Nouvelle page 1

المديح الديني ومستوياته في شعر محمد الحلوي

د. أحـمـد زنـيـبـر

 

تــقـديـــم

عرفت الحركة الأدبية بالمغرب، منذ الثلاثينيات من القرن المنصرم، تطورا ملحوظا، برزت خلاله عدة اتجاهات وتيارات شعرية منها ما حافظ على استمرارية الاتجاه القديم، ومنها ما ركب سلم التجديد تأثرا بحركة الشعر الحديث، ممثلة في إبداعات بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي..وغيرهم، ومنها ما مزج بين التيارين، القديم والجديد، توظيفا وتوليفا.

في هذا السياق الحافل بتنوع الأصوات الإبداعية، ساهم ثلة من الشعراء المغاربة، على اختلاف مستوياتهم المعرفية وتباين مذاهبهم الفنية، في تطوير القصيدة الشعرية العمودية على مستوى اللغة والتركيب والبلاغة والإيقاع.

نذكر من بين هؤلاء، الشاعر المغربي محمد الحلوي، بوصفه أحد رموز النهضة الأدبية الحديثة بالمغرب، وعلما من أعلامها المبرزين، إضافة إلى كونه صاحب تجربة إبداعية طويلة تنم عن ذاكرة تراثية قوية ومخزون ثقافي متنوع ينهل من مختلف المرجعيات الفكرية والسياسية والحضارية وغيرها.

ولعل متلقي الدواوين الشعرية، التي أصدرها الشاعر في مراحل زمنية متفاوتة، وهي:(أنغام وأصداء)، (شموع) و(أوراق الخريف)، يتبين البعد/الأبعاد الأدبية والجمالية التي رام إلى تشكيلها لغة وتعبيرا، كما يدرك، تبعا لهذا العطاء الشعري المتنوع قيمة الموضوعات التي اختار مقاربتها على المستوى الإبداعي والفني.

فماذا عن إبداعية هذا الشاعر؟ وما هي موضوعاته المطروقة وكيف قدمها؟ وبالتالي هل يمكن الحديث عن خصوصية شعرية؟..

خلف الشاعر محمد الحلوي متنا شعريا ضخما تجاوز المائتين والخمسين قصيدة تراوحت بين الطول والقصر، تبعا لانفعالات الشاعر وتفاعلاته مع ذاته ومحيطه. وهي قصائد نظمت في فترات مختلفة، وعنونت بعناوين ذات دلالات إيحائية ورمزية في آن. كما تنوعت موضوعاتها وتباينت إيقاعاتها التعبيرية، منها الدينيات والوطنيات والطبيعيات والقوميات والاجتماعيات والإخوانيات والمراثي ثم المختلفات والشوارد. والملاحظ أن القصائد الدينية والوطنية والقومية تميزت بطول النفس أحيانا، مقارنة مع باقي الأغراض المتداولة الأخرى.

وما دام الحديث عن المضمون يستدعي حديثا عن الشكل، فإن أول ما يلفت الانتباه في هذا الإطار، هو سيادة النمط التقليدي على مجموع الأشعار الحلوية. فقد التزم محمد الحلوي بعمود الشعر العربي، مع تنويعات فنية أحيانا على مستوى القافية التي اتخذت ألوانا مختلفة، أو على مستوى الأوزان والبحور التي تنوعت هي الأخرى بحسب التجربة المفترضة.

وفي هذا السياق يسجل الشاعر موقفه من القديم، معلنا ولاءه للتراث، جاعلا التمسك به مزية كبرى، معتبرا أن كل محاولة تجريبية تعنى بالمظهر دون العودة إلى تراث السلف محاولة ناقصة، إن لم نقل خادعة. يقول في مستهل تقديمه لديوان "شموع" مثلا:[i]

شاعري !أنت في قديمك أبهى
لست ترضـى أن تستعيـر مـن الغي

من مباهين بالجديد المعار
ثيابا تبدو بها كالعاري
 !

