Nouvelle page 1

نظرات في ديوان "القدس في العيون" - للشاعر كمال رشيد

محمد فؤاد محمد - مصر

 

يعود تاريخ "القدس" بيت المقدس" إلى 3000 سنة قبل الميلاد، حيث بناها اليبوسيون وسموها "يبوس"، وهم عرب نزحوا من شبه الجزيرة العربية واستوطنوا أرض كنعان وسُمُّوا بالكنعانيين، وظلت المدينة خاضعة للعرب الكنعانيين واليبوسيين، إلى أن غزاها العبرانيون عام 1186 ق.م ولكنهم فشلوا في السيطرة عليها وظلوا محاصَرين في وادي الأردن يتعرضون لهجمات العرب "الكنعانيين" و"اليبوسيين".

وفي عام 1000 ق.م فقط، وبعد هذا التاريخ العربي الطويل استطاع "العبرانيون" السيطرة على المدينة وكوّنوا مملكتين: "يهودا" في "القدس"، وإسرائيل في "السامرة". وقد قامت بينهما حروب وفتن فهبَّ العرب "البابليون" لنصرة إخوانهم العرب في فلسطين، فسقطت ممالك اليهود على أيدي العرب البابليين وحملوهم أسرى إلى أرض "العراق"، وعادت "القدس" عربية كما كانت عام 600 ق.م وسكنها في ذلك الوقت "الكلدانيون" و"الأشوريون" و"الكنعانيون" العرب.

وحين غزا "الفرسُ" أرض بابل عام 539 ق.م ساعدوا اليهود في الرجوع إلى "فلسطين" مرة أخرى، إلى أن جاء "الإسكندر المقدوني" في عام 333 ق.م فاستولى على "القدس" وأزال الوجود اليهودي مرة أخرى.

وفي عام 23 ق.م تغلب الرومان على السلوقيين واستولى ملكهم "بيموبيس" على "القدس" عام 20 ق.م إلى 4 ق.م وأعاد بناء هيكل سليمان الذي هدمه "نبوخذ نصر" عام 597 ق.م.

وبعد الميلاد تعرضت القدس لهجمات الرومان حيث هاجمها الحاكم الروماني "هدريان" عام 136 ميلادية ودمرها تدميرا وأقام عليها مدينة "إيليا". وبعد ذلك ظل الصراع بين "الفرس" و"الروم" قائما على المدينة حتى 614م، إلى أن جاء الفتح الإسلامي عام 638م ودخلت "القدس" في حوزة الإسلام والعرب مرة أخرى دون قتال أو إراقة دماء، وذهب سيدنا عمر بن الخطاب t بنفسه وتسلم مفاتيح المدينة من ملكها وقام جنود عمر بإزالة التراب من على الصخرة الشريفة وأمر ببناء مسجد هناك فبني المسجد في عصر الخليفة الأموي "عبد الملك بن مروان".

هذه ومضات تاريخية مختصرة تبرهن على أن "القدس" عربية منذ القدم، إسلامية بالفتح الإسلامي، ولهذا نرفع أصواتنا مع الشاعر كمال رشيد لنردد:"القدس في العيون".

وبعد هذا المدخل التاريخي -الذي رأيتني مدفوعا لكتابته- نتصفح الديوان الذي صدر ضمن سلسلة "نحو أدب إسلامي عالمي"، وقدّم له الدكتور عماد الدين خليل ذلك الرجل الذي أولى الأدب الإسلامي اهتماما كبيرا تنظيرا وتطبيقا ولم يدَّخر جهدا في إبرازه في الصحف والدوريات والكتب وتقديم الأدب الإسلامي في صورة مشرقة مشرّفة في ثوب فني رفيع المستوى كما تبنَّى ناشئة الأدب الإسلامي ورعى الكثيرين منهم على أحسن ما تكون الرعاية والعناية والتقويم.

