|
الاتجاه الإسلامي فــي شعر محمد الحلوي-الألوهية والتوحيد- |
|
أحمد فريد درفوفي |
|
-الألوهية والتوحيد: إن الإيمان بالله تعالى يمثل أكرم صلة بين الإنسان وخالـقه، والهداية إليه أجل نعمة، وأفضل آلاء الله على الإطلاق…وأما "حقيقة الألوهية… فهي في طبيعتها الكلية المطلقة الأزلية الأبدية أكبر من مجال إدراك الكينونة البشرية الجزئية المحدودة الحادثة الـفانية"([i]). والإيمان بالله تعالى عقيدة تملأ القلب، وتصدر عنها آثارها(*) ويبدو ذلك واضحا في خشية الله واستشعار جلاله وعظمته، ومحبة رسوله e، والتمسك بالشريعة الإسلامية، من أجل إعلاء راية الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمنع الظلم والفساد في الأرض. فغاية التفكير هي هداية الإنسان إلى قوانين الحياة، وعلل الوجود وسنن الكون وحقائق الأشياء، لتكون هذه المنارات التي تكشف له عن مبدع الكون وخالقه… ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل ريب وهم، وعمر مـحبة لله، وتوكلا عليه، وإنابة إليه، في خشوع وسكينة، تذللا لعلام الغيوب، وسموا إلى منـزلة الـتبتـل، أي الانقطاع إلى الله بالكلية، قال الله تعالى: ) واذكر اسم ربك وتبـتـل إليه تبتيلا (([ii])، ومـجانبة الهوى وآفات الأعمال، والكشف عن معاني الأسماء والصفات وحقائق التوحيد والمعرفة،.. وإذا استقر قدم الإنسان في منزل التوبة نزل منـزل الإنابة، وقال الله تعالى : )و أنيبوا إلى ربكم( ([iii])" والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيته، وهي إنابة المخلوقات كلها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، قــال الله تعـــالى: ) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه(([iv]). فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر… والإنابة الثانية: إنابة أوليائه"([v]). وهذه الإنابة تجعل العابد يقف موقف الأمل المتواضع، يطلب من الله تعالى الرضى، ويشعر بالخضوع للمعبود عن طواعية واختيار، فيقوم بالعبادة والتعظيم. وهذا الخضوع الاختياري يشعر المؤمن بالرجاء والأمل ويتطلع إلى تفريج الكروب دون أن يتسرب إلى نفسه اليأس، في توازن وتكامل بين الالتزام بالعقيدة والتحلي بالأخلاق الفاضلة، ومراعاة الشعائر الدينية، وتطبيق التشريع الرباني.
1-1-الإيمان بالله تعالى: " إن مقومات التصور الإسلامي هي مجموعة الحقائق العقيدية الأساسية التي تنشئ في عقل المسلم وقلبه ذلك التصور الخاص للوجود، وما وراءه من قدرة مبدعة وإرادة مدبرة، و ما يقوم بين هذا الوجود وهذه الإرادة من صلات وارتباطات… إن هذا التصور يقوم على أساس أن هناك ألوهية واحدة لهذا الوجود، ذات خصائص غير قابلة للشركة، وعبودية شاملة تتمثل في جميع الخلائق من أشياء و إحياء… عن مشيئة الله الواحد سبحانه صدرت كل هذه الخلائق، وبقدرة الله تقوم وتتحرك…([vi]). ومن وحدانية الله تعالى المتصف بصفات يتفرد بها، تتضح وحدانية الفاعلية والتأثير في الكون والحياة، ولكن تظل حقيقة الألوهية أكبر من مجال إدراك الكينونة البشرية الجزئية المحدودة الحادثة الفانية…وللمعرفة بالله وسيلتان، إحداهما العقل والنظر في خلق الله، وأعتبر هذا من جوهر العبادة، ذلك أن القرآن الكريم أكد على إعمال العقل والتفكير والبحــث والتمحـــيص، قال الله تعـالى: ]قل انظروا ماذا في السموات والأرض[([vii]) فهذه دعوة صريحة إلى التأمل والنظر في السموات والأرض، وفي الإنسان، ولم يحظر على الإنسان إلا التفكير في ذات الله؛ لان ذات الله فوق الإدراك… وثانيتهما: معرفة أسماء الله تعالى وصفاته… " ومفهوم