فضاءات المديح الديني

 لقد طرق الشاعر محمد الحلوي، كما أسلفنا، جل الأغراض الشعرية المتداولة في الشعر العربي؛ الأمر الذي يعكس حجم الاقتدار الفني الذي مكنه ويمكنه من تنويع موضوعاته كلما اقتضى المقام الشعري ذلك. وسنكتفي، في هذه القراءة النقدية، بمقاربة إحدى الموضوعات الأساسية التي أفرد لها الشاعر حيزا مرموقا في تجربته الشعرية، تلك التي تندرج في إطار المجال الديني بكل أبعاده ومستوياته وفروعاته، من مديح نبوي خالص ورصد لبعض المعالم والقضايا الإسلامية المختلفة. إنها نصوص دينية بالمعنى الواسع للكلمة تسبح بالقارئ في فضاءات نورانية وعوالم تشع وجدانية وجمالية.

1 / انشغل الشاعر محمد الحلوي، في سياق مديحه النبوي، بطقوس الدعوة الإسلامية وما عرف عن النبي e من شيم أخلاقية جعلت منه نموذجا إنسانيا يحظى بكثير من العناية والاحترام، عبر ترسيخ المحبة وإعلان الولاء، وخير أسوة يهتدى بهديها، سلوكا وممارسة. فقد أظهر، في أكثر من قصيدة، حبه وتشيعه للرسول ولآل بيته والإشادة بنسبهم والتغني بأمجادهم، وقد كانت مناسبة الاحتفال بعيد المولد النبوي فرصة سانحة للتعبير عن المشاعر وصدق العواطف حيال خير الأنام محمد عليه السلام.

تبعا لذلك، نجد الشاعر في إحدى مولدياته، يصف في دقة متناهية ذلك الجو العام الذي كان يسود العالم قبل ولادة الرسولe، ممثلا في مختلف مظاهر الشر والظلم والجهل والفساد. يقول: [ii]

طفح الشر في رؤاه وغطى
وإذا الناس في الحياة قطيع
الرجال الشداد فيه عبيد
وتدلت إلى الدنايا نفوس
 

كل خير وسادت الدهماء
مستباح تعيث فيه الرعاء
والنساء الحسان فيه إماء
صرعتها الميول والأهواء
 

غير أن الله تبادر عباده وأنزل سكينته عليهم بإرسال من يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الهدى واليقين، حتى غدت أيامهم بولادتهe عيدا وضياء وبهجة. يقول الشاعر في موضع آخر: [iii]

مولد كان عيدا وبشرى
رددتها الأفواه في كل ناد
خير بشرى لهائمين حيارى
نور الكون ساطع من سناه
 

لوجود بخاتم البشراء
وسرت كالعبير في الأرجاء
في متاهات رحلة عشواء
تتلألا من وجهه الوضاء
 

وهكذا تجد الشاعر، وهو يستحضر الماضي الذهبي الإسلامي، يجتهد في رصد مختلف الظروف التي نشأ فيها الرسول e وما اتسمت به شخصيته من عفة وطهر ونقاء، وكذا ما عرف عنه e  خلال حياته المشرقة من نبل وشهامة جعلت النفوس البشرية تهيم بحبه وتطمع في شفاعته وإجارته يوم القيامة. يقول الشاعر: [iv]

فأغث أمة بدينك تحيا
ضعفت بالخلاف فهي شتات
يا مجيرا إذا الأحبة جاروا
كيف نثني وأنت من كرم الله
 

ولأبنائها إليك انتماء
وهو في كل ما تعاني الداء 
!
وصديقا إن خاننا الأصدقاء؟
ووافاه من سماه الثناء؟
 

كما تجده، في مواضع متفرقة، يتتبع خطى النبي e  ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها حسنة لصالح النبي/الممدوح الذي جاوز البشر والرسل والأنبياء، على حد سواء. فهو بتعبير الشاعر: [v]

بشر غير أنه في كمال الـ
 

ـخلق والخلق قمة شماء !
 