أما مقدمة الشاعر لنفسه فقد بدأها بهذه الأبيات : 

حسبـي مـن الشعر أن مجدتُ أوطاني

سجَّـلـتُ مـا شاده بالعزمِ إخواني

هـذي فـلسطيـنُ والأفعالُ شاهدةٌ

تـقـودُها للـعُلا آيـات قـرآني

هـو الـجهـادُ سبيلُ المسلميـن ولا

ينـأون عنـه، وفيـه الأحمرُ القاني

دمٌ زكـيٌّ نـقـيٌّ طـاهـر عـبقٌ

يسيـل في أرضها من غير إعـلان (1)

 وقصائد الديوان في جملتها جاءت بعد انتفاضة عام 1987 والقليل منها جاء قبل ذلك وكان يؤذن برؤية مستقبلية..فمن حنايا الضلوع ومن أعماق القلب ومن التكوين الذاتي كله تأتي هذه القصائد قوية حية ندية لتلج قلوبا تشبهها وتحسن استقبالها..كما يعبر الشاعر في مقدمة ديوانه. والشاعر يبارك يوم تفجر الانتفاضة ويمجده حتى يجعله عنوانا لقصيدة وتاريخا لأمل وعرسا للمجاهدين ففي قصيدة بعنوان "8/12/1987م"(2) يقول :

يـا تـاريـخَ الأمـل الصَّـاعـدْ

أنـت الأمــلُ لكـل مـجاهـدْ

فيـك تـقـدَّم طـفـلُ الـقدسْ

يـحـدو الـرَّكـب لـهذا العُرسْ

فهـو الـقائـد، وهـو الـشَّاهدْ

يختم الشاعر قصيدته التي تزخر بموسيقاها لتناسب فرحته بهذا الجيل الصاعد ويختمها بقوله:" بعد الظلمة يأتي الفجرْ".

والظلمة هنا ظلمة الاحتلال، ظلمة الوضع الراهن الذي يبعث على الملل والإحباط ويساعد على انتشار الشائعات المثبطة فيقول الشاعر في قصيدة "ثورة الحق"(3)

قيـل غاب الإسلامُ ضاعَ سناه 

وبنـوهُ..تـوزَّعوا في البعيد

قيـل إن الـحاخام يحكم أرضا

بـاركتها السماءُ في التلمودِ

قيـل إنـا فـي ضفة الخير متنا

وقـعَدنـا يا ويحَ كلِّ قعيد

قيـل مـاتَ القـديمُ لم يبقَ منه

غيـر ذكـرٍ مدثـر بالجُمود

 وهذا يعادل طرف المعادلة الأول "الظلمة" ثم يأتي بعد ذلك قوله :  

فـانتفضتُـم من كل وكنة طير

وزرعتُـم أقدامكم كالحديد

 ليعادل الطرف الثاني في المعادلة "بعد الظلمة يأتي الفجر" ونستطيع هنا أن نجد علاقة بين انتفاضة الطيور من وكناتها وبين الفجر الذي تنبعث فيه الطيور من سباتها وتتحرك بعد سكون وتنطلق بعد قيد وتغرد بعد صمت كما غرد الطفل في ذلك العرس المشهود.

وبعد أن تنكشف الظلمة ويزداد الأمل وتتسع مساحة النور ويسفر فجر الحق وتبدو أماراته يعلن الشاعر بثقة في قصيدة "الآن"(4): 

الآن أعـلـن حبـي أيُّـهـا الناسُ

ولا يُـسـاورُنـي هـمٌّ ووسواسُ

الآن أخفِـضُ رأسـي لـلألى رفـعُوا

رأسـي ومـا بسواهم يُرفعُ الراس

كـانُـوا يظنُّـون أنـا أهل نجدتـهم

وإذ بـهـم لقعُـود الـدَّار حُراس

هـمُ الصغـار ولكـن عـزّ شأنـُهم

هـم الفدى والرَّدى والعزم والباسُ

 وهذا الفداء وذلك العزم متصل بالله وبرحمته على المستضعفين: 