الإيمان أو العقيدة ينتظم ستة أمور: -أولا: المعرفة بالله، والمعرفة بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، والمعرفة بدلائل وجوده، ومظاهر عظمته في الكون والطبيعة. ثانيا: المعرفة بعالم ما وراء الطبيعة، أو العالم غير المنظور، وما فيه من قوى الخير التي تتمثل في الملائكة، و قوى الشر التي تتمثل في إبليس وجنوده من الشياطين، والمعرفة بما في هذا العالم أيضا من جن و أرواح. ثالثا: المعرفة بكتب الله التي أنزلها لتحديد معالم الحق والباطل، والخير والشر، والحلال والحرام، والحسن والقبيح. رابعا: المعرفة بأنبياء الله ورسله، الذين اختارهم ليكونوا أعلام الهدى، وقادة الخلق إلى الحق. خامسا: المعرفة باليوم الآخر، وما فيه من بعث وجزاء، وثواب وعقاب، وجنة ونار. سادسا: المعرفة بالقدر الذي يسير عليه نظام الكون في الخلق والتدبير"([viii]) . فحقيقة الإيمان هو عقيدة تعمر العقل والقلب، توجه المرء وجهة الحق والخير، تثمر آثارا حسنة، منها: * الإيمان بأن الله حق موجود، وهو الرزاق، مصداقا لقوله تعالى:] وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين[([ix]) وقوله تعالى: ] وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم[ ([x])وقوله تعالى : ] الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، أن الله بكل شيء عليم[([xi]) . " وإذا سيطرت هذه العقيدة على النفس تخلص الإنسان من رذيلة البخل والحرص والشره، والطمع، واتصف بفضيلة الجود، والبذل، والسخاء والأنفة والعفة، وكان إنسانا مأمول الخير مأمون الشر"([xii]). · الطمأنينة، فالاهتداء إلى الفطرة يضمن سلامة النفس من التمزق والصراع والثبات ومواجهة المصائب، مصداقا لقوله عز وجل ] هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم[([xiii]) ، مما يبعث في النفس روح الإقدام والتضحية بالنفس والنفيس. · الرفع من قوى الإنسان المعنوية، وربطه بالإيمان بالله،وبهذا يعلو المرء عن الأنانية والشهوات والماديات، ويتحرر من هيمنة غيره. · الحياة الطيبة يعجل الله بها للمؤمنين في الدنيا قبل الآخرة، مصداقا لقول تعالى: ]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا[([xiv]) . ومن خلال استقراء شعر محمد الحلوي، نجد أن المضامين الإيمانية حاضرة بقوة في قريضه، وسنحاول التمثيل بنماذج… ففي بائيته التي اختار لها عنوان" سلوا من غاب عنا…"يفصح عن إيمانه بالله تعالى الكبير المتعال: رأيت الله أكبر كل شيء وما لم يبدُ كان هو العجاب([xv]) والله تعالى في المقام الأعلى لا تدركه الأبصار([xvi]) . وفي قصيدة "دعاء"، نجد مجموعة من الأبيات تؤكد إيمان الشاعر بالله تعالى وتوحيده، فهو مقلب الكون والقلوب ومصرفها: يا خالق الكون من أعلى بقدرته سماءه ثم أرساها بلا عمد([xvii]) فهو يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم، وانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن: يا من بقوله(كن) قامت عوالمه وكل آياته من أمره الأبدي ونجد ظلالا قرآنية([xviii]). وقول الشاعر: يا من يرى كل شيء وهو محتجب عن كل شيء ونور الكون منه بدي سموت عن كل ند أنت خالقه وعن أب لك مخلوق وعن ولد([xix]) وهذه المضامين الدينية المتأثرة بالقرآن الكريم([xx]). فهذه النماذج التي أوردناها، تبرز بجلاء إيمان الشاعر بالله الواحد وأنه المتعالي جل جلاله إلى مقام لا تدركه الأبصار، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها([xxi]). إن الإيمان بالله تعالى يستوجب الإيمان بالقضاء والقدر ويستلزمه، لان هذا جزء جوهري من