2 / اهتم الشاعر محمد الحلوي، خلال عملية استحضار مختلف الأحداث الإسلامية الماضية، بتوظيف "التاريخ" بغية الإحاطة والتوثيق، كالإشارة إلى عملية نزول الوحي، أو التلميح إلى إسلام عمر وخالد بن الوليد، أو التنويه بمعجزة الإسراء والمعراج، وموقعة بدر الكبرى وحدث الهجرة من مكة نحو المدينة…وما شابه ذلك من وقائع ومعجزات. يقول الحلوي عن فتح مكة: [vi]

أي فتح كفتح مكة لم تسـ
عانقته بطاحها ورباها
لم يزل يبذل الجهود ويبني
 

ـفك دماء ولا استرق نساء !
 
وافتدته أبناؤها الطلقاء !
ويربي حتى استقام البناء
 

يضاف إلى ما سبق، حرص الشاعر، في قصائد أخرى، على تفصيل القول الشعري في بعض المعالم والفضاءات الدينية، كالمسجد والغار وعرفات ونحوها.. وهي التفاتة دينية استدعت من الشاعر أن يوليها ما تستحقه من وصف وعناية فنية. فعن معجزة الغار، يقول من قصيدة: [vii]

ملجأ حلت النبوة فيه
نسجت فوقه العناكب أسدا
وابتنى عشه الحمام بغار
وتولى سراقة عنه مكسو
 

فسما ذكره بخير التجاء
ء، فأضحى نسيجها كالبناء
لم يكن قبل مسكن الورقاء
فا، ولم يحظ سعيه بعطاء
 

وعن موقعة بدر وأبطالها الصامدين، يقول: [viii]

ذكرت بدرا وأبطالا بها صمدوا
سقت دماهم رباها وهي مجدبة
كانوا دروعا لهذا الدين واقية
إيثارهم في سبيل الحق مأثرة
 

لولاهمو لم يكن دين لمنتصر
فاخضل منها عميم النبت والشجر
وعصبة عززت من شأنه الخطر
وسيرة لم تزل من أروع السير 
!
 

أما في سياق حديثه عن المطهر شهر رمضان، وما يترتب عن صومه من أجر وحسنات، لم يفت الشاعر أن يلفت الانتباه إلى أولئك الشهداء الذين فاتهم شرف الصيام، يقول بالمناسبة:[ix]

صمنا وإخوان لنا قد أفطروا
ربضوا على طول الحدود رواسيا
إن فاتهم شرف الصيام فحسبهم
 

فوق الرمال على خطوط النار
وترصدوا لمغامرات الجار 
!
شرف الشهادة مغنم الأحرار
 

ناهيك، عما نحسه من صدق عاطفي وإحساس وجداني عميق، وهو يبدي تحسره على أمته مما ترسف فيه من مظاهر الظلم والفساد، لذلك تراه يطلب المدد مستغيثا بالرسول e :[x]

أأبا الحنيفية الحبيب المرتجى
امدد يديك لأمة لم تستبن
ضلت مراكبها وأطبق موجها
فاليأس كاد يميت فينا جذوة
 

يوم الملاحم والتفاف الساق
أهدافها في ظلمة الإخفاق
ومشت تصارعه بلا أطواق
لولاك لانطفأت وضاع الباقي 
!!
 

3 / من الواضح أن عوامل كثيرة ومختلفة هيأت للحلوي أن تكون قصيدته الدينية تعبيرا تلفه الروحية والمثالية. فتأثير الإسلام جلي في مدحه النبوي:

أ ) على مستوى المعجم الديني الذي تنوع بتنوع المضامين والتراكيب النحوية والبلاغية وكذا الإيقاعية، كما انفتح هذا المعجم على عوالم متعددة كالطبيعة والوجدان، تبعا لتنوع التجربة الإبداعية، من جهة، وتنوع صيغ الاستجابة للذات الشاعرة، من جهة ثانية. ومن ثمة، نصادف ألوانا من الألفاظ والمفردات مثل: الشهادة / النبوة/ الشمس/ الحب/ النفس/ الشوق/ الهدى/ الكعبة/ التوحيد/ جند الله/ وغيرها..

