواخلنا تتماهى مع من فقدناهم من الأطفال؟

 

2-4- رفض العنف:

 

أكيد أن الفقدان جرح أنطولوجي ينتج استيهامات وتوترات على مستوى الذات والموضوع، ويكون تعلة لظواهر منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو سلبي.وليس الفقدان فقدان أشخاص أو ممتلكات فقط، بل هو فقدان معان مؤسسة للوجود بالنسبة لمن يؤمن بها، ومن هنا تأتي منافحته عنها وتحركاته لاستعادتها بطرق قد لا تكون منتجة، مما قد يؤدي إلى انفساح دائرة الشر.

 

والشر استفزاز للعالم ولكل مبدع واعٍ بالوجود وبماهية الكائنات فيه، ولذلك نرى الشاعر الحلوي كغيره من الشعراء الكبار يحاول عن طريق تصور عالم افضل مُمْكِن قيادة الوجدان الإنساني إلى الانسجام مع الكون كما خلقه الخالق، باعتبار الشر أطروحة عدمية لا تتجانس مع إرادة الخير عند الله، ولا تناقض الخير الإلهي كما يؤكد غوتفريد ويلهيلم لاَيْبْنِيتْسْ Gott Fierd Wilhelm (ت 1716م)، وقبله الحكماء المسلمون.

 

فالشر ماهية عدمية وحرمان وفقدان، وحيث يكون الفقدان لن يكون ثمة معنى للعلة الفاعلة، ولا لإيجابية الكون وحركيته نحو الأفضل والأسمى، وإذن فإن الشرور الوضعية هي من ذات الإنسان لا من ذات الباريء الذي يريد الخير ذاتا، لكنه يسمح بالشر في سياق الخير الذي أراده.

والشر شرور:

              I. شر  ميتافيزيقي : يتمثل في النقص الذاتي عند البشر

            II.شر أخلاقي : يتمثل في سوء الاختيار، فالإنسان مختار، واختياره هو علة شره. ومقتضى الاختيار ارتكاب الخطأ والذنب . ولهذا سمح الله بهذا الشر القليل (= الذنب) لأنه من ضرورات الخير الكثير (= الاختيار الأصوب).

          III.    شر فيزيقي : يتمثل في الألم بكافة أشكاله وصنوفه، وفي العنف والعنف المضاد وما يترتب عنهما من دمارات روحية ومادية ، ومشاعر وحشية عمياء تحجب البصيرة عن الطريق الأقوم والخير الأعلى. (24)

 

إن الشرور من اللوازم الحتمية لوجود الخير، غير ممكن تفكيكها عنها، إذ لازمُ الشيء لا ينفصل عنه. زيادة على أن العالم وحدة واحدة تتأبى على التقسيم، وأجدى ما يمكن عمله في هذه المسألة اعتماد مبدأ التناسق، وإدراك أن نسبة الشر في العالم أقل بكثير من خيراته، وأن توهم غير ذلك راجع إلى كون الإنسان يعتبر ذاته محور العالم، وكلما أصابه شر عممه على كل العالم. وإلا فإن أنواع التطرفات ومظاهر العنف التي تصاحبها في بعض أشبار الكرة الأرضية ليست هي وجه العالم ولا سمته الحقيقية، فالعمق الإنساني فيه ما زال معافى. وأكبر معبر عنه هو الشعر بوصفه نهرا سريا يغسل تجاعيد الروح ويمسح كربات الوجود ، والحلوي نبضة من نبضات هذا العمق، فهو يرفض كل شكل من أشكال العنف، ويفند مزاعم مرتكبيه كيفما كانت تعلاتهم ونحلهم وأطروحاتهم، لأن ترويع الآمنين وقتل الأبرياء جريمة تخرج مرتكبيها من دائرة الشخصانية الإنسانية كما أثلها الفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي، وتنزل بهم إلى غابوية الكائن.فالشرائع سماحة ورحمة، والسياسة اعتراف بالاختلاف وقبول بالحوار المخصب، أما ما عدا ذلك فهو تشنج وعنف، وتجن وممارسة للتطرف والتطرف المضاد. يقول عن فئة سفكت دم الحجيج في الشهر الحرام دون مراعاة لحرمات الله:

 

رَوَّعُواْ بَيْتَهُ وَ قَدْ أَمَّنَ اُللَّهُ بـــِهِ طَيْرَهُ مـِـنَ اُلْعُــدْوَانِ

فِتْنَةٌ ضَـجَّ مِـنْ فَظَائِعِهَا اُلْبَيْتُ وَ عَجَّ اُلْمُقَامُ وَ اُلرُّكْــنَانِ

رَتَـعَـتْ فِـي رِحَابِهِ جَامِحَاتٍ دُونَ وَعْيٍ وَ دُونَمَا إيـمَانِ

وَسَـقَـتْ تُـرْبَهُ اُلزّكِيَّ دِمَاءً أَهْدَرَتْهَا اُلْغَوْغَاءُ كَاُلْقُرْبَــانِ

زَعَـمُواْ أَنّـَهُمْ خَلاَئِفُ فِي اُلْأَرْضِ لإِنْقَاذِهَا مِنَ اُلطُّغْيَــانِ

لَيْسَ بِاُلْقَتْلِ قَامَتِ اُلشَّرَائِعُ فِي اُلْأَرْضِ وَ لاَ بِاُلتَّعْذِيبِ لِلإِنْسَانِ (25)

 

 

2-5-الرؤية الإنسانية:

 