عقيدة المسلم، فالله سبحانه وتعالى يتصرف في الكون بمقتضى حكمته ومشيئته، يعز من يشاء ويذل من يشاء، قال الله تعالى: ] قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب. [([xxii]) وحكمة ذلك، أن يدرك الإنسان أن الله تعالى خلق النواميس والقوانين والنظم التي وضعها لهذا الوجود، وكل تصرف يسير وفق المشيئة الإلهية، فإذا لحق الإنسان ضر فلا يكشفه إلا الله، وإذا أراد الله خيرا له، فلا يستطيع أحد رده عنه، مصداقا لقول الله تعالى : ] ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم[([xxiii]) . فالإيمان بالقدر جزء من الإيمان بالله… "والذي يؤخذ من مجموع هذه الآيات المقصود بالقدر: هو النظام المحكم الذي وضعه الله لهذا الوجود، والقوانين العامة، والسنن التي ربط الله بها الأسباب بمسبباتها"([xxiv]). ففي قصيدة " الألطاف" التي ارتجلها وهو عائد من حفل المولد النبوي الشريف حيث تعرض لحادث سير مروع من فرس جامح اقتحم السيارة وحطم واجهتها، خرج منها الشاعر بلطف وفارق الفرس وقد كسرت إحدى قوائمه: تهجم كالقضاء وليس يدري مغبة طيشه عند انطلاق أغار من المراكب في جنون يباريها فيعجز عن لحاق؟ كأنّ له مع الأقدار وعدا ليلتقيا ونفجع بالتلاقي([xxv]) ويسهب الشاعر في الحديث عن إيمانه بالقضاء والقدر، فالله تعالى فاعل مختار، إذا مس الإنسان ضر فلا يكشفه إلا هو: ذهبنا للرباط لمدح طه فحاشا أن نجازى بالفراق إذا لم يحمك الرحمان مما تحاذره فمالك أي واقي! وما للمرء من قدر محيد ولا هو دون كل الناس باقي([xxvi]) فإيمان الشاعر بالقضاء والقدر زرع الطمأنينة في قلبه، والتي هي موجبة السكينة وأثر من آثارها، ففيها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه، عبر الأوبة الكريمة إلى الله تعالى. وهذه المضامين الإيمانية، تتفق في جوهرها مع ما أورده الشاعر في رائيته عن مأساة الحوز، بعنوان " أوريكة":
مشيئة رب لا يرد قضاؤه وشر سنجني منه في غدنا خيرا! فكم نقمة في طيها ألف نعمة وعسر رأينا بعد شدته العسـرا ! وليس لمخلوق قرار ولا هوى وان كان يبدو في تصرفه حـرا ! ([xxvii]) من خلال تحليل هذا الحيز المتصل بالمجال العقدي، يبرز بجلاء، أن الشاعر مسلم شعريا، وهذا يتفق مع مذهب المغاربة في مجال علم الكلام.
1-2-تنـزيه الإله والتسبيح له: إن الله سبحانه وتعالى فرد لا مثل له، قديـم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبدي لا نـهاية له، قيوم لا انقطاع له، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الفعال لما يريد… وبغية معرفة الله بالشرع والنقل بعث الرسل والأنبياء عليهم السلام، بعد أن قاد إلى الإقرار بوجوده سبحانه وتعالى الفكر والعقل. ولذا وجب الإيـمان والتسليم بأسمائه الحسنى وصفاته تعالى، قال الله تعالى : )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير(([xxviii]) . فهو المنفرد بالوجود الحقيقي، والمنعوت بنعوت الربوبية، فهو الملك الذي يستغني في ذاته، وصفاته، وأفعاله، عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود،فهو يـملك الدنيا والآخرة، والقدوس الطاهر المنـزه عن كل وصف يدركه الحس، أو يتصوره الخيال، أو يسبق إليه وهم، أو يختلج به ضمير، أو يقضي به تـفكـير. والتأمل في خلق الله؛ في الكون، في الإنسان نفسه، في الجماعات البشرية، له غاية سامية، تتمثل في هداية الإنسان إلى قوانين الحياة، وعلل الوجود، وسنن الكون، وحقائق الأشياء، ليكون المنارة التي تكشف عن مبدع الكون وخالقه. قال الله تعــالى: )قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون(([xxix]) إن