ووزَّعتـهـم يـدُ الـرحمنِ مكـرمةً

فـي كـلِّ شبـر كما تنيثُّ أغراسُ

فـي ظلمةِ الظُّلم في ليل النَّوى طَلعوا

وإذ بـهم فـي دُجى الظلماء نِبراسُ

 ألا ترى أن معادلة "الظلمة" و"الفجر" تنتشر بحدودها ومعاملاتها خلال الأبيات، ولذلك كانت الأنفاس المعدودة في "الفجر" كأنها عمر طويل، وهي خيرٌ من سنوات في الظلمة فالزمن هنا له قياسات أخرى: 

شـدُّوا علـى صهواتِ المجدِ وانطلقوا

علـى الـعدى نفرُوا، والعُمر أنفاسُ

لا تـعجبـوا إنـهم أحفادُ من بَلَغُوا

آفـاق هـذي الدُّنا، والعِرقُ دسَّاسُ

 وينطلق الشاعر في قصيدته وكأنها أغرودة من أغاريد النصر أو تغريدة من تغاريد الطيور الطالعة المنبعثة في الفجر: 

قـُولـوا معـي إن نارَ القُدس طالعةٌ

وإنَّ عـزمَ بنـيهـا ليـس يـنقاسُ

وإنَّ مـسرى رسُـول الله ليـس لِقىً

وإنَّ فـتيتـهـا في الحربِ ما خاسوا

وإنَّ خـيـر تُـراب الأرض تـربتُها

بعـد "الشريفَين" إنَّ القُدس أقداسُ

وإنـهـا النَّـارُ إن مُسَّت كـرامتُها

وإنـهـا فـي الـرِّضا نُورٌ وإيناسُ

 وهكذا في نهاية القصيدة نرى "الرضا" ينتشر و"النور" يعمُّ ، والإيناس يغلِّف الجو العام ويبعث السكينة ويتلاشى ما دون الرضا والنور والإيناس من معادلة "الفجر" التي ذكرناها يتلاشى معنى ولفظا.

وحين يذرف الشاعر دمعة وفاء على الشهيد "عبد الله عزام" في قصيدته "دمعة وفاء"(5) يتذكر الشاعر القدس والمسجد الأقصى ومكانتهما في حياة الشهيد الراحل: 

كـانـت فـلسطيـنُ في عينيه مَاثِلَةً

والقـدس والمسجدُ الأقصى له دارُ

"حماسُ" يعرفُهـا من يومِ نَشأتـِهـا

والـحـرُّ يعرفـه في الرَّوع أحرارُ

تـقـودُهـا عصبةٌ للنـصر مـاضيةٌ

صِيدٌ أبـاةٌ غـطـاريفٌ وأطـهارُ

رَبْعُ الحِـجـارة عيـنُ الله تـحرسُهم

سـلاحُهـم في وجوهِ الخصمِ أحجارُ

 ويصعِّدُ الشاعر من عملياته الإبداعية مثلما يصعد فتيان القدس عملياتهم، وترتفع رايات شعره كما ترتفع راياتهم ويكبر أمله فيقول في قصيدة بعنوان "الحمد لله"(6) :

الـحـمدُ لله أنَّ الـجـهد يـتَّسعُ

وأنَّ رايـتَـنا فـي الـقدس ترتفِعُ

وأنَّ أطفـالَـنا فـي القُدس قد كبروا

وأنـهم من لبانِ المـجدِ قد رضَعوا

 والإنسان دائما مولع بحب الأطفال مستبشر بتصرفاتهم يندهش لأفعالهم التي يحسُّ أنها فوق سنى عمرهم فكيف إذا كانت الأفعال دفاعا عن أرض وعن عقيدة وعن قيم متوارثة وعن كرامة وحق مهيض: 