إن النزعة الإنسانية عند الشاعر الحلوي هي وليدة رؤية عميقة للإنسان والوجود والكون؛ جذورها فنية وتخييلية ولغوية أكثر مما هي تفلسفية. وإذا كان الشعر رؤيا إبداعية خارقة للمحجوب والمتواطأ عليه، لا يأتي إلا منها ولا يكون إلا بها، فإن الشعراء وفقا لذلك صنفان :

·                                                          شعراء رؤيا مشروطة بنسق جمالي معرفي وكوني

·                                                          شعراء رؤية مشروطة بنسق ذي أبعاد ذاتية منظورة،لا تتوخى إلا الإيغالَ فيما وراء الحدوس وجوانية الأشياء، ولا فيما وراء اللاعقلاني والمختلف من عوالم مورقةٍ بالانسجام والجِدة والروعة، ومن ثمة تكونُ مظهرانية شكلا ومعنى، ومُسَوَّرَةً بثوابتها الثقافية والنفسية والجمالية، وإيقاعها الزمني الكرونولوجي، لا بإيقاع الزمن الكوني الإبداعي.

 

ومحمد الحلوي يتعاطى الشعر وفق تصور الصنف الثاني، حتى حين يدخل في منطقة المشترك الإنساني الذي يستوجب رؤيا خاصة لإدراكه، لا رؤيةً لوصفه وتقريره. فهو كغيره من شعراء هذا الاتجاه يدعو إلى الإخاء والتآخي بين البشر، وإلى التعاون والتسامح لإنقاذ الحياة مما تتخبط فيه من ويلات....ولكن كيف ؟ وما هي الرؤيا النسقية التي بادَهَ بها وجدان المتلقي وبصيرته، وخلخل بها ما ألفه من تصورات عن "الأنا" و "الآخر"؟  لنتأمل ما يقوله في قصيدته "نداء":

 

يَا أَخِـي فِـي اُلْحـَيَاةِ عَـلَى رَغْــ

ـمِ هَـوَانَـــا وَ أَنْفِــنَا أَخَــوَانِ

نَـحْـنُ فِـي زَوْرَقٍ تَقَـاذَفَـهُ اُلْمَـوْ

جُ عَــدِيـم اُلشِّـرَاعِ وَ اُلرُّبَّـــانِ

فِي ظَـلاَمٍ كَـاُلْمَـوْجِ أَدْعُو فَلاَ تَسـْ

مَــعُ صَـوْتِـي وَ أَشْتـَـهِي أَنْ تَرَانِي

ضَـاعَ مـِنِّي اُلْمِجْذَافُ وَ امْتَلَأَ اُلـزَّوْ

رَقُُ مَـاءً وَ لَـجَّ فِي اُلْخـَفَــقــانِ

فَتَعَاوَنْ مَــعِي لِنَجْـذِفَ بِـاُلْأَيْــ

ـدِي فَـنُرْسِـي عَلَى جَنَاحِ اُلْأَمَــانِ

لاَ تَكِلْنِي وَ نَحْنُ فِي عَــالَمِ اُلْأَهْــ

ــوَالِ غَـرْقَى نَـخُوضُ فِـي أَشْجَانِ

لِـمَ نَـبْـنِي وَنَحْــنُ نَـهْدِمُ جَـنَّا

تٍ مِـنَ اُلْفَنِّ رَائِــعَاتِ اُلْـبَيَــانِ ؟

لِـمَ نَبْــكِي وَفي اُلطَّبِيـعَـةِ سِحـرٌ

وَ جَـمَـالٌ وَصَـبْــوَةٌ وَأَغَـانِـي ؟

فِـي اُلسَّمَاءِ اُلـزَّرْقَاءِ سَلْوَى وَفِي اُلرَّوْ

ضِ أَنِيـسٌ وَفِي فُـنُـونِ اُلْغـَـوَانِي

كُـلُّ مَـا فِــي اُلْـحَيَاةِ حُلْوٌ جَمِيلٌ

يَتَـغَـنَّـى بِأَطْيَــبِ اُلْأَلْـحَــانِ

فَـاُرْفَعِ اُلنَّــايَ يَا أَخِي وَ أُشْـدُ لَحْنًا

عَبْـقَــرِيًّا يَــهُـزُّ مِـنْ أَرْكَـانِي

غَـنِّ لَحـْنَ اُلصَّفَاءِ وَ اُلسِّلْمِ وَ اُلْحُـ

ـبِّ وَ زُفَّ اُلْـبُشْــرَى بِكُلِّ مَكَانِ

ثُمَّ ضَــعْ فِـي يَــدِي يَـدَيْكَ فَإنَّا

هَا هُــنَـا رَغْمَ أَنْفِـــنَا أَخَـوَانِ

فَعَلَـى مَ نَعِـيشُ فِي هَـذِهِ اُلدُّنْــ

ــيَـا ذِئَـابًـا فِي صُورَةِ اُلْإنْسَانِ ؟!

وَ لِمَــاذَا نَهِيجُ شَوْقًا إِلَى اُلْــحَرْ

بِ نُـعَـانِـي مِـنْ نَـارِهَا مَا نُعَـانِي ؟!

نَتَسَـاقَـى كَـأْسَ اُلـصَّدَاقَةِ وَ اُلْحُ

ــبِّ بِأَيْدٍ مُضَرَّجَاتِ اُلْبَــنَــانِ ؟!

أَكَذَا اُخْتَــارَ أَنْ يَعِيـشَ بَنُواْ اُلدُّنْـ

ـيَـا وَقُـودًا يُـضِيءُ رَكْبَ اُلزَّمَانِ ؟!