الله تعالى أمرنا أن نرى في كل شيء آية تدل عليه اعتقادا، وندبنا إلى ذلك استشعارا بإعمال الفكر والتأمل في خلق الله. وبهذا يعرف الإنسان الله حق المعرفة، وحكمة الله في خلق الإنس و الجن هي معرفته وعبادته، قال الله تعالى: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(([xxx]) . وسنورد نماذج من شعر محمد الحلوي المتصلة بهذه الوظيفة العقلية المتمثلة في التأمل والنظر في الكون، والتي هي جوهر العبادة: آيات ربك في نظام وجوده للفكر يرسلها وللإنذار([xxxi]) ! وهذا المضمون التأملي المتعلق بالمجال العقدي، نجده في عدد من قصائده، منها قوله: ليس هزلا ما أبدع الله في الكو ن وما هو للفكر بادي([xxxii]) إن معرفة الله والإقرار بالعبودية، هي أسمى المعارف وأجلها، وهي الأساس الذي تقوم عليه الحياة الروحية كلها. وله وسيلتان؛ إحداهما: العقل والنظر فيما خلق الله، وثانيهما: معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته…وهذه المعرفة تقتضي التعظيم والإجلال والتذلل لله سبحانه صاحب الخلق والأمر، والتسبيح له…وقصيدة "دعاء" كلها تسبيح وضراعة، والدعاء كله عبادة، يقول الشاعر: يا خالق الكون من أعلى بقدرته سماءه ثم أرساها بلا عمد *** *** يا من بقوله (كن) قامت عوالمه وكل آياته من أمره الأبدي وواهب الروح أجساما تقيم بها كما يشاء، ويحييها إلى أمد([xxxiii]) وفي هذه الدالية، يسهب الشاعر في ذكر صفات الله العلوية ونعمه الوافرة على الكون والمخلوقات:
يا مخرج الحب من أعماق تربته بـمائه وبطعم غير متحــــد
يا من يرى كل شيء وهو محتجب عن كل شيء ونور الكون منه بدي سموت عن كل ند أنت خالـقه وعن أب لك مخلوق وعن ولــد لا شيء في الكون إلا وهو معتمد عليك في رزقه يا خير معتمــد *** *** يا من يسبح ما في الكون أجـمعه له، ويعبده بالروح والجســد([xxxiv]) وفي مقام آخر من ديوان " أوراق الخريف"، يقول الشاعر مقرا بـمشيئة الله: فيا فالق الحب تحت الثرى ويا من يصرف كيف يشـاء([xxxv]) وهذا التسبيح والإقرار بنعم الله فضائله، ينمان عن خشوع وانقياد للحق وامتثال واستسلام لأمر الله وقضائه، وإشراق نور التعظيم في القلب لعلام الغيوب… وقد جعل الله تعالى العبودية صفة أكمل خلقه، وأقربهم إليه، قال الله تعالى: ) إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون(([xxxvi]). فالإيمان يسمو بقوى الإنسان المعنوية، ويحرره من سيطرة غيره، ويربطه بمثل أعلى، هو الله الحق، مصدر الخير والكمال …وقد أمرنا الله تعالى بدعائه سبحانه والاستغاثة به، قال الله تعــــالى : ) وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون(([xxxvii])… والتوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفه من صفاته العليا، مشروع، دليله قوله عز وجل : )ولله الأسماء الحسنى فادعوه بـها(([xxxviii]). 1-3-المناجاة والضراعة: ترتبط المناجاة والضراعة بـمنـزلة الرجاء(**) الذي هو الاستبشار بجود الله تبارك وتعالى، والثقة بكرمه تعالى، "وان في الرجاء-من الانتظار والتقرب والتوقع لفضل الله- ما يوجب تعلق القلب بذكره، ودوام الالتفات إليه بـملاحظة أسمائه وصفاته،وتنقل القلب في رياضها الأنيقة، وأخذه بنصيبه من كل اسم وصفة…"([xxxix]) وفي شعر محمد الحلوي نفحات، ينبعث منها الاستغفار، مهما عظم الجرم وكبر الإثم: يا خطاياي ما اقترفـتك إلا كنت لي فرصة لأذكـر ربـي لـمـما كنت- أو كبائر- فالرب كبير أجلُّ من كل ذنب([xl]) وهذان البيتان الشعريان نلمس فيهما تأثرا واضحا وتضمينا من القرآن