ب ) على مستوى الأفعال التي غلب عليها طابع الماضوية لما يقتضيه السياق التاريخي من سرد للأحداث والوقائع الدينية، من خلال الاستعانة بأساليب اللغة المتنوعة حيث استعمال الأسلوب الإنشائي تارة والأسلوب الخبري تارة أخرى، كما مر بنا في الشواهد السابقة.

ج ) على مستوى استعمال الضمائر، إذ بدورها اختلفت باختلاف السياق وتناسل الأفكار، حيث تتنامى أفقيا وعموديا مما يساعد في انسجام بنية القصيدة.

د ) على مستوى تضمين الأبيات الشعرية لآي القرآن الكريم، كما في قوله: [xi]

اقرأ فإنك يا محمد ملهم
 

اقرأ وربك في الوجود الأكرم
 

وهو تضمين لسورة (العلق)، أو قوله: [xii]

فقادها بهدى القرآن طائعة
 

وصاغها أمة من أوسط الأمم
 

وهو تضمين للآية الكريمة (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) [xiii]، أو قوله في موضع آخر: [xiv]

والعمى في العقول لا في عيون
 

لا ترى حولها سنى الأضواء
 

وهو تضمين قوله تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) [xv]. كما نعثر على تضمينات أخرى، هنا وهناك، تشي بما للقرآن الكريم من تأثير كبير في شعر محمد الحلوي ذي البعد الديني، يعتمده الشاعر قصد تقوية معانيه الشعرية وإغنائها، ولعل خير مثال يوضح ذلك ما اشتملت عليه قصيدة "دعاء"[xvi] من اقتباسات قرآنية كثيرة.

ه ) على مستوى تضمين الأحاديث النبوية وبعض الأمثال العربية، فترى الشاعر لا يقتصر في بناء مضامينه على ما في القرآن من معان وصور بيانية؛ وإنما ينتقي معانيه أيضا، مما نقل عن الرسول الكريم من أقوال وأفعال. فاستمع إليه حين يقول: [xvii]

وأرى المسلمين كالجسد الوا
 

حد هم في بنيانه أعضاء
 

إذ في هذا المعنى تلميح إلى قول الرسول e: "المسلم أخ المسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا" أو تراه يضمن شعره مثلا عربيا، خدمة للمعنى المطلوب، كما في قوله : [xviii]

والتماس الإنسان من فاقد الشي
 

ء عطاء نهاية في الغباء !
 

 وفيه إشارة إلى المثل الشهير: (فاقد الشيء لا يعطيه)، أو قوله في مقطع آخر: [xix]

رجعى لنهج الله أمة أحمد
 

فالعود من بعد الضلالة أحمد
 

حيث الإحالة إلى المثل القائل: (عدت والعود أحمد).

4 / نخلص بعد هذا إلى ظاهرة شعرية طبعت بعض قصائد المديح النبوي، وهي ظاهرة المعارضة، باعتبارها وجها من أوجه العملية الإبداعية، فهمزية البوصيري وبردته الشهيرتان حاضرتان بقوة، في هذا المجال، لذلك لا غرابة أن نعثر على بعض الصور والمعاني والأخيلة التي اقتفى محمد الحلوي أثرها، خلال معارضته الهادفة، بصورة أو بأخرى، إلى تأكيد الروابط القائمة بين الماضي والحاضر وبين ما هو جديد معاصر وما هو تراث قديم، معتمدا في ذلك على ذائقته الفنية، حيث القيام ببعض التعديلات على مستوى الجملة أو الألفاظ حتى لا يقع الحافر على الحافر كما يقال، أو يهيمن الأصل على الفرع. فعن أم الرسولe يقول الحلوي:[xx]

أي نور أهدته آمنة الـ
 

ـخير وربت ما لم تلده النساء
 

أما البوصيري فيقول من همزيته:

يوم نالت بوضعه ابنة وهب
 

من فخار ما لم تنله النساء
 

وعن سماحة النبي وسمو أخلاقه، يقول البوصيري أيضا:

كيف ترقى رقيك الأنبياء
 

يا سماء ما طاولتها سماء
 

وهو ذات المعنى الذي أشار إليه الحلوي بصيغة تعبيرية أخرى، حيث يقول: [xxi]