يَتَفَـانَـوْنَ كَـيْ يَعـيشـواْ فَيَفْنَوْ

نَ ضَحَـايَـا مَـطَامِعٍ وَ أَمَــانِــي

أَلِـهَـذَا أَخِـي أَتَـيْتَ إِلَى اُلدُّنْـ

يَـا، أَهَـذِهِ رِسَالَةُ اُلْإِنْـسَــانِ ؟؟! (26)

 

إن نص "نداء" رغم ما يحمله من قيم إنسانية عليا واستعارات و مجازات مضيئة للوجدان، لا يعدو أن يكون نظرة من النظرات السائدة في الجسد الشعري العربي الحديث عامة، إذ لا استثناء فيه، لأنه رؤية من الرؤيات ولم يرتق إلى مصاف النصوص ذوات الرؤيا الخاصة المتفردة، وهذا لا ينقص من قيمته وتوجهه الإنساني، فهو قد أحدث تأثيرا في متلقيه إبان نشره في مجلة (دعوة الحق)، وقامت حوله وبسببه ضجة نقدية قادها الشاعر عبد الكريم التواتي الذي اعتبر مضمون نص الحلوي هذا منتحلا من قصيدة له في نفس الموضوع، وتتبعه نقاد آخرون بعضهم ناصر الحلوي وبعض آخر مال إلى طروحات الشاعر التواتي، أما الفئة الثالثة منهم فقد انتقلت بالأمر على أبعد من ذلك حيث رأت في "نداء" الحلوي شعراء آخرين كميخائيل نعيمة وأبي ماضي.

 

وأيا كانت الردود حول هذا النص فإن له فضل  إلقاء حجر في بركة النقد آنذاك، وتوجيه دفته إلى ناحية شعرية إنسانية جديدة كان الشعر المهجري قد قطع فيها شوطا كبيرا. وليس هذا النص الوحيد الذي يلح فيه الحلوي على التآخي والسلام والمحبة ورفض الحروب، بل هناك نصوصٌ أخرى للشاعر نسجها هذا الهاجس، نذكر منها نص "عسى الفجر" الذي يقول فيه :

 

مَتَى تَسْتَـرِيحُ مَــرَاكِـبُــنَا

وَ يَنْعَـمُ بِاُلْأَمْــنِ مِـينَاؤُهَـا ؟

عَـسَـى اُلْفَجْرُ يَبْدُو فَتَزْهُـو اُلْـ

أَمَانِي وَتَعْبَقُ فِي اُلْكَوْنِ أَشْذَاؤُهَـا

وَ تَسْتَقْبِـلُ اُلْأَرْضُ عِيـدَ سَــلاَمٍ

وَ تَخْضَرُّ بِاُلْـحُبِّ أَرْجَـاؤُهَا (27)

 

فالرؤية إلى هذه القضايا شعريا هي غير الرؤية إليها فكريا وسياسيا، لأن الشعر حلم بالممتنع وجوسٌ فيما وراء الواقع، لا يتغيا تبشيرا بقدر ما يتغيا إحداث تغيير في الحساسيات والتصورات ينتج عنه فعل جمالي شاملٌ. ومن ثمة تكون رؤية الحلوي إلى الإنسانية في واقعها مباينة لغيرها من الرؤيات، فهي تندرج في سياق المحلوم به، كما تبينه قصيدة "رؤيا" :

 

أَيُّ دُنْيَـا أَنْتِ يَـا دُنْيَا اُلـرُّؤَى

يَا مَلاَذَ اُلرُّوحِ يَـا مَنْبَعَ اُلــنَّبِي

سَـبْحَةٌ مِـنْ سَبَحَاتِ اُلرُّوحِ فِي

أُفْقِـكَ اُلسِّحْرِيِّ عُمْــرٌ ذَهَبِي

فِي مَجَـالِيكِ اُسْتَـقَيْتُ اُلْفَنَّ مِنْ

مَنْبَعِـهِ اُلْفَـيَّاضِ صَافِي اُلْمَشْرَبِ

وَ تَلَـقَّـى قَلْبِيَ اُللَّحْنَ اُلَّــذِي

يَتَلَقَّـى مِثْلَـهُ كُــلُّ نَـبِـي

 

فالنبوءة رؤيا صادقةٌ، والشاعر بالمفهوم اليوناني للكلمة نبي في حدوسه وصفاء روحه، وشفافية أشواقه، له معراجه الروحي الذي تتشكل فيه الأشياء والأكوان:

 

طِرْتُ فِي رُوحِي وَ خَلَّفْتُ عَلَى

مَضْجَـعـِي جِـسْمًا يُحَاكِي اُلنُّصُبَا

عَـالَــمٌ مِـنْ فِتْنَةٍ زَاخـرَةٍ

عَبْقَـرِيُّ اُلسـِّحْـرِ وَضَّـاءُ اُلرُّبَى

لاَ تَرَى عَيْنُـكَ إلاَّ جَــنَّـَةً

فَـاضَ فيهَـا اُلْحـُسْن يَجْرِي ذَهَبَا

وَ تَنَقَّـلْتُ فَمَا رَفْرَفَــتُ فِي

جَـنَّـةٍ إلاَّ وَكَـانَـتْ أَعْــجَبَا

فِي جِنَـانٍ لَـوْ رَآهَــا آدَمٌ

مَـا عَـصَـى خَـالِـقَـهُ أَوْ أَذْنبَا

لَوْ رَأَى إبْلِيسُ فِي أَحْــلاَمِهِ

بَـابَـهَـا أَقْـبَـلَ يَـعْدُو تَائِـبَا

 