الكريم([xli]) فالكبائر والفواحش هي الذنوب العظيمة، وأما اللمم فهي صغائر الذنوب، كالنظر، ونحو ذلك…فهذا الاستغفار سبيل إلى الرجوع إلى الله والتوبة إليه، من كل ذنب، مهما صغر وعظم: أدعوك دعوة خطاء تؤرقـه ذنوبه وسوى مولاه لم يـجد فامنحه عفوك واغفر ما تعمده من الخطايا وما لم ينو أو يرد([xlii]) وكثيرا ما يقترن الاستغفار عند الشاعر، بالمناجاة والرجاء كما هو الشأن بالنسبة لهذا النموذج… وسنورد نـماذج أخرى، نظمها الشاعر، فجاءت لوحات بديعة في الابتهال والتضرع، في صدق مع الله تعالى، وفي صدق مع نفسه، وفي صدق مع الكون والإنسان: ناجيت ربـي في المقام فخفت في نجوى الجلالة لحظة الإغراق ! ([xliii]) فالشاعر يناجي ربه، ويحدث نفسه، في مقام مبارك، مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، فنلمس كيف تتألق روح المسلم وكيف تنسجم مع عقله ولسانه، حين يستعرض الشاعر منازل الحج ومراحله بشعره الرفيع، الذي يلبسه ثوب المناجاة. ذلك أن أرفع شرف للإنسان، أن يناجي الله(***) ويدعوه، فهي المعراج إلى الله تعالى بالروح والوجدان، قال تعالى: ) وإذا سألك عبادي عني فأني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي، لعلهم يرشدون( ([xliv]) . ففي شعر محمد الحلوي لوحات فنية في المناجاة والابتهال والتوسل والرجاء، فالفترات الصعبة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية، فيها شدة واضطرار، فما كان من الشاعر إلا أن يتوجه إلى الله تعالى بقلب كله انكسار ورجاء وأمل : فيا فالق الحب تحت الثرى ويا من يصرف كيف يشاء دعوناك والأرض لا هتـة وقد جف في الحلق كل نداء *** *** وفيض عطائك ما إن يغيـ ـض وليس له في الوجود انتهاء فالبـس جــلالـك أرديـة جمالية واستجب للدعاء ([xlv]) فالرجاء هو الاستبشار بفضل الله تعالى و جوده، وهو حياة الأفـئدة وتعلق بالخالق المحسن البـر سبحانه، الذي لا يستـغـنـى عن إحسانه وكرمه طرفة عيـن: فامدد لأمتك الغرقى يديك فقد أنقذتـها سلفا من وهدة العدم واضرع إلى الله أن يحيي بقدرته مواتها باتحاد جامـع عمــم ([xlvi]) والفاقة إلى ما يرجوه الشاعر من ربه، والاستغاثة به، جليتـان في قوله: فأغث أمة بدينك تـحـيا ولأبنائها إليك انتمــاء ضعفت بالخلاف فهي شتـات وهو في كل ما تعاني الداء ! يا مـجيـرا إذا الأحبة جاروا وصديقا إن خاننا الأصدقاء([xlvii]) وبعد هذه النماذج المتجهة اتجاها جماعيا في استشراف الإحسان من الله تعالى للامة العربية والإسلامية، نورد نـمطا آخر من الرجاء، يسير سيرا فرديا، رجاء عبد أذنب ذنوبا ثم تاب منها، راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وحلمه: أدعوك دعوة خطاء تؤرقه ذنوبه وسوى مولاه لم يـجـد فامنحه عفوك واغفر ما تعمده من الخطايا وما لم ينو أو يرد([xlviii]) فالرجاء عبودية وتعلق بالله تعالى، وتخلص من غضبه، ومعرفة بالله حق المعرفة، ويقين بالاستجابة، وإنابة كاملة إليه سبحانه وتعالى، واعتصام بالله تعالى الذي هو مدار السعادة الدنيوية والأخروية… وغني عن البيان، أن الرجاء عامل إيقاظ الطباع للسماحة والاجتهاد، بترك المناهي، ولزوم شروط العلم من خلال الوقوف عند حدود الأحكام الدينية، وإخلاص العمل لله، وعبادته وحده… ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل ريب وحزن، فـعمر الفؤاد بـمحبة الله، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وسـمـا إلى الإحسان في يقظة تامة ووعي كامل([xlix])...، و الإحسان يتجلى في مناجاة الله تعالى، وطلب الغفران منه، والتراحم والتضامن، واجتناب الآثام والذنوب.
|
|
هوامش البحث ([1]) سيد قطب: مقومات التصور الإسلامي-دار الشروق. القاهرة. الطبعة الرابعة- 1414هـ/1993م/.ص:189. (*) وثمار الإيمان جمة ورحيبة،" نجمل بعضها فيما يلي: أ-تحرر النفس من سيطرة الغيـر، وذلك أن الإيمان يقتضي الإقرار بان الله هو المحيي المميت، الخافض، الرافع، الضار، النافع، قال الله تعالى: (( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله(الأعراف:188. ب- والإيمان يبعث في النفس روح الشجاعة والإقدام، واحتقار الموت والرغبة في الاستشهاد من أجل الحق… قال الله تعالى : ) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا( آل عمران:145. ج- والإيمان يقتضي الاعتقاد بان الله هو الرزاق… قال تعالى: ) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين(هود:6 د- والطمأنينة أثر من آثار الإيمان: أي طمأنينة القلب، وسكينة النفس، قال الله تعالى: )الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب(الرعد:28، وقال الله تعالى: ) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيـمانا مع إيـمانـهم(الفتح:4. هـ- والإيمان يرفع من قوى الإنسان المعنوية، ويربطه بمثل أعلى، وهو الله مصدر الخير، والبر، والكمال…قال الله تعالى: ) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربـهم بإيـمانـهم(يونس:9. و- والحياة الطيبة يعجل الله بها للمؤمنين في الدنيا قبل الآخرة…قال تعــالى : )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنـن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خـوفهم أمنا( سورة النور:55…وقد انتهى العالم إلى هذه الحقائق الإيـمانية…"سيد سابق: العقائد الإسلامية:ص85 ([1]) سورة المزمل،الآية:8. ([1]) سورة الزمر، الآية:54. ([1]) سورة الروم الآية:33 ([1]) ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ص:479. ([1])سيد قطب: مقومات التصور الإسلامي، دار الشروق، القاهرة الطبعة الرابعة،1414هـ1993م، ص:41…43. ([1]) سورة يونس: آية 101. ([1]) السيد سابق: العقائد الإسلامية، دار الفكر للطباعة والفكر والتوزيع بيروت 1412هـ، 1992م ([1])سورة هود: آية :6. ([1])سورة العنكبوت آية : 60. ([1])سورة العنكبوت آية : 62. ([1]) السيد سابق : مرجع سابق، ص، 86. ([1])سورة الفتح الآية :4. ([1])سورة النور: آية :55. ([1])أوراق الخريف،ص:404. ([1])وهذا البيت الشعري مقتبس من قوله تعالى: ( لخلق السموات والارض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون سورة غافر الآية 57. ([1])أوراق الخريف :78. ([1])وهذا مقتبس من قوله تعالى: ]إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون[ سورة يس الآية: 82. ([1]) أوراق الخريف،ص79. ([1])مقتبسة من قوله تعالى: ] لا تدركه الأبصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير[ . سورة الأنعام. الآية : 103 ومن قوله تعالى: ] قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد[ سورة الإخلاص. ([1]) مصداقا لقوله تعالى :] وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون[ سورة الذاريات. الآية: 56. وقوله عــز وجل: ]ايحسب الإنسان أن يترك سدى[ سورة القيامة. الآية: 36. ([1]) سورة آل عمران، آية :26-27 ([1])سورة فاطر،آية 2. ([1])السيد سابق: العقائد الاسلامية، ص:95. ([1]) أوراق الخريف:ص:345. ([1]) نفسه ، ص:346 ([1]) أوراق الخريف، ص: 351. ([1]) سورة الشورى، الاية :11. ([1])سورة يونس:101. ([1])سورة الذاريات، الآية:56. ([1]) أوراق الخريف، ص:323. ([1]) شموع، ص:369. ([1]) أوراق الخريف،ص:78. ([1])أوراق الخريف،ص:78…80. ([1]) نفسه،ص:326. ([1])سورة الأعراف، الآية:206 ([1]) سورة البقرة، الآية:186. ([1])سورة الأعراف، الآية:180. (**)ومن ثـمار الرجاء؛ إظهار العبودية، والفاقة إلى ما يرجى من الله، واستشراف إحسانه وفضله…ومن مستلزمات الرجاء الإنابة الكاملة إلى الله تعالى، والاعتراف بظلم النفس في المخالفة عن أمره، واليقين بإنه لا ملجأ لها إلا إلى رحمته، في وثوق بالاستجابة…فإذا مرت بالإنسان فترة فيها شدة وفيها اضطرار، توجه فيها إلى الله بفؤاد كله انكسار ورجاء، قال الله تعالى: ) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء(سورة النمل:62، و قال الله تعالى: )وقال ربكم ادعوني استجب لكم(سورة غافر:60… وإذا بالكرب يزول والشدة تنتهي، ويجعل الله من بعد عسر يسرا. ومعرفة الإنسان الله حق المعرفة يوجب اليقين بالله والاعتصام به وبـحـبلـه…" فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل، والله أعلم… وأما الاعتصام به؛ فهو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويـمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإن ثمرة الاعتصام به؛ هو الدفع عن العبد، والله يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن عبده المؤمن، إذا اعتصم به، كل سبب يفضي به إلى العطب، ويحميه منه "ابن القيم الجوزية: مدارج السالكين1/510. فالاعتصام بالله والإنابة الكاملة إليه سبحانه وتعالى، يقين عميق بحقيقة الألوهية التي لا ملجأ منها إلا إليها في وثوق بالاستجابة، وخضوع لله وإقبال عليه، وإعراض عما سواه. وضبط النفس بالذل والانكسار مرادف للمكاشفة التي هي أساس الخشوع والانقطاع إلى الله بالكلية والتوبة إليه، قال الله تعالى )وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون( النور:31وقد خاطب الله تعالى أهل الإيمان أن يتوبوا إليه… وحقيقة التوبة تكمن في الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره،والإحسان، والاستغفار، قال الله تعالى: ) واستغفروا ربكم انه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا(نوح:10-11 وقوله تعالى : ) واستغفروا الله إن الله غفور رحيم(البقرة:199…والاستغفار نوعان؛ مفرد، ومقرون بالتوبة، قال الله تعالى: ) استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يـمتعكم متاعا حسنا إلى اجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله(هود:3. والتوبة النصوح هي أن يكون العبد نادما على ما مضى، مجمعا على أن لا يعود فيه، ويستغفر باللسان ويندم بالقلب، ويقلع بالبدن، ويجمع العزم والصدق، بحيث لا يبقى عنده تردد… قال الله تعالى : )يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا، عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار( التحريم:8، وقال الله تعالى: )وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى(طه:82 ([1]) ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج:2،ص:56 ([1]) شموع: ص، 407. ([1]) مقتبس من قوله تعـــالى: ) والذين يـجـتـنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم( سورة النجم. الآية : 32. ([1]) أوراق الخريف: ص:82.. ([1])شموع: ص:49. (*** ) والمناجاة مرتبطة بالتوسل الذي هو مراعاة سبيل الله تعالى بالعبادة والعمل، وتحري مكارم الشريعة، والتقرب إليه سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة. قال الله تعالى ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون(المائدة:35 وقال سبحانه: ) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم اقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا(الإسراء:57. وقد أمر سبحانه تعالى عباده بدعائه والاستغاثة به. " وقد شرع لنا عز شأنه أنواعا من التوسلات المشروعة المفيدة المحققة للغرض، والتي تكفل الله بإجابة الداعي بها…وأما الأنواع المشار إليها من التوسل المشروع فهي: أ-التوسل إلى الله تعالى باسم من أسـمائـه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا…ودليل مشروعية هذا التوسل قوله عز وجل: ) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها( الأعراف:180. ب- التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي:…ويدل على مشروعيته قوله تعالى : )الذين يقولون: ربنا إننا آمنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا عذاب النار( آل عمران:16، وقوله تعالى: )إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان، أن امنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار(آل عمران:193-194، وقوله تعــــالى: )إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين( المومنون:109، وأمثال هذه الآيات الكريمات المباركات. ج- التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح "محمد ناصر الدين الألباني: التوسل أنواعه وأحكامه،سلسلة رسائل الدعوة السلفية(7)، المكتب الإسلامي،بيروت، الطبعة الخامسة،1406هـ/1986م، ص:31. ([1])سورة البقرة: الاية:186. ([1]) أوراق الخريف: ص:320. ([1]) شموع: ص:26. ([1])أوراق الخريف: ص:41.
|
|
([1])قال رسول الله e، حين سأله جبريل عليه السلام، عن الإحسان: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه الإمام البخاري، ج: 1، ص: 20، باب الإيمان 1-5 مسلم، ج:1، ص: 36- كتاب الإيمان- باب بيان الإيمان والإحسان.... |