أطفـالُ غـزة مـا لانـوا ولا جبُنُوا

صغـار نابُلس ما خاسُوا وما خضَعُوا

كـالنبـعِ يـخرج في الجدباءِ يمرعها

كـالنـور يـطلع فـي ليل فينقشعُ

كُثْرٌ وإن نـقـصُوا في كـل مـعركةٍ

كالـذَّر من جنباتِ الأرض قد نَبَعُوا

وهـم ثـبـات وإيـمانٌ وتـضحيةٌ

وهـم مـع البأسِ في أوطانهم زُرعوا

 وتأمل معي هذا الجو الذي تعيشه القصيدة "نبع يخرج من الجدباء" و"نور يطلع" فتزدهي وتزدهر على ضوئه الخضرة، والإمراع الذي ينتَشرُ في مساحات بصرية يوحي بها جو القصيدة فكل نبع –دائما- تتبعه خضرة والخضرة تحتاج للضوء والنور لتؤدي دورها وتقوم بعملياتها..ثم اقرأ هذا البيت الذي يشدُّ الانتباه للتطلع إلى ما بعد: 

فـي كـلِّ يـومٍ ستـأتيكُـم مُفاجأةٌ

من صُنـع أطفالِكم يا قوم فاستمِعُوا

 ومكانة "القدس" وفلسطين تنتشر خلال الديوان وتضرب بجذورها في أعمق أعماق الشاعر ووجدانه بل ووجدان "الأمة" فهي تاريخ..وعقيدة حضارية..وأرض،  يقول في قصيدة "أطفال الحجارة"(7)

"هي القدسُ والأقْصى ومسْرى "مُحَمَّدٍ"

بـهـا بـركـَاتُ الله والله قـالَها

فِـلسطيـنُ تـَاريـخٌ ودينُ حَضارَةٍ

وأرضٌ وشـعـبٌ هل عرفتُم جلالَها

وحيـنَ أنـاخَ النَّـاسُ ألـقَوْا رِحالهم

إلـى الظُّلـم والسِّلم الذي رتَّبوا لها

تنـاثَـرت الأحْـجارُ من كلِّ جانبٍ

عـلى الظَّـالم البَاغي يجوسُ خلالَها

ومـاذا يعـيبُ الطِّفـلَ إن هُو لم يجِدْ

سِـوى حَجَـرٍ يرمي به من أتَى لها

ألا يـا صغارَ "القُدس" ..صِرتُم فَوارِساً

وثـورةُ أهـلِ الأرضِ صرتُـم نبالها

 وما زال الشاعر في ميدانه الإبداعي يقطر إبداعا، يتفاعل مع الموقف لحظة بلحظة، ويعبر بالصورة المعبرة الموحية ويرسم الحركات وينتقي ألفاظه بدقة وعناية تناسبان الموقف الشعري وجلال الحدث، ولاحظ هذه الألفاظ: هممٌ  شماء..قعساء، وكذلك:كرٌّ..وفرٌّ..وإقدام..وتضحية..وشهادة..وجنات وأنهارٌ ..ونورٌ..ونارٌ كل ذلك تقرؤه في قصيدة "الله أكبر"(8) : 

مـاذا أقـولُ لكم؟ في القُـدس أخبارُ

كأنـَّهـا فـي عُيـون القوم أقدارُ

فـي القـدسِ نـارٌ على الأعْداءِ نَازلةٌ

وفـي أيـَادي بناتِ "الرَّام" أحْجار

وفـي الـمُخيـَّم أطفـالٌ لـهُم هممٌ

شـمَّاءُ..قـعساءُ فيها النـُّورُ والنارُ

شبُّوا على الطَّوق ردُّوا الظلم وانتفَضوا

فهُـم على الظُّلـم والعُـدوانِ ثُوَّار

كـرٌّ وفـرٌّ وإقـدامٌ وتـضحـيـةٌ

والـسِّجـنُ ترهقهم إن عزَّت الدَّار

وإن يـمُوتـُوا فمـوتُ العزّ غَايتهم

هو الشَّـهـادةُ جـنـَّات وأنـهارُ

 ثم يأتي بيت القصيد –كما يقولون- 

الأرضُ أرضُـكـمُ والـقدس قدسكمُ

والـدَّهرُ شـأنكم والـدهـرُ دوَّار

والشاعر يعيش غريبا عن وطنه يحمل شوقه وادكاره، هذا الادكار وذلك التذكر والحنين الذي يختلج في قلب الشاعر المشحون بذكرياته وبالومضات التاريخية مثل "بدر" و"حطين" وبما تحمل هذه الألفاظ من معان وأحداث ومؤثرات وبما تستجلبه من صور وهذا ما نحسه في قصيدة "نحالين"(9) وهي بلدة فلسطينية:

