Nouvelle page 1

محمد الحلوي: شاعر الإسلام/ شاعر الحب (ديوان أوراق الخريف نموذجا)

 أمينة المريني -المغرب-

 

لعناوين الدواوين عادة, ذلك الامتداد الروحي داخل ذات الشاعر, وكثير ممن اعتمدوا القراءات النفسية لأي ديوان كان العنوان مجهرهم الأول الدال على صاحبه.

وديوان (أوراق الخريف) للشاعر المرحوم محمد الحلوي لم يكن أوراق شجرة سرى إليها الموت الحتمي ولكنه كان أوراق شاعر كبير أحس خريف العمر الذي هو مآل أي إنسان  وإن كانت الأوراق مزهوة بربيعها الشعري الدائم.

أصغيت غداة موت الشاعر- رحمه الله – إلى جلسة إذاعية تأبينية للشاعر الراحل فاكتشفت أمرا غريبا وذلك أن معظم من شاركوا في الجلسة من المثقفين كانوا لا يعرفون الديوان الثالث لمحمد الحلوي ( أوراق الخريف )... وهو ديوان صدر سنة 1996م بإشراف وزارة الأوقاف آنذاك..يقع في أربعمائة وست وأربعين صفحة من الحجم الكبير قسمه الشاعر إلى أبواب على غرار ديوانه ( أنغام وأصداء ) و(شموع ): الدينيات, الطبيعيات, الوطنيات, القوميات, المراثي والإخوانيات.

لا يحتاج القارىء إلى جهد كبير ليعرف أن الحلوي شاعر إسلامي أشد غيرة على الإسلام والمسلمين من خلال اثنتي عشرة قصيدة تتوج الديوان حيث تناول قضايا لصيقة بأمة القرآن بل لا يفوته أن يذكر بأمجادها وآمالها ويبكي آلامها ويستقصي الداء وينبه إليه ويبتهج بالدواء المتمثل في صحوة دون تشدد يقول:

يا أمة القرآن هذا موقــفٌ               لا النثرُ فيه ولا القوافي تسعـدُ

لن يرضي الإسلام من أقوالكم        إلا سلوكٌ ليس فيه تشــدُّدُ

الصَّحوُ منا في انتهاجِ سبيـلِه           والصدُّ عمَّن أعرضُوا وتمرَّدُوا                           

آياتُه كالشَّمسِ في كبد السَّمـا        ما ضرها ألا يراها أرمـــدُ

(قصيدة أمة القرآن ص 15-16 )

 

و مع إطلالة هلال العام الهجري يتساءل الشاعر:

ماذا حملتَ لعالَـمٍ مُتقــلِّبٍ             عصفَت بنا في بحرِه أهوالـُـه

و يقودُه العلماءُ للموتِ الـذي             يشقى على يدِهم به جُهَّالُــه

(قصيدة المحرم ص 60)  

و كعادة الشاعر المؤمن المهووس بحب أمته المهموم بهمها المسكون بعشق الإسلام  يمضي في استعراض الجراح فإذا جرح  أقوى من آخر,هكذا يبكي الحلوي أمته بكاء المخلص:

أيموت طــفل في نظــام عادل

وتصفق الأيدي لــمن يغتالــه

أيعيش شعب في الخيام مشـــردا

ويداس مسجده وينهب مالـــه

و حماة هذا العهد ترقب موتـــه

ويسرها أن تنطوي آجالــــه

يا وافدا ماذا حملت لعالـــــم

متطلع لم تستقم أحوالـــــه

والشرق يمتص الجراح ويشتكــي

من فرقة وهنت بها أوصــالــه

 

(قصيدة المحرم ص 60-61)

و يحاول الشاعر أن يكابر ويتعالى فوق جراح الجسد الإسلامي فيتذكر عهدا جميلا مضى:

ذكرتني يا وافدا عهدا مضــــى

متألقا رفت علي ظلالــــه

يسري إلي شذاه من أرض الهــدى

عبقا ونورا في الفؤاد مجالـــه

مذ هز يثرب حادث لمـــا يزل

ملء القلوب وفي العيون خيالـه

فكأنما حل الربيع بيثـــرب

واختال في أعراسها مختالـــه

و بنى بها الله مسجده الـــذي

أعلى نداء الله فيه بلالــــه

 

( قصيدة المحرم ص 61)

وللمناسبات الكبرى حضور في الديوان يذكر المولد النبوي ويخص النبي محمدا e بقصيدة تحت عنوان (نبي الهدى ) وهي قصيدة من  مائة وتسعة وأربعين بيتا همزية تذكرنا بهمزيتي البوصيري وشوقي تقطر عشقا للدين ونبيه وصحابته. لنصغ إلى هذا العشق الجارف حين يقول:

