Nouvelle page 1

ثقافة الإبادة

رئيس التحرير

 

  نخصص هذا العدد من المشكاة – بتعاون مع مجلة فلسطين المسلمة - لقضيتنا المقدسة في فلسطين، مع استمرار دوران آلة إسرائيل الجهنمية، واغتيال رجال حركات المقاومة والتحرر والجهاد الفلسطيني، وفي مقدمتهم شيخ الجهاد أحمد ياسين، وزعيم المقاومة من مرج الزهور حتى غزة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، مما يقتضي اشتعال الغضب ضد كل أنواع الفتك والإبادة، وألوان التدمير والخراب.

    وما يجري في فلسطين يؤازره ويعاضده لون آخر فظيع من ألوان الإبادة الحضارية الممنهجة في عراقنا الحبيب.فالحالتان متكاملتان، تكشفان عن سياسة واحدة، ومنهج واحد، يرمي إلى إذلال هذه الأمة وكسر ما بقي من هيبتها وكرامتها.

   لهذا كله نستضيف في هذه الافتتاحية الكلمة التي نشرها الأديب جمال الغيطاني في زاويته (نقطة عبور) من ( أخبار الأدب )، واختار لها عنوان: (ثقافة الإبادة)، وقد جاء العدد متضمنا لوحات للتشكيلي العالمي سلفادور دالي، وكانت اللوحة الأولى منبئة عن حس غريب، فكأن هذا الفنان المجنون بالعبقرية كان يطلُّ من وراء الغيب على فظائع معتقلات أبو غريب وغوانتانامو واستوحى منها تلك اللوحة.

     نترك القارئ الكريم مع الكلمة الدالة لجمال الغيطاني:

           

ثقافة الإبادة (*) - جمال الغيطاني – مصر

 توقفت طويلا أمام تلك الصورة التي التقطت لممر عريض تطل عليه زنازين سجن أبو غريب، في وسطه تكدّست كومة من الأجساد العارية تماما لعراقيين ذكور، ربطت أقدام بعضهم إلى أيدي الآخرين وامتزج عري أجسادهم. بينما أحاط بهم عدد من العسكريين الأمريكيين أحدهم يتطلع باحتقار، والثاني يدير ظهره، وآخرون يتأهبون لشيء ما، هذا الوضع المستجد في فنون التعذيب، تكويم الذكور فوق بعضهم البعض عرايا تماما يتكرر في صورة أخرى لمجندة أمريكية تركع فوق الرجال العرايا، بينما يقف خلفها تماما مجند أمريكي يمارس معها الجنس من الخلف !

هذا الوضع المهين لبشر تم تجريدهم تماما من ملابسهم وتوثيقهم إلى بعضهم البعض وضع مستجد في فنون التعذيب. ورغم أنني قرأت موسوعة كاملة عن فنون التعذيب عبر العصور للمؤلف العراقي عبود الشايجي إلا أنني لم أعثر على مثل هذا الانتهاك للبشر والذي يجردهم من إنسانيتهم تماما، يلغي بشريتهم، بل ويحولهم إلى موضوع للاستثارة الجنسية وهم في ذروة هوانهم وإشرافهم على الهلاك، دائما عندما أسمع أو أقرأ أو أرى عن إنسان في وضع صعب أتخيل نفسي محله، مكانه، هذا الإنسان المجهول لي اسما، المنتمي إلي نوعا وبشرية، قد عصبت عيناه، بل تم تغطية رأسه بكيس قاتم حتى يتم إلغاء بصره تماما، أوثقت يداه وقدماه إلى آخر يجهله، تم تجريده تماما من ملابسه، والعري قسرا يعني إلغاء الصفة الإنسانية من الإنسان في نظر جلاده، وأضاف الأمريكيون بالجيش الأمريكي العظيم الذي ينشر قيم الحرية والديموقراطية تقليدا جديدا إلى تراث التعذيب، التصوير، والتصوير قسرا في حد ذاته انتهاك للخصوصية، فما البال إذا تم لضحية تم تجريدها من كل صفة تخصُّ إنسانيتها، إنه إلغاء آخر للصفة البشرية من وجهة نظر الجلاد، تعرية الضحية وربطه إلى آخر يعني استباحته أيضا، إسقاط أي مانع أخلاقي أو إنساني يحول بين الجلاد وفعل أي شيء محرم أو ممنوع،  بالتالي يطلق داخله كل الطاقات المحرمة والرغبات غير المشروعة التي تميز النوع الإنساني عن الحيواني، بل إن عالم الحيوان فيه من الضوابط ما لا يصل به إلى هذا الحد الذي تفنن فيه الزبانية الجدد.