وارتقى في أخلاقه قمة لم
 

يرق قبلا لمثلها الأنبياء
 

وفي التحذير من هوى النفس يقول البوصيري، من بردته، مؤكدا على ضرورة التوبة النصوح وما يستوجب الأسف الحق من خلال دمعة الندم والحسرة:

واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت
 

من المحارم والزم حمية الندم
 

وهو شبيه بالمعنى الذي دار حوله بيت الشاعر أحمد شوقي حين معارضته، هو الآخر، بردة البوصيري، إذ يقول:

وإن تقدم ذو تقوى بصالحة
 

قدمت بين يديه عبرة الندم
 

أما الشاعر محمد الحلوي، فتراه يوظف موضوعة الدمع بنفس الدلالتين السابقتين على طريقته الخاصة بما يقتضيه المقام الشعري من تغيير لفظ أو إعمال بلاغي، يقول: [xxii]

واسكب دموعك في أبهاء روضته
 

على خطاياك واستغفر من اللمم
 

كما نعثر على معارضات أخرى تسمح باستجلاء المعاني والتضمينات التي اقتفى محمد الحلوي أثر شعرائها من العربية، إعجابا وتواصلا وحوارا، يضيق المقام هنا لعرض نماذجها المتنوعة ورصد طرائق اشتغالها المختلفة، لعلها تستوجب بحثا مستقلا خاصة وقد امتدت إلى باقي الأغراض الشعرية كالوطنيات والقوميات والاجتماعيات والمرثيات.

5 / وبوصول الشاعر إلى مدح الخليفة، بوصفه ينحدر من سلالة النبي عليه الصلاة والسلام، وبالتالي يستمد قوته الرمزية من هذا الانتماء، لم يغفل الشاعر في قصائده الدينية أن يشيد به وبخصاله، حيث يفرد له، عند نهاية القصيدة المولدية، حيزا من النعوت والأوصاف، باعتبارها ثوابت أساسية، كالنسب الشريف والأخلاق والشجاعة والرياسة. ومن ثمة لم يستغرب أن يكون ممدوح الشاعر/الخليفة من سلالة النبي e ومنها اكتسب المقام الشريف وطهارة النفس؛ بل هو الحكيم المتبصر والعين التي يرى بها الشعب. وهو فوق هذا وذاك، حامي الملة والدين، الآخذ على نفسه الذود عن حوزة الوطن والمدافع عن كل رمز وطني أو عربي إسلامي، وبالتالي يستمد شرعيته في الحكم تبعا لما يجمعه وشعبه من روابط بيعة وولاء، من جهة، ولما يبديه من حزم وعزم في تسيير وتدبير شؤون الدولة، من جهة ثانية.

 كما لم يفت الشاعر، أثناء مديحه السلطاني، أن يلم بسائر الأعمال الجليلة التي تخلد ذكرى هذا الممدوح على مر العصور، من ذلك مثلا، الاعتناء بإحياء المولد النبوي الشريف، حيث تتوافد على المجالس الدينية ثلة من الفعاليات الثقافية من فقهاء وعلماء وشعراء. يقول في مطلع قصيدة "مجالس النور"[xxiii]:

ياخير من شـبّ في الإسلام واكـتهــلاهذي رحابك فردوس منورة
حجت إليك وفود العلم شائقة
تعيد للسنة الغراء دولتها
 

ومن به عزنا في المغرب اكتملا
ومنتدى بنجوم الفكر قد حفلا
إلى مشوق إليها ينعش الأملا
وتسترد لها أمجادها الأولا
 

6 / وقبل الختم، نلفت الانتباه إلى القيمة التاريخية التي تحبل بها النصوص الدينية، من خلال ربطها بالواقع الذي عاشه الشاعر، سلبا وإيجابا. إذ لا يفوت الشاعر الإشارة، مثلا، إلى واقع الأمة الإسلامية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من أشكال القمع والتنكيل، أو الإشارة إلى صراع الشرق والغرب وتدهور القيم الأخلاقية والروحية..يقول من قصيدة: [xxiv]