يـا فلسطيـنُ، والحياةُ ادكارُ

طـال شـوقٌ ولجَّ فينا الحنينُ

نـحنُ في البُعد ما بعُدنا وفينا

نحو قُدس الـهُدى ترُفُُّ عيونُ

وعـلى الأفقِ تنجلي ظلماتٌ

تـطلع الشَّمـس يفرحُ المحزونُ

ونـعيـدُ التاريخ عزماً قَويًّا 

فيـه "بـدر" وأختها "حِطِّين"

            الطفل الفلسطيني هو بطل الديوان –إن جاز التعبير- فهو لا يعرف اليأس وقد حرر نفسه من مخاوفها، واقرأ هذا الإيقاع المتناغم الذي يخاطب الشاعر به طفل فلسطين من قصيدة "يا طفلنا"(10):

علَّـمتنـا يـا طفلنا الدَّرسا

ذكَّـرتنا من قبل أن ننسى

أنـا لنـا أرضٌ قد اغتُصبت

أن اليهُود استوطنُوا القُدسا

وقد استطابُوا العيشَ في رغَدٍ

وبها أقامُوا الحفلَ والعرسا

أيقـظتنـا من بعدمـا خدَرٍ

أحيـيت فينا العَزمَ والبَأسا

ولـقد رفعتَ الصَّوت في ثِقَةٍ

من بعدما كانَ الندا هَمسا

 أما في قصيدة "الترس والمجداف"(11) فقد جسَّد الشاعر المأساة وشخَّص الداء ولمس الجرح وأمسك بيديه الخيط بطريقة شعرية حيث يقول :

نـمْ يـا فُـؤادي فما يُجديك تسهيدُ

والسَّـعد لا يـشترى والعمرُ محدود

نـام الخـليُّـون لا جـرحٌ ولا أرقٌ

ولا فـراق ولا قـتـل وتـشريدُ

ولا بـلاد عـدوُّ الله يـحـكُمـها

ولا رقـاب علـيهـا السَّيفُ ممدودُ

عجـائـب العـيش أنَّ البوم في وطني

طيـرٌ جـميلٌ لـه ريـشٌ وتغريد

منـه الـبشـائـرُ تـأتـي كل آونةٍ

وطـائـرُ السَّعد في الأغلال مصفودُ

 ولا ينسى الشاعر أن ينسب الفضل لأهله ويشيد بأطفال فلسطين فيقول:

أطـفـال غـزَّة يـا سَعيـا ويا أملا

 

لكـم يـطيـبُ الندا تحلو الأناشيدُ

أنـتـم لنـا الـترس والمجداف فتيتنا

 

بكـم عـرفنـا بـأنَّ الخيرَ موجُود

 وكما ذكرنا أن مساحة الخضرة متسعة في الديوان، والينابيع التي تسقيها فتجعل فيها عناقيد نضرة امتدادا لجذور الخير والنماء:

إن الـعنـاقـيـدَ تـأتيهـا نضارتُها

من جذرِها وهو في الأعماقِ مشدُودُ

ولـو تـقطَّـع جـذرٌ عـن منابِته

مـاتـت على غصنِها تلك العَناقيدُ

 ونرى في قصيدة "أم الشهيد"(12) اقتباسا لمعانٍ قرآنية تتحدث عن الشهادة وما يقابلها من قعود وتخلّف وتخاذل كما جاء في قوله الله تعالى :" الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا. قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين" سورة آل عمران  168 ، فماذا يقول الشاعر؟ يقول:

أيـها القاعدون لا تعذلوه

هو خير من القُعود ومِنّي 

لا تقولُوا لو كان فينا لما مــا

تَ لعاش في مستقر وأمن

 وماذا عن التاريخ في شعر الشاعر؟ أما التاريخ فنراه مجسَّما بشخوصه وعلاماته وأيامه ووقائعه فهو علامات بارزة وسطور منقوشة ومعين لا ينضب يمتاح منه ويمتار من يبحث عن القدوة والعزة والمجد، ونرى ذلك في قصيدة "رايات وشامات"(13) 