وهكذا يبدو هذا النص سفرا حُلُميا روحيا يقتفي خطى الإسراء والمعراج، وترحُّلاً شعريا لاكتشاف ما وراء المادة مما لا يكتشفه إلا الشهود البصائري، يرحل من واقع الجسد وملاباساته وتشظياته إلى انفساحات الحلم الروحي وتناغماته :

أَغْمَضْتُ عَيْنَايَ فَاُقْتَادَ اُلْكَرَى        رُوحِـي اُلْحَالِـمَ يَطْوِي اُلْحُجُبَا

وبعد المشاهدات والتأملات، وبناء الرؤية الخاصة عن الوجود والإنسان يقول:

 

تِلْكَ رُؤْيَـايَ وَ لَنْ يَعْـــبُرَهَا

غَيْـرُ حَـيٍّ ذَاقَ طَعْمَ اُلْأَلَــمِ

شَرِبَ اُلْهَمَّ كُؤُوسًا مُــــرَّةً

وَ بَـكَتْ عَيْنَـاهُ مِنْ وَادِي اُلدَّمِ

وَ اُشْـتَكَى وَهْـوَ غَرِيقٌ مُشْرِفٌ

يَـصْرَعُ اُلْمَـوْتَ لِمَنْ لاَ يَرْحَمِ

وَ رَأَى اُلْإِنْـسَانَ وَحْــــشًا

مَـدَنِيَّ اُلشَّكْلِ حُـلْوَ اُلْمَيْـسَمِ

يَنْشُدُ اُلسِّـلْمَ وَ أَيْدِيــهِ عَلَى

عُـنُـقِ اُلْمَخْنُوقِ أَيْدِي مُجْـرِمِ

فَهْـوَ كَاُلْجَزَّارِ مَا بَيْنَ مُــدًى

سَـابِـحًـا فِي دَمِهِ أَوْ وَضَـمِ

لاَ يَـرَى حُلْمِيَ إِلاَّ مُومـــِنٌ

بِـنُـبُـوءَاتٍ وَ رُؤْيَـا اُلنَّائِمِ (28)

 

ولا نلفي هنا دليلا أنصع على الرؤية الإنسانية للحلوي من قصيدة "رؤيا" هاته، فهي ذات بناء محكم إيقاعا وأسلوبا وتخييلا وقافية واستشرافا، صاغها في ثلاثة مشاهد متضافرة يصب بعضها في بعض، وتكون في مجملها مع قصيدة "نداء" فضاءين شعريين باذخين منفتحين على المشترك الإنساني الكوني الذي لا يكون الشعر شعرا غلا به. يحق للشعر المغربي الحديث أن يتباهى بهما في فضاء الشعر الكوني المتجدد والدائم.

 

إن بنية الرؤية لدى الحلوي هي بنية المحلوم به إنسانيا، تتشابك فيها الأطراف والمراكز، وتفعل فيها الدواخل، وتتفاعل فيها المرئيات والمرجعيات، ولننظر إليه كيف يتصور الحرية التي هي أفق إنساني ورئة كونية يختنق الوجود الشخصي والموضوعي إذا اختنقت ويتنفس حياة خلاقة إذا سلمت واتسعت، يقول:

 

سَائِلُواْ لشَّمْسَ أَيْنَ غَابَتْ وَ هَلْ حَا

نَ لَهَـا أَنْ تُطِلَّ بَعْدَ اُلْمَغِيــبِ ؟

أَظْلَمَ اُلْكَوْنُ يَوْمَ غَابَتْ وَ عَامَ اُلْـ

ـكَـوْنُ فِي وَحْشَةِ اُلظَّلاَمِ اُلرَّهِيبِ

سَائِلُوهَا فَإنَّ فِي اُلْأُفْـقِ اُلْـبــا

كِي بَقَـايَا أَشِعَّةٍ فِي شُحُـــوبِ

وَدَّعَتْ شَاطِيءَ اُلْغُرُوبِ وَ مَدَّتْ

لِبَنِيهَا يَـدَ اُلْغَـرِيبِ اُلْمُهِيــبِ

فَاُنْشُلُوهَا فَإِنَّ فِيــــهَا ذَمَـاءً

لاَ تُضِيـعُهُ بِاُلْأَسَى وَ اُلنَّحِيــبِ

وَ اُسْجُدُواْ حَوْلَ عَرْشِهَا خُشَّعَ اُلْأَبْــ

صَارِ فِي تَوْبَةِ اُلْمُسِـيءِ اُلْمُنِيـبِ

فَعَسَاهَا تَنْسَى لَكُمْ مـا جَنَيْـتُـــمْ

مِـنْ عُقُوقٍ وَ مَا مَـضَى مِنْ ذُنُوبِ

إِنَّهَــا شَمْسُ كُلِّ حَيٍّ يَــوَدُّ اُلْـ

ـعَيْشَ حُرًّا وَ شَمْسُ كُلِّ اُلشُّعُوبِ (29)

 

فما هي هذه الشمس التي ستُسأل؟ ومن سيوجه إليها السؤال؟ وحول ماذا؟ ولم غابت؟ وكيف؟ ومن هم بنوها الذين مدَّت إليهم يد الغريق؟ وأين يتجلى عقوقهم لها؟ أسئلة تدخل في منطقة إشكالية الحرية ومشكلاتها وماهيتها، وفي علاقة الإنسان بها، أهي علاقة ضرورة أنطلوجية؟ أم علاقة ضرورة سياسية؟ يفرضها علينا النص لإدراكه جماليا وفكريا والتصاحب معه من خلال البيت الأخير الذي هو مفتاحه وبؤرته، فالبحث عن الشمس هو البحث عن الحرية التي لا تكون حياة من دونها. ولَكَمْ كان الفيلسوف الكلبي (ديوجين) عميق الرؤية عندما وقف عليه الفاتح الأكبر الإسكندر المقدوني ذات ظهيرة في أحد الشواطئ، فسأله : ماذا تريد يا ديوجين؟ فأجابه ببساطة ثاقبة : لا تحجب عني الشمس.