وما يجدي ثراء المال شعبا
فيا دنيا المآتم ضاع صبري
متى ينجاب هذا الليل عنا
 

فقير الروح ليس بها ثراء !
وأرهقني التجلد والعزاء
وتسطع فوق عالمنا ذكاء؟
 

 

الخصائص العامة

يمكن اختزال أهم الخصائص الفنية المميزة لقصائد المديح الديني عند الشاعر محمد الحلوي، في النقط التالية:

1 – تنوع المضامين الدينية وتشكلها بحسب انفعال وتفاعل الشاعر بها، تنوعت، على إثرها، لغة القصيدة التي استمدت عناصرها من حقول معجمية مختلفة.

2 – وفاء الشاعر للذوق العربي القديم في أجود نماذجه الشعرية، دون أن يقوده ذلك إلى التكرار أو التأثر المباشر. فقد تمثل الشاعر النموذج العربي القديم تمثيلا، مع إضفائه لمسات فنية من حين لآخر كشفت عن إجادة وشاعرية.

3 – عزوف الشاعر عن نمطية "التصريع" كلما بدا له ذلك في مصلحة القصيدة، علاوة على تكسيره لنظام وحدة البيت، كتقنية أخرى، أوجبها عمود الشعر العربي، وتعويض ذلك بتقنية مضادة تتمثل في "التضمين" حيث لا يكتمل معنى البيت الشعري إلا بما يليه.

4 – التجاء الشاعر إلى تقنية أخرى في صناعة البيت الشعري تتجلى في "التدوير" أو ما أسماه النقاد العرب بـ"المدمج"، حيث يتوحد الشطران ويندمجان إيقاعا ودلالة.

5 – تنويع الشاعر لقوافي القصائد، حيث يتخذ لها أرواء مختلفة، تراوحت بين التقييد والإطلاق والردف والتأسيس.

6 – ركوب الشاعر بحورا شعرية، بسيطة ومركبة، اختلفت بحسب رغبة الشاعر الفنية وحالته النفسية.

7 – اعتناء الشاعر بلغته وأسلوبه وصوره البيانية حيث لم يغفل تلك الجوانب البلاغية ودورها في تشكيل جمالية النص الشعري. ومن ثمة حفل القصائد بنماذج لا حصر لها من ألوان البيان والبديع والمعاني.

 

خـــلاصــة

تلك إذن أهم الملامح الدينية، بتمظهراتها المختلفة، في شعر محمد الحلوي، وهي ملامح ومستويات تعكس أصالة شعرية متميزة، ورغبة في تأكيد حضور القصيدة المغربية، من خلال تعميق الصلة بالتراث الشعري القديم وتوظيفه، وفق آليات وشروط الإبداع، في سياق جديد يخلد الحدث ويرتقي بشعريته، وبالتالي، يضمن له، استمرار التداول والقراءة والمحاورة...

 

 

هوامش

[i] - شموع. محمد الحلوي. شركة النشر والتوزيع. المدارس. 1988. ص 9

[ii] - شموع. ص 13

[iii] - أوراق الخريف. محمد الحلوي. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. المغرب. ص 23

[iv] - أوراق الخريف. ص 41

[v] - شموع. ص 16

[vi] - شموع. ص 19

[vii] - أوراق الخريف. ص 29

[viii] - أوراق الخريف. ص 87

[ix] - شموع. ص 57

[x] - شموع. ص 50

[xi] - شموع. ص 28

[xii] - شموع. ص 24

[xiii] - سورة البقرة. الآية رقم 143

[xiv] - أوراق الخريف. ص 21

[xv] - سورة المؤمنون. الآية رقم 78

[xvi] - انظر القصيدة كاملة. شموع. أوراق الخريف. ص 78-83

[xvii] - أوراق الخريف. ص 46

[xviii] -  أوراق الخريف. ص 20

[xix] - أوراق الخريف. ص19

[xx] - شموع. ص 14

[xxi] - شموع. ص 15

[xxii] - شموع. ص 24

[xxiii] - أوراق الخريف. ص 49

[xxiv] - شموع. ص 39