يـرمُـوك، حطِّيـنُ شامـات وألويةٌ

وعينُ جالوت مثل الكوكَب السَّاري

حيِّ الـمنـازل في الغور العتيق وقلْ

بـوركت من تـربة حُفَّت بأنواري

فيـك الصحـابةُ شامُـوا كلَّ مكرمة

شـادُوا البُطولات في حزمٍ وإصرار

وسطّـَروا صفحـاتِ الـمجدِ مُشرِقةً

وحـرَّروا قـدسَنـا بـالنُّور والنار

أبـو عـبيـدةَ مـن في الناس يجهلُه؟

وشـرحبيـل، مُـعاذٌ، ركبُ أخيار

 وبعد أن يرى الشاعر أن الحاضر غير الماضي المشرق، وأن الأحفاد غير الأسلاف يعود لأمله ويتذكر "نور الفجر" الذي عهده فيقول:

وارقـبْ مع الفجر جيلَ النَّصر إنَّ له

عَـوْداً فـتصـدقَ آمالي وأشعاري

"وثمة البعد التاريخي في الصورة الشعرية، التاريخ بما أنه حركة وتشكيل (…)والتاريخ بما أنه شخوص وأماكن وصراع وذكريات"(14)، فالشاعر بعد أن يجعل التاريخ يسعى ويتحرك ويتقدم ويتأخر ويطل من هذه الموقعة أو تلك في صورة هذا الشخص أو ذلك، يبدأ في رصد الواقع المؤلم فتحدث المفارقة وتبدو الصورة واضحة دون لبس في وجود "الضد" والمقابل فيقول في قصيدة بعنوان :" سعد"(15) وهو رمز للقائد المسلم في معركة اليرموك: 

أقـبـل فأنت المرتجى سعدُ

إن البنـاءَ يـكادُ ينهدُّ

أقـبِل فخيلُ الرُّوم عَاديةٌ

وخيـولُنا أزرى بها القيدُ

نَامت فوارسُها وما برحت

مربوطةً في القيد لا تعْدُو

وبيارقُ النَّصر القديمِ غَدت

مـطويَّةً إذ وَدَّع الأُسْدُ

ويستطرد الشاعر في ذكر التداعيات التي ألمت بالأمة ثم يخص القدس: 

والـمسجد الأقصى يؤرِّقُه

هذا العقوقُ يسوؤُه البعد

 

والصامدون هناك طال بهم

ليلُ الأسى أضناهم الوجدُ

يا سعـد أقبل نحنُ في خَدَرٍ

والأفقُ لا برقٌ ولا رعدُ

 

 و"الشاعر" لا يقنط هنا فهو يلاحظ دفقات النور في فجر هؤلاء الصغار: 

يـا قوم لستُ مقنِّطا أبداً

أمـلي كبيـرٌ ما له حدُّ

 وكما مرَّ بنا في أجواء القصائد "دماء..وشهداء..وصراخ..وذهاب وإياب..وتبادل بالحجارة والرصاص..وتداخل رؤيوي بين الحاضر والماضي والمستقبل..تبادل في الأماكن والأزمان..ويُنادى رسول الله (r) ويطلع "سعد" وينطلق خالد على فرسه، يتبعه "صلاح الدين"..وتبدو مكة المكرمة" في جانب ما"(16)

فيقول الشاعر في قصيدته "من وحي مكة"(17) 

مـن وحْـي مكـَّةَ جـاء الدَّمعُ هتّانا

حـرًّا نـقيًّـا يـزيـدُ القلبَ إيمانا

والشـعـرُ أيـنـع في قلبي وأسعَفني

فكـان سيـفـاً وأشـواقا ورَيْحانا

 ثم يتذكر الشاعر قضيته فيستثمر هذا التجمع الإيماني الكبير ليشاركوه قضيته فيقول: 