 

وإذن؛ فالحلوي يرى أن

 

    شمس = الحرية                           الحرية = الحياة          

 

 

                            الغروب

 

ولا بد من المسارعة إلى إنقاذها و إنقاذ الحياة معها مما يتهددها من عوامل حجبٍ وتصفية وغروب، وإلا فإن العيش لن يكون له معنى بغيابها، إذ غيابها غياب للأفراد والشعوب. فماذا يبقى للكائن بعدها غير ظلام الاستعباد.

 

وإجمالا؛ فإن الرؤية الشعرية الإنسانية عند الشاعر الحلوي تعتمد على اللغة المنزاحة عن اللغة العادية وعلى الإيقاع، وعلى الانسجام الذي يسود النص، وعلى التدرج من الأجزاء نحو الصورة العامة، إذ من خلال هذه العناصر البنائية المكونة للنص الشعري لديه تتكشف رؤيته التي تمثل موقفه تجاه العالم، فرؤيته لا ترتبط بالمحيط الجزئي ثقافيا أو تاريخيا أو نفسيا أو سياسيا، بل ترتبط بما هو شامل وإنساني عام. (30)

 

ولذلك كان خطابه الشعري في العمق لعبة لغوية ناصعة، ولعبة قراءة لغير المدهش لا تنحاز، ولعبة تبادلٍ وتخفٍّ للنصوص الغائبة. سمتُه الإيحاء والإشارة، وكينونته التخييل الذي يطلعك على ما وراء لغته من عوالم الجهد والمعاناة والتأمل.

 

Í      3-آلياتها الفنية:

إن النزعة الإنسانية في شعر الحلوي تتمظهر من خلال الآليات الفنية التي اشتغل بها متنه الشعري، وهي آليات متنوعة ومتعددة منها ما يتعلق بالبناء اللغوي، ومنها ما يتعلق بالنظام الرمزي، ومنها ما يتعلق بالتمازجات النصية وتقنيات السرد والحكي وتنويع المشاهد.

 

 

3-1-البناء اللغوي:

 

فعلاقة الشاعر بلغته هي علاقة من خاص جدا، تكاد تصلُ إلى درجة الوله والتقديس التي عبر عنها الشاعر صلاح عبد الصبور بقوله : " إن بعض الكلمات لتكتسب في عيني أحيانا صفات الكائن الحي، فلا تكون مجرد كلمات مفردة، إذ تُضْغَطُ وتثوى فيها عوالم كبيرة ورؤى وذكريات حتى تصبح أشبه بالقمقم الذي حبس فيه العفريت أو الجنيُّ الذي هو الحياة. تظل مثل هذه الكلمات تطاردني، وتفرض علي وجوها بصورة طبيعية كأنها جزء من ذاتي وليست عبئا عليها. وهي أحيانا رموز ومفاتيح لأشياء نسيت وماتت وترسبت في أعماق الروح، وفي أحيان أخرى تصبح دلالات على أشياء غير موجودة في هذا العالم على الإطلاق، أو أنني أتمنى أن تكسب الوجود " (31)، فاختيار الشاعر للغته ليس بالأمر الميسور، لأنه يتطلب منه نوعا من الاغتراب عن لغة قومه المتداولة، والغوص في مجاهيل الذات الحقيقية أو الأسطورية لاكتشاف اللغة الأخرى التي يوقظ بها الحلم المتأبيَ على اليقظة والظهور، ويزحزح بها اللغة المألوفة العالقة بقشرة اليومي.

 

فهل الحلوي كان واعيا للغة بهذا الشكل؟

 

لا نعتقد ذلك، بسبب خضوعه لثقافة ترى أن الأشياء والعوالم لا تقولها اللغة، وإنما هذه هي التي تقول اللغة. وهو في هذا كمجايليه من شعراء الحساسية الكلاسيكية الذين لم يخرجوا عن التصور التقليدي للغة الشعر، يمتاح معجمه وعباراته من منظومة التراث، ويوظفهما توظيفا مباشرا بحمولاتهما ودلالاتهما التاريخية والبلاغية والجمالية، كما يعتمد الكلمات الفخمة والجزلة ذات الجرس الموسيقي القوي، والديباجة الصافية، والصور المأنوسة. فاللغة عنده أداة توصيل وإبلاغ لا كائنا لسانيا يُفكر ويحلم ويوشوش بعوالمه، ويتمرآى فيها، ولأجل ذلك كانت شبيهة إلى حدٍّ بعيدٍ بلغة الخطابة المبلغة، ونائية عن لغة التكثيف والإيحاء المخلخلة لذاكرة العادة، تسمها الجهارة والقوة والفخامة والصفاوة.