أنت مسك الختام في موكب الوحــ

ي وفي الـمـرسلين كالطغـــراء

مـا تـجولت في رياضـــك إلا

خـلت نـفسـي أطيـر في الأجواء

هائمـا فـي سناك أكرع منـــه

وهـو كالنبـع زاخر الإعطـــاء

 

( قصيدة نبي الهدى ص34)

و ها هو بظهر الغيب وكمؤمن صادق يؤمن بالمعجزات الإلهية الكبرى كمعجزة الإسراء:

وقفـت حـوله الملائكة أرتـــا

لا وصـــلى من خلـفـه الأنبياء

و سمـا والأميـن جبريل حتى انــ

تهيا حيـث لا يكـون انتهــــاء

فتعـالـى من ليس بعجزه شــي

ءٌ ومـن ليـس يحتويه فضــــاءُ

رحلــة للحبيـب في جنـح ليل

نـال فيهـا الرضى وطاب اللقــاء

 

(قصيدة الإسراء ص38)

و لعله ليس مفارقة أن يستحيل شاعر كبير في حجم الحلوي عميق في ولائه لله إلى داعية يذكر صراحة أسباب مآسي الأمة ويدعو إلى الاقتداء بالسلف ولا ينسى الحملات الصليبية الشرسة كل ذلك في سبك رائق ونسج شعري جميل حين يقول:

ما دهـانـا من الصليب وأهلــيـ

ـه مـآس للمسلمين ابتــــلاء

يـا زمـانـا كنا به ســادة الأر

ض بـما نبـتغيه يجري القضـــاء

يـوم كـانـوا لله والحق دانــت

لـهم الأرض بـرها والمـــــاء

أمـراء بـلا عـروش لهـم تعــ

نـو النواصي وتنحني الرؤســـاء

أمـروا بـالمعروف والتزموا نـهـ

ج نـبـي سبـيلُـه وضَّــــاءُ

روحـه اليـسر والسمـاحة والعفـ  

ـو إذا تاب وارعـوى الخطَّـــاءُ 

و من القصيدة يقول:

يا دعاة الإسلام في موكب النـــو       

ر ومن أنتـمـو له الأوفيــــاءُ

أظلم الليل واختفى كل نــــجم      

وبكـم في ديجوره يستضــــاء

ليس للدين من بقاء إذا مــــا         

انتصب الجهل وانزوى العلمـــاء

 

(قصيدة الدعوة ص43-44-45)

 و لرمضان كركن إسلامي عظيم حضور في الديوان فهو وافد الخير وهو المطهر, غير أن رمضان عنده مناسبة لبكاء الأهل في القدس الصائمين بجهادهم وللتنديد بالمعتدين : 

يا أهـلنا في القدس يا من شــيدوا

بدمائهـم مـا لم يشيد بـــــاني

قـدر الطفـولة أن تريق دمــاءه

وتبـارز الأعداء في الـميـــدان

فتحيـة لصغـارنـا من زلزلــت

أحجارهُم مستنقـع الطغيــــان

من ألقموا ( شامير) مـن أحجـارهم

ما غـصّ منـه وخرَّ للأذقــــان

صمنـا وصمتـم قبلنا بجهادكــم

فلتهنـأوا بعـبادة الشجعــــان

و ها هو في ختام القصيدة يذكر بأن العمر ومض فليستعد المرء للتوبة:

جـاء الـمطهـر فاستعد لتوبــة

والعـمر ومـض والحياة ثوانـــي

واسجد لربك والتمس نفحـاتــه

واقطف فإن القطف في الإبـــان

 (المطهر ص57)

وكما أن الحلوي شاعر الإسلام فهو شاعر الحب. ولا تقاطع بين الأمرين, فالإسلام كما يعرفه أهله, لا كما يتوهمه الجهلاء, دين الحب, إنها الحقيقة التي أدركها الشاعر بحسه وبروحه وربما كان ذلك نتاج نشأته المحافظة في بيته فاس كمدينة بها قلب نابض هو جامع القرويين تخرج منه الحلوي بشهادة العالمية.