"يـا مـن يـطُوفُ ببيت الله معتمراً

القـدسُ طـاف بها حقدٌ و أرْدَانـا

ولـم يوقَّر "صـلاحُ الديـن" فاتحُها

ولـم يُقم لخطى "الفاروق" حسبانا

حـضـارةُ السَّنـواتِ البيضِ هدَّمها

فِكـرا وأرْضـاً وإنـسَانـاً وبُنيانا

ثم يقول:

يـا قـدس تـُقنا إلى السَّاحات نلثمها

وكيـف لا يـعشق الإنسان أوطانا

يـا حبَّذا "جـبـل الزيتون" من جَبلٍ

وحـبَّـذا أهـلُـه أهـلا وإخوانا

 وهذا البيت الأخير يذكرنا ببيت الشاعر العربي: 

يـا حبَّذا "جـبل الريَّـان" من جَبَلٍ

وحـبَّـذا سـاكنُ الريَّان من كانا

 فالشاعر متشوِّق إلى "جبل الزيتون" في فلسطين التي نشأ فيها وطعم من زيتوناتها وقد حُرم منها ومن ترابها ومن زيتونها منذ احتلالها ولذلك يحاول رسم خرائط لبلاده يتوهمها ويتخيلها وهو مولع برسم هذه الخرائط فيقول في قصيدة "الخريطة"(18)

"أرسـمـهـا فـي الـعـام ألـف مـره

أعيـن السـهـول والـبحـار

وأرسـم الـموانـئ الكبـيـره

حيـفـا ويـافـا عـسقـلان

عـكـا وغـزَّه

كلـهـا شـامـات مـجـد فـي جبـيـن الـغـاليـة

والقـدس فيهـا القلب والـحبّ ونـور الـحق يصعد للسماء

والقـدس مفتـاح الحضارة، مجمع الشهداء والعلماء من كل العصور

لـم يبـق لي إلا التفنـن في الـرسـوم وفـي الـخرائـط

لكننـي علـقتهـا فـي القلـب لا فـي صـدر حـائـط"

أما الديوان "فنيا نستطيع أن نلحظ في الديوان توازنات شتى في أكثر من اتجاه..فهناك توازن بين الذات والموضوع، الخاص والعام..وهناك توازن ثان في البحور ما بين بطيء وسريع..وثمة توازن ثالث في المعمار الشعري ما بين عمودي وحر.."(19).

فقد احتوى الديوان على ثلاث عشرة قصيدة من الشعر التفعيلي "الحر" وسبع وعشرين قصيدة من الشعر المقفى "العمودي" وقد جاءت القصائد المقفاة أعمق من حيث الصورة الشعرية..مصوغة بشاعرية تامة عنها في الشعر التفعيلي باستثناء قصيدتي "الخريطة" و"زرقاء اليمامة" من الشعر التفعيلي، وقد تنوعت بحور القصائد وتوزع النغم مما أعطى مساحة أوسع للتناغم الموسيقي مع الحالة الشعرية فمثلا البحر "البسيط" تسع قصائد و"الرمل" ست قصائد، و"الكامل" إحدى عشرة قصيدة ما بين :"تام" و"أحذ" و"مـجزوء" وقصيدتان لكل من "المتدارك" و"الوافر" و"الخبب" وقصيدة واحدة للطويل والرجز والمتقارب، وهكذا لمسنا في الديوان التنوع والتوازن..والتناغم والأصالة.

  

 

 الهوامش:

 (1) الديوان ص23- (2) نفسه ص29- (3) نفسه ص28- (4) نفسه ص31-(5)نفسه ص36- (6)نفسه ص38- (7) نفسه ص43-(8) نفسه ص45- (9) نفسه ص49- (10) نفسه ص51- (11) نفسه ص54- (12) نفسه ص58- (13)نفسه ص61- (14) مقدمة الديوان ص20- (15) الديوان ص63- (16) مقدمة الديوان ص12- (17) الديوان ص65- (18) نفسه ص93- (19) مقدمة الديوان ص13.