 

وهذا المفهوم للغة الشعرية هو الذي جعل نصوصه الشعرية داخلة في نطاق الرؤية لا في نطاق الرؤيا، ترى سطوح الأشياء وتقف عند أوصافها، وتقرر مظهرها دون استكناه جوانيتها وتحولاتها، لكونها تستخدم اللغة استخدام ثبوت لا استخدام تحول ودخول في اللامتناهي. وتبعًا لذلك ومحايثة له كانت معاني قصائده طافية على السطح اللغوي، مبذولة للقارئ من غير معاناة تُذكر، لأنها لا تمتلك الظلال الإيحائية، ولا فنية التخفي وجمالية المراوغة الدافعة بالمتلقي إلى استنفار معارفه للمراودة وكشف الأسرار.

 

فالنص الشعري لكي يصبح حقلا منتجا فاتحا لآفاق انتظار لانهائية لا بد أن تتوافر فيه شبكة تخييلية مضفورة بيد اللغة أولا، وبقدرة الشاعر على البناء الجمالي ثانيا، وبذلك يتأتى له أن ينتج رؤية أو رؤيا خاصة. إذ بواسطة هذين العنصرين وتفاعلهما وتعالقهما يتم الكشف عن الحس الإنساني لدى الشاعر، وعن المسافة التي أقامها بينه وبين الذات والهوية والإيديولوجيات. فعملية التشييد هاته تتبلور وتتفاعل فيها الأشياء بتلقائية وحميمية، وخلسة عن الوعي الشاعر، فتأتي رؤياه أو رؤيته كما شاء حدسه الشعري، لا كما يشاء المتلقي المسكون بإيديولوجيا معينة ونزوع عَقَدي خاص.

وإذا كانت النصوص - أيا كان جنسها الأدبي- لا يخرج بناؤها اللغوي عن ثلاثة أضرب؛ هي :

l       البناء المجازي

l       البناء الرمزي

l       البناء الأسطوري

 

ولكن بصورة متفاوتة الدرجة والقوة والهيمنة حسب مستوى الكتابة، وحسب إطار الرؤية والرؤيا التي يحددها المبدع، (32) فإن البناء اللغوي في نصوص الحلوي هو من الضرب الأول الذي يتغيا التواصل والإفصاح بطريقة مغايرة وشائكة، مليئة بعلامات وإشارات ماكرة، لا يستطيع القارئ عبورها إلا بإدراك العلاقات التي تربط بينها، وفي الأمثلة السالفة من شعره ما يكفي من دلالة على بنائه اللغوي المجازي والإيقاعي المتمثل في إيقاعات الحروف والكلمات والحركات والمقاطع الشعرية،وفي القوافي والبحور الشعرية الصافية وغير الصافية، وكذلك في الإيقاع الداخلي الذي يسود الصورة العامة عنده. (33)

 

أما الضرب الثاني فلم يأت عنده إلا نادرا، وفي قصيدة واحدة هي التي عنونها ب "الغروب"، وستكون لنا وقفة معه في الفقرة الثانية من هذا المحور.

 

3-2 الأنظمة الرمزية:

 

إن الأنظمة الإشارية والرمزية في النص الشعري هي المعبر والجسر المؤديان إلى الرؤية أو الرؤيا. فما المقصود بذلك وما علاقته بالبناء الصوري فيه ؟

 

أ- ماهية الرمز : إن الرمز Symbole تجريد، والصورة Image تجريد. وجمال الرمز قائم على عمقه وعظمة الفكر فيه، إذ لا عمق بلا رمز...ولكن شريطة شفوفية تبعده عن الإغراق والإبهام والألغاز. فهو يبدأ من الواقع ليتجاوزه، فيصبح أكثر صفاء وتجريدا، وهذا المستوى التجريدي لا يتحقق إلا بتصفية الرمز من تخوم المادة وتفصيلاتها، لأنه يبدأ من الواقع لا ليرسمه بل ليرده إلى الذات التي تنهار فيها معالم المادة وعلاقاتها الطبيعية لتقوم على أنقاضها علاقة جديدة مشروطة بالرؤيا أو الرؤيا الذاتية للشاعر.

وإذن،

فالرمز ليس تحليلا للواقع، وإنما هو تكثيف له، وفي هذا ما يربطه بالأحلام من حيث ميلُ كليهما إلى الإدماج والتجميع. بحذف بعض الأجزاء المرموزة، أو الاكتفاء من مركباتها الكثيرة الكامنة بجزء واحد فقط، أو الإيماء بالصورة المركبة إلى عناصر عديدة ذات سمات مشتركة. ولعل هذا الأسلوب المكثف هو سبب ما فيه من غموض تتعدد فيه مستويات التأويل، ولا تتمانع، فليس هناك رمزٌ يُفضي بكل محتواه لقارئ واحد.

 

إن الرمز سمةٌ في الأسلوب، وليس سمة للكلمات فقيمته في أسلوبيته البعيدة عن الكلمة المفردة أو الوحدات اللغوية البسيطة، والتي تجعل العمل الشعري أكثر إحكاما وإثارة، وبخاصة إذا تآزرت فيه الرموز الجزئية تآزرا كليا يمتد على رقعة القصيدة، فيخلق فيها نبضا شعريا شاملا، وذلك على مستوى من الرموز يرجح الرموز الجزئية ويفوقها.

