|
إلى يوسف الخال في "البئر المهجورة" |
|
ميخائيل نعيمة |
|
ما كنت أريد لك –وأنت الشاعر- أن تستهلّ مجموعتك الشعرية الجديدة "البئر المهجورة" بمثل هذه الضراعة لشاعر آخر يدعى عزرا باوند: سألناك ورقة تينفإنا عراةٌ، عراة أثمنا إلى الشعر فاغفر لنا وردَّ إلينا الحياة. فمن هو عزرا باوند –على شهرته- لتستغفره آثامك وآثام غيرك إلى الشعر؟ ومن هو ليردَّ إليك وإلى رفاقك الحياة؟ ألعلكم "كنتم أمواتا فأحياكم" ألعلّه ربّ الشعر الذي خلَت من قبله ومن بعده الأرباب- الربّ الذي لا شريك له في ربوبيّته؟ جميل أن تجلّ من تعتبره فوقك..وقبيحٌ أن تستهين بنفسك وبالذين لا يبصرون أحجام الأشياء والرجال بعينك. وجميل أن تؤمن بأن الشعر الذي ينزلق عن قلمك ينزلق عن قلبك أيضا. وغير جميل أن تنادي بأن الينبوع الذي تستقي منه شعرك هو وحده الينبوع الأصيل، الصافي. كأني بك وبالذين يلتفون معك حول مجلّة "شعر" في نشوة من الاعتزاز بما تبدعون. وكأني بكم تقولون للذين سبقوكم، وللذين سيأتون بعدكم: هكذا يجب أن يكون الشعر. أمّا النشوة فلا أستغربها بل لعلّني كنت أستغرب فقدانها. فهي في طبيعة كلّ انتفاضة –مهما تكن قوّتها- على القديم إذا تحجّر. وأما الغرور الذي يرافقها فأعيذكم منه. إنه غرور اللقلق وقد رأى ظلّه البعيد الهائل عند بزوغ الشمس. فما إن بلغت الشمس السمت حتى تقلص الظلّ فكاد يتلاشى. إنما الأزياء البيانية ظلال لا تستقرّ على حال. والمستقرّ هو الإنسان وحاجته إلى التعبير عن كيانه. والكلمة التي يُعبّر بها تتسع وتضيق، وتتمدد وتتقلص، وتتخذ شتى المعاني والألوان في شتى الظروف والمناسبات، ولأن الظروف التي يمرّ بها هذا الجيل هي غير التي مرّ بها الجيل الذي قبله فلا عجب أن تختلف الأزياء البيانية عند الاثنين. والعجب في أن يغترّ أي جيل بأزيائه البيانية فيحسب أن في مستطاعه فرضها على الأجيال الآتية –وإلى الأبد. وأمر آخر أعيذكم منه : هذا الولع الجارف بالتحليل والتعليل والدعاية وقتل الوقت في المماحكات النظرية حول الشعر. إنك شاعر –وأنا أشهد بشاعريّتك. فانظم كيفما طاب لك النظم ودع الزمان يقول : Ecce poeta كما قال بيلاطس في المسيح : Ecce homo ثم دع التحليل والدعاية والمماحكات النظرية لغيرك. ذلك أجدى وأليق بالشعر والشاعر. أما أن تخاطب قارءك بلسان الشاعر فتقول : "وحين تصعد الذرى –وقلما – تبصرني هناكا تضممني. تلمسني يداكا تصير بي ذاك الذي براكا"؟فالشاعر الذي يتألّه به قارؤه كيف يرضى أن يغرق في المماحكات مع قارئه؟ وعليك وعلى شعرك أطيب السلام. بسكنتا 17-5-1958. من كتاب "في الغربال الجديد" ص268-270.
|