Nouvelle page 1

فـراشات هاربة - سيرة ذاتية -

 عبد الكريم الطبال

 

الـعقـبـة الأولــــى

1931-1936

بـــطـــــاقـــــة

هل أعرفـكـم بـهويـته

وتـباريح غـفـوته

إنه..

ليس من نطـفة الـبـحـر

أو من هديل الجرار

أو سرار الـصـباح

أو عـقـيـق الـمـساء

إنـه..

ربـما يـتشـكّل

مـن كل هـذا الـبـياض

هذا الـجنون الـجـميل

 

 

أظن أحيانا أن حياتي انتهت بكليتها وتفاصيلها مع انتهاء الطفولة. فما توالى بعدها من الأيام والسنين إنما هي وقفة على الأطلال والدمن لأتذكر وأستعيد وأتخيل وأستنسخ وما أعيشه بعدها إنما أعيشه ولست أحياه وشتان بين العيش والحياة. وربما تكون الحالة مفهومة بالنسبة إلى الشاعر الذي يحاول باستمرار استعادة الطفولة في شعره من أجل أن يحيا من جديد أو من أجل أن يبعث ذاته من رفات فالأشياء والكائنات والأحاسيس والأفكار في زمن الطفولة الضائع ذات بريق خاص وذات دلالات سحرية معينة وذات نكهات روحانية غريبة. ثم تتحول هذه كلها بعد موت زمن الطفولة إلى طبائع جديدة أخرى ليس لها من السحر ما كان لها فيضطر الإنسان وخاصة  الشاعر بعد ذلك إلى التعلق بالوهم أو إلى الاستنجاد بالخيال حتى تظل كما كانت في طبائعها الأصلية الأولى.

وقد أقول بناءً على هذه الحاجة الوجودية من أجل الحياة إن الشاعر إنسان متقاعد يعيش على ذكرى الطفولة. فمن أجل أن يظل في بؤرة الحياة يحاول بكل حاسة فيه  القبض على بعض الأحوال الهاربة المنفلتة فيستفز المخيلة بالذات من أجل السفر إلى تلك العوالم الخفية البعيدة التي قد يعود منها ببعض الخرز أو ببعض الجنون أو ببعض الضحك الصافي وقد يعود أحيانا خاوي الوفاض. وفيما يخصني كنت في كل رحلة من أجل اللقاء مع ذلك الطفل البعيد القريب أجدني في عالم مزدحم بالحلم مشحون بالضوء تبدأ جغرافيته الحسية أو الترابية بقمة الجبل الصغير الذي يطل على مدينة (الشاون) وتنتهي بـ"عَقَبة السُّوَيْرْ" القريبة جدا من النهر ثم لا مكان ولا زمان خارج هذا العالم الصغير. فهنا داخل هذا الحيز الضيق تدحرج هذا الطفل لأول مرة على الأرض. وهنا تعرف كذلك لأول مرة على الأم والأب والأخت أو أقانيم الروح الثلاثة. ولا أحس حتى الآن بأي عنت إذ أشاء النبش في حفريات الطفولة بل أحيانا لا أشاء ومع ذلك تنثال على الذاكرة من الماضي الجميل الصور والأحداث والأسماء فبمجرد لقاء عابر مع صديق قديم أو مجرد مرور أمام "الكتاب"القديم يكفي في إزاحة الستار فتتزاحم الصور على الذهن واحدة تلو أخرى في تتابع وتساوق قد يكون وفق ما وقع وقد لا يكون وكلها أو جلها موسومة بالغرابة وموشومة بالدهشة انطبعت في الكيان منذ شهودها الأول ثم رسخت على مر السنين وقد تكون خضعت لتأثير الزمن المتجدد ولتغير شخصية الطفل في مراحل نموه ونضجه ولكن من دون انمحاء الأصل أو انبهامه. فالطفل الذي هو اللحظة في خريفه لا يزال يتقمص ذاته الغابرة وكأنه لم يفترق عن ذلك الجسد السابق وكأنه لا يزال إلى حد اللحظة ذلك الطفل الأسمر النحيل في سن الخامسة مَلْفُوفاً في جلباب صوفي قصير على مقاسه يلهو ويلعب في ذلك البيت البعيد القريب في "عقبة السوير" وليس له من الأصدقاء في أول الأمر سوى ذلك القط الأشهب الأزرق العينين فمعه سيؤسس أول علاقة صداقة مشتركة. ومعه سيذوق طعم المعاشرة الروحية فيعزه ويدلـله بالربت على جبهته أو بمداعبته أو بتقديم فضلات الطعام إليه. وكم كان يحلو له السمر معه في ليالي المطر والصقيع فيتحلقان معا حول المنقل حتى يسري في أطرافهما الدفء. وفي نفس الوقت يصغيان معا إلى إيقاعات المطر على عتبة الغرفة وإلى هزيع الريح إلى أن يرنق أجفانهما النعاس فيستسلمان في بطء وينطبق الجفن على الجفن ثم يسقطان معا هو على مرتبته والقط في جلسته حيث هو غير بعيد عن مرتبته التبنية في حين يكون الأب والأم استقلا مرتبة واحدة مشتركة مخفيين جسديهما شبه العاريين تحت لحاف صوفي مزركش وفي نفس الطفل شيء عن هذه المشاركة الاثنية.