 

ب – علاقته بالصورة : وإذا كان الرمز هكذا رؤيا أو رؤية شعرية تعيد تشكيل الواقع وصياغته، فكيف نميز بينه وبين الصورة؟ يبدو الفارق بينهما في درجة التركيب والتجريد، فالرمز وحدته الأولى صورة حسية تشير إلى معنوي لا يقع تحت الحواس، ولكن هذه الصورة بمفردها قاصرة عن الإيحاء الذي هو السمة الجوهرية للرمز، والذي يعطيها معناها الرمزي إنما هو سمة الأسلوب كله، أي طريقة التعبير التي استُخدمت بها هذه الصورة وحملتها معناها الرمزي. (34)

 

ومن ثم فإن علاقة الصورة بالرمز هي من هذه الناحية أقرب على علاقة الجزء بالكل، أو هي علاقة الصورة البسيطة بالبناء الصوري المركب الذي تنبع فيه الإيحائية من الإيقاع والأسلوب معا. أضف إلى ذلك أن كلا من الرمز والصورة يعتمد على نوع من التشابهANALOGIE بين الصورة وما تمثله، والرمز وما يوحي به، ولكن بينما تظل الصورة على قدر من الكثافة الحسية، يبلغ الرمز درجة عالية من الذاتية والتجريد يصبح معها طبيعة منقطعة مستقلة بذاتها. (35)

 

ومن أجل هذا كان ما يحصل عليه المتلقي من الرمز غير متوقف على ما بثه الشاعر خلاله، وإنما على حساسية Sensitivité المتلقي ووعيه به. فالرمز يقع في المسافة بين الشاعر والمتلقي، وصلته بأحدهما ليست بالضرورة من نوع صلته بالآخر. إذ الرمز بالنسبة للشاعر محاولة للتعبير، بينما بالنسبة هو للمتلقي منبع إيحاء، وهما وضعان مختلفان. فالصورة –بوصفها شكلا حسيا- مستنفدة فيما تمثله، لأنه محدود بطبيعته. أما الرمز فهو لا يمثل إلا نفسه، لأنه يوحي بما لا يقبل التحديد، ولذلك كانت قيمته في شكله مثلما هي في إيحائه، فهو والمرموز وجهان لشيء واحد وكلاهما يعني الشاعر بنسبة متساوية.

 

وعليه؛ فإن علاقة الرمز بالصورة ليست بالضرورة علاقة مفارقة ومغايرة، فقد تتعقد الصورة و تتآزر عناصرها تآزرا إيحائيا بحيث تبلغ درجة من التجريد تصلها بمشارف الرمز، ولذا كان الخلاف بينها وبين الرمز خلافا نظريا ينهار عند الممارسة الفنية إذا أحسن الشاعر استغلال ما في الصورة من قيم إيحائية. (36) كما يتضح ذلك في قصيدة الحلوي : "الغروب" فتكثيف الصورة فيها، وتداغمُ عناصرها وحسيتها، تقف بها في منطقة الرمز، لكنها لا تحجب الرمز العام الناظم للنص، و لا تلغي تجريديته وإيحاءه المهيمن على القصيدة ككل، والذي لن تُفهم من دونه. وهذا الرمز الإيحائي والإشاري هو الذي كشف بالدرجة الأولى رؤية الشاعر للحرية، وتجربته الذاتية نحوها وموقفه منها ومن العالم. والاقتراب من هذه التجربة والرؤية قصد فهمهما يتطلب نوعا من الحدس Lintuition  يقود المتلقي إليهما بعشق، إذ "لا أحد يعرف أننا حين نقرأ الشعر نعيش مرة أخرى إغراء أن نكون شعراء" (37)، والمؤكد أن الرمز في هذا النص للحلوي ليس قالبا جاهزا مستعارا، وإنما هو نتيجة مكابدة وممارسة شعرية وتجربة ذاتية للشاعر انصهرت فيها الحالات الوجودية والكونية المتناقضة فأنبتت رمزها هذا الذي هو بمثابة بصمتها الإبداعية، إذ من المعروف أن كل شاعر –بغض النظر عن درجة شعريته- له رموزه وإشاراته التي هي في نهاية المطاف تأسيس لنظام لغوي داخل اللغة التي يبدع بها، لا يدرك أسراره إلا القارئ الفطنُ. فالقصيدة" تتوجه أكثر من أي جنس أدبي آخر إلى القارئ الحاذق، فإذا لم تكن مفهومة فإن الخطأ ليس كامنا فيها، وإنما في القاريء.   "(38) فهي في بعدها الشعري تؤسس معرفة خاصة مرتبطة برؤيا الشاعر أو رؤيته، وتفترض في المتلقي القدرة على الولوج إلى هذه المعرفة إذا هو وقف في النقطة التي كان يقف فيها الشاعر وجها لوجه أمام العالم. (39)

 

وإذا كانت قصيدة "الغروب" تتخذ منحى البناء الرمزي، فإن ذلك ليس معناه اعتبار الحلوي شاعرا رمزيا، فهو قد عبر أسلوبيا بالرمز وبالصورة المحايثة له لا ليكون في عداد الرمزيين، وإنما ليبني رؤية خاصة به بأسلوب رمزي يستوجبه السياق الشعوري واللحظة الشعرية لا أقل و لا أكثر.

 

3-3- التمازجات النصية:

 

. أ-مفهوم التمازج:  التمازج هو إنتاج نص من خلال تحولات نصوص أخرى داخله وفق نسقية رؤياوية، حيث يستجلب الشاعر ما لا يحصى من الإشارات والرموز إلى نصه من نصوص غيره، فتتركب وتتراكب في صلب نصه، وتنفتح وتتفاتح لتنتج دلالات جديدة غير التي كانت تحملها. ومن ثمة يصبح النص اللاحق تأريخا للنصوص السابقة التي تمازج معها، وتُصبح قراءته تأريخا للنصوص السابقة التي تمازج معها، وتصبح قراءته تنصتا إلى الراهن والمنفلت زمنيا، وإلى الواقع والمتخيل بحاسة استبصارية.