تكديس العراقيين، الصورة والإحاطة بهم بكل هذا العدد يعني أن الفعل ليس فرديا، إنما هو عمل منظم، مدروس، مخطط له، أحاول أن أتخيل اللحظات التي تلي هذه الصورة، أن أمد الخيط إلى آخره، لا بد أن أعضاء بشرية بترت، ولا بد أن طرقا للانتهاك أبدعها الساديون الذين أضافوا إلى تراث السادية في التلذذ من خلال الألم، ألم الآخرين، السؤال هنا، لماذا يجد من يعتبر نفسه إنسانا الاستثارة واللذة من خلال ألم الآخرين وتعذيبهم؟ أظن الجواب يكمن في الثقافة الداخلية للجلادين، لقد جاءوا بموروث داخلي وثقافي متراكم، ملخصه أن هؤلاء السجناء العراقيين، العرب، المسلمين، ليسوا بشرا، وعندما تنتفي الصفة الإنسانية عن الضحايا يمكن فعل أي شيء بهم، فلهم الهيئة الإنسانية من حيث الشكل، لهم أعضاء جنسية وفتحات مؤدية.

هذا العري وتلك الاستباحة تفجر أحط الغرائز الوحشية عند الجلادين، فتشعر المرأة بالاستثارة والبهجة أمام الأعضاء الذكورية التي يمكنها أن تفعل بها أي شيء بما فيها البتر والتشويه، هنا يستند الجلادون الجدد إلى تراث أجدادهم المهاجرين إلى القارة الأمريكية أثناء إبادتهم للهنود الحمر، كانوا يعتبرون الهنود غير آدميين، ويذكر منير العكش في كتابه الرهيب "أمريكا والإبادات الجماعية" والذي نشرنا قسما منه في بستان أخبار الأدب تفاصيل مروعة عن عمليات الإبادة، ومنها قطع الأعضاء الذكورية وتحويلها إلى أكياس للتبغ، وانتزاع أرحام النساء وفروات الرؤوس، هؤلاء العسكريون الأمريكيون المرتزقة من جميع أفراد الجيش الأمريكي مأجورون لأنه لا يعتمد على التجنيد، بل على التقدم إلى الجيش كمهنة –ورثوا ثقافة الإبادة عن أجدادهم والقائمة على إسقاط إنسانية الآخر، وتجريده منها، وبالتالي فعل أي شيء يخطر على البال به، ومن هنا كان للجنس الشاذ أولوية في ممارساتهم، فوضع العراقيين العراة، المجردين من إنسانيتهم يغري بممارسة جميع أنواع الشذوذ، هذا ما أتيح لنا أن نراه عبر تلك الصور الملتقطة عمدا بهدف الإذلال، إذلال الضحايا، وإذلال العرب والمسلمين الذين سيَرون ويشاهدون، ماذا عن المراحل التي لم تسجلها الصور؟ ماذا عن الأفعال الشاذة التي ارتكبت مع النساء العراقيات؟ ماذا يحدث في جوانتانامو البعيدة عن الأنظار تماما؟ ماذا عن اتخاذ أجساد السجناء كحقول تجارب؟

أما الجلادون من جنود وضباط الجيش الأمريكي فقد جرى اختيارهم بعناية، هذا ما تثبته خبرة التعذيب عبر العصور، إن اختيارهم لا يتم عبثا، بل يتم اختيار ذوي الميول الشاذة والمرضى لممارسة التعذيب، ولو نظرنا إلى ملامح السعادة البادية على وجوههم والتلذذ يمكن لنا أن نرى تلك السادية المتأصلة، ويمكن أن ندرك تلك الدقة التي تتم بها العملية، كم من الوقت استغرق تجريد هؤلاء العراقيين وربطهم إلى بعضهم وتكويمهم؟ عمل دقيق ومنظم، يعكس ثقافة الإبادة، لذلك كان الرئيس بوش على حق عندما وصف وزير دفاعه رامسفيلد ذي الملامح النازية والصوت الأخنف البارد بأنه يقوم بعمل رائع، كلهم ورثة حقيقيون لثقافة الإبادة، إفناء الآخر والتمييز العرقي، العنصري، تلك هي الحقيقة التي تجسدها تلك الصور التي تضيف إلى تراث التعذيب، تعذيب الإنسانية ممن تجردوا من إنسانيتهم وفقدوا الصفة البشرية.

 (*) جريدة أخبار الأدب العدد 566 الأحد 26 من ربيع الأول 1425هـ/ الموافق 16 من مايو 2004م. ص3