والناشىء في فاس يدرك أي كؤوس من الحب يمكن للمدينة الإسلامية أن تترع بها كيانه بين مساجدها وكتاتيبها وصوامعها... هناك نشأ الحلوي وتعلم أن يحب الله  ورسوله والخلائق... حتى غدا الحب عنده شعورا فطريا ربانيا يفيض على من حوله, ومن يقترب من الشاعر الكبير يدرك أن هذا الحب لازمه في حياته وسيرته فغدا ذلك الإنسان السليم اللسان واليد والقلب لأنه موجه ببوصلة الحب في قيمه العليا: 

يا حب يا وهج الحيـاة وما يعطـ

ـر بالطيوب وبالشذا أرجاءهـــا

يا بلسم الروح التي عزت علــى

نطس الأساة ولم تشخص داءهـــا

بك أرسلت كتب السمـاء ورددت

فـي العالمـين دعاءها ونداءهـــا

إلى أن يقول:

آمنت بالحب الذي حبلت بـــه

خضـر الجنان فأنجبت حواءهـــا

بـك هـمت في ربي وفي آياتــه

وشممت ملء مشاعري أشذاءهـــا

ووجـدتُ في حبـي الكبير سعادة 

ضؤُلت سعادات الوجود إزاءهـــا

تعست نفـوس ألـهت من دونــه

بشرا وأعطت للحطام ولاءهــــا

 (قصيدة الحب الكبير ص 89-90-91)                             

اللافت في ديوان أوراق الخريف أن الشاعر لم يقصر مناصرته  للإسلام والمسلمين ودعوته إلى المحبة على باب (الدينيات) بل نجد الموضوع حاضرا في أبواب أخرى كالقوميات, ها هي مذبحة الخليل تؤرق مضجعه وقلمه فيقول من نونية من البسيط يرقص فيها القلب بنباله: 

هـل للخليل خليل يستــغيث به

وقـد عثا فيه أوغاد ملاعــيــن

قد روع الشرق فيه شر مذبحــة   

لا ترتضيها حضارات ولا ديـــن

كانوا سجودا وكانوا في طهارتهـم

ملائكـا فزعت منها الشياطيـــن

نازيـة لـم يكن (هتلير) مبدعهــا

فـهم عباقرة فيها دهاقيـــــن

بالأمس كانوا بغاثا لا جناح لهــم

واليوم أحفاد كسرى أو فراعيـــن

 

(قصيدة المذبحة 270)

 و يحضر الحب في باب الإخوانيات فلا ينسى ربه, يقول:  

يعلِّـلُنـي بـآمالٍ عِــــذابٍ

وأدلـف نحوهـا فأرى سرابــــا

ويحملُنــي الهوى فأطيـرُ شـوقاً

بغـيـر جوانح أطأ السحابــــا

وتصحــو أعينـي فأرى حبيبــا

جميل الظن فيه خبا وخابـــــا

 إلى أن يقول: 

غريـــق الحـب لا ينجيه طـوق

تـمـادى في الغواية أو أنابــــا

رأيـت الحـق يحـيي كل قــلب    

ويكشـف عـن بـصيرتي النقابــا

رأيـت الله فيمـا بـث حولــي

رأيـت البسـط خضرا  والهضابــا

ونـورُ الشمـس يكسو الأرض تبرا    

ومـاءُ النهـر ينسـابُ انسيابـــا

رأيـتُ الله أكبـر كل شـــيء

ومـا لـم يبد كان هو العجابـــا

بكيـتُ لجـنـة قـد حولتهـــا

مسـاوي الناس معتركا وغابــــا

يذبـح مسلمـو (البوسنا) جهـارا

وتغتـصبُ النساء بها اغتصابــــا

و منها يقول مخاطبا رسول الله : 

ومـا للمسلـمــين سـواك طوق

وهم غرقى  يعانون الصعابــــا

نـأوا عـن مـنهـج قد كان أهدى

وأخطأ من يقودهم الصوابـــــا

(قصيدة سلوا من غاب عنا ص 403-404-405)

 و بعد, فما ذكرته عن الشاعر انطلاقا من قراءة تذوقية لديوان (أوراق الخريف) لا يمكن أن  يوفي الشاعر الكبير حقه, والمعول إذن على الدراسات الأكاديمية والمخلصين من الدارسين أن ينصفوا الرجل... فقد غمط حقه كشاعر صدح بالشعر أزيد من ستين عاما غارف من بحار عميقة المعنى باذخة الأطياف والألوان وللدارسين أن يجدوا في الحلوي شاعر المغرب وشاعر العروبة وشاعر الحب وشاعر الإنسانية وشاعر الإسلام وشاعرا رص شعره طبقات كلما اكتشفت منها واحدة بدت لك أخرى أكثر جدة وعمقا.

فكيف يتجاهل شاعر بهذا الحجم من عقليات تخندق الثقافة في الإيدولوجيات أو الإخوانيات وتنسى أن الثقافة أمر وطني لكل المغاربة, والحلوي شاعر الوطن الكبير وشاعر المغاربة , فهل يتجاهل شاعر الوطن ؟ 

فاس, أمينة المريني

يوم: 22/02/2005