 

.  ب-طبيعته وآلياته: وتقوم طبيعته على التحاور والتنامي والتجاوز الرؤياوي، وفقا لنوعية علاقة الشاعر بالموروث، ولآليات التمازج التي سماها (بلوم) ب " لوحة التلقي السداسية"، ومفادها أن "النص الشعري في علاقته بالموروث يتشكل عبر ستِّ مراحل إذا انتفت إحداها انحرف النص عن مساره الإبداعي إلى النقل والاستنساخ والمحاكاة، وهذه المراحل هي :

1- مرحلة الاختيار، وهي التي يتحرك فيها الشاعر اللاحق وقد احتله سلطان شاعر أكبر منه.

2- مرحلة الميثاق، وهي التي يتم فيها تقبل الرؤية بينهما.

3– مرحلة التنافس، وهي التي تحسم فيها عملية اختيار إلهام معادل للسابق.

4– مرحلة الحلول، وهي التي برز فيها تحرر الشاعر اللاحق ظاهريا، فيتقدم كتحقيق لشاعرية أصيلة.

5– مرحلة التفسير، وهي التي يقوم فيها الشاعر اللاحق بإعادة تقييم السالف وتأويله.

6– مرحلة الرؤية، وهي التي يُبدع فيها الشاعر اللاحق سالفه من جديد، ويعيد ابتكاره. (40)

 

.        ت- منطقة الإبداع فيه: وهي التي تثير الجدال؛ إذ ما من شك في أن التمازج بين النصوص قائم في كل كتابة أيًّا كان جنسها استسرته أو استظهرته...لكن منطقة الإبداع فيه هي التي تحتاج إلى كشف واكتشاف، فالشاعر المبدع لا يكتفي باستقبال نصوص من سبقه وتقبلها كما هي، وإنما يحولها رؤيويا ودلاليا، عن طريق شحنها بروائح جديدة، وأنفاس دافئة حديثة، ثم يطلقها إشارات حية ورموزا حرة بكرًا في سياقات كونية لا قبل لها بها من قبل،وبذلك يمنحها امتدادا أبديا وإنسانيا.(41) وتأسيسا على ما سلف، ونتيجة لفحص المتن الشعري الذي أنتجه الحلوي، نقـول إن التمازجات النصية ظاهرة جلية في هذا المتن. فصاحبه شاعر قاتلٌ للموروث قراءة، ولتيارات البعث والإحياء وأبولو والمهجر وجماعة الديوان، ولذلك جاء إبداعه الشعري متشربا نصوصا شعرية عربية عظيمة، ومتحاورا معها، ولكن ليس بنديَّةٍ عالية تتمثل فيها المراحل الستُّ التي ذكرها (بلوم). وكيفما كان الأمر فإن التمازج النصي عنده يبقى تمازجا واعيا بمحاولة إنتاج المختلف الخارق لما هو مألوف في الحساسية الفنية والجمالية، ولما هو مستوطن في الذاكرة، ففي قصيدة "ميلاد الزهور" التي أشرنا إليها يقول مثلا : 

 

فتتنقل بنا الذاكرة إلى فضاءات ممتزجة، يتداخل فيها الرومانسي مع الصوفي تداخلا وجدانيا وجماليا، ونعانق صوتين متباعدين في الزمان :

 صوتا يقول:

 فِي لَيَالٍ كَتَمَتْ سِرَّ اُلْهَوَى         في اُلدُّجَى لَوْلاَ شُمُوسُ اُلْغُرَرِ

صوتا يقول :

    شَرِبْنَا عَلَى ذِكْرِ اُلْحَبِيبِ مُدَامَةً    سَكِرْنَا بِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ اُلْكَرْمُ

وفي هذا النطاق تدخل قصيدته "أبو الثلج" – ص: 27 من ديوان "أنغام وأصداء- الناسجة حوارا داخليا لا تفصح عنه البنى الظاهرة في القصيدة، وإنما بناها الباطنة، وكذلك قصيدته "لاتسلني" –الموجودة في الصفحات 75-78 من نفس الديوان- التي بناها من خمسة طوابق، كل طابق يدل على حالة نفسية ووجودية خاصة؛ أولها (قلق وحيرة):

 

             آه مِنـْهُ كَيـْفَ ضَاعَا

وثانيها (غربة الشعر والشاعر):

 

                    آهِ مِنْـهُ كَيْـفَ ضَاعَا

وثالثها (قتل الشاعر)

 

                    آهِ مِنْـهُ كَيْـفَ ضَاعَا

ورابعها (غموض الجذر والمصير):

 

                    آهِ مِنْـهُ كَيْـفَ ضَاعَا

وخامسها (قسوة الإنسان وانحطاطه) :

 

                    آهِ مِنْـهُ كَيْـفَ ضَاعَا

 

فالقصيدة بطوابقها الخمسة هاته تتصادى فيها رومانسية علي محمود طه ومحمود حسن اسماعيل، ونزعة أبي ماضي التفلسفية، وأنفاس جبران الحارقة، لتؤلف هذا الجسد اللغوي الراشح بالقلق والحيرة والشك إيقاعا وتصورا، وكأنه شفرة حادة تحفر في طيات وجدان المتلقي بوصفه إنسانا منذورا لقلق ميتافيزيقي.

 

إن أفق التمازجات النصية عند الحلوي هو أفق انبهار وتمثل، لا أفق تجاوز وابتكار، سواء أتعلق ذلك بالشعر القديم أم بشعر الإحيائيين والرومانسيين. ففي مفتتح قصيدته" شهيد تاحناوت" نقرأ: