|
الأدب الإسلامي والمجتمع. |
|
د. محمد علي غوري(*) - باكستان |
|
إن مصطلح "الأدب الإسلامي " مصطلح جديد، نشأ كرد فعل على تطرف بعض المذاهب الأدبية مثل المذهب الاشتراكي أو الماركسي والمذهب الطبيعي في الأدب. ولكن الأدب الإسلامي في حد ذاته قديم قِدم الإسلام نفسه، فهو وسيلة من أهم وسائل الدعوة إلى دين الإسلام، وإلى التمسك بأهدابه وإبراز محاسنه وفضائله ترغيبا للناس للدخول فيه، وهو كذلك وسيلة من وسائل الدفاع عن بيضته، فقد شجع النبي e عليه حين قال :" إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكما " رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام أيضا :" ما يمنع القوم الذين نصروا الله ورسوله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم" حاثاًّ بذلك كلا من حسّان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة على أن ينصروه بالشعر، وذلك لما للكلمة من تأثير ربما يفوق السيوف. وقال uموجها الخطاب إلى حسان بن ثابت :" إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله " وقد استخدم القرآن والرسول e الفن القصصي أروع استخدام وأنجحه في كثير من المواضع. يرى الدكتور أحمد بسام ساعي –وهو من نقاد الأدب الإسلامي – إن "الأدب انتقل على المستوى العالمي من كلاسيكي رسمي يبتعد عن واقع الطبقات الأكثرية الاجتماعية إلى رومانتيكي يقترب منها ولكن بخياله دون عقله ويتوجه إلى عواطفها دون تفكيرها، إلى واقعي يلتصق بحقائق الحياة التصاقا كان سلبيا في البداية، لأنه يهدم بدلا من أن يبني، كما في الواقعية الفرنسية في القرن الماضي ليتحول في هذا القرن إلى التصاق إيجابي، لكن يرتكز إلى الفكر المادي للإنسان مذهبا في الحياة، ويغفل فيه الجوانب الروحية ذات الطاقات الإنسانية الهائلة، وكانت هذه آخر صيحة من صيحات الواقعية في الأدب "(1) ويضيف قائلا :" لقد امتاز الأدب العربي على الآداب الأخرى منذ الجاهلية بواقعيته المحبّبة، تلك الواقعية التي جعلت بعض المستشرقين يتهمونه ظلما بالسطحية والافتقار إلى الخيال العميق والفلسفة المتكاملة. وحين جاء الإسلام كرس تلك الواقعية، ولكنه دعا إلى تشذيبها، فدعا الشعراء إلى الصدق مع أنفسهم ومجتمعهم، ونهاهم أن يقولوا ما لا يفعلون "(2) وأول من دعا إلى هذا الاتجاه هو سيد قطب، وذلك من خلال جريدة الإخوان المسلمون التي كان يرأس تحريرها في القاهرة بدءا من عام 1952م، وكان يشرف على باب الأدب فيها، وفي عام 1961م أخرج محمد قطب كتابا بعنوان " منهج الفن الإسلامي " استجابة لدعوة شقيقه، تناول فيه جميع قضايا الفن من وجهة النظر الإسلامية، ثم تلاه الدكتور نجيب الكيلاني فقدم في عام 1963 م كتابه "الإسلامية والمذاهب الأدبية" متجها في دراسته وجهة أدبية، جمعت بين النظرية والتطبيق، ثم جاء الدكتور عماد الدين خليل من العراق، فخطا خطوة رائدة متقدمة، فأهدى المكتبة العربية الإسلامية كتابه "في النقد الإسلامي " عام 1972م، والكتاب عبارة عن مجموعة من بحوث ومقالات في النقد للأعمال الأدبية في ضوء الإسلام، وبذلك فتح الباب واسعا أمام الكتّاب الإسلاميين للكتابة، حتى كان انعقاد "الندوة العالمية للأدب الإسلامي " بمبادرة من الشيخ أبي الحسن الندوي –من الهند- في شهر أبريل من عام 1981م، في مدينة لكهنو، وقد أوصت الندوة في ختام جلساتها بعدة توصيات، كان من ضمنها : دعوة الباحثين إلى إبراز مفهوم الأدب الإسلامي، وكتابة تاريخ الأدب العربي وفقا للنظرة الإسلامية الصحيحة. ثم جاء دور جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فأصبحت رائدة هذا المجال حتى يومنا هذا، ولا ينكر دور الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والجامعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم في هذا الصدد.(3) إن نقاد الأب الإسلامي يدعون إلى الاستفادة من المدارس النقدية الغربية واتجاهاتها الأدبية، وأشكالها وقوالبها للفنون المختلفة، ولكن دون التقيد بها، نأخذ منها ما يصلح لنا، وندع ما يضر (4) يتوهم البعض أن الأدب الإسلامي يعيش في أحضان الماضي فقط، وأنه ضد الانطلاق، فعزلوه عن واقع الحياة والمجتمع وعن قضايا العصر ومشاكله وعن آلام الإنسان وآماله. يقول هؤلاء إن الأدباء الإسلاميين لا حديث لهم إلا عن التاريخ لذا اتهموه بالرجعية، ربما كان صحيحا رجوع الأدباء الإسلاميين إلى التاريخ أكثر من غيره وذلك لارتباط الأدب الإسلامي بأصول ثابتة وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ثم بحياة الصحابة وتابعيهم، حيث أن خير القرون قرن الرسول e، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، لذا كان لا بد من الرجوع إلى الوراء للاستنارة بمواقف وحوادث العصور الإسلامية الأولى، والاسترشاد بها في حل مشاكل العصر التي لا تكون غائبة أبدا عن عين الأديب الإسلامي. كما أن كثيرا من أدباء الغرب جعلوا من التاريخ موضوعا لقصصهم، ومن هؤلاء سارتر الذي تناول أسطورة أوديب في قصته "الذباب" (5) وهناك فئة متزمتة حسنة النية لا يعد الأدب إسلاميا عندها إلا إذا علت فيها نبرة الإسلام والإسلامية، فهؤلاء ربما أضروا بالأدب من حيث لم يعلموا، كما نجد من أمثال أولئك من يفرض حظرا على بعض الموضوعات مثل المرأة والجنس.(6) إن الأدب من خلال التصور الإسلامي يرتبط أشد الارتباط بالمجتمع ومشاكله، ويساير ما يطرأ على المجتمع من تغيير، فعلاقة الأدب الإسلامي بالمجتمع علاقة وطيدة، تستمد خيوطها من التصور الإسلامي للعالم، فالأدب الإسلامي لا ينظر إلى المجتمع نظرة دونية أو نظرة تحد، فالأدب الإسلامي –كما يعرّفه محمد قطب – هو "التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصور الإسلام لهذا الوجود " (7) فالأديب –أيا كان اتجاهه- إنما يعكس فهمه للمجتمع (8) وقد "وضع الإسلام ضوابط وأطرا عامة لمسيرة المؤمن في نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، وفي تناوله لقضايا المجتمع ومشاكله، وفي علاقات الإنسان وممارساته " (9) وفيما يتعلق بقضية الالتزام –وهذا المصطلح ظهر في الأدب الشيوعي واستخدم لاحقا في الأدب الإسلامي، ولكن يبدو أنه يراد له الآن أن يختفي – (10) فليس هناك مجال محرّم على الأديب الإسلامي، وفكرة الالتزام بالإسلام لا تعني أن يعيش الأدباء المسلمون إحساسا واحدا واهتمامات متشابهة وتصورات وانفعالات نفسية واحدة، إن وحدة الفكر لا تعني أبدا وحدة الفن، فالأديب أولا وأخيرا هو ابن ذاته "(11) ولكن من الخطير أن يكون الأديب المسلم فقيرا في معرفته لعقيدته ودينه وتاريخه، يريد أن ينتج أدبا إسلاميا وهو لا يعرف الحلال من الحرام "(12) تعتبر قضية المرأة والجنس من أهم الموضوعات في جميع المذاهب والاتجاهات الأدبية، فهناك كتاب لا همّ لهم إلا هذا الموضوع، يتفنّنون في عرضه، لما له من وقع مثير في نفوس القراء، حتى إنه " إذا برزت المرأة في أي عمل أدب انصرف الذهن مباشرة إلى غريزة الجنس، وإلى الحب بمعناه المحدود."(13) والآداب العالمية تركز على هذا الجانب أكثر من غيره، وكذلك لا يمكن للأدب الإسلامي أن يتجاهل المرأة ودورها، فهي نصف المجتمع، ولها مشاعر وأحاسيس مثلها مثل الرجل تماما. والأدب الإسلامي حين يتناول موضوع المرأة يحاول ألا ينزع بالقارئ منازع الفتنة والإغراء بارتكاب المعاصي، وهذا الأمر ليس سهلا فهو يتطلب من الأديب كثيرا من الحكمة وكثيرا من الحيطة. يرى البعض أنه يجب الاقتصاد عند عرض الشر، أو عند الحديث عن الجنس، وأنه من الأفضل أن يرمز إليه، ولكن الدكتور نجيب الكيلاني يرى أن القضية هنا ليست قضية كمّ أي عدد الكلمات والسطور، بل القضية قضية كيف، كيف يعرض الأديب المشكلة، ربما تطلب إثارة النفور لدى القارئ عددا هائلا من الكلمات والسطور.(14) إذا سلمنا بوجود الأدب الإسلامي كمذهب أو اتجاه، فلا بد من قبول ما يمكن أن نطلق عليه المسرح الإسلامي والقصة الإسلامية وما إلى ذلك. والقصة الإسلامية مثلها مثل الأدب الإسلامي ككل، وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية أو سلاح للدفاع عنها، على الأدباء المسلمين أن يستعينوا بها،ولكن يبدو أنهم مقصرون في هذا الأمر، والسبب في ذلك أن بعض الدعاة يسيء الظن بهذا النوع الأدبي، (15) لذا نجدهم يعزلونه عن المجتمع الإسلامي المنشود، بل حتى المجتمع الذي يعيشون فيه. إن فن القصة في الأدب الإسلامي قديم، فقد دعا إليه ربنا U في كتابه العزيز حين وجه الخطاب إلى رسوله الكريم e قائلا:" فاقصص القصص لعلهم يتفكرون" سورة الأعراف الآية 176، ويقول U:" نحن نقص عليك أحسن القصص " سورة يوسف الآية 3. والقصص هنا ليست للتسلية بل للتفكير والاتعاظ، فنرى الرسول e يصدع بما يؤمر، ويروي كثيرا من القصص –متأسيا بالقرآن الكريم نفسه – عن الأنبياء والأمم الغابرة، تعتبر جزءا من الدين، لأنه e لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فنجد في أحاديثه e قصص سيدنا إبراهيمu وسيدنا إسماعيلu وسيدنا موسىu وغيرهم من الأنبياءu، وقصص أخرى مثل قصة أصحاب الأخدود وقصة الأطفال الذين تكلموا في المهد وقصة أصحاب الغار وقصة ذي الكفل (وهي قصة رجل راود امرأة عن نفسها، فامتنعت عليه، فلما اشتدت عليها الحاجة استسلمت له، فلما همّ بها ارتعدت وبكت خوفا من الله تبارك وتعالى، فارتعد لارتعادها وكفّ عنها وتاب وأناب" (16) يقول توفيق الحكيم في كتابه فن الأدب " : لقد استخدم القرآن الكريم الفن القصصي في التعبير عن المرامي الدينية، ولكن المدهش أن الأدب العربي لم ير في القرآن الكريم إلا نموذجا لغويا ولم ير فيه النموذج الفني، فلم يخطر له استلهام قصصه، واستغلالها استغلالا فنيا مستفيضا (17). ومن الذين استلهموا من القصص القرآني وما رواه النبي e الكاتب الإسلامي المعروف سيد قطب الذي يدعو إلى القصة الإسلامية قائلا في مقدمة المجموعة القصصية التي كتبها أحمد عبد الغفور عطا تحت عنوان "أريد أن أرى الله" : "إننا نقصر في حق أنفسنا وحق آدابنا وحق مشاعرنا الأصيلة حين نتوجه بالنقل والترجمة دائما إلى المكتبة الأوروبية ونهمل التوجه إلى الشرق، الشرق العميق الأصيل ذي النكهة الروحية والعطر الشذي "(18) والدكتور نجيب الكيلاني الذي أنتج عدة قصص مثل "عذراء جاكرتا" و"عمالقة الشمال"، بينما امتاز علي أحمد باكثير بالقصص التاريخية، على رأسها رواية "وإسلاماه"، والشيخ علي الطنطاوي ومجموعته التي عنونها بـ"قصص من التاريخ"، وآخرون. بقي أن نعرف مكانة الأدب الإسلامي في الدين الإسلامي. لقد وظَّف القرآن الكريم كما وظَّف الرسول e فنون الأدب لتهذيب الناس وتطهير أفكارهم وتزكية نفوسهم، فهو وسيلة من الوسائل، وسيلة مجردة في ذاتها، لا هي خير ولا هي شر، فإذا استخدمت لتحقيق أهداف نبيلة وسامية كانت خيرا، وإذا استخدمت لأجل أهداف شريرة فهي شر، ليست هناك نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية قاطعة تلزم الأدباء بأن لا يكتبوا إلا عن الإسلام، ولا يصدروا إلا عن أصوله فيما يكتبون، لأن القرآن الكريم كتاب هداية وليس كتاب أدب أو نقد، ولأن الأدب بطبيعته يحب الانطلاق، ولا يمكن أن يتنفس إلا في جو حرّ، وهو يرفض الإلزام مهما كان نوعه ومهما كان قدره، ولكن لا مناص من التسليم بأن الأديب نتاج بيئته ومجتمعه، ولا نستطيع أن ننكر أثر البيئة في تكوين الخلفيات التي ينطلق منها الأديب، وهكذا فالأديب الذي يعيش في جو ديني، والذي يتشبع بالدراسات الإسلامية لا بد أن يظهر ذلك كله في أدبه، وهذا هو الالتزام، لأنه ينبعث من داخل الأديب نفسه، وأما الإلزام فيكون من الخارج، حين تفرض السلطة أو الحزب، أيا كان الاسم- على الأديب اتجاها محددا أو موضوعات معينة، كما يفعل الكيان الصهيوني مع أدبائه. ولكن- وهذا ما يتفق عليه أدباء أكثر المذاهب والاتجاهات الأدبية- يجب أن لا يصبح الأدب أداة في أيدي المفسدين والشريرين ليزينوا المساوئ، ويفسدوا الطباع، ويرغبوا الناس في المعاصي. وليس شرطا كذلك أن يدعو إلى الفضائل لأن ذلك حينئذ يعتبر نوعا من القيد ربما أرهق الأديب وجعله يصطنع ما يقول أو ما يكتب. كل ما ذكرته لا يعني أن ننكر وجود الأدب الإسلامي، فالأدب الإسلامي اتجاه ضمن اتجاهات عديدة امتلأ بها التاريخ، ظهر نتيجة اجتهاد بشري يهدف إلى استخدامه كوسيلة. فالأدب الإسلامي من هذا المنطلق يعني استخدام الأدب بكل فنونه وأنواعه للدعوة إلى الإسلام، وتحقيق أهدافه السامية، والارتفاع بالإنسان إلى المستوى المطلوب.
|
الهوامش(*) الدكتور محمد علي غوري : أستاذ حاصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية في باكستان، في الأدب الإسلامي. (1) الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد، د. أحمد بسام ساعي ص 7، دار المنار للنشر، ط1، السعودية، (جدة) 1985م. (2) المرجع السابق، ص 7-8. (3) "من قضايا الأدب الإسلامي" د. صالح آدم بيلو، دار المنار للنشر، السعودية (جدة)، ط1 1985م، ص 7-10. (4) على هامش الحوار حول الأدب الإسلامي، محمد حسن بريغش، مقال ضمن كتاب "الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد". أحمد بسام ساعي ص 248. (5) "مدخل إلى الأدب الإسلامي " نجيب الكيلاني، كتاب الأمة، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، ط1، 1407هـ ص 104. – (6) المرجع السابق ص 100. (7) منهج الفن الإسلامي، محمد قطب، دار الشروق، ط6، 1983، ص6. (8) عز الدين إسماعيل "الأدب وفنونه" دار الفكر العربي، القاهرة، 1977م، ص 44. (9) "مدخل إلى الأدب الإسلامي"، د.نجيب الكيلاني، ص 105. (10) محاضرات في "اتجاهات النقد الأدبي الحديث " د. رجاء عبد المنعم جب، ألقاها على طلبة الدكتوراه، بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، العام الدراسي 96-97. (11) "الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد" د.أحمد بسام ساعي ص 35. (12) "على هامش الحوار حول الأدب الإسلامي " محمد حسن بريغش، ص246، مقال. (13) مدخل إلى الأدب الإسلامي " د. نجيب الكيلاني، ص 107.- (14) المرجع السابق، ص 110-111. (15) "نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد " د.عبد الرحمن رأفت الباشا، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1985م، ص 181-182. (16) المرجع السابق، 184. (17) المرجع السابق، 189-190.
|