|
شجـون |
|
رئيس التحرير |
|
1- تشرق شمس المشكاة بعد احتجاب اضطراري، وليس ذلك بدعا في مسيرة الإعلام المستقل الذي لا يتلقى دعما ماديا من أي جهة، وزاده إيمانه برسالته الحضارية وما يلقاه من دعم معنوي من القراء الكرام والغيورين على المشروع النهضوي الحضاري للأمة ورسالته في العالمين.وقد كاد يحال بيننا وبين ما نشتهي من استمرار المسيرة لولا نعمة من الله ذي النعم وإحساسنا بعظم المسؤولية الحضارية الملقاة على عاتقنا، مهتدين بما جاء في الكتاب العزيز: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون). 2- نعود وفي الزاد اعتذار للقراء والكتاب:فأما القراء فبسبب الانتظار الطويل الذي عانوا منه، وعبروا عنه بالسؤال الملحاح والحث الجميل. وأما الكتاب فبسبب تأخر صدور نتاج كثير منهم،حتى أولئك الذين وعدناهم بالنشر، وما أخلفنا موعدهم بملكنا ولكنا حملنا على ذاك حملا.إن تحت أيدينا مادة غزيرة ووافرة وجدية وجيدة كان يرتقب نشر بعضها في أعداد سابقة، ومنها المادة الأدبية المتعلقة بالشعر المغربي، وما حال بيننا وبين ما نشتهي ويشتهي أصحاب المقالات إلا ما طرأ ويطرأ من أحداث مسّت واقع الأمة كليا أو جزئيا، مما جعلنا نصدر أعدادا خاصة مواكبة لتلك الأحداث،وكانت المادة تتجمع لدينا بشكل تلقائي عفوي في معظم الأحيان، مما يعني أن الهم الحضاري مشترك بين أبناء هذه الأمة.وهكذا ما كدنا نستوفي الأعداد الخاصة بالشعر المغربي ـ ولما نفعل،إذ كان تجمع لدينا عدد آخر في الموضوع نفسه ـ ،ثم العدد الطارئ الذي خصصناه للأديب الراحل محمد حسن بريغش، أحد مؤسسي رابطة الأدب الإسلامي العالمية، والسابقين إلى التأصيل الممنهج للأدب الإسلامي المعاصر، حتى كانت الحرب العدوانية الجائرة التي شنتها همجية الإدارة الأمريكية على شعب العراق وحضارته، فلم يكن هنالك بد من أن نكون في قلب الحدث، وقد جاءتنا رسائل تترى من الأدباء، من المغرب حتى أستراليا،(ويجد القارئ الكريم رسالة دالة في هذا العدد من الشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي،المقيم في أستراليا اضطراريا)، مما جعلنا نخصص عددا لهذه القضية النبيلة العادلة، بعدما كنا خصصنا عددا عن قندهار المجاهدة المتصدية للهمجية ذاتها.وتلا ذلك العدد المتميز الذي صدر بتعاون مع مجلة فلسطين المسلمة، وقد جاء إثر استشهاد شيخ الشهداء أحمد ياسين رحمه الله تعالى، وأخيه بطل مرج الزهور، الشهيد عبد العزيز الرنتيسي.. وهاهو هذا العدد اليوم يأتي وقد رزئ الأدب في علمين من أعلامه، وهما شاعر المغرب الكبير محمد الحلوي رحمه الله، وعميد الأدب الإسلامي المقارن حسين مجيب المصري رحمه الله. فأما الشاعر محمد الحلوي فهو شاعر القصيدة العمودية المتجددة في المغرب المعاصر دون منازع، وإذا كان الأستاذ عبد الله كنون رحمه الله تعالى قد قال في مقدمة ديوان (السوانح):"لعل الناس عندنا لم يجمعوا على إطلاق وصف شاعر فيمن رأينا من الشعراء كما أطلقوه على ثلاثة أشخاص هم الشاعر المطبوع وشاعر الحمراء والشاعر إدريس الجائي" فإنه لا جدال في أنه ما من أحد يصلح له اسم شاعر، في إطار القصيدة العمودية، بعد ذهاب أولئك الفحول الثلاثة أفضل من محمد الحلوي. وقد رأينا أن نخص هذا الشاعر الفحل بملف خاص في هذا العدد. وإنه لمكانة الحلوي في دنيا الشاعر فإن عددا من الدراسات التي تضمنها هذا العدد عن الفقيد إنما جاءت بأقلام عدد من الشعراء المعاصرين الذين خبروا القصيدة الحديثة وتقنياتها المتطورة دون أن يغيبوا عن ساحة القصيدة العمودية، مما يعني اعتراف هذا الجيل بشاعرية شاعر كبير هو محمد الحلوي الذي يمثل جيل (السلفية الشعرية)،كما يحلو لبعضهم أن يصفه، وهي صفة لا يحمل استعمالها هنا أي معيارية، مدحية أو قدحية، بقدر ما يعني وصفا لنمط كتابي خاص مرتبط بفترة تاريخية معينة. إن ميزة الحلوي أنه أخلص للنمط الذي ارتضاه في الكتابة الشعرية والتزم به، مخالفا بذلك معاصريه، بل حتى الجيل السابق له ممن جرب نظم الشعر على مذاهب مستحدثة، بما في ذلك القصيدة الحرة، بل والقصيدة النثرية أيضا، وأعني أمثال عبد الله كنون وعلال الفاسي وإدريس الجائي، ممن جربوا التلوين الموسيقي والتنويع الإيقاعي، وإن لم يغلب ذلك عليهم، ولكن مجرد خوض التجربة يظل ذا دلالة خاصة.وهكذا لم يخرج محمد الحلوي في شعره عن نظام الشطرين، فيما وقع إلينا، سواء في ذلك ديوانه:(أنغام وأصداء)، وديوانه:(شموع)، بل إنه لم يشذ عن ذلك حتى في مسرحيته:(أنوال)، التي وسمها بأنها لوحات شعرية.ومعلوم أن الشعر المسرحي أكثر استجابة للتجديد في النغم وزنا وقافية، ولعل هذا هو ما جعل الأستاذ علي أحمد باكثير يهتدي في مسرحه الشعري إلى ما سمي الشعر الحر، متقدما بذلك على السياب ونازك الملائكة. إن الحلوي لم يتجاوز في لوحاته الشعرية إلى شيء من التجديد الإيقاعي فيما عدا التنوع في القافية الذي كان أمرا لابد منه، وتلك المحافظة عنده نوع من الأصالة التي ظلت مميزة له في كل أعماله الشعرية. لقد اختار النمط المرتضى، ولكنه عرف كيف يرقص في السلاسل والقيود..فقيود الفن جميلة ومؤثرة، ولا يستطيع تطويعها إلا البصير.. واقرأ إن شئت قصيدته (أبو الثلج) تر كيف يكون التجديد داخل الأطر القديمة.وذلك مما بشر به زعماء الكلاسية الغربية في عصرهم من أمثال بوالو، حيث دعوا إلى تجديد المضمون في أطر الفن القديمة.وهو ما التزم به بعض شعراء القصيدة العمودية العربية في العصر الحديث، وقد ركب مطران التحدي الذي أعلن عنه في مقدمة ملحمته عن نيرون مفتخرا بقدرته على تطويع البيان داخل أطر القافية الواحدة والوزن الواحد في قصيدة عدها هو أطول قصائد الشعر العربي على الإطلاق. وأما الدكتور حسين مجيب المصري فهو الأديب الفذ المعتزل الذي لم يسع إلى الشهرة التي حرم منها رغم مواهبه المتعددة وإسهاماته المتميزة في الأدب العربي والإسلامي، فقد بقي المصري يحس بجرح الإهمال الذي عانى منه زمنا طويلا، وعكس شعره ذلك الشعور بحدة، كما يفصح عنه ديوانه:وردة وبلبل. لقد نقل إلى العربية عيونا من الشعر الإسلامي في نظم بديع، وأصّل للأدب الإسلامي المقارن، وهو الميدان الذي خاضه قلة من العلماء، ومنهم الدكتور الطاهر أحمد مكي، وقد عني المصري بالأدب العربي والفارسي والتركي، وهو المتمرس أدبا وثقافة بالفرنسية والألمانية والإنجليزية، فكان أن أقبل على موضوعه بخبرة المتخصص الدقيق وذوق الشاعر المرهف الرقيق، فهو مترجم متميز، وشاعر مرهف، وعالم خبير. ولعل وجه الالتقاء بين محمد الحلوي وحسين مجيب المصري أنهما لم يخرجا عن إطار القصيدة العمودية التقليدية، وربما لم يكن كل واحد منهما يرى أن غير العمودي شعر أصلا، أما المصري فقد صرح بذلك، وأما الحلوي فقد ألم وألمح ولم يصرح.وكما صنع الحلوي، جدد المصري ضمن الشكل الموروث ما وسعه التجديد، إذ هو لا يرى للتقليد فضيلة، وهو من دعاة التجديد، ولكن على طريقته الخاصة.تلمس ذلك في شعره وتقرأه في أحكامه النقدية حين يتناول شعر غيره بالدراسة.وليعذرني القارئ إن أنا استشهدت بهذا النص القريب من يدي، من كتابه:(الإسراء والمعراج في الشعر العربي والفارسي والتركي والأردي)، وما ذلك إلا أني وجدته ذا دلالة فيما نحن فيه، حيث يقول: (وللدكتور حسن الأمراني قصيدة طويلة بين دفتي كتاب تحت عنوان"قصيدة الإسراء"..تعد ملحمة إسلامية..إنه يبدو داعية ومصلحا إسلاميا، وصاحب نزعة فكرية تجديدية متشبها في ذلك بالمصلحين الإسلاميين، وعلى رأسهم محمد إقبال..إن شاعرنا مجدد بكل ما تحتمله الكلمة من معنى.لقد جعل العنوان"قصيدة الإسراء" وكان السابق إلى الفهم أنه سوف يتلو تلو من درسناهم من الشعراء قبله، وأنه سيضرب على الوتر الذي ضربوا عليه،إلا أنه واجهنا بأنه ذكر الإسراء على أنه كان إلى المسجد الأقصى، ليتحدث عن هذا المسجد الأسير في ماضيه الغابر ويومه الحاضر..وبذلك جعل من شعره العمودي الرائع، وما تضمنه من حقائق ليس فيها من خفاء، صورة رائعة لواقع الحال للمسجد الأقصى وللأمة الضعيفة في دنينا اليوم).ص 74وما بعدها. وعندما نقول إن المصري مجدد في شعره، وهو داعية إلى التجديد، فإننا نقرر أنه لم يكن ليسعفه التجديد لو لم يتجاوز اطلاعه أطر القصيدة العربية العمودية التقليدية نفسها بموضوعاتها ومضامينها وإيقاعاتها، فلقد اتسعت آفاقه بحكم تمرسه العميق بالآداب الأجنبية، شرقيها وغربيها، وقد صرح في مقدمة ديوانه:(بلبل ووردة)، أن روحه التجديدية إنما اكتسبها من تلك الروح الشعرية الصوفية الشرقية التي تطفح بها دواوين شعراء الفرس والترك.. لقد عانى المصري من الإهمال، وكان يطمح إلى الخلود، ويرى أنه لن يلتفت إليه إلا بعد موته، وقد التفت إليه النقد قبيل انطفاء شمعته، ونال لقب عميد الأدب الإسلامي المقارن، ولكن شمعته كانت لا تزداد إلا توهجا، مع علو همته، إذ اتصل بي يسألني بعض شعري في تمجيد الله عز وجل، لأنه مقبل على تأليف كتاب في الموضوع، بعد كتابه عن الإسراء والمعراج، إذ كان يخشى أن تدركه المنية قبل إنجاز عمله وهو مشرف على التسعين، وقد عجلت فأرسلت إليه ما أراد..ولكن القدر غالب، وأمر الله سابق، ولم يقدر له ـ فيما احسب ـ أن يقرأ ما أرسلت إليه.. فلقد كانت شمعته المتوهجة تنبئ أنه التوهج الذي يسبق الاحتضار.. والفناء..ولكنه الفناء المحدود الذي ليس غير جسر إلى الخلود.. يجد القارئ الكريم في هذا العدد ملفا عن الشاعر الراحل محمد الحلوي تغمده الله تعالى برحمته، ونضرب له موعدا مع الشاعر والناقد حسين مجيب المصري رحمه الله تعالى في العدد القادم الذي نرجو أن يصدر قريبا جدا إن شاء الله عز وجل.
|