Nouvelle page 1

هـرب بـــلادَك

خالد البيهي

إلى السريين في بلدهم الباحثين عن اسم في الضفة الأخرى

 إرحَـلْ بِـنَـا.. أبـحـرْ بِنـا

يــا "طـارقُ " احتـرقَ الـسَّـفيـنُ ولـم يعُـدْ لـكَ بينَنَـا

 غيـرُ الـرَّحيـلِ ارْحَـلْ بنـا …أبـْحِر بِنـا

رَمْــلٌ..ومـوتَـانـا هُـنـاكَ

و"طنجـةُ" اتَّـقَـدَتْ بـمـوَّال الـهُـروبِ إلـى الـهُـرُوبِ

قـواربٌ حـلُـمٌ وشـطٌّ لا يـؤوبُ.. ارحَـلْ بِنـا

اللَّـيـلُ مـرسُـولُ الـهـواجـسِ

شُـرْفـةٌ لـلإِنتـحَـارِ علـى دُمُـوعِ النَّـجـمِ

"طنجـةُ" تُـلبـسُ الأمْـواتَ خـاتَـمَهـا الأخيـرَ ليَجهَـشَ النَّـاعِـي

وتُـخـرجُ مـن شُقُـوقِ الـمِلـحِ أفـئِـدةً بـلا وطـنٍ تَــرفُّ..

هـو الـغُـروبُ ..هـو الـغروبُ ارحَــلْ بِـنـا

يـا أيـُّـهَــا الـوَطـنُ الـشِّـراعْ

يـا أيـُّـهــا الـوَطَـنُ الـجَـليـدْ

بـحـرٌ وأشْـبَـاحٌ وقـَــاعْ

والـيـأسُ يُـزهـرُ مـن جَـديـدْ

يـا أيـُّـها الـمنفيُّ من خَشَبٍ إلى خَشبٍ على مَوجِ الفِرنـجَـةِ

يـا دَمي الـمهدُور تـحتَ رصـاصِ خِـنـزيـرِ الـمُحـيطْ

يـا أيـُّـهـا الـمدفُـونُ في "أَغْـماتَ"

كـم قـبـراً تُـعِدُّ على صُحُـونِ الفَـقْر والـوَجـعِ البَسِيـطْ؟

يـا أيـُّهــا الـجَسَـدُ اللَّقـيـطْ

عـشقُـوا فمَـاتـُوا..

كانَ ذاكَ الـحُبُّ صُـوفِـيًّـا

وكانَ الـجَدْبُ يـخْـرُجُ في مَدائِننـا بِجُبَّـة عَاشـقٍ فـينـا

أتـعْشـقُـنا البـــلادْ ؟

هـذي البـلادُ كتـابُـنا الـمسكُونُ بـالعَبـراتِ

نسقيـها سحـابَ العَـينِ نُنضجُـها على نَخـلِ الـفُؤادْ

هذي البِـلادُ..عنـاقُـنا الـمكـتُوبُ بالـحنَّـاءِ

ثورتُـنـا..قـصيدتـُنـا..

كـلامُ الـجَـدِّ للأَحفــادِ..

صوتُ الأمِّ في ذهـنِ اليتيــمِ وطبلَـةُ الأغرابِ في عُرْس الـحِدادْ

هـذي الـبـلادُ

نشيدُنـا الـمبدوءُ من ألِـفِ الـفجيعَـةِ

ياؤُهـا موتُ الـمُـنـادَى

بينَ أحرُفِـها نضيـعُ قوافـلا فَـقوافِِـلا

ونُهرِّبُ الـقمَـر الـوحيـدَ بِرحـلِهـا

 

من يـسرقُ الأحلامَ من أزهـارِنـا؟

من يـسرقٌ الأزهارَ من أحْلامِـنـا؟

هل تُسألُ الـجُثـثُ التي عادتْ بـغـير سُؤالِهـا؟

هـل يُـسألُ النَّـاطُورُ..أم صَـمَـمُ البنـادِق؟

لـم تعـدْ كلماتُـنـا كلماتِـنـا

إسـمٌ قـتيـلٌ يـحفـر النِّسيـانُ جَبهتـَهُ

بـحُزنِ الأمَّـهَـاتْ

يـا "طارقُ" الأرضُ الَّتـي واعدْتَنـا كَفـرَتْ بِنـا

واسْتـقْبـلَتـنَـا بِـالعَويلِ الـحُوريـاتْ

والسَّهـلُ أقفـرَ في وُجُـوه العَـابرين..

السَّهـلُ يـجـأرُ بالشَّكـاةْ

ضِعْنـا بـمأدُبةِ اللِّـئــامِ..ولم نَجـدْ حتـى الفُتـاتْ

 

من يـسرقُ الأحلامَ من أزهـارِنـا؟

من يـسرقٌ الأزهارَ من أحْلامِـنـا؟

"لا تتَّـهمني.." قالَ لي طفـلٌ يُخاصِـرُ قاربـاً-

"لا تـبتَـدرنِي بالعِظـاتْ

أنـا ذاهـبٌ نـحوَ الطُّفـولَـة..

بـاحِثٌ عن ملعـبٍ لا ينـهَـرُ الصِّبيـانَ

يكفـينـي رمادُ الشَّـيبِ فـي وهَج الـرَّبـيع ..

تركتُ أمِّـي فوقَ صُورتِـيَ الوَحيـدةِ

في مَزار الذِّكـريـاتْ

أنا باحِـثٌ عن سَـادةٍ لا يـمْسحُـون حِذاءَهُم بِدَم الصِّغــارْ

لا يـملأونَ جُـيوبَهُـم باللَّـيـل فـي وضحِ النَّـهـارْ

أنا باحثٌ عن بهجـتي..فابـحثْ لـحُلمِـك عـنْ نـجـاةْ

وابْحَـثْ لنفسِـكَ عـنْ نـجـاةْ.."

"لا تتَّـهمنـي" قالَ لِـي طِـفْـلٌ ومَـاتْ

 

من يـسرقُ الأحلامَ من أزهـارِنـا؟

من يـسرقٌ الأزهارَ من أحْلامِـنـا؟

"لا تتَّـهِمني!" قَـال لـي شيخٌ يُـمازحُـهُ الخَريـفْ

بشَوائِبِ الـمطَـرِ الـعَقِيـم "..الأرضُ تُجـدِبُ يا بُـنَـيَّ

ولم تلِـدْ غيرَ الرَّحيـلِ وعظـم كَـاهِلـي النَّـحيفْ

الأرضُ تزكـُم في صفيحِ الـبيـتِ..

لم أعـثُر على شَجَرٍ أُورِّثـهُ بَنِـيَّ

 لِتبـرُد النَّظـراتُ في العُـشِّ الـجريـحِ..

ذبـُلْـتُ فـوقَ مَعـامِـل الأمـواتِ..

فـي الطُّـرقَـاتِ..

فـي وَجَـع الـرَّصيفْ

ما كـانَ حظِّـي غـيرَ ريـحٍ لا تـحِـنُّ

وزفرةٍ حـرَّى تـدُسُّ الـجُوعَ فـي يُـبسِ الـرَّغيـفْ

عـزَّ الـمُقـامُ..وَصِبـيتي الـمُتَـذمِّرونْ

ركِبـُوا الـخنـاجِـرَ

أصبغُـوا مِـجدافَهم بالطَّـعنِ في ليلِ الـجُنُـونْ

وأدوا البـريـدَ..

تـعاهَـدُوا بيـن العُبـاب وبيـنَ دَرْبكَـةِ الـظُّـنونْ

ألا يـعُـودوا..

يا بُـنـيِّ أيـرجعُـون ؟!

قلْ لـي بُـنَـيِّ أيـرجـعُـون؟..

من يـسرقُ الأحلامَ من أزهـارِنـا؟

من يـسرقٌ الأزهارَ من أحْلامِـنـا؟

منْ يعتلِـي أوهامَـهُ فـي "الأسوَد الـمُتَوسِّـطِ"

 الـمعجُـونِ من أشْـلائِـنا؟

هَدِّئْ عجـاجَك..والتـفـتْ

 لترى البِلادَ تُـطَوِّحُ الـمِنديـلَ باكيةً ..وعاجِـزَةً

تُطـوِّحُ فـوقَ سِـربِ لُـغاتِـنـا

جَسـداً يُهيِّـئُـهُ الـجـَرادُ

لِـموسـمِ المـُتلاطِميـنَ على ضِفـافِ ذواتِـنَـا

هـرِّب بِـلادَك فـي فُـؤادِك

واسْـترِحْ زَمَنـاً ليكمُـل شوقُـنا الـموبُوءُ في مِـجدافِـنا

هـرِّب بـلادَك ..

لا تـدعْـها للشِّتـاءِ الـمُرِّ..

لِلأسـفِ الأنيـقِ..وللكراسِي..

لا تَدَعْهـا للنُّفُوقِ على الرَّصيفِ

تُتِـمُّ وجـهَ خرابِـنـا

هـرِّبْ بـلادَك مـن مقَـاهي الذَّابليـنَ

ومنْ فـناجينِ الـكَلامِ

وصُـبَّهـا عطَشـاً علـى أصواتِـنـا

هـرِّب بـلادَك..

أو فَـــعُـدْ..وارْجـعْ بنَـا

إرْجـعْ بـنَـا

يـا "طـارِقُ " احتـرقَ السَّـفينُ ولـم يعُـدْ لـكَ بينَنَـا

غيـرُ الـرُّجوع

ارْجـع بـنَـا

إرجِـعْ بِـنَـا

